Skip to Content
الجمعة 22 ذي الحجة 1440 هـ الموافق لـ 23 أغسطس 2019 م

ردود وتعقيبات رقم: ١٧-٣

الحقُّ المبين
في كشف شبهاتٍ مِنْ عقائد التجانيين
[الجزء الثالث]
[إدارة الموقع]

 الفصل الرابع: عقيدة التجانيين في اليوم الآخر

اعتقادهم أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ضَمِن للتجاني وأتباعِه الجنَّة:

زَعَم التجاني أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ضَمِن له ولأتباعه دخولَ الجنَّة بغير حسابٍ ولا عقابٍ، ولو عملوا مِنَ الذنوب والمعاصي ما عملوا، وهذه بعضُ النصوصِ التي وَرَدَتْ في كُتُبِ التجانيِّين توضِّح ذلك:

ـ قال مؤلِّف «جواهر المعاني»: «اطَّلَعْتُ على ما رسمُه وخطُّه ونصُّه: ..أسأل مِنْ فضلِ سيِّدنا رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَنْ يضمن لي دخولَ الجنَّة بلا حسابٍ ولا عقابٍ في أوَّل الزمرة الأولى، أنا وكُلُّ أبٍ وأمٍّ ولدوني مِنْ أبويَّ إلى أوَّلِ أبٍ وأمٍّ لي في الإسلام مِنْ جهةِ أبي ومِنْ جهةِ أمِّي، مِنْ كُلِّ ما تَناسَل منهم مِنْ وقتهم إلى أَنْ يموت سيِّدُنا عيسى بنُ مريم مِنْ جميع الذكور والإناث.. وكُلُّ مَنْ أحسن إليَّ بإحسانٍ حِسِّيٍّ أو معنويٍّ مِنْ مثقالِ ذرَّةٍ فأَكْثَرَ.. وكُلُّ مَنْ لم يُعَادِني مِنْ جميعِ هؤلاء، وأمَّا مَنْ عاداني وأبغضني فلا، وكُلُّ مَنْ والاني واتَّخذني شيخًا أو أخَذ عنِّي ذِكرًا، وكُلُّ مَنْ خدمني أو قضى لي حاجةً.. وآباؤهم وأمَّهاتُهم وأولادهم وبناتُهم وأزواجهم.. يضمن لي سيِّدُنا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولجميعِ هؤلاء أَنْ نموت وكُلُّ حيٍّ منهم على الإيمان والإسلام»، ثمَّ قال: «كُلُّ ما في هذا الكتابِ ضمِنْتُه لك ضمانةً لا تتخلَّف عنك وعنهم أبدًا إلى أَنْ تكون أنت وجميعُ مَنْ ذكَرْتَ في جِواري في عليِّين، وضمِنْتُ لك جميعَ ما طلَبْتَه منَّا ضمانًا لا يُخْلَفُ عليك الوعدُ فيها، والسلامُ»، ثمَّ قال: «وكُلُّ هذا واقعٌ يقظةً لا منامًا»(١).

ـ ونَقَل مؤلِّفُ كتابِ «رماح حزب الرحيم» عن التجاني قوله: «..وليس لأحَدٍ مِنَ الرجال أَنْ يُدْخِل كافَّةَ أصحابه الجنَّةَ بغير حسابٍ ولا عقابٍ ولو عملوا مِنَ الذنوب ما عملوا وبلغوا مِنَ المعاصي ما بلغوا إلَّا أنا وَحْدي، ووراءَ ذلك ما ذكر لي فيهم وضمنه لهم صلَّى الله عليه وسلَّم أمرٌ لا يَحِلُّ ذِكْرُه ولا يُرى ولا يُعْرَف إلَّا في الآخرة»(٢).

شبهاتهم:

ليس للتجانيِّين ما يستندون إليه في زعمهم ضمانَ الجنَّة لأتباعهم إلَّا نصوصٌ عامَّةٌ أنزلوها بأهوائهم على شيخ الطريقة وأتباعه، ومِنْ ذلك:

ـ حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنَّةَ بغير حسابٍ ولا عذابٍ(٣)، وفي بعضِ روايات الحديث أنَّ مع السبعين ألفًا زيادةً كما في حديثِ أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعًا: «وَعَدَنِي رَبِّي سُبْحَانَهُ أَنْ يُدْخِلَ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا لاَ حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلاَ عَذَابَ مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا وَثَلاَثَ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ»(٤)، قال محمَّد الحافظ التجاني: «وفي حثيةٍ مِنْ حثيات الحقِّ يدخل التجاني وأحبابُه وأصحابه وأكثرُ منهم، اللَّهُمَّ إلَّا إِنِ اجترأ مُفْتَرٍ على الله فحدَّها بحدٍّ أو قدَّرها بقدرٍ لا دليلَ فيه إلَّا رأيٌ سخيفٌ ما أَنْزَلَ اللهُ به مِنْ سلطانٍ»(٥).

ـ وبحديث: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ»(٦)، قال محمَّد الحافظ التجاني: «وقد سأل ذلك لنَفْسِه وأحبابه، فهل اطَّلَعْتَ على أنَّ الله لم يَستجِبْ له»(٧).

الجواب:

إنَّ الاستدلال بحديثِ السبعين ألفًا في غيرِ محلِّه؛ إذ غايةُ ما يدلُّ عليه أنَّ أناسًا مِنْ أُمَّة محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم يدخلون الجنَّةَ بغير حسابٍ ولا عذابٍ، وليس فيه دليلٌ على ضمان الجنَّة لأحَدٍ مُعيَّنٍ، والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لمَّا سُئِل عن السبعين ألفًا أجاب صلَّى الله عليه وسلَّم بذِكْرِ صِفَاتِهم وأنهم: «لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَلُونَ»(٨)، ولم يخصِّصْ ذواتِهم وأسماءَهم، فمِنْ أين للتجانيين أنهم هم قطعًا؟ أو أنهم مِنْ حثيات الله سبحانه وتعالى؟ اللَّهُمَّ إلَّا التألِّي على الله بغير علمٍ.

وأمَّا حديثُ سؤالِ الله الفردوسَ فليس فيه أيُّ دلالةٍ على ما أراد التجاني مِنْ ضمان الفردوس له ولأتباعه، وإنما فيه حثُّ المكلَّفين على سؤالِ ذلك طمعًا في فضلِ الله ورضوانِه، والتجاني لم يقتصر على الدعاء فقط بل تعدَّى إلى الضمان، وما استفهم به بقوله: «فهل اطَّلَعْتَ أنت على أنَّ الله لم يستجب له» يُقابِله استفهامٌ أقوى منه، «وهل اطَّلعتَ على أنَّ الله استجاب دعاءَه»؛ فإنَّ إدخالَ العبادِ الجنَّةَ مِنْ خصائص الربوبية لا يُشارِك فيها مَلَكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ، يُدْخِل سبحانه مَنْ يشاء الجنَّةَ بفضله، ويمنعها مَنْ يشاء بعدله، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٤٦ [فصِّلت]، والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يضمن لأصحابه ما ضَمِن التجاني لأتباعه، وهم الذين اصطفاهم اللهُ لصحبةِ نبيِّه، وبذلوا النفسَ والنفيس، وهجروا الأوطانَ والخِلَّانَ في سبيل الله، بل كان صلَّى الله عليه وسلَّم يرجو لهم الخيرَ ويحثُّهم على العمل الصالح والإكثارِ منه ليكون سببًا في دخولهم الجنَّةَ كما في حديثِ ربيعة بنِ كعبٍ الأسلميِّ رضي الله عنه قال: «كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي: «سَلْ»، فَقُلْتُ: «أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ»، قَالَ: «أَوَغَيْرَ ذَلِكَ؟» قُلْتُ: «هُوَ ذَاكَ»، قَالَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ»»(٩).

قال المناوي ـ رحمه الله ـ: «وفيه أنَّ مرافقة المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم في الجنَّة مِنَ الدرجات العالية التي لا مطمعَ في الوصول إليها إلَّا بحضور الزُّلفى عند الله في الدنيا بكثرة السجود، انظر أيُّها المتأمِّلُ في هذه الشريطةِ وارتباطِ القرينتين لتقفَ على سرٍّ دقيقٍ؛ فإنَّ مَنْ أراد مرافقةَ الرسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم لا يناله إلَّا بالقرب مِنَ الله، ومَنْ رام قُرْبَ اللهِ لم يَنَلْه إلَّا بقُرْبِ حبيبه؛ ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ [آل عمران: ٣١]: أوقع متابعةَ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم بين المحبَّتين؛ وذلك أنَّ محبَّةَ العبدِ منوطةٌ بمتابعته، ومحبَّةَ اللهِ العبدَ متوقِّفةٌ على متابعةِ رسولِه صلَّى الله عليه وسلَّم»(١٠).

وقد تَجاسرَ التجاني وضَمِن الجنَّةَ لمَنِ اتَّبعه ولو بلغوا مِنَ المعاصي ما بلغوا وعملوا مِنَ الذنوب ما عملوا، وادَّعى أنها خصيصةٌ له وَحْدَه دون سائرِ عبادِ الله، وهو بذلك يدَّعي لنفسه مِنَ المراتب ما هو أعلى مِنْ مرتبة الأنبياء ـ وكفى بهذا ضلالًا ـ وأنه أُوتِيَ ما لم يُؤتَه أولو العزم مِنَ الرُّسُل؛ فإنَّ موسى عليه السلام الذي وَصَفه اللهُ بقوله: ﴿وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهٗا ٦٩ [الأحزاب] امتنع أَنْ يضمن لعجوزِ بني إسرائيلَ ما ليس له به أمرٌ حتَّى أوحى اللهُ إليه به؛ ففي الحديثِ أنَّ «مُوسَى عليه السلام لَمَّا سَارَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ ضَلُّوا الطَّرِيقَ فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» فَقَالَ عُلَمَاؤُهُمْ: «إِنَّ يُوسُفَ عليه السلام لَمَّا حَضَرَهُ المَوْتُ أَخَذَ عَلَيْنَا مَوْثِقًا مِنَ اللهِ أَنْ لَا نَخْرُجَ مِنْ مِصْرَ حَتَّى نَنْقُلَ عِظَامَهُ مَعَنَا»، قَالَ: «فَمَنْ يَعْلَمُ مَوْضِعَ قَبْرِهِ؟» قَالَ: «عَجُوزٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ»، فَبَعَثَ إِلَيْهَا فَأَتَتْهُ فَقَالَ: «دُلِّينِي عَلَى قَبْرِ يُوسُفَ»، قَالَتْ: «حَتَّى تُعْطِيَنِي حُكْمِي»، قَالَ: «وَمَا حُكْمُكِ؟» قَالَتْ: «أَكُونُ مَعَكَ فِي الجَنَّةِ»، فَكَرِهَ أَنْ يُعْطِيَهَا ذَلِكَ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ أَنْ: «أَعْطِهَا حُكْمَهَا»، فَانْطَلَقَتْ بِهِمْ إِلَى بُحَيْرَةٍ: مَوْضِعِ مُسْتَنْقَعِ مَاءٍ فَقَالَتْ: «أَنْضِبُوا هَذَا المَاءَ»، فَأَنْضَبُوهُ فَقَالَتْ: «احْتَفِرُوا»، فَاحْتَفَرُوا فَاسْتَخْرَجُوا عِظَامَ يُوسُفَ، فَلَمَّا أَقَلُّوهَا إِلَى الأَرْضِ وَإِذَا الطَّرِيقُ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهَارِ»(١١)، ورسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم صاحبُ الشفاعةِ العظمى صرَّح أنه لا يُغني عن قرابته مِنَ الله شيئًا إذا لم يُزَكُّوا أَنْفُسَهم بالإيمان والعمل الصالح، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين أنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ ٢١٤ [الشعراء]: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ـ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا ـ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا»(١٢).

وصرَّح صلَّى الله عليه وسلَّم أنه لا يعلم ما يُجازَى به أصحابُه رضوانُ الله عليهم، فقَدْ روى البخاريُّ عن خارجةَ بنِ زيدٍ الأنصاريِّ(١٣): «أَنَّ أُمَّ العَلَاءِ: امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِمْ قَدْ بَايَعَتِ النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَخْبَرَتْهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ طَارَ لَهُ سَهْمُهُ فِي السُّكْنَى حِينَ أَقْرَعَتِ الأَنْصَارُ سُكْنَى المُهَاجِرِينَ»، قَالَتْ أُمُّ العَلَاءِ: «فَسَكَنَ عِنْدَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَاشْتَكَى فَمَرَّضْنَاهُ حَتَّى إِذَا تُوُفِّيَ وَجَعَلْنَاهُ فِي ثِيَابِهِ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فَقُلْتُ: «رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللهُ»، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللهَ أَكْرَمَهُ؟»، فَقُلْتُ: «لَا أَدْرِي بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَمَّا عُثْمَانُ فَقَدْ جَاءَهُ ـ وَاللهِ ـ اليَقِينُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الخَيْرَ، وَاللهِ مَا أَدْرِي ـ وَأَنَا رَسُولُ اللهِ ـ مَا يُفْعَلُ بِهِ»، قَالَتْ: فَوَاللهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا، وَأَحْزَنَنِي ذَلِكَ، قَالَتْ: فَنِمْتُ فَأُرِيتُ لِعُثْمَانَ عَيْنًا تَجْرِي، فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: «ذَاكَ عَمَلُهُ»».

فأين هذا مِنْ ضمان التجاني لأصحابه الجنَّةَ شريطةَ أَنْ لا يصدر منهم سبٌّ ولا بغضٌ ولا عداوةٌ للطريقة وشيخِها؟

وازداد تطاوُلُ التجاني بُعدًا حين ادَّعى أنَّ «مَنْ أَخَذ الوِرْدَ المعلوم الذي هو لازِمُ الطريقِ أو عمَّنْ أذِنْتُه يدخل الجنَّةَ هو ووالداه وأزواجُه وذرِّيَّتُه المنفصلةُ عنه لا الحَفَدة بلا حسابٍ ولا عقابٍ، بشرطِ ألاَّ يصدر منهم سبٌّ ولا بغضٌ ولا عداوةٌ، وبدوامِ محبَّة الشيخ بلا انقطاعٍ إلى الممات..»(١٤).

وادِّعاؤه هذا يدلُّ على أنَّ قراءة الوِرْد أفضلُ مِنْ قراءة القرآن؛ ذلك أنَّ هذا المَقامَ الذي ادَّعاه التجاني لقارئ الوِرْد لم يحصل لحاملي القرآن، بل دلَّ الكتابُ والسنَّة على أنَّ كثيرًا مِنْ حَمَلةِ القرآن يدخلون النارَ، بل إنَّ بعضَ حَمَلةِ القرآن مِنْ أوَّلِ مَنْ تُسَعَّرُ بهم النارُ يوم القيامة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: «فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟» قَالَ: «قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ»، قَالَ: «كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ»، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: «فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟» قَالَ: «تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ»، قَالَ: «كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ»، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: «فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟» قَالَ: «مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ»، قَالَ: «كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ»، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ»(١٥)؛ فهذا قارئٌ للقرآن وهو مِنْ أوَّلِ مَنْ تُسَعَّر بهم النارُ يوم القيامة لكونه كان مُرائِيًا بقراءته والعياذُ بالله، أمَّا قارئ الوِرْد التجاني فإنه يدخل الجنَّةَ بلا حسابٍ ولا عقابٍ ولو عَمِل مِنَ المعاصي ما عَمِل بشرطِ ألَّا يصدر منه سبٌّ ولا بغضٌ بجانب الشيخ!!، نعوذ بالله مِنَ الخذلان.

وفي قوله هذا تشجيعٌ على مقارفة المعاصي والذنوب؛ لأنَّ مَنْ ضَمِن له شيخُه دخولَ الجنَّةِ ولو عَمِل ما عَمِل لا يمنعه مِنِ اقتراف السيِّئات مانعٌ، وهذا مُناقِضٌ لِمَا جاءَتْ به الشريعةُ الإسلامية مِنْ أمرِ الناس بالطاعات ونهيِهم عن المعاصي ليكونوا متعبِّدين لله بالخوف والرجاء.

اعتقادهم أنَّ التجاني ضَمِن الجنَّةَ لمَنْ رآه:

وَرَد هذا القولُ في كثيرٍ مِنْ كُتُبِ التجانية القديمة والحديثة، وفيما يلي بعضٌ منها:

ـ ذَكَر مؤلِّفُ «جواهر المعاني» عن التجاني أنه قال: «..مَنْ حَصَل له النظرُ فينا يومَ الجمعة أو الإثنين يدخل الجنَّةَ بغير حسابٍ ولا عقابٍ إِنْ لم يصدر منه سبٌّ في جانبنا ولا بغضٌ ولا إذايةٌ، ومَنْ حَصَل له النظرُ في هذين اليومين فهو مِنَ الآمنين إِنْ مات على الإيمان، وإِنْ سَبَق أنه يحصل له العذابُ في الآخرة فلا يموت إلَّا كافرًا؛ فهذا ما يمكن إعلامُكم به في هذا الوقت، وفي وقتٍ آخَرَ يفعل اللهُ ما يشاء»(١٦).

والتجانيون يؤمنون بذلك ويصدِّقونه:

ـ قال مؤلِّفُ كتابِ «رماح الحزب الرحيم»: «..رأيتُ شيخَنا التجاني رضي الله عنه وأرضاه وعنَّا به في واقعةٍ مِنَ الوقائع وبيده حُلَّةٌ مِنْ نورٍ وقال لي رضي الله عنه وأرضاه وعنَّا به: مَنْ رأى هذه الحُلَّةَ دَخَل الجنةَ، ثمَّ ألبسني إيَّاها رضي الله عنه»(١٧).

ـ وقال مؤلِّفُ «بغية المستفيد»: «ورأيتُ في كلامِ بعضِ مَنْ كان مشارًا إليه بالفتح مِنَ الأصحاب ما يشير إلى أنَّ المختصَّ برائيه في اليومين هو السعادةُ التي لا شقاوةَ بعدها، يعني: أنه لا يراه في هذين اليومين إلَّا مَنْ سَبَق في علم الله تعالى أَنْ يكون سعيدًا، فيدخل الكُفَّارُ في هذا الخطاب، وينسحب عليهم الحكمُ في هذا المَقامِ بفضل المَلِك الوهَّاب، فيقال: لا يراه في هذين اليومين إلَّا مَنْ يسبق في علم الله تعالى أنه يُخْتَم له بالسعادة كائنًا مَنْ كان، فإذا رآه الكافرُ في أحَدِ هذين اليومين خُتِم له بالإيمان؛ وعليه فتختصُّ الرؤيةُ المطلقة في كُلِّ يومٍ بمَنْ كان مسلمًا، سواءٌ كان مِنَ الأصحاب أم لا، حسبما هو مصرَّحٌ به في «الجواهر»، وهذه المقيَّدة باليومين بما يشمل كُلَّ مَنْ رآه ولو كان كافرًا»(١٨).

شبهتهم:

يستدلُّون على أنَّ مَنْ رأى شيخَهم دَخَل الجنَّةَ بقول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تَمَسُّ النَّارُ مُسْلِمًا رَآنِي أَوْ رَأَى مَنْ رَآنِي».

قال محمَّد الحافظ: «وقد كان السلف يحملونه على ظاهرِه ويَرْجُون ذلك الفضلَ، قال طلحةُ: «فقَدْ رأيتُ جابرًا»، وقال موسى: «فقَدْ رأيتُ طلحةَ»، قال يحيى: «وقال لي موسى: وقد رأَيْتَني، ونحن نرجو اللهَ» اﻫ، ونحن نرجو اللهَ مَعْشَرَ التجانيين، وصحَّ عنه صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «مَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي»(١٩)؛ فمَنْ رآه في المنام فقَدْ رآه»(٢٠).

الجواب:

الحديث الأوَّل المُستدَلُّ به أخرجه الترمذيُّ في «سننه» كتاب «المناقب»، بابُ ما جاء في فضلِ مَنْ رأى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وصَحِبَه رقم: (٣٨٥٨)، وفي ثبوته نظرٌ، قال الترمذيُّ عَقِبَه: «هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نعرفه إلَّا مِنْ حديثِ موسى بنِ إبراهيم الأنصاريِّ»، وموسى بنُ إبراهيم ذَكَره ابنُ حبَّان في «الثقات» وقال عنه: «كان يخطئ»(٢١).

وقد بيَّن وجهَ الدلالة مِنَ الحديث بجعل دعواهم مجرَّدَ رجاءٍ في قوله: «ونحن نرجو اللهَ مَعْشَرَ التجانيين..» ولو كان الأمرُ كما ادَّعى لَهَان الخطبُ؛ لأنَّ كُلَّ مسلمٍ يرجو اللهَ أَنْ يُدْخِله الجنَّةَ ويُبعِّده عن النار، ولكنَّ الأمرَ أعظمُ ممَّا ادَّعاه؛ لأنَّ النصوصَ في كُتُبِهم صريحةٌ بأنَّ مَنْ رأى التجانيَّ دَخَل الجنَّةَ بلا حسابٍ ولا عقابٍ.

وأمَّا قوله: «وصحَّ عنه صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «مَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي»، فمَنْ رآه في المنام فقَدْ رآه» فهذا صرفٌ للرؤية المذكورة في الحديث بأنها كما تكون للصحابة والتابعين في اليقظة فإنها تكون لمَنْ بعدهم في المنام، وهذا التفسير باطلٌ مِنْ وجهين:

أ ـ أنَّ هذا التفسيرَ صرفٌ للحديث عن معناه المتبادِر للذهن إلى معنًى بعيدٍ لا دليلَ عليه؛ فهو تأويلٌ بعيدٌ.

ب ـ أنَّ الرؤية المذكورة في الحديث هي رؤية اليقظة، ويدلُّ على ذلك تفسيرُ طلحة بنِ خِراشٍ لها وهو مِنَ التابعين، وقد بوَّب الترمذيُّ للحديث بقوله: «بابُ ما جاء في فضلِ مَنْ رأى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وصَحِبَه»، وإطلاقُ الرؤية ينصرف إلى الرؤية البصرية؛ إذ تحتاج الرؤيةُ المنامية إلى تقييدٍ كقوله مثلًا: «بابُ فضلِ مَنْ رأى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وصَحِبَه في المنام».

ج ـ وعلى فرضِ صحَّة الحديث فهو خاصٌّ برؤية النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وصحابتِه دون سائر المسلمين، وهذا ما فَهِمه الترمذيُّ راويه مِنْ تبويبه له، وضِمْنَ هذا الفهمِ يقول الشيخ محمَّد صدِّيق الهندي: «ظاهرُ الحديثِ تخصيصُ الصحابة والتابعين بهذه البشارة، وليس في لفظه ما يدلُّ على شمولِ سائرِ المسلمين إلى يوم الدين، بل قَصُرَ تَبَعُ التابعين ـ أيضًا ـ عن الدخول فيه، والحديثُ أفاد أنَّ البشارة خاصَّةٌ بمَنْ رأى الصحابيَّ، فمَنْ لم يَرَهُ وكان في زمنه فالحديثُ لا يَشْمَله»(٢٢)، فعلى أيِّ أساسٍ طبَّق التجانيون معنى الحديثِ على شيخهم؟ وعلى التسليم بعمومه فبأيِّ مخصِّصٍ خصَّص التجانيون الحديثَ برؤية شيخهم دون سائر المسلمين؟ اللَّهُمَّ إلَّا الهوى والتعصُّب، واللهُ المستعان.

بل إنَّ الحديث مقيَّدٌ بمَنْ رآه صلَّى الله عليه وسلَّم ومات على الإسلام؛ لأنه صلَّى الله عليه وسلَّم أخبر أنَّ قومًا يرتدُّون مِنْ بعده فيُذْهَب بهم إلى النار، فعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما مرفوعًا: «إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿«كَمَا بَدَأۡنَآ أَوَّلَ خَلۡقٖ نُّعِيدُهُۥۚ وَعۡدًا عَلَيۡنَآۚ إِنَّا كُنَّا فَٰعِلِينَ ١٠٤[الأنبياء]، وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَإِنَّ أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: «أَصْحَابِي أَصْحَابِي»، فَيَقُولُ: «إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ»، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡ إلى قوله: ﴿ٱلۡحَكِيمُ ١١٨[المائدة: ١١٧ ـ ١١٨]»(٢٣).

وعن عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فَقَالُوا: «فُلَانٌ شَهِيدٌ، فُلَانٌ شَهِيدٌ»، حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ فَقَالُوا: «فُلاَنٌ شَهِيدٌ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «كَلَّا إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا ـ أَوْ عَبَاءَةٍ ـ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «يَا ابْنَ الخَطَّابِ، اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ: إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا المُؤْمِنُونَ»»، قَالَ: «فَخَرَجْتُ فَنَادَيْتُ: «أَلَا إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا المُؤْمِنُونَ»»(٢٤).

فالحديثان صريحان في أنَّ مجرَّد رؤية النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم غيرُ كافيةٍ لدخول الجنَّة، بخلافِ عقيدة التجانيين الباطلة في زعمهم أنَّ مَنْ رأى التجاني دَخَل الجنَّةَ ولو كان كافرًا، فإنه يُخْتَم له بالإيمان، ومِنْ لازمِ هذا الباطلِ أنَّ التجاني أفضلُ مِنَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأنَّ هذه الكرامةَ المزعومة لم يَنَلْها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولا أحَدٌ مِنَ الأنبياء قبله، وربُّنا سبحانه وتعالى جَعَل الأعمالَ الصالحة سببًا لدخول الجنَّة في مثلِ قوله تعالى: ﴿وَتِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِيٓ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٧٢ [الزخرف] ولم يَرِدْ في كتابٍ ولا سنَّةٍ صحيحةٍ أنَّ رؤية النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وَحْدَها كافيةٌ لدخول المشركين الجنَّةَ، وهُمُ الذين كانوا يرَوْنه صباحَ مساءَ ولم تنفعهم في شيءٍ، بل إنَّ عمَّه أبا طالبٍ كان مِنَ المُدافِعين عنه ولم يشفع له دفاعُه لإدخاله الجنَّةَ، بل إنَّ استغفار النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم للمشركين لا ينفعهم كما جاء صريحًا في قوله تعالى: ﴿ٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ أَوۡ لَا تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ إِن تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ سَبۡعِينَ مَرَّةٗ فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٨٠ [التوبة]؛ فكيف تنفعهم ـ أي: المشركين ـ رؤيةُ التجاني؟ وتجعلهم ممَّنْ سَبَق في علمِ الله تعالى أَنْ يكون سعيدًا؟!!

الفصل الخامس: الأدعية والأذكار عند التجانيين

للتجانيين مجموعةٌ كبيرةٌ مِنَ الأوراد والأذكار، منها ما هو لازمٌ في الطريقة، ومنها ما هو غيرُ لازمٍ،  فمِنَ الأوراد اللازمة:

ـ الوِرْد: ويُقْرَأ صباحًا ومساءً وهو:

١ ـ أَستغفِرُ اللهَ (مائة مرَّةٍ).

٢ ـ الصلاة على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بأيِّ صيغةٍ (مائة مرَّةٍ).

٣ ـ الكلمة المشرَّفة: لا إله إلَّا الله (مائة مرَّةٍ)، ولا بُدَّ مِنَ الترتيب في الأوراد(٢٥).

ـ الوظيفة: وتُقْرَأ في اليوم مرَّةً إمَّا صباحًا وإمَّا مساءً، فإِنْ قُرِئَتْ في الوقتين كان أفضلَ، وهي:

١ ـ أَستغفِرُ اللهَ العظيم الذي لا إله إلَّا هو الحيُّ القيُّوم. (ثلاثين مرَّةً).

٢ ـ ثمَّ صلاة «الفاتح لِمَا أُغلق». (خمسين مرَّةً).

٣ ـ ثمَّ لا إله إلَّا الله. (مائة مرَّةٍ).

٤ ـ ثمَّ «جوهرة الكمال» (اثنتي عشرة مرَّةً)، وصيغتُها: «اللَّهمَّ صلِّ وسلِّم على عين الرحمة الربَّانية والياقوتة المتحقِّقة الحائطة بمركز الفهوم والمعاني، ونور الأكوان المتكوِّنة الآدميِّ صاحب الخُلُق الراني، البرق الأسطع بمُزُونِ الأرياح المائلة لكُلِّ متعرِّضٍ مِنَ البحور والأواني، ونورِك اللامع الذي ملَأْتَ به كونَك الحائط بأمكنة المكاني، اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم على عين الحقِّ التي تتجلَّى منها عروشُ الحقائق، عين المعارف الأقوم، صراطك التامِّ الأسقم، اللَّهُمَّ صلِّ على طلعة الحقِّ بالحقِّ الكنز الأعظم، إفاضتك منك إليك إحاطة النور المُطَلْسَم صلَّى الله عليه وسلَّم، وعلى آله صلاةً تعرِّفنا بها إيَّاه»، ومِنْ شروط قراءة «جوهرة الكمال» عندهم:

ـ أنها لا تُقْرَأ إلَّا بالطهارة المائية دون الترابية؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم والخلفاء الأربعة ـ على زعمهم ـ يحضرون عند قراءة السابعة منها. وينوب عن «جوهرة الكمال» عشرون مِنْ صلاة «الفاتح لِمَا أُغلق» لغير المتوضِّئ.

ـ وجود الفراش الطاهر الذي يَسَعُ ستَّةَ أشخاصٍ؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يحضر والخلفاء الأربعة(٢٦).

شبهتهم في الإلزام بأذكارهم:

الأولى: قال محمَّد الحافظ التجاني: «أذكارُ أهلِ الطريق مرجعُها الكتابُ والسنَّة، هل «لا إله إلَّا اللهُ» والاستغفار والصلاة على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يَشْرَعها اللهُ ولا رسولُه ولا أصلَ لها في شرع الله؟ وأيًّا كانَتِ الصفةُ أو الهيئة التي يذكر بها الشخصُ، واللهُ تعالى يقول: ﴿فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡ [النساء: ١٠٣] أي: اذكروا اللهَ على سائر أحيانكم، وفي الحديث: «أنه صلَّى الله عليه وسلَّم كَانَ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ»(٢٧)»(٢٨).

الثانية: استدلُّوا على تحديد الأوقات المخصوصة والعدد المخصوص بما ثَبَتَ عنه صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ»(٢٩)، قال محمَّد الحافظ: «فالمداومةُ على طاعةٍ محدودةٍ هو السنَّةُ الصحيحة التي لا مَطْعَنَ فيها عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وللناس أَنْ يختاروا ما يختارون مِنَ العبادة يُداوِمون عليه»(٣٠).

الجواب:

إنَّ الإنكار على التجانيين فيما الْتزموه مِنَ الأذكار والأدعية ليس مُنْصَبًّا على الاستغفار وذِكْرِ الله والصلاةِ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في ذاتها إذا لم تحتوِ على ألفاظٍ ممنوعةٍ شرعًا، وإنما يتوجَّه الإنكارُ على الهيئات والصفات والشروط التي يشترطها القومُ والإلزامِ بها، وهذا النوعُ مِنَ البِدَعِ يَصْطلِحُ العلماءُ على تسميته: البدعةَ الإضافية، وأحسنُ مَنْ تَناوَلها بالتأصيل والشرح أبو إسحاق الشاطبيُّ ـ رحمه الله ـ إذ يقول: «وأمَّا البدعةُ الإضافية فهي التي لها شائبتان: إحداهما لها مِنَ الأدلَّة متعلَّقٌ فلا تكون مِنْ تلك الجهة بدعةً، والأخرى ليس لها متعلَّقٌ إلَّا مِثْلَ ما للبدعة الحقيقية، فلمَّا كان العمل الذي له شائبتان لم يتخلَّص لأحَدِ الطرفين وضَعْنا له هذه التسميةَ وهي «البدعة الإضافية» أي: أنها بالنسبة إلى إحدى الجهتين سنَّةٌ لأنها مُستنِدةٌ إلى دليلٍ، وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعةٌ لأنها مُستنِدةٌ إلى شبهةٍ لا إلى دليلٍ أو غيرُ مُستنِدةٍ إلى شيءٍ، والفرقُ بينهما مِنْ جهة المعنى أنَّ الدليل عليها مِنْ جهة الأصل قائمٌ ومِنْ جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل لم يَقُمْ عليها مع أنها محتاجةٌ إليه؛ لأنَّ الغالب وقوعُها في التعبُّديَّات لا في العاديَّات المحضة»(٣١).

فما له أصلٌ شرعيٌّ مِنْ أذكار التجانيين هو مِنْ هذا القبيل؛ إذ أصلُ الذِّكْر مشروعٌ في الإسلام، والكيفيةُ التي يلتزمونها لا أصلَ لها شرعًا، فهي ـ بهذا الاعتبار ـ بدعةٌ محرَّمةٌ.

قال الشيخ علي محفوظ ـ رحمه الله ـ: «وإنَّ صاحِبَ البدعةِ الإضافية يتقرَّب إلى الله تعالى بمشروعٍ وغيرِ مشروعٍ، والتقرُّبُ يجب أَنْ يكون بمحض المشروع؛ فكما يجب أَنْ يكون العملُ مشروعًا باعتبارِ ذاته يجب أَنْ يكون مشروعًا باعتبار كيفيته»(٣٢).

والمنقول عن الصحابة إنكارُ الهيئات المُبتدَعةِ في الأذكار؛ فقَدْ ثَبَتَ عن عبد الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه أنه خَرَج على حلقاتٍ في المسجد وفيهم رجلٌ يقول: «كبِّروا اللهَ مائةً» فيكبِّرون، و«سبِّحوا اللهَ مائةً» فيسبِّحون، فقال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه: «فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لَا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَيْءٌ، وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، مَا أَسَرَعَ هَلَكَتَكُمْ! هَؤُلَاءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ صلَّى الله عليه وسلَّم مُتَوَافِرُونَ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ، وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم أَوْ مُفْتَتِحُو بَابِ ضَلَالَةٍ»، قَالُوا: «وَاللهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا أَرَدْنَا إِلَّا الخَيْرَ»، قَالَ: «وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ»(٣٣). فأنكر رضي الله عنه عليهم هذه البدعةَ وهي الذِّكْرُ الجماعيُّ بصوتٍ واحدٍ، وإِنْ كان استغفارُهم وتسبيحُهم مِنْ حيث أصلُه مشروعًا، ومِنْ هذا القبيلِ ما يفعله التجانيون في أذكارهم.

وأمَّا استدلالهم بحديثِ: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» ففي غير محلِّه؛ ذلك أنَّ المداومة على نافلةٍ محدَّدةٍ مِنْ أحبِّ الأعمال، وهذا لا مُنازِعَ فيه، وإنما البحثُ في اتِّخاذها شعارًا لطائفةٍ معيَّنةٍ بصفةٍ وشروطٍ مخصوصةٍ خارجةٍ عن الشريعة الإسلامية ككونها لا تُقْرَأ إلَّا بطهارةٍ مائيةٍ أو بإذن الشيخ، تَستقِلُّ بها عن سائر المسلمين، وهذا يعني تَسلسُلَ الإذن حتَّى يَصِل إلى أحمد التجاني الذي تلقَّاه عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مشافهةً ـ كما يزعم ـ فهي بهذا تتَّخِذُ صفةَ التشريع، و«العباداتُ مبناها على التوقيف».

وإذا سُئِل التجانيون عن دليلِ تخصيصهم لأذكارهم وأوقاتها وهيئاتها فلا يجدون إلَّا جوابَ التجاني لمَّا سُئِل عن اختصاص «جوهرة الكمال» بالطهارة المائية دون الترابية قال: «..لو كان للعقل مجالٌ في ذلك وأمكن القياسُ على ما هنالك لقِيلَ: إنَّ الهيللة يوم الجمعة كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يحضرها، كذلك فهي ـ أيضًا ـ لا تُقْرَأ إلَّا بالطهارة المائية دون الترابية كالجوهرة؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يحضرها، لكِنْ ما لنا إلَّا اتِّباعُ أحمد، يَسَعُنا ما يَسَعُه، وما أَمَرَنا به نتَّبِعه، وغيرَه لا نَبتدِعُه، وافْعَلْ ما أُمِرْتَ به تعبُّدًا مُعتقِدًا لا مُنتقِدًا، وإيَّاك و«لِمَ» فتَقَعَ في الردى»(٣٤).

فيُفْهَمُ مِنْ جوابه أنَّ أذكارهم وشروطها توقيفيةٌ، والحقُّ خلافُ ذلك؛ فإنَّ أكثرَ أورادِ التجانية وما تَعلَّق بها مُخترَعٌ مُبتدَعٌ، فمِنْ أين لهم أنَّ «جوهرة الكمال» لا تُقْرَأ إلَّا بطهارةٍ مائيةٍ، وأنه لا بُدَّ مِنْ وجودِ فراشٍ عند قراءتها يتَّسِع لستَّة أشخاصٍ؟ وأنَّ سائر الأذكار والأوراد لا بُدَّ فيها مِنْ إذن الشيخ أو نائبه؟ ومِنْ أين لهم ترتيبُ العقوبة على المفرِّط في أذكارهم كما جاء في «جواهر المعاني»(٣٥): «ومَنْ أخَذ الوِرْدَ ثمَّ تَرَكه تركًا كُلِّيًّا أو متهاونًا به حلَّتْ به العقوبةُ ويأتيه الهلاكُ، وهذا إخبارٌ مِنْ سيِّد الوجود صلَّى الله عليه وسلَّم لشيخنا رضي الله عنه، ونصُّه صلَّى الله عليه وسلَّم: وكُلُّ مَنْ أخَذ عليك ذِكْرًا قُل له في وصيَّتك له: ذِكْرُنا هذا عظيمٌ، وإيَّاكم والتفريطَ فيه وإيَّاكم وتَرْكَه؛ لأنَّ الصلاة على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عظيمةٌ، وهي باب الكمال، وهي المدخل الأعظم، ومَنْ تَرَكها لا يجد بابًا مِنْ غيرها يدخل عليه»، وكُلُّ هذه الأقوالِ لم يَسْبِقهم إليها أحَدٌ، وليس لها أصلٌ في شريعة الإسلام.

خلاصة عقائد التجانيين:

إنَّ ما تَقدَّم عرضُه مِنْ مُعتقَدات التجانية قليلٌ مِنْ كثيرٍ مِنَ البِدَع المُنْكَرة التي يتربَّى عليها أتباعُ التجانيين ويعقدون عليها الولاءَ والبراء، ولا يحتاج البصيرُ إلى كبيرِ علمٍ ليُدْرِك أنَّ مَنْ يَعتقِدُ عقيدتهم على خطرٍ عظيمٍ، ومهوًى سحيقٍ، ويمكن تلخيصُ مباني عقائدهم في النقاط التالية:

١ ـ الخرافات والادِّعاءات العارية عن الدليل كقول التجاني: «إنَّ الفيوض التي تفيض مِنْ ذاتِ سيِّد الوجود صلَّى الله عليه وسلَّم تتلقَّاها ذواتُ الأنبياء، وكُلُّ ما فاض وبَرَز مِنْ ذوات الأنبياء تتلقَّاه ذاتي، ومنِّي يتفرَّق على جميع الخلائق مِنْ نشأة العالَمِ إلى النفخ في الصور... وقال: لا يتلقَّى وليٌّ فيضًا مِنَ الله تعالى إلَّا بوساطته رضي الله عنه مِنْ حيث لا يشعر به، ومدَدُه الخاصُّ به إنما يتلقَّاه مِنَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم»(٣٦).

٢ ـ الغُلُوُّ الفظيع في زعيم الطريقة إلى حدِّ إضفاءِ خصائص الربوبية عليه كادِّعائهم معرفتَه الغيبَ(٣٧).

٣ ـ القولُ على الله بلا علمٍ، كادِّعائهم ضمانَ الجنَّةِ لأتباعهم بغيرِ حسابٍ ولا عقابٍ، ولو عملوا مِنَ الذنوب والمعاصي ما عملوا، وكقول التجاني نفسِه: «يُوضَعُ لي منبرٌ مِنْ نورٍ يومَ القيامة، ويُنادي مناديَّ حتَّى يسمعه كُلُّ مَنْ في الموقف: يا أهلَ الموقف، هذا إمامُكم الذي كنتم تَستمِدُّون منه مِنْ غيرِ شعوركم»(٣٨).

٤ ـ سوء الأدب مع الله فضلًا عن الأنبياء والأولياء، ومثالُه قولُ التجاني: «قَدَمايَ على رقبةِ كُلِّ وليٍّ»، فلمَّا قِيلَ له: «إنَّ عبد القادر الجيلانيَّ قال ـ فيما زعموا ـ: قدمي على رقبةِ كُلِّ وليٍّ»، قال: «صَدَق، ولكِنْ في عصره، أمَّا أنا فقدمايَ على رقبة كُلِّ وليٍّ مِنْ آدَمَ إلى النفخ في الصور»، فلمَّا قِيل له: «أليس اللهُ قادرًا على أَنْ يُوجِد بعدك وليًّا فوق ذلك؟» قال: «بلى، ولكن لا يفعل، كما أنه قادرٌ على أَنْ يُوجِد نبيًّا بعد محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولكنَّه لا يفعل»(٣٩).

٥ ـ الكذبُ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو في مذهبهم كثيرٌ، ومنه قول التجاني: «نهاني رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن التوجُّه بالأسماء الحسنى، وأمَرني بالتوجُّه بصلاة الفاتح»(٤٠)، وهل يعتقد عاقلٌ سَلِم قلبُه مِنَ الخرافات أَنْ ينهى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن شيءٍ أُمِر بتبليغه كما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَا [الأعراف : ١٨٠].

٦ ـ اعتقادهم بأنَّ للتجانيين خصوصياتٍ ترفعهم عن مَقامِ الناس يومَ القيامة، ومِنْ ذلك: تخفيفُ سكراتِ الموت عنهم، وأنَّ اللهَ يُظِلِّهم في ظِلِّ عرشه، وأنَّ لهم برزخًا يَستظِلُّون به وَحْدَهم، وأنهم يكونون مع الآمنين عند باب الجنَّة حتَّى يدخلوها في الزمرة الأولى مع المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه المقرَّبين(٤١).

٧ ـ تعاوُن التجانيين مع أعداء الأمَّة والإسلام مِنْ جيوش الاستعمار، يتجسَّسون لهم ويُقاتِلون إلى جانبهم، ويَعُدُّون ذلك شرفًا، ويحتسبون الأجرَ عند الله تعالى، قال الشيخ محمَّد الكبير صاحب «السجَّادة التجانية الكبرى» وخليفة أحمد التجاني الأكبر في خُطْبةٍ ألقاها أمامَ رئيسِ البعثة العسكرية الفرنسية في مدينة «عين ماضي» بتاريخ ٢٨ ذي الحجَّة ١٣٥٠ﻫ: «إنَّ الواجب علينا إعانة حبيبة قلوبنا فرنسا مادِّيًّا ومعنويًّا وسياسيًّا؛ ولهذا فإنِّي أقول ـ لا على سبيل المنِّ والافتخار، ولكِنْ على سبيل الاحتساب والشرف بالقيام بالواجب ـ: إنَّ أجدادي قد أحسنوا صنعًا في انضمامهم إلى فرنسا قبل أَنْ تَصِل إلى بلادنا وقبل أَنْ تحتلَّ جيوشُها الكرامُ ديارَنا»(٤٢).

فهذه هي أهمُّ آثارِ التجانيين السيِّئة التي وَرِثها بعضُ أجيالِ هذه الأمَّة، ساعدَتْ على انتشار الوثنية والشرك المتمثِّل في بناء القباب وتشييد الأضرحة وصرفِ العبادات مِنْ نذرٍ ودعاءٍ واستغاثةٍ لأصحابها المدفونين، وتعطيلِ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، كما ساعدَتْ على انتشار مختلف البِدَع والحوادث مِنَ الموالد البدعية وما يحدث فيها وفي غيرها مِنَ الخرافات والمنكرات، وانتشارِ الأذكار والأدعية والصلوات المُحْدَثة التي كانَتْ سببًا رئيسًا في إعراض الناس عن تلاوة القرآن وذِكْرِ الله بالطُّرُق الصحيحة، وفي التقاعس عن أداء العبادات والتهاون فيها اتِّكالًا على الأجر الوفير الذي يحصل بأقلِّ عملٍ مُداوَمٍ عليه على ما قرَّره أصحابُ هذه الطريقةِ المُثْخَنة بالخرافات والبِدَع.

هذا، وإنَّ الولاية لا تُنالُ بمثلِ هذه المخالفات والطامَّات، وإِنْ ظهرَتْ على يدِ مَنِ ادَّعاها خوارقُ وعجائب، قال يونس بنُ عبد الأعلى الصدفيُّ: «قلتُ للشافعيِّ: إنَّ صاحِبَنا الليث كان يقول: «إذا رأيتم الرجلَ يمشي على الماء فلا تغترُّوا به حتَّى تعرضوا أَمْرَه على الكتاب والسنَّة؟» فقال الشافعيُّ: «قصَّر الليثُ ـ رحمه الله ـ، بل إذا رأيتم الرجلَ يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغترُّوا به حتَّى تعرضوا أَمْرَه على الكتاب»»(٤٣).

وإنما تُنالُ الولايةُ باتِّباع شرعِ الله تعالى اعتقادًا وقولًا وعملًا، قال تعالى: ﴿أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٢ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ٦٣ [يونس] وقال أيضًا: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَٰكِعُونَ ٥٥ [المائدة]، ولا تعني الولايةُ أَنْ يجعل مَنْ نالها في مرتبة النبيِّ المُرْسَل الذي يُصدَّق فيما أخبر ويُطاعُ فيما أمَر، قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «وكثيرٌ مِنَ الناس يغلط في هذا الموضع، فيظنُّ في شخصٍ أنه وليٌّ لله، ويظنُّ أنَّ وليَّ الله يُقْبَل منه كُلُّ ما يقوله، ويُسَلَّم إليه كُلُّ ما يقوله ويُسَلَّم إليه كُلُّ ما يفعله وإِنْ خالف الكتابَ والسنَّة، فيُوافِقُ ذلك الشخصَ له، ويُخالِفُ ما بَعَث اللهُ به رسولَه صلَّى الله عليه وسلَّم الذي فَرَض اللهُ على جميع الخَلْق تصديقَه فيما أخبر وطاعتَه فيما أمَر، وجَعَله الفارقَ بين أوليائه وأعدائه، وبين أهل الجنَّة وأهلِ النار، وبين السُّعَداء والأشقياء، فمَنِ اتَّبعه كان مِنْ أولياء الله المُتَّقين وجُنْدِه المُفْلِحين وعِبادِه الصالحين، ومَنْ لم يتَّبِعْه كان مِنْ أعداء الله الخاسرين المجرمين، فتجرُّه مخالفةُ الرسولِ ومُوافَقةُ ذلك الشخص ـ أوَّلًا ـ إلى البدعة والضلال، وآخِرًا إلى الكفر والنفاق، ويكون له نصيبٌ مِنْ قوله تعالى: ﴿وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا ٢٧ يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا ٢٨ لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِيۗ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا ٢٩ [الفرقان]، وقولِه تعالى: ﴿يَوۡمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يَٰلَيۡتَنَآ أَطَعۡنَا ٱللَّهَ وَأَطَعۡنَا ٱلرَّسُولَا۠ ٦٦ وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعۡنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠ ٦٧ رَبَّنَآ ءَاتِهِمۡ ضِعۡفَيۡنِ مِنَ ٱلۡعَذَابِ وَٱلۡعَنۡهُمۡ لَعۡنٗا كَبِيرٗا ٦٨ [الأحزاب: ٦٦ ـ ٦٨]»(٤٤).

ولا يَسَعُنا ـ أخيرًا ـ إلَّا أَنْ نذكِّر أَنْفُسَنا وإخوانَنا القرَّاء أنه لا نجاةَ للأمَّة إلَّا بالاعتصام بالكتاب والسنَّة على فهمِ القرون المفضَّلة المزكَّاة في عقيدتها وسلوكها؛ ذلك هو الكفيلُ بتوحيد الأمَّة ورفعِ الخلاف والشِّقاق بينها. قال عبد الحميد بنُ باديس ـ رحمه الله ـ: «ولا يقف بالجميع عند حدٍّ واحدٍ إلَّا دليلٌ واحدٌ، وهو الْتزامُ الصحيحِ الصريح ممَّا كان عليه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وكان عليه أصحابُه؛ فكُلُّ قولٍ يُرادُ به إثباتُ معنًى دينيٍّ لم نجده في كلامِ أهلِ ذلك العصرِ نكون في سَعَةٍ مِنْ ردِّه وطرحِه وإماتته وإعدامه كما وَسِعَهم عدمُه، ولا وسَّع اللهُ على مَنْ لم يَسَعْه ما وَسِعَهم، وكذلك كُلُّ عقيدةٍ؛ فلا نقول في ديننا إلَّا ما قالوا، ولا نعتقد فيه إلَّا ما اعتقدوا، ولا نعمل فيه إلَّا ما عملوا، ونسكت عمَّا سكتوا فيه... ونرى كُلَّ فتنةٍ كانَتْ بين الفِرَق الإسلامية ناشئةً عن مخالفة هذا الأصل»(٤٥).

نسأل اللهَ بأسمائه الحسنى وصِفاتِه العُلَى أَنْ يُرِيَنا الحقَّ حقًّا ويرزقنا اتِّباعَه، ويُرِيَنا الباطلَ باطلًا ويرزقنا اجتنابَه، وآخِرُ دعوانا أَنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ الأنبياء والمُرْسَلين.

 


(١) «جواهر المعاني» لعلي حرازم (١/ ١٣٠ ـ ١٣١).

(٢) «رماح حزب الرحيم» لعمر بن سعيد الفوتي الطوري (٢/ ١٤٣).

(٣)      انظر الحديثَ الذي أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (٢١٨) مِنْ حديثِ عمران بنِ حصينٍ رضي الله عنهما.

(٤)     أخرجه الترمذيُّ في «صفة القيامة والرقائق والورع» (٢٤٣٧)، وابنُ ماجه في «الزهد» بابُ صفةِ أمَّةِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم (٤٢٨٦)، مِنْ حديثِ أبي أمامة الباهليِّ رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٥/ ٢١٢) و«المشكاة» (٥٥٥٦).

(٥) «الانتصار في ردِّ الإنكار على الطريق» لمحمَّد الحافظ التجاني (٢٢).

(٦)     أخرجه البخاريُّ في «الجهاد والسِّيَر» بابُ درجاتِ المجاهدين في سبيل الله (٢٧٩٠) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٧) «الانتصار في ردِّ الإنكار على الطريق» لمحمَّد الحافظ التجاني (٢٣).

(٨) أخرجه البخاريُّ في «الرِّقاق» باب: يدخل الجنَّةَ سبعون ألفًا بغير حساب (٦٥٤١)، ومسلمٌ في «الإيمان» (٢٢٠)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنها.

(٩)     أخرجه مسلمٌ في «الصلاة» (٤٨٩).

(١٠) «فيض القدير» للمناوي (٤/ ٣٣٤).

(١١)     أخرجه ابنُ حبَّان في «صحيحه» (٧٢٣)، والحاكم في «المستدرك» (٣٥٢٣)، مِنْ حديثِ أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (١/ ٦٢٢).

(١٢)    أخرجه البخاريُّ في «الوصايا» باب: هل يدخل النساءُ والولدُ في الأقارب؟ (٢٧٥٣).

(١٣)    في كتاب «الشهادات» باب القرعة في المُشْكِلات (٢٦٨٧).

(١٤) «الدرَّة الخريدة» لمحمَّد فتحا بن عبد الواحد السوسي (٤/ ٢٦).

(١٥)    أخرجه مسلمٌ في «الإمارة» (١٩٠٥).

(١٦) «جواهر المعاني» لعلي حرازم (٢/ ١٨٠).

(١٧) «رماح الحزب الرحيم» لعمر بن سعيد الفوتي الطوري (١/ ١٨٢).

(١٨) «بغية المستفيد» لمحمَّد العربي السائح الشرقي (٢١٧).

(١٩) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «العلم»بابُ إثمِ مَنْ كَذَب على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم (١١٠)، ومسلمٌ في «الرؤيا» (٢٢٦٦)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢٠) «الانتصاف في ردِّ الإنكار على الطريق»لمحمَّد الحافظ التجاني (٢٤).

(٢١)    انظر: «تهذيب التهذيب» لابن حجر (١٠/ ٣٣٣). والحديث ضعَّفه الألبانيُّ في «ضعيف الجامع» رقم (٦٢٧٧).

(٢٢) «الدين الخالص» لصدِّيق حسن (٣/ ٥٢٠).

(٢٣)   أخرجه البخاريُّ في «الأنبياء» بابُ قولِ الله تعالى: ﴿وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا ١٢٥[النساء] (٣٣٤٩).

(٢٤)   أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (١١٤).

(٢٥) «أحزاب وأوراد التجاني» لأحمد التجاني (٨).

(٢٦) «أحزاب وأوراد التجاني» لأحمد التجاني (٨)،«الدرَّة الخريدة» لمحمَّد فتحا بن عبد الواحد السوسي (٣/ ١٩٩).

(٢٧) أخرجه مسلمٌ في «الحيض» (٣٧٣) مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٢٨)   رسالة «علماء تزكية النفس» (٨ ـ ٩).

(٢٩)   أخرجه البخاريُّ في «الرِّقاق» باب القصد والمداومة على العمل (٦٤٦٤)، ومسلمٌ في «صلاة المسافرين وقصرها» (٧٨٣) مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٣٠)    رسالة «علماء تزكية النفس».

(٣١) «الاعتصام» للشاطبي (١/ ٢٨٦).

(٣٢) «الإبداع في مضارِّ الابتداع» لعلي محفوظ (٣٢).

(٣٣)    أخرجه الدارميُّ (١/ ٦٨)، وابنُ الجوزي في «تلبيس إبليس»  (٢٩). وصحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٥/ ١١).

(٣٤) «الدرَّة الخريدة» لمحمَّد فتحا بن عبد الواحد السوسي (٣/ ٢٠٠).

(٣٥) «جواهر المعاني» لعلي حرازم (١/ ١٢٣).

(٣٦) «بغية المستفيد» لمحمَّد العربي السائح الشرقي (٢٢٥):

(٣٧)   يتوجَّه التجانيون إلى أوليائهم بالدعاء والاستغاثة باعتقاد والنفع والضرر فيهم، وهي نتيجةٌ حتميةٌ مبنيَّةٌ على اعتقادِ أنَّ لأوليائهم خصائصَ الربوبية ويعلمون الغيب.

(٣٨) «الإفادة الأحمدية» للطيِّب السفياني (٧٤).

(٣٩)   انظر: «الإفادة الأحمدية» للطيِّب السفياني (٦٢).

(٤٠)   انظر: «الإفادة الأحمدية» للطيِّب السفياني (٥٧).

(٤١) التجانية مِنَ «الموسوعة الميسَّرة» (١/ ٢٨٣).

(٤٢) «تاريخ المغرب في القرن العشرين» لروم لاندو (١٤٣) نقلًا عن «مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية» لإدريس محمود إدريس (٢/ ٩٠٩).

(٤٣) انظر: «الإبانة» لابن بطَّة (٢/ ٥٣٤).

(٤٤) «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» لابن تيمية (٧٤).

(٤٥) «مجلَّة الشهاب» (٥/ ٥٧٠).