Skip to Content
الجمعة 22 ذي الحجة 1440 هـ الموافق لـ 23 أغسطس 2019 م



جواب الإدارة على منتقد تضعيف الألباني لحديث:
«فأصبح ربك يطوف في الأرض»

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، وعلى آله وصحبه وإخوانه، أمَّا بعد:

فقد تلقَّت إدارة الموقع رسالةً على بريدها الإلكترونيِّ تضمَّنت مقالاً لأبي مسلم التيارتي تعقَّب فيه -بأدبٍ- كلامًا للشيخ أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس -حفظه الله- على هامش نقلٍ لابن القيِّم -رحمه الله- أثناء تقرير صفة نزول الله تبارك وتعالى، وبعد الاطِّلاع عليها رأت الإدارة أنه من المفيد نشرُ نصِّ الرسالة والجواب على مضامينها أجوبةً علميةً من شأنها كشفُ الإشكال ورفعُ الالتباس.

ولا يفوت إدارةَ الموقع -وإن اختلفت مع المنتقد على النتيجة- أن تسجِّل شُكْرَها له، وتثنيَ خيرًا على مسعاه في بذله جهدًا ينمُّ عن حبٍّ للعلم وأهله، سائلين اللهَ لنا وله التوفيقَ والسداد، والصواب والرشاد في الأقوال والأعمال، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.       

نصُّ الانتقاد:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

فضيلةَ الشيخ أبا عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس أحسن الله إليكم، وجزاكم الله خيرًا، وشدَّ أزركم ونفع بعلمكم. أمَّا بعد:

فمن باب قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِّرِّ وَالتَّقْوَى﴾ أودُّ التنبيهَ على ملاحظةٍ بسيطةٍ إن شاء الله تعالى، نرجو من فضيلتكم النظر فيها.

في «مجلَّة الإحياء» العدد الخامس ص٣٤ عند ذكر كلام ابن القيِّم -رحمه الله تعالى- «وينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة» علَّق شيخنا الفاضل أبو عبد المعزِّ بقوله: «يشير إلى ما أخرجه أحمد (١٦٢٠٦) وابن أبي عاصمٍ في «السنَّة» (٦٣٦)، من حديث لقيط بن عامرٍ رضي الله عنه الطويل وفيه: «فَأَصْبَحَ رَبُّكَ يَطُوفُ فِي الأَرْضِ وَخَلَتْ عَلَيْهِ البِلاَدُ»، وضعَّف الألبانيُّ إسنادَه في «ظلال الجنَّة» (٦٣٦)».

ثمَّ قال الشيخ -حفظه الله-: «قال ابن تيمية -رحمه الله- في «منهاج السنَّة» (٢/ ٦٣٣): «هذا الحديث الذي ذكره لم يَرْوِه أحدٌ لا بإسنادٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ ولا روى أحدٌ من أهل الحديث أنَّ الله تعالى ينزل ليلةَ الجمعة، ولا أنه ينزل ليلةَ الجمعة إلى الأرض، ولا أنه ينزل في شكل أمرد، بل لا يوجد في الآثار شيءٌ من هذا الهذيان، بل ولا في شيءٍ من الأحاديث الصحيحة أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: إنَّ الله ينزل إلى الأرض، وكلُّ حديثٍ رُوي فيه هذا فإنه موضوعٌ كذبٌ مثل حديث الجمل الأورق، وأنَّ الله ينزل عشيَّةَ عرفة فيعانق الركبانَ ويصافح المشاة، وحديثٍ آخَرَ أنه رأى ربَّه في الطواف، وحديثٍ آخر أنه رأى ربَّه في بطحاء مكَّة، وأمثال ذلك، فإنَّ هذه كلَّها أحاديث مكذوبةٌ باتِّفاق أهل المعرفة بالحديث»»، اه.

وعلى هذا التعليق عدَّة ملاحظات منها:

١. قول الشيخ حفظه الله «يشير إلى ما أخرجه أحمد (١٦٢٠٦) وابن أبي عاصمٍ في «السنَّة» (٦٣٦)، من حديث لقيط بن عامرٍ رضي الله عنه الطويل وفيه: «فَأَصْبَحَ رَبُّكَ يَطُوفُ فِي الأَرْضِ وَخَلَتْ عَلَيْهِ البِلاَدُ»» كأنَّ الحديث لم يوجد إلاَّ في هذين الأصلين، ومن عادة الشيخ -حفظه الله- الاستقصاء في تخريج الحديث، والحديث المشار إليه أخرجه ابن خزيمة في «التوحيد» (١/ ٤٦٠، ٤٧٠)، والآجريُّ في «كتاب التصديق بالنظر»، وأبو داود (٣٢٦٦)، وعبد الله بن أحمد في «السنَّة» (٢/ ٤٨٥)، والطبرانيُّ في «الكبير» (١٩/ ٢١١، ٢١٤)، والحاكم في «المستدرك» (٤/ ٥٦٠) وقال: «صحيح الإسناد»، والدارقطنيُّ في «الرؤية»، وابن القيِّم في «زاد المعاد» (٣/ ٦٧٧ ) وصحَّحه -رحمه الله- وقال: «هذا حديثٌ كبيرٌ جليلٌ تنادي جلالته وفخامته وعظمته على أنه قد خرج من مشكاة النبوَّة، لا يُعرف إلاَّ من حديث عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني، رواه عنه إبراهيم بن حمزة الزبيري، وهما من كبار علماء المدينة، ثقتان محتجٌّ بهما في الصحيح، احتجَّ بهما إمام أهل الحديث محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ، ورواه أئمَّة أهل السنَّة في كتبهم وتلقَّوه بالقبول وقابلوه بالتسليم والانقياد ولم يطعن أحدٌ منهم فيه ولا في أحدٍ من رواته، فممَّن رواه: الإمام ابن الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبلٍ في «مسند أبيه» وفي كتاب «السنَّة»، وقال: «كتب إليَّ إبراهيم بن حمزة بن محمَّد بن حمزة بن مصعب بن الزبير الزبيريُّ: كتبت إليك بهذا الحديث وقد عرضتُه وسمعته على ما كتبت به إليك، فحدِّث به عنِّي». ومنهم الحافظ الجليل أبو بكرٍ أحمد بن عمرو بن أبي عاصمٍ النبيل في كتاب «السنَّة» له. ومنهم الحافظ أبو أحمد محمَّد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان العسَّال في كتاب «المعرفة». ومنهم حافظ زمانه ومحدِّث أوانه أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيُّوب الطبراني في كثيرٍ من كتبه. ومنهم الحافظ أبو محمَّدٍ عبد الله بن محمَّد بن حيان أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب «السنَّة». ومنهم الحافظ ابن الحافظ أبو عبد الله محمَّد بن إسحاق بن محمَّد بن يحيى بن منده، حافظ أصبهان. ومنهم الحافظ أبو بكرٍ أحمد بن موسى بن مردويه. ومنهم حافظ عصره أبو نعيمٍ أحمد بن عبد الله بن إسحاق الأصبهانيُّ، وجماعة من الحفَّاظ سواهم يطول ذكرُهم.

وقال ابن منده: روى هذا الحديث: محمَّد بن إسحاق الصنعانيُّ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهما، وقد رواه بالعراق بمجمع العلماء وأهل الدين جماعةٌ من الأئمَّة منهم: أبو زرعة الرازي، وأبو حاتم، وأبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل، ولم ينكره أحدٌ ولم يتكلَّم في إسناده، بل روَوْه على سبيل القبول والتسليم، ولا ينكر هذا الحديثَ إلاَّ جاحدٌ أو جاهلٌ أو مخالفٌ للكتاب والسنَّة، هذا كلام أبي عبد الله بن منده».

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في «بيان تلبيس الجهمية» (٧/ ٤٥): «وأمَّا حديث أبي رزينٍ فهو مشهورٌ في السنن والمسانيد، لكنَّ أهل السنن يختصِرُون من الحديث ما يناسب السُّنن على عادتهم، فروى أبو داود وابن ماجه عن أبي رزينٍ العقيليِّ قال: قلت: «يا رسول الله أكلُّنا يرى ربَّه مخليًا به يوم القيامة، وما آية ذلك في خلقه؟» قال: «يَا أَبَا رَزِينٍ أَلَيْسَ كُلُّكُمْ يَرَى القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ مُخْلِيًا بِهِ»، قلت: «بلى» قال: «فَإِنَّمَا هُوَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ تَعَالَى فَاللهُ أَعْظَمُ». وقد رُوِي مبسوطًا من وجهٍ آخر كما رواه أبو بكر بنُ خزيمة في كتاب «التوحيد» الذي اشترط فيه أنَّه لا يحتج إلاَّ بما ثبت من الأحاديث..».

فالحديث كما قال شيخ الاسلام ابن تيمية -رحمه الله- حديثٌ مشهورٌ رواه أهل السنن، فتصحيح هؤلاء الائمَّة للحديث وقبولهم له يدلُّ على ثبوته.

٢. التعقيب بكلام شيخ الإسلام عند تخريج الحديث في قوله: «هذا الحديث الذي ذكره لم يروِه أحدٌ لا بإسنادٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ....» الخ، يُوهِم أنه يقصد حديثَ أبي رزينٍ لقيط بن عامرٍ وليس بصحيحٍ، بل هذا أشبه بالتلبيس، فعند الرجوع إلى موضع كلام شيخ الإسلام في «منهاج السنَّة» (٢/ ٦٣٣) نجد أنه يتكلَّم على حديثٍ أورده الرافضيُّ يعيب به أهلَ السنَّة افتراءً عليهم فقال: «وذهب بعضهم إلى أنَّ الله ينزل كلَّ ليلة جمعةٍ بشكل أمرد راكبًا على حمارٍ، حتى أنَّ بعضهم ببغداد وضع على سطح داره معلفًا يضع كلَّ ليلة جمعةٍ فيه شعيرًا وتبنًا، لتجويز أن ينزل الله تعالى على حماره على ذلك السطح، فيشتغل الحمار بالأكل ويشتغل الربُّ بالنداء»، فقال شيخ الإسلام معقِّبًا: «..هذا الحديث الذي ذكره لم يروه أحدٌ لا بإسناد صحيحٍ ولا ضعيفٍ....» الخ.

٣. إيهام القارئ بأنَّ شيخ الإسلام يضعِّف الحديث وهذا غلطٌ، وذلك أنَّ ابن تيمية -رحمه الله تعالى- ذكر حديثَ أبي رزينٍ في مواضع من كتبه مقرًّا له مستشهدًا به على الرؤية والعلوِّ والذات، وذلك جارٍ على تصحيح الأئمَّة له وقبولهم، وقد مرَّ بعض كلامه، بل إنه -رحمه الله- صرَّح بصحَّة الحديث كما في «بيان تلبيس الجهمية» (٧/ ٣٩٢) قال -رحمه الله- وهو يتكلَّم على لفظ الشخص: هل يُطْلَق على الله أم لا؟: «أمَّا هذا اللفظ فقد جاء في الصحيح في بعض طرق حديث المغيرة بن شعبة وترجم البخاريُّ عليه في «كتاب التوحيد» وترجم بعده على قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ﴾ [الأنعام: ١٩] فسمَّى الله تعالى نفسَه شيئًا فقال: «باب قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لاَ شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ»» ثمَّ ذكر حديثَ المغيرة بسنده ثمَّ قال ابن تيمية «قال البخاريُّ: وقال عبيد بن عمرٍو عن عبد الملك: «لا شخص أغير من الله». وقد جاء لفظ الشخص في حديثٍ آخر أصحَّ من هذا وهو حديث أبي رزينٍ العقيليِّ الذي قدَّمناه في أحاديث إتيانه يوم القيامة» ثمَّ ساق ابن تيمية الحديثَ «قال فيه: «لَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يَجْمَعَكُمْ مِنَ المَاءِ عَلَى أَنْ يَجْمَعَ نَبَاتَ الأَرْضِ، فَتَخْرُجُونَ مِنَ الأَصْوَاءِ مِنْ مَصَارِعِكُمْ فَتَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْكُمْ»، قال: قلت: «يا رسول الله كيف وهو شخصٌ واحدٌ ..»» فهذا تصحيح الشيخ للحديث، إذ إنه أثبت الحديثَ الأوَّل فقال: «فقد جاء في الصحيح في بعض طرق حديث المغيرة بن شعبة» ثمَّ  قال: «وقد جاء لفظ الشخص في حديثٍ آخر أصحَّ من هذا وهو حديث أبي رزينٍ العقيليِّ».

• بقي الكلام على قول شيخ الإسلام ابن تيمية: «بل ولا في شيءٍ من الأحاديث الصحيحة أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: إنَّ الله ينزل إلى الأرض، وكلُّ حديثٍ روي فيه هذا فإنه موضوعٌ كذبٌ».

ولعلَّ شيخنا الفاضل أبا عبد المعزِّ يقصد الاستشهادَ بهذا الموضع من كلام شيخ الإسلام لتضعيف حديث لقيط بن عامرٍ أبي رزين العقيليِّ لأنَّ فيه «فَأَصْبَحَ رَبُّكَ يَطُوفُ فِي الأَرْضِ».

والجواب من وجوه:

١. أنَّ كلام شيخ الإسلام في هذا الموطن يتبيَّن معناه من السياق فهو يتكلَّم عن أحاديث وضعها الوضَّاعون معروفةٍ عند أهل الصنعة بالكذب والوضع فقد مثَّل -رحمه الله- في نفس كلامه فقال: «مثل حديث الجمل الأورق، وأنَّ الله ينزل عشيَّةَ عرفة فيعانق الركبانَ ويصافح المشاةَ، وحديثٍ آخَرَ أنه رأى ربَّه في الطواف، وحديثٍ آخر أنه رأى ربَّه في بطحاء مكَّة، وأمثال ذلك، فإنَّ هذه كلَّها أحاديث مكذوبةٌ باتِّفاق أهل المعرفة بالحديث». يعني كلَّ هذه الأحاديث وغيرها ممَّا ورد فيه أنَّ الله ينزل فيراه الناس أو بعضهم هي أحاديث موضوعةٌ باطلةٌ وهذا معلومٌ.

٢. التعميم بالحكم في قوله: «وكلُّ حديثٍ روي فيه هذا فإنه موضوعٌ كذبٌ» لا ينفي خصوصَ حديثٍ لقيطٍ بالصحَّة، وكذلك لا يقدح صحَّةُ حديث لقيط في تعميم شيخ الإسلام، بل يُحْمَل العامُّ على الخاصِّ، فهو من العامِّ المخصوص أو العامِّ الذي يراد به الخصوص.

٣. معارضة هذا التضعيف بتصحيح الشيخ له كما في «بيان تلبيس الجهمية».

٤. قول شيخ الإسلام: «بل ولا في شيءٍ من الأحاديث الصحيحة أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: إنَّ الله ينزل إلى الأرض» يحُلُّ الاشكالَ، وذلك أن يقال : إنه يعني الأحاديث الصحيحة التي صحَّت عند الكافَّة أي: البخاري أو مسلمًا ممَّا جُرِّد فيه الصحيح فليس فيها أنَّ الله ينزل إلى الأرض وهو كذلك. وشيخ الإسلام يستعمل مثل هذا اللفظ في كثيرٍ من كلامه -رحمه الله- فيقول: «في الصحيح كذا» و«ثبت في الصحيح» و«ليس في الصحيح كذا» ونحو هذا الكلام، ويقصد به البخاريَّ أو مسلمًا.

٥. أن يقال: تضعيف الشيخ للحديث من قبيل المجمل وتصحيحُه له من قبيل النصِّ فهو مبيَّنٌ.

٦. حديث لقيطٍ: «فَأَصْبَحَ رَبُّكَ يَطُوفُ فِي الأَرْضِ وَخَلَتْ عَلَيْهِ البِلاَدُ» فهذا حين انتهاء الدنيا وقد خَلَت من أهلها، والأحاديث التي عناها شيخ الإسلام تدلُّ على خلاف ذلك، إذ إنها تشير إلى الدنيا فيراه بعض الناس، وهذا موضع الإنكار، لأنه ممَّا يُعلم بطلانه ضرورةً.

٧. إذا وُجد لإمامٍ من الأئمَّة في مسألةٍ ما كلامان أحدهما إيجابٌ والآخر نفيٌ فإنَّ من حسن الظنِّ بالإمام أن يؤخذ كلامه الذي يوافق فيه الأئمَّةَ الأعلام ويُعتذرَ له في الموطن الآخر، فكذلك فليكن هنا.

هذا والله أعلم.. فما كان من صوابٍ فمن الله وما كان من خطإٍ فمنِّي ومن الشيطان والله بريءٌ منه ورسولُه.

وفي الأخير تقبَّلوا منَّا فائقَ الاحترام والتبجيل والتقدير شيخَنا الكريم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

*  أبو مسلم تيارت *

الجواب:

قال المنتقد جزاه الله خيرًا:

قول الشيخ حفظه الله «يشير إلى ما أخرجه أحمد (١٦٢٠٦) وابن أبي عاصمٍ في «السنَّة» (٦٣٦)، من حديث لقيط بن عامرٍ رضي الله عنه الطويل وفيه: «فَأَصْبَحَ رَبُّكَ يَطُوفُ فِي الأَرْضِ وَخَلَتْ عَلَيْهِ البِلاَدُ»» كأنَّ الحديث لم يوجد إلاَّ في هذين الأصلين، ومن عادة الشيخ -حفظه الله- الاستقصاء في تخريج الحديث.

الجواب:

أنَّ هذه الجملة وما في معناها -في حدود علمنا- لم تَرِد من مراجع السنَّة إلاَّ في المرجعين المذكورين وفي «السنَّة» لعبد الله بن أحمد (٢/ ٤٨٥) و«الكبير» للطبراني (١٩/ ٢١١) بلفظ: «يتطوَّف»، فلا يصحُّ ذكرُ ما سواها مع خلوِّها من محلِّ الشاهد.

أمَّا القول بأنَّ «من عادة الشيخ -حفظه الله- الاستقصاءَ في تخريج الحديث» فمِن المعلوم أنَّ المصنَّفات تختلف في طبيعة تأليفها، والبحثُ المنشور في «مجلَّة الإحياء» لم يكن الغرض منه التحقيقَ الموسَّع للأحاديث الواردة في كلام العلماء من حيث أماكنُ ورودها والحكمُ عليها صحَّةً وضعفًا، ودواعي الاختصار تستدعي بيانَ درجة الأخبار دون اللجوء إلى التطويل والتفريع، إذ لهذا الغرض مصنَّفاتٌ خاصَّةٌ معروفةٌ لدى طلبة العلم، فلا لوم على من اقتصر على مرجعٍ واحدٍ بله مرجعين في التخريج ذُكر الحديث فيهما بتمامه ولم يُشِرْ إلى مراجع أخرى اقتصرت على جزءٍ من الحديث، هذا لو كان فيها محلُّ الشاهد، فكيف وقد خلا أكثرها منه؟ هذا، ولو اكتُفي ﺑ«المسند» لَما كان فيه من حرجٍ لأنَّ من عادة بعض المصنِّفين عند تخريج الأحاديث الاكتفاءَ بالصحيحين إن وُجد الحديث بمحلِّ الشاهد فيهما، ثمَّ بسائر الستَّة، ثمَّ بغيرها وفي مقدِّمة ذلك «مسند أحمد» و«موطَّأ مالك».

قال المنتقد:

والحديث المشار إليه أخرجه ابن خزيمة في «التوحيد» (١/ ٤٦٠، ٤٧٠)، والآجريُّ في «كتاب التصديق بالنظر»، وأبو داود (٣٢٦٦)، وعبد الله بن أحمد في «السنَّة» (٢/ ٤٨٥)، والطبرانيُّ في «الكبير» (١٩/ ٢١١، ٢١٤)، والحاكم في «المستدرك» (٤/ ٥٦٠) وقال: «صحيح الإسناد»، والدارقطنيُّ في «الرؤية».

الجواب:

• أمَّا الذي عند ابن خزيمة فالحديث بطوله لكن دون العبارة المذكورة أو ما في معناها: فالذي في سياقه: «تلبثون ما لبثتم ثمَّ يُتوفَّى نبيُّكم صلَّى الله عليه وسلَّم، ثمَّ تلبثون ما لبثتم، ثمَّ تُبعث الصيحة، فلعمر إلهك ما يَدَعُ على ظهرها شيئًا إلاَّ مات، والملائكة الذين مع ربِّك فخَلَت الأرض..»، وليس فيه أنَّ الله ينزل إلى الأرض.

• وأمَّا عند الآجرِّيِّ فذلك في «الشريعة»كتاب «التصديق بالنظر» باب الإيمان بأنَّ الله عزَّ وجلَّ يضحك، وليس فيه إلاَّ الرؤية وهي محلُّ الشاهد للترجمة المذكورة دون ما نحن فيه.

• وأمَّا عند أبي داود فليس فيه إلاَّ قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَعَمْرُ إِلَهِكَ»، وأمَّا عند ابن ماجه (١٨١) ففيه صفة الضحك، وقد ضعَّفهما الألباني من هذا الوجه، وإن كان لعلَّه صحَّح أو حسَّن ما في معناهما فانتُقد على تصحيحه.

• وأمَّا ما عند عبد الله بن أحمد في «السنَّة» فهذا فيه محلُّ الشاهد والخلاف، وقد جاء في موضعٍ آخر منه مختصرًا دون محلِّ الشاهد وهو أصحُّ منه.

• وأمَّا «الكبير» للطبراني ففي الصفحة (٢١٢): «تَلْبَثُونَ مَا لَبِثْتُمْ ثُمَّ تُبْعَثُ الصَّيْحَةُ، لَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا يَدَعُ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ مَاتَ، وَالْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ مَعَ رَبِّكَ، وَأَصْبَحَ رَبُّكَ يَتَطَوَّفُ فِي الأَرْضِ وَخَلَتْ عَلَيْهِ الْبِلاَدُ» بلفظة: «يتطوَّف» بدل «يطوف»، وفيها محلُّ الشاهد والخلاف.

• وأمَّا «مستدرك الحاكم» فانتفى فيه محلُّ الشاهد وإنما المذكور فيه (٤/ ٦٠٥): «تَلْبَثُونَ مَا لَبِثْتُمْ ثُمَّ يُتَوَفَّى نَبِيُّكُمْ، ثُمَّ تَلْبَثُونَ مَا لَبِثْتُمْ ثُمَّ تُبْعَثُ الصَّيْحَةُ، فَلَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا تَدَعُ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ شَيْئًا إِلاَّ مَاتَ، وَالْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ مَعَ رَبِّكَ، فَخَلَتِ الأَرْضُ فَأَرْسَلَ رَبُّكَ السَّمَاءَ تَهْضِبُ مَنْ تَحْتِ الْعَرْشِ».

ومع ذلك فقد قال الذهبيُّ في تعليقه عليه: «يعقوب بن محمَّد بن عيسى الزهريُّ ضعيفٌ».

• وأمَّا ما عند الدارقطنيِّ فليس فيه إلاَّ ذكر الرؤية.

فكيف مع هذا يقال في الجملة السابقة: رواها الجمع المذكورون -والحقيقة أنه أخرجها منهم أربعةٌ- بحكم أنها واردةٌ في بعض روايات حديث أبي رزينٍ العُقيليِّ الطويل، وإنما أخرج فقراتٍ منه أصحابُ السنن وغيرهم من الأئمَّة وأخرجه بعضهم بتمامه، وأصحُّها -وهو سياق ابن خزيمة- خالٍ من الجملة المذكورة.

قال المنتقد:

أخرجه ... (يعني: من سبق ذكرُهم) وابنُ القيِّم في «زاد المعاد» (٣/ ٦٧٧ ) وصحَّحه -رحمه الله- وقال: «هذا حديثٌ كبيرٌ جليلٌ تنادي جلالتُه وفخامته وعظمته على أنه قد خرج من مشكاة النبوَّة، لا يُعرف إلاَّ من حديث عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني، رواه عنه إبراهيم بن حمزة الزبيري، وهما من كبار علماء المدينة، ثقتان محتجٌّ بهما في الصحيح، احتجَّ بهما إمام أهل الحديث محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ، ورواه أئمَّة أهل السنَّة في كتبهم وتلقَّوه بالقبول وقابلوه بالتسليم والانقياد ولم يطعن أحدٌ منهم فيه ولا في أحدٍ من رواته، فممَّن رواه: الإمام ابن الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبلٍ في «مسند أبيه» وفي كتاب «السنَّة»، وقال: «كتب إليَّ إبراهيم بن حمزة بن محمَّد بن حمزة بن مصعب بن الزبير الزبيريُّ: كتبت إليك بهذا الحديث وقد عرضته وسمعته على ما كتبتُ به إليك، فحدِّث به عنِّي». ومنهم الحافظ الجليل أبو بكرٍ أحمد بن عمرو بن أبي عاصمٍ النبيل في كتاب «السنَّة» له. ومنهم الحافظ أبو أحمد محمَّد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان العسَّال في كتاب «المعرفة». ومنهم حافظ زمانه ومحدِّث أوانه أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيُّوب الطبراني في كثيرٍ من كتبه. ومنهم الحافظ أبو محمَّدٍ عبد الله بن محمَّد بن حيان أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب «السنَّة». ومنهم الحافظ ابن الحافظ أبو عبد الله محمَّد بن إسحاق بن محمَّد بن يحيى بن منده، حافظ أصبهان. ومنهم الحافظ أبو بكرٍ أحمد بن موسى بن مردويه. ومنهم حافظ عصره أبو نعيمٍ أحمد بن عبد الله بن إسحاق الأصبهانيُّ، وجماعةٌ من الحفَّاظ سواهم يطول ذكرهم.

وقال ابن منده: روى هذا الحديثَ: محمَّدُ بن إسحاق الصنعانيُّ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهما، وقد رواه بالعراق بمجمع العلماء وأهل الدين جماعةٌ من الأئمَّة منهم: أبو زرعة الرازيُّ، وأبو حاتم، وأبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل، ولم ينكره أحدٌ ولم يتكلَّم في إسناده، بل روَوْه على سبيل القبول والتسليم، ولا ينكر هذا الحديثَ إلاَّ جاحدٌ أو جاهلٌ أو مخالفٌ للكتاب والسنَّة، هذا كلام أبي عبد الله بن منده».

الجواب:

• أمَّا ما ذكره ابن القيِّم عن الإمام البخاريِّ فلعلَّ المراد ما رواه البخاريُّ تعليقًا ومعناه أنه: لا ولادة في الجنَّة، ولا يخفى خلوُّه من الجملة المذكورة.

• ويقال في سائر من ذكر ابن القيِّم أنهم أخرجوا الحديثَ: هل ذكروه بهذه الجملة أوَّلاً؟ وهل ذِكْرُ مَن ذكرها منهم لها دليلٌ على صحَّتها عندهم؟

• وأمَّا سائر الكلام فجوابه: أنه قد قال الألبانيُّ عن كلام ابن القيِّم السابق: «ثمَّ ذكر من رواه من الأئمَّة، ولم يعرِّج على الكلام على أحدٍ من رواته المجهولين، وبمثل ذاك الكلام الخِطابيِّ لا تُصحَّح الأحاديث»    [السلسلة الصحيحة (٦/ ٧٣٦)].

قال المنتقد:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في «بيان تلبيس الجهمية» (٧/ ٤٥): «وأمَّا حديث أبي رزينٍ فهو مشهورٌ في السنن والمسانيد، لكنَّ أهل السنن يختصِرُون من الحديث ما يناسب السُّننَ على عادتهم، فروى أبو داود وابن ماجه عن أبي رزينٍ العقيليِّ قال: قلت: «يا رسول الله أكلُّنا يرى ربَّه مخليًا به يوم القيامة، وما آية ذلك في خَلْقه؟» قال: «يَا أَبَا رَزِينٍ أَلَيْسَ كُلُّكُمْ يَرَى القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ مُخْلِيًا بِهِ»، قلت: «بلى» قال: «فَإِنَّمَا هُوَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ تَعَالَى فَاللهُ أَعْظَمُ». وقد رُوِي مبسوطًا من وجهٍ آخر كما رواه أبو بكر بنُ خزيمة في كتاب «التوحيد» الذي اشترط فيه أنَّه لا يحتج إلاَّ بما ثبت من الأحاديث..».

الجواب:

هذا الكلام ذكره ابن تيمية في سياق إثبات الرؤية وقال بعد ذلك: ورواه من حديث عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن قال ثنا عبد الرحمن بن عيَّاشٍ الأنصاريُّ ثُمَّ السَّمعيُّ عن دلهم بن الأسود بن عبد الله عن أبيه عن عمِّه لَقِيط بن عامر وهو أبو رزينٍ العقيليِّ أنه خرج وافدًا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ومعه نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق».

ثمَّ ساقه ابن تيمية بلفظ ابن خزيمة: حتى قال: «قال: تلبثون ما لبثتم ثُمَّ يتوفى نبيُّكم صلَّى الله عليه وسلم ثمَّ تلبثون ما لبثتم ثُمَّ تُبعث الصيحة فلعمر إلهك ما تَدَعُ على ظهرها شيئًا إلاَّ مات والملائكة الذين مع ربِّك فخَلَت الأرض فأرسل السَّماء تَهْضبُ من تحت العرش فلعمر إلهك ما تَدَعُ على ظهرها من مصرع قتيلٍ ولا مدفن ميت إلاَّ شقَّت القبرَ عنه» دون ذكر نزول الربِّ إلى الأرض.

ثمَّ ساق الحديث إلى آخره وفيه ذكرُ الرؤية وهي محلُّ الشاهد لِما كان بصدد الاحتجاج له ثمَّ قال بعده معلِّقا: «فهذا الحديث ونحوه يدلُّ على أنَّ جميع القيام من قبورهم يرون ربَّهم في أوَّل الأمر، كلُّهم يراه مخليًا به فيسأله ويخاطبه كما تقدَّم، ثُمَّ بعد ذلك ينادي المنادي فيراه المسلمون بمن معهم من المنافقين، ثمَّ بعد ذلك يتميَّزُ المؤمنون وهم الذين يرونه رؤيةَ تنعُّم ويُحجب عنه الكافرون بعد ذلك، إذ الرؤية في عرصات القيامة ليست من النعيم والثواب. وذهب ابن خزيمة وطائفةٌ إلى أنه لا يراه إلاَّ المؤمنون والمنافقون، وذهبت طائفةٌ أخرى إلى أنَّ الكفَّار لا يرونه بحالٍ. وقد تكلَّمنا على هذه المسألة في غير هذا الموضع، والمقصود هنا بيان ما في الأحاديث المشهورة من قوله صلَّى الله عليه وسلم فيرونه في صورةٍ غير صورته التي رأوه فيها أوَّلَ، وأنَّ تلك هي هذه المرَّة التي تجلَّى فيها لفصل القضاء بين عباده فخاطبهم وحاسبهم ثمَّ بعد ذلك جزاهم فأمر أن يتبع كلُّ قومٍ معبودهم»، ثمَّ أتى -رحمه الله- بحديثٍ آخر لابن خزيمة في الرؤية.

فكلام شيخ الإسلام كان في الرؤية، وسياقُ ابن خزيمة الذي استدلَّ به شيخ الإسلام من كتاب «التوحيد» الذي اشترط فيه ابن خزيمة ألاَّ يذكر فيه إلاَّ ما ثبت من الأحاديث ليس فيه ذكرُ نزول الربِّ إلى الأرض، فأيُّ متمسَّكٍ في ذلك لأحدٍ على هذه الدعوى؟

وأنت ترى كيف ذكر ابن تيمية لابن خزيمة مذهبًا في الرؤية غيرَ ما استنبطه ابن تيمية من حديث ابن خزيمة وهو اختصاصُ الرؤية بالمؤمنين والمنافقين دون الكفَّار، وابن تيمية يرى أنَّ ثمَّة رؤيةً للكفَّار وليست رؤيةَ تنعُّمٍ، ثمَّ يراه المؤمنون بمن معهم من المنافقين، ثمَّ يراه المؤمنون وهذه الأخيرة رؤية تنعُّمٍ.

قال المنتقد:

فالحديث كما قال شيخ الاسلام ابن تيمية -رحمه الله- حديثٌ مشهورٌ رواه أهل السنن، فتصحيح هؤلاء الأئمَّة للحديث وقبولهم له يدلُّ على ثبوته.

الجواب:

لعلَّ المراد ثبوت الحديث في الجملة، وإن كان في طُرُقه وإسناده ضعفٌ وجهالةٌ وفي بعض ألفاظه نكارةٌ فإنَّ لسائرها شواهد من غيرها.

قال الهيثميُّ في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٤٠): «رواه عبد الله، والطبراني بنحوه، وأحد طريقي عبد الله إسنادها متَّصلٌ، ورجالها ثقاتٌ، والإسناد الآخر وإسناد الطبرانيِّ مرسلٌ عن عاصم بن لقيطٍ: أنَّ لقيطًا».

وقال ابن كثيرٍ في «البداية والنهاية» (٧/ ٣٣٤): «هذا حديثٌ غريبٌ جدًّا وألفاظه في بعضها نكارةٌ، وقد أخرجه البيهقيُّ في كتاب «البعث والنشور» وعبدُ الحقِّ الإشبيليُّ في «العاقبة» والقرطبيُّ في كتاب «التذكرة في أحوال الآخرة» وسيأتي في كتاب «البعث والنشور» إن شاء الله تعالى».

وقال في الموضع الذي أحال عليه: (١٩/ ٣٤٩): «وقد رواه أبو داود في رواية أبي سعيد بن الأعرابيِّ عن أبي داود، عن الحسن بن عليٍّ، عن إبراهيم بن حمزة، به، قال شيخنا: لعلَّه من زيادات ابن الأعرابي».

على أنَّ كلام ابن تيمية ليس فيه أنَّ هؤلاء الأئمَّة صحَّحوا الحديث، وإنما فيه أنهم روَوْه واشتهر عندهم، والبعض يورده في مصنَّفه مختصرًا بحسب ما يناسب تبويبَه، ولا يخفى أنَّ مجرَّد الرواية للحديث لا تستلزم الحكمَ عليه بالصحَّة.

وقبول الأئمَّة لبعض أجزائه لا يعني قبولَهم له بكلِّ تفاصيله وجزئياته، فمن عادة علماء الحديث تصحيحُ فقراتٍ من الحديث لورود شواهد ترتقي بها وتضعيفُ أخرى لم يأتِ ما يقوِّيها، وهذا ما يُفهم من صنيع الشيخ الألبانيِّ -رحمه الله- في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٦/ ٧٣٢)، وعلى هذا -أيضًا- يُخرَّج قول ابن تيمية -رحمه الله-: «وقد جاء لفظ الشخص في حديثٍ آخر أصحَّ من هذا وهو حديث أبي رزينٍ العقيلي»، فإنَّ تصحيحه لهذا الجزء لِما يشهد له من نصوصٍ أخرى.

وممَّن ضعَّف الحديثَ: محقِّقو «مسند الإمام أحمد» بقولهم (٢٦/  ١٢٨): «إسناده ضعيفٌ، مسلسلٌ بالمجاهيل، عبد الرحمن بن عيَّاش، ودلهم بن الأسود، وأبوه الأسود بن عبد الله بن حاجبٍ مجهولون، ولم يُؤْثَر توثيقهم إلاَّ عن ابن حبَّان كعادته في توثيق المجاهيل، وعاصم بن لقيطٍ إن لم يكن ابن صبرة فهو مجهولٌ كذلك. وبقيَّة رجاله ثقاتٌ».

ولعلَّ التضعيف هنا ليس للحديث ككلٍّ، وإنما هو لفقراتٍ منه أو هو تضعيفٌ لإسناده، فصحَّة الحديث لا تعني صحَّةَ كلِّ طُرُقه وألفاظه.

قال المنتقد:

التعقيب بكلام شيخ الإسلام عند تخريج الحديث في قوله: «هذا الحديث الذي ذكره لم يروِه أحدٌ لا بإسنادٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ....» الخ، يُوهِم أنه يقصد حديثَ أبي رزينٍ لقيط بن عامرٍ وليس بصحيحٍ بل هذا أشبه بالتلبيس، فعند الرجوع إلى موضع كلام شيخ الإسلام في «منهاج السنَّة» (٢/ ٦٣٣) نجد أنه يتكلَّم على حديثٍ أورده الرافضيُّ يعيب به أهلَ السنَّة افتراءً عليهم ...

الجواب:

هذا الأمر -وإن لم يكن مقصودًا(١)- إلاَّ أنَّ الأخذ بمقتضى الملاحظة -وهو البيان- يقتضي تعديلَ المنقول مع الإشارة باختصارٍ: كنحو قولنا: قال ابن تيمية: «وممَّا يبيِّن كذبَ ذلك عليهم [أي: الحكاية التي أوردها الرافضيُّ ابن المطهِّر] أنَّ هذا الحديث الذي ذكره [وهو حديث أنَّ الله ينزل كلَّ ليلة جمعةٍ بشكلِ أمردَ راكبًا على حمارٍ] لم يروِه أحدٌ لا بإسناد صحيحٍ ولا ضعيفٍ ...» كما هو واضحٌ فيما نقله المنتقد جزاه الله خيرًا.

قال المنتقد:

إيهام القارئ بأنَّ شيخ الإسلام يضعِّف الحديثَ وهذا غلطٌ، وذلك أنَّ ابن تيمية -رحمه الله تعالى- ذكر حديثَ أبي رزينٍ في مواضع من كُتُبه مقرًّا له مستشهدًا به على الرؤية والعلوِّ والذات، وذلك جارٍ على تصحيح الأئمَّة له وقبولهم، وقد مرَّ بعض كلامه، بل إنه -رحمه الله- صرَّح بصحَّة الحديث كما في «بيان تلبيس الجهمية» (٧/ ٣٩٢) قال -رحمه الله- وهو يتكلَّم على لفظ الشخص: هل يُطْلَق على الله أم لا؟: «أمَّا هذا اللفظ فقد جاء في الصحيح في بعض طرق حديث المغيرة بن شعبة وترجم البخاريُّ عليه في «كتاب التوحيد» وترجم بعده على قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ﴾ [الأنعام ١٩] فسمَّى الله تعالى نفسَه شيئًا فقال: «باب قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لا شخص أغير من الله»» ثمَّ ذكر حديثَ المغيرة بسنده ثمَّ قال ابن تيمية «قال البخاريُّ: وقال عبيد بن عمرٍو عن عبد الملك: «لا شخص أغير من الله». وقد جاء لفظ الشخص في حديث آخر أصحَّ من هذا وهو حديث أبي رزينٍ العقيليِّ الذي قدَّمناه في أحاديث إتيانه يوم القيامة» ثمَّ ساق ابن تيمية الحديث «قال فيه: «لَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يَجْمَعَكُمْ مِنَ المَاءِ عَلَى أَنْ يَجْمَعَ نَبَاتَ الأَرْضِ، فَتَخْرُجُونَ مِنَ الأَصْوَاءِ مِنْ مَصَارِعِكُمْ فَتَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْكُمْ»، قال: قلت: «يا رسول الله كيف وهو شخصٌ واحدٌ ..»» فهذا تصحيح الشيخ للحديث، إذ إنه أثبت الحديثَ الأوَّل فقال: «فقد جاء في الصحيح في بعض طرق حديث المغيرة بن شعبة» ثمَّ  قال: «وقد جاء لفظ الشخص في حديثٍ آخر أصحَّ من هذا وهو حديث أبي رزينٍ العقيليِّ».

الجواب:

أنَّ صحَّة الحديث لا تعني صحَّة طُرُقه وألفاظه كلِّها كما تقدَّم، على أنه قد جرى العمل على ذِكْرِ الضعيف إذا كان له أصلٌ، كما أنَّ الرواية للحديث لا تستلزم تصحيحَه.

قال المنتقد:

بقي الكلام على قول شيخ الإسلام ابن تيمية: «بل ولا في شيءٍ من الأحاديث الصحيحة أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: إنَّ الله ينزل إلى الأرض، وكلُّ حديثٍ روي فيه هذا فإنه موضوعٌ كذبٌ».

ولعلَّ شيخنا الفاضل أبا عبد المعزِّ يقصد الاستشهادَ بهذا الموضع من كلام شيخ الإسلام لتضعيف حديث لقيط بن عامرٍ أبي رزين العقيليِّ لأنَّ فيه «فَأَصْبَحَ رَبُّكَ يَطُوفُ فِي الأَرْضِ».

الجواب:

الاستشهاد بكلام ابن تيمية كان لتضعيف لفظة الطواف في الأرض أو بالأحرى النزول إلى الأرض على ما ذكره ابن القيِّم بِغَضِّ النظر عن حكم حديث لقيطٍ صحَّةً وضعفًا في الجملة إسنادًا ومتنًا.

قال المنتقد:

أنَّ كلام شيخ الإسلام في هذا الموطن يتبيَّن معناه من السياق، فهو يتكلَّم عن أحاديث وضعها الوضَّاعون معروفةٍ عند أهل الصنعة بالكذب والوضع فقد مثَّل -رحمه الله- في نفس كلامه فقال: «مثل حديث الجمل الأورق، وأنَّ الله ينزل عشيَّةَ عرفة فيعانق الركبانَ ويصافح المشاة، وحديثٍ آخَرَ أنه رأى ربَّه في الطواف، وحديثٍ آخر أنه رأى ربَّه في بطحاء مكَّة، وأمثال ذلك، فإنَّ هذه كلَّها أحاديث مكذوبةٌ باتِّفاق أهل المعرفة بالحديث». يعني كلَّ هذه الأحاديث وغيرها ممَّا ورد فيه أنَّ الله ينزل فيراه الناس أو بعضهم هي أحاديث موضوعةٌ باطلةٌ وهذا معلومٌ.

الجواب:

أنَّ الأصل في اسم الإشارة أن يكون إلى آخر مذكورٍ، فيكون المراد بقول ابن تيمية: «وكلُّ حديثٍ روي فيه هذا فإنه موضوعٌ كذبٌ» هو عينَ المذكور في قوله قبل ذلك مباشرةً وهو: «بل ولا في شيءٍ من الأحاديث الصحيحة أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: إنَّ الله ينزل إلى الأرض».

ثمَّ ما تعقَّب ذلك فإنما هو من ابن تيمية على سبيل التمثيل لا الحصر، فقد قال: «بل ولا في شيءٍ من الأحاديث الصحيحة أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: إنَّ الله ينزل إلى الأرض، وكلُّ حديثٍ رُوي فيه هذا فإنه موضوعٌ كذبٌ»، فهو عامٌّ والمذكور على سبيل التمثيل، كما أنَّ ما ذكره قبل العموم من نزول الباري يوم الجمعة ثمَّ نزوله يوم الجمعة إلى الأرض -وهو أخص- ثمَّ نزوله في شكل أمرد في قوله: «ولا روى أحدٌ من أهل الحديث أنَّ الله تعالى ينزل ليلةَ الجمعة، ولا أنه ينزل ليلةَ الجمعة إلى الأرض، ولا أنه ينزل في شكل أمرد، بل لا يوجد في الآثار شيءٌ من هذا الهذيان» ثمَّ قال بعد ذلك: «بل ولا في شيءٍ من الأحاديث الصحيحة أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: إنَّ الله ينزل إلى الأرض، وكلُّ حديثٍ رُوي فيه هذا فإنه موضوعٌ كذبٌ»، ثمَّ مثَّل بعد ذلك بما ذكره المنتقد جزاه الله خيرًا، فهذا كلُّه ليس فيه حصرٌ في أحد المذكورات.

والتضعيف هنا ليس للحديث ككلٍّ وإنما لمحلِّ الشاهد، فلا يخفى أنَّ صحَّة الحديث لا تعني صحَّةَ كل طُرُقه وألفاظه، والرواية للحديث لا تستلزم التصحيحَ.

قال المنتقد:

- التعميم بالحكم في قوله: «وكلُّ حديثٍ روي فيه هذا فإنه موضوعٌ كذبٌ» لا ينفي خصوصَ حديثٍ لقيطٍ بالصحَّة، وكذلك لا يقدح صحَّةُ حديث لقيط في تعميم شيخ الإسلام بل يُحْمَل العامُّ على الخاصِّ فهو من العامِّ المخصوص أو العامِّ الذي يراد به الخصوص.

- معارضة هذا التضعيف بتصحيح الشيخ له كما في «بيان تلبيس الجهمية».

الجواب:

هذا قد يصحُّ إذا كان سهوًا من شيخ الإسلام أو غفلةً منه عن الحديث بهذا السياق مع وروده في «مسند أحمد» و«السنَّة» لابن أبي عاصمٍ.

كما أنَّ هناك توجيهًا آخر وهو أنَّ عموم تصحيح ابن تيمية للحديث بالجملة واحتجاجَه به لا ينفي تضعيفَه لِما ورد فيه من نزول الله إلى الأرض، لا سيَّما أنها ليست واردةً في سياق ابن خزيمة الذي احتجَّ به وغيرِه. فيصير البحث هنا حديثيًّا.

ومع هذا الاحتمال لا يمكن الجزم بأحد التوجيهين إلاَّ بمرجِّحٍ.

قال المنتقد:

قول شيخ الإسلام: «بل ولا في شيءٍ من الأحاديث الصحيحة أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: إنَّ الله ينزل إلى الأرض» يحلُّ الإشكالَ، وذلك أن يقال : إنه يعني الأحاديث الصحيحة التي صحَّت عند الكافَّة أي: البخاري أو مسلمًا ممَّا جُرِّد فيه الصحيح فليس فيها أنَّ الله ينزل إلى الأرض وهو كذلك. وشيخ الإسلام يستعمل مثل هذا اللفظ في كثيرٍ من كلامه -رحمه الله- فيقول: «في الصحيح كذا» و«ثبت في الصحيح» و«ليس في الصحيح كذا» ونحو هذا الكلام، ويقصد به البخاريَّ أو مسلمًا.

الجواب:

هذا التوجيه كان يُقبل لو قال شيخ الإسلام: «في الصحيح»، أَمَا وقد قال «في الأحاديث الصحيحة» بل قال: «في شيءٍ من الأحاديث الصحيحة» في سياق النفي فالاحتمال غير واردٍ والعمومُ متعيِّنٌ، اللهمَّ إلاَّ أن يقال: وَهِمَ شيخ الإسلام وعزب عن حديث لقيطٍ بهذا السياق، وصنيعُه في ذلك كصنيع سائر كلام العلماء في إرادة الصحيحين بقوله: «في الصحيح».

قال المنتقد:

أن يقال: تضعيف الشيخ للحديث من قبيل المجمل وتصحيحُه له من قبيل النصِّ فهو مبيَّنٌ.

الجواب:

شيخ الإسلام لم يضعِّف حديثَ لقيطٍ في النصِّ المذكور، وإنما نفى أن يكون في حديث صحيحٍ أو ضعيفٍ ذكرُ نزول الله إلى الأرض.

فلقائلٍ أن يقول: إنَّ تصحيحه لحديث لقيطٍ هو تصحيحٌ في الجملة ولا نقول مجملٌ، وتضعيفه بل حُكْمَه بالوضع على ما ورد من نزوله إلى الأرض خاصٌّ، فيكون تضعيفًا لتلك الجملة، وهذا يتَّفق مع ما قاله ابن كثيرٍ من أنَّ في بعض ألفاظه نكارةً، هذا مع قوله: غريبٌ جدًّا كما تقدَّم.

قال المنتقد:

حديث لقيطٍ: «فَأَصْبَحَ رَبُّكَ يَطُوفُ فِي الأَرْضِ وَخَلَتْ عَلَيْهِ البِلاَدُ» فهذا حين انتهاء الدنيا وقد خَلَت من أهلها، والأحاديث التي عناها شيخ الإسلام تدلُّ على خلاف ذلك، إذ إنها تشير إلى الدنيا فيراه بعض الناس، وهذا موضع الإنكار، لأنه ممَّا يُعلم بطلانُه ضرورةً.

الجواب:

إن كان حديث لقيطٍ فيما بعد انقضاء الدنيا وما قبل النشور، فإنَّ كلام ابن القيِّم عمَّا قبل يوم القيامة إلاَّ أن يريد بالقيامة خصوصَ البعث.

وأمَّا كلام شيخ الإسلام فليس بخصوص الأحاديث الممثَّل بها، وإنما هو أعمُّ لعموم قوله: «بل ولا في شيءٍ من الأحاديث الصحيحة أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: إنَّ الله ينزل إلى الأرض»، وأمَّا كون المثال في الدنيا مع ذكر الرؤية فإنَّ عموم كلامه لا يساعد قَصْرَ عمومه بما مثَّل به إلاَّ على تقدير عزوبه عن حديث لقيطٍ.

قال المنتقد:

إذا وُجد لإمامٍ من الأئمَّة في مسألةٍ ما كلامان أحدهما إيجابٌ والآخر نفيٌ فإنَّ من حُسن الظنِّ بالإمام أن يؤخذ كلامه الذي يوافق فيه الأئمَّةَ الأعلام ويُعتذرَ له في الموطن الآخر، فكذلك فليكن هنا.

الجواب:

أنَّ الإسناد فيه غرابةٌ والمتن في بعض ألفاظه نكارةٌ عند ابن كثيرٍ وغيره، فمِن حُسن الظنِّ بشيخ الإسلام ألاَّ يُظنَّ مخالفتُه في ذلك لهم، ولعلَّ أصحاب العقائد إنما أوردوه من باب التحديث بالضعيف الذي لم يشتدَّ ضعفُه إذا كان لمضمونه ومعانيه شواهد كما هو معروفٌ من صنيعهم. والفقرة المذكورة ليست عند ابن خزيمة، فيبقى الحكم موقوفًا على صحَّتها عند غيره بمقتضى الصناعة الحديثية.

ثمَّ إنَّ كلام ابن تيمية قد أمكن جمعُه بما قُلناه، ولا تعارُض فيه ولا يعارض ما ورد عن الأئمَّة، إذ رواية من رواه لا تستلزم تصحيحَه له ولا تنافي تضعيفَ غيره له.

والعلم عند الله تعالى وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا.

إدارة الموقع

الإثنين ٢٩ ربيع الثاني ١٤٣٤ﻫ
الموافـق ﻟ: ١١ مارس ٢٠١٣م

 



(١) فإنَّ في كلام ابن تيمية ما يُشعر بأنَّ المراد هو ما ذكره المردود عليه الرافضيُّ ابن مطهِّرٍ الحلِّيُّ، فإنَّ حديث لقيطٍ قد ذكرنا أنه من رواية أحمد في «المسند» وابن أبي عاصمٍ في «السنَّة» ولم تكن العبرة بخصوص الحديث الذي أورده، وإنما هي بعموم كلام ابن تيمية، وإنما لم يحسن البدء من قوله: «ولا روى أحدٌ من أهل الحديث أنَّ الله ...».