فصل [في المجاز] | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 17 ربيع الآخر 1442 هـ الموافق لـ 03 ديسمبر 2020 م

تمام العبارة
في الاستدراكات على كتابِ «الإنارة» شرح «الإشارة»
لأبي الوليد سليمان بنِ خلف الباجي ـ رحمه الله ـ
(ت: ٤٧٤ﻫ
(

الحلقة الثانية ]

فصل
[في المجاز]

 

إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالكِتَابُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مَجَازٌ وَحَقِيقَةٌ(١).

فَأَمَّا المَجَازُ(٢): فَهُوَ كُلُّ(٣) لَفْظٍ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْ(٤) مَوْضُوعِهِ(٥)، وَهُوَ عَلَى(٦) أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ:

s زِيَادَةٌ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ [النساء: ١٥٥](٧).

s وَنُقْصَانٌ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسۡ‍َٔلِ ٱلۡقَرۡيَةَ [يوسف: ٨٢](٨).

s وَتَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلۡمَرۡعَىٰ٤ فَجَعَلَهُۥ غُثَآءً(٩) أَحۡوَىٰ(١٠)٥ [الأعلى](١١).

s وَاسْتِعَارَةٌ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلۡ بِئۡسَمَا يَأۡمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمۡ [البقرة: ٩٣]، وَقَوْلِهِ(١٢): ﴿وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ [الإسراء: ٢٤]، *وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ [العنكبوت: ٤٥].

[ش] الحقيقة: فعيلةٌ مِنَ الحقِّ، وسيأتي الكلام عنها لاحقًا.

وأمَّا المجاز فمُشتَقٌّ مِنَ الجواز، والجوازُ في الأماكن حقيقةٌ وهو العبور، ويُستعمَلُ في المعاني؛ فهو طريقُ المعنى بالقول، ويُسمَّى بذلك لأنَّ أهل اللغة يُجاوِزون به عن أصل الوضع توسُّعًا منهم، فمِنْ ذلك قولُهم: «جاوز فلانٌ قَدْرَه» إذا تعدَّاه، وقد شاع في كلام العرب وذاع أنَّ اللفظ المُستعمَل في غيرِ ما وُضِع له يُسمَّى مجازًا، والمتكلِّمُ به يُسمَّى متجوِّزًا.

واستعمل المصنِّفُ ـ رحمه الله ـ لفظَ «تُجُوِّزَ» في الحدِّ، وهو مِنَ التعريف بلفظ المُعَرَّف، ويُستحسَنُ عند العلماء صونُ الحدود عن ذلك، ويمكن تعريفُه بأنه: «اللفظ المُستعمَل في غيرِ ما وُضِع له أصلًا لعلاقةٍ بينهما مع وجودِ قرينةٍ صارفةٍ عن إرادة المعنى الأصليِّ»(١٣).

هذا، وقد جَعَل المصنِّفُ ـ رحمه الله ـ قسمةَ المجاز في القرآن الكريم رُباعيَّةً تبعًا لشيخه أبي إسحاقَ الشيرازيِّ(١٤) ـ رحمه الله ـ كما جاء في «شرح اللُّمَع» و«التبصرة»(١٥)، والقسمةُ نَفْسُها ذَكَرها الكلوذانيُّ(١٦) ـ رحمه الله ـ في «التمهيد»(١٧)، وزاد آخَرون أقسامًا أخرى(١٨)، قال الشوكانيُّ(١٩) ـ رحمه الله ـ مُعقِّبًا على مَنْ قَيَّدَ آحادَ المجاز بعددٍ: «واعْلَمْ أنَّه لا يُشترَطُ النقلُ في آحاد المجاز، بل العلاقةُ كافيةٌ والمُعتبَرُ نوعُها، ولو كان نقلُ آحاد المجاز مُعتبَرًا لَتوقَّف أهلُ العربيَّة في التجوُّز على النقل، ولوَقَعَتْ منهم التخطئةُ لمَنِ استعمل غيرَ المسموع مِنَ المجازات، وليس كذلك بالاستقراء؛ لذلك لم يدوِّنوا المجازاتِ كالحقائق، وأيضًا لو كان نقليًّا لَاسْتُغنِيَ عن النظر في العلاقة لِكفايةِ النقل وكُلُّ مَنْ له عِلمٌ وفَهمٌ يعلم أنَّ أهل اللغة العربية ما زالوا يخترعون المجازاتِ عند وجود العلاقة ومع نصبِ القرينة، وهكذا مَنْ جاء بعدهم مِنْ أهل البلاغة في فَنَّيِ النَّظْم والنَّثْر، ويتمادحون باختراع الشيء الغريب مِنَ المجازات عند وجود المصحِّح للتجوُّز، ولم يُسمَعْ عن واحدٍ منهم خلافُ هذا»(٢٠).

ـ يُتبَع ـ

الإثنين 19 المحرم 1442هـ
الموافق لـ 07 سبتمبر 2020م



(١) «ت»: «على ضربٍ مِنْ مجازٍ وحقيقةٍ«.

(٢) «أ»: «فالمجاز«.

(٣) «كُلُّ« ساقطةٌ مِنْ: «ن»، وفي «ت»: «فكُلُّ«.

(٤) «أ»: «عن غيرِ موضعه«.

(٥) انظر: «التبصرة» للشيرازي (١٧٨)، «إحكام الفصول» (١٨٨) و«الحدود» (٥٢) كلاهما للباجي.

(٦) «ت»: «فعلى«.

(٧) انظر مجازَ الزيادة في: «شرح اللُّمَع» (١/ ١٦٩) و«التبصرة» (١٧٨) كلاهما للشيرازي، «إحكام الفصول» للباجي (١٨٨)، «التمهيد» للكلوذاني (١/ ٨١)، «المحصول» للفخر الرازي (١/ ١/ ٣٩٩)، «نهاية السول» للإسنوي (١/ ٢٧٣)، «الإبهاج» للسبكي وابنِه (١/ ٣٠٥)، «البرهان» للزركشي (٢/ ٢٧٤)، «مناهج العقول» للبدخشي (١/ ٢٦٩)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (١/ ١٦٩)، «شرح العَضُد» (١/ ١٦٧)، «المَحَلِّي» على «جمع الجوامع» (١/ ٣١٧)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (٢٤).

(٨) انظر مجازَ النقصان في: «شرح اللُّمَع» (١/ ١٦٩) و«التبصرة» (١٧٨) كلاهما للشيرازي، «إحكام الفصول» للباجي (١٨٨)، «التمهيد» للكلوذاني (١/ ٨١)، «المحصول» للفخر الرازي (١/ ١/ ٤٠٠)، «نهاية السول» للإسنوي (١/ ٢٧٣)، «الإبهاج» للسبكي وابنه (١/ ٣٠٧)، «البرهان» للزركشي (٢/ ٢٧٤)، «مناهج العقول» للبدخشي (١/ ٢٧٠)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (١/ ١٧٥)، «المَحَلِّي» على «جمع الجوامع» (١/ ٣١٧).

(٩) الغُثاء: ما يَبِس مِنَ النبت فحمَلَتْه الأوديةُ وأَلْوَتْ به الرياحُ، [انظر: «تفسير الفخر الرازي» (٣١/ ١٤١)، «لسان العرب» لابن منظور (٢/ ٩٥٩)].

(١٠) الأحوى: الأسود مِنَ الخُضرة؛ ويكون تقديرُ التقديم والتأخير فيه كالآتي: إنَّ الله تعالى أَخرجَ المَرَاعِيَ وأَنبتَ الأخضرَ المائلَ إلى السواد مِنْ فرطِ خُضرَتِه، ثمَّ صيَّره هشيمًا متغيِّرًا.

وقد تأتي الآيةُ خاليةً مِنَ التقديم والتأخير بالمعنى الآتي: أَخرجَ اللهُ النبتَ الأخضر، ثمَّ حوَّله هشيمًا جافًّا يابسًا أسودَ بعد اخضراره، [انظر: «تفسير الفخر الرازي» (٣١/ ١٤١)، «تفسير القرطبي» (٢٠/ ١٧)، «لسان العرب» لابن منظور (١/ ٧٦٤، ٢/ ٩٥٩)، «تفسير ابن كثير» (٤/ ٥٠٠)، «فتح القدير» للشوكاني (٥/ ٤٢٣)].

(١١) انظر مجازَ التقديمِ والتأخير في: «شرح اللُّمَع» (١/ ١٦٩) و«التبصرة» (١٧٨) كلاهما للشيرازي، «إحكام الفصول» للباجي (١٨٨)، «التمهيد» للكلوذاني (١/ ٨٢)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (١/ ١٧٨).

(١٢) «قوله« ساقطةٌ مِنْ: «ن».

(١٣) انظر: «إرشاد الفحول» للشوكاني (٢١).

(١٤) هو أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ عليِّ بنِ يوسف بنِ عبد الله الملقَّبُ بجمال الدِّين الشيرازيِّ، كان عالِمًا فقيهًا أصوليًّا متكلِّمًا، وله مُؤلَّفاتٌ علميَّةٌ قيِّمةٌ عديدةٌ منها: «المهذَّب في فقه الإمام الشافعيِّ» و«شرح اللُّمَع» و«التبصرة» في أصول الفقه، و«المَعونة في الجدل»، و»طبقات الفقهاء»، وغيرُها مِنَ الكُتُب النافعة، وُلِد بفيروزآبادَ سنةَ: (٣٧٣ﻫ)، وتُوُفِّيَ ـ رحمه الله ـ سنةَ: (٤٧٦ﻫ).

انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (١١/ ١٤١)، «ترتيب المدارك» للقاضي عياض (٢/ ٦٩٦)، «سِيَر أعلام النُّبَلاء» (١٧/ ٥٥٤) و«دُوَل الإسلام» (٢٥٧) و«تذكرة الحُفَّاظ» (٣/ ١١٠٣) كُلُّها للذهبي، «الكامل» لابن الأثير (٩/ ٥١٤)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١٢/ ٥٠)، «طبقات المفسِّرين» للداودي (١/ ٣٧٢)، «طبقات الحُفَّاظ» للسيوطي (٤٢٥)، «نفح الطِّيب» للمَقَّري (٢/ ٧٠)، «الفكر السامي» للحَجْوي (٢/ ٤/ ٢٠٨)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٣/ ٢٥٤)، «شجرة النور» لمخلوف (١/ ١٠٤)، «مرآة الجنان» لليافعي (٣/ ٥٥)، «هديَّة العارفين» للبغدادي (٥/ ٤٣٧)، «وفيات ابن قنفذ» (٥٥)، «الرسالة المُستطرَفة» للكتَّاني (٢٣)، «تاريخ التراث العربي» لسزكين (١/ ٣٨٨)، ومؤلَّفي: «الإعلام» (٢١٣).

(١٥) انظر: «شرح اللُّمَع» (١/ ١٦٩) و«التبصرة» (١٧٨) كلاهما للشيرازي.

(١٦) هو أبو الخطَّاب محفوظ بنُ أحمد بنِ الحسن الكلوذانيُّ البغداديُّ الحنبليُّ، تلميذُ أبي يعلى بنِ الفرَّاء، أحَدُ علماءِ المذهب وأعيانِه، كان فقيهًا أصوليًّا أديبًا شاعرًا، له تصانيفُ مُفيدةٌ، منها: «التمهيد» في الأصول، و«الهداية» في الفقه، و«التهذيب» في الفرائض؛ تُوُفِّيَ سنةَ: (٥١٠ﻫ).

انظر ترجمته في: «الكامل» (١٠/ ٥٢٤) و«اللباب» (٣/ ١٠٧) كلاهما لأبي الحسن بنِ الأثير، «سِيَر أعلام النُّبَلاء» (١٩/ ٣٤٨) و«دُوَل الإسلام» (٢/ ٣٧) كلاهما للذهبي، «مرآة الجنان» لليافعي (٨/ ٤١)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١٢/ ١٨٠)، «ذيل طبقات الحنابلة» لابن رجب (١/ ١١٦)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٤/ ٢٧)، ومؤلَّفي: «الإعلام» (٢٧٢).

(١٧) انظر: «التمهيد» للكلوذاني (١/ ٨١).

(١٨) انظر: «المحصول» للرازي (١/ ١/ ٤٤٩)، «التمهيد» للإسنوي (١٨٦)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (١/ ١٥٦)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (٢٣).

(١٩) هو أبو عبد الله محمَّد بنُ عليِّ بنِ محمَّدٍ الشوكانيُّ ثمَّ الصنعانيُّ اليمنيُّ، الفقيه المحدِّث الأصوليُّ النظَّار، عُرِف بالإمام المجتهد؛ له تصانيفُ كثيرةٌ ومفيدةٌ، منها: «فتحُ القدير» في التفسير، و«نيلُ الأوطار» في الحديث، و«إرشادُ الفحول» في الأصول؛ تُوُفِّيَ سنةَ: (١٢٥٠ﻫ).

انظر ترجمته في: «البدر الطالع» له (٢/ ٢١٤)، «الفتح المبين» للمراغي (٣/ ١٤٤)، «الرسالة المُستطرَفة» للكتَّاني (١١٤)، «الأعلام» للزركلي (٦/ ٢٩٨)، «معجم المؤلِّفين» لكحالة (٣/ ٥٤١)، «الإمام الشوكاني، حياته وفكره» د. عبد الغني قاسم غالب الشرجبي، و«الإمام الشوكاني مُفسِّرًا» لمحمَّد حسن الغماري، ومؤلَّفي: «الإعلام» (٣٧١).

(٢٠) «إرشاد الفحول» للشوكاني (٢٤) بتصرُّف.