فصل في الظاهر | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 17 المحرم 1444 هـ الموافق لـ 15 أغسطس 2022 م

تمام العبارة

في الاستدراكات على كتابِ «الإنارة» شرح «الإشارة»

لأبي الوليد سليمان بنِ خلف الباجي ـ رحمه الله ـ

(ت: ٤٧٤ﻫ)

[ الحلقة السادسة ]

فصل [ في الظاهر ]

فَأَمَّا الظَّاهِرُ فَهُوَ المَعْنَى الَّذِي يَسْبِقُ إِلَى فَهْمِ السَّامِعِ مِنَ المَعَانِي الَّتِي يَحْتَمِلُهَا اللَّفْظُ(١)(٢) كَأَلْفَاظِ الأَوَامِرِ(٣) نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ[البقرة: ٤٣، ٨٣، ١١٠؛ النساء: ٧٧؛ النور: ٥٦؛ المُزَّمِّل: ٢٠]، ﴿فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ[التوبة: ٥]؛ فَهَذَا اللَّفْظُ إِذَا وَرَدَ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الأَمْرِ، وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الإِبَاحَةُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَلَلۡتُمۡ فَٱصۡطَادُواْ[المائدة: ٢]، وَالتَّعْجِيزُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلۡ كُونُواْ حِجَارَةً أَوۡ حَدِيدًا ٥٠[الإسراء]، وَالتَّهْدِيدُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ٱعۡمَلُواْ مَا شِئۡتُمۡ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٤٠[فُصِّلَتْ]، وَالتَّعَجُّبُ بِنَحْوِ قَوْلِكَ: «أَحْسِنْ بِزَيْدٍ!»، وَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ يَوۡمَ يَأۡتُونَنَا[مريم: ٣٨]، *وَالتَّكْوِينُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِ‍ِٔينَ[البقرة: ٦٥؛ الأعراف: ١٦٦]*(٤)(٥)؛ إِلَّا أَنَّهُ أَظْهَرُ(٦) فِي الأَمْرِ(٧) مِنْهُ فِي سَائِرِ مُحْتَمَلَاتِهِ؛ فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ، إِلَّا أَنْ تَرِدَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ المُرَادَ بِهِ غَيْرُ الأَمْرِ؛ فَيُعْدَلُ عَنْ(٨) ظَاهِرِهِ إِلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ(٩)(١٠).

[ش] تعريف المصنِّف ـ رحمه الله ـ للظاهر لا يخرج عمَّا تقدَّم ذِكرُه عنه مِنَ التمييز بينه وبين سائر الألفاظ الأخرى، وهو أَنْ يكون اللفظُ يحتمل معنيَيْن فزائدًا، إلَّا أنَّ المعنى الذي يسبق إلى الفهم ويتبادر إلى الذهن أرجحُ مِنَ المعاني الأخرى التي يحتملها اللفظُ، ويعود ذلك إلى عُرْف الاستعمال مِنْ لغةٍ أو شرعٍ أو عُرفٍ، وأنَّ المعنى الظاهر للَّفظ موضوعٌ له على الحقيقة؛ لأنَّ الحقيقة هي كُلُّ لفظٍ بقي على موضوعه، ومعنى ذلك: أنَّ اللفظ المُستعمَل فيما وُضِع له على حقيقته اللغوية أو الشرعية أو العرفية قد يُستعمَل فيما يُقابِل الحقيقةَ إذا دلَّ دليلٌ على ذلك، فيُعْدَل عن الحقيقة إلى المجاز اللغويِّ أو الشرعيِّ أو العرفيِّ بحسبه، وهو المؤوَّل ـ كما تقدَّم ـ(١١).

فإِنْ لم يَرِدْ دليلٌ أو قرينةٌ صارفةٌ فهو على ما سَبَق فهمُ السامع إليه مِنَ المعنى؛ إذ المرادُ به ما هو أظهرُ حقيقةً، ولا يُتعدَّى به عمَّا وُضِع له.

والمصنِّف ـ رحمه الله ـ مثَّل للظاهر بألفاظ الأوامر؛ فإنَّ صيغة الأمر «افْعَلْ» مُستعمَلةٌ في اللغة في مواضعَ كثيرةٍ؛ فهي وإِنْ كانَتْ تُستعمَلُ في معنى الأمر الذي هو: القولُ الدالُّ على طلب الفعل على جهة الاستعلاء مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ[البقرة: ٤٣، ٨٣، ١١٠؛ النساء: ٧٧؛ النور: ٥٦؛ المُزَّمِّل: ٢٠] ونحوها، إلَّا أنه يجوز أَنْ تُستعمَل في غيرِ معنى الأمر فيرادَ بصيغة الأمر: الإذنُ والإباحة أو التعجيز أو التهديد أو التعجُّب أو التكوين ونحوُها، على أمثلةٍ تطبيقيةٍ ساقَها المصنِّف ـ رحمه الله ـ، غير أنَّ المعنى المُتبادِر منها إلى ذهن السامع وفهمِه هو الأمرُ دون سائر المعاني والمُحتمَلات الأخرى التي يحتملها اللفظُ.

وعليه، فإنَّ صيغة الأمر مجازٌ في هذه المعاني، وحقيقةٌ في معنى الأمر باتِّفاقٍ(١٢).

وحكمُه: أَنْ يصير السامعُ إلى معناه الظاهرِ منه ـ وهو الأمر ـ وأَنْ يعمل بما دلَّ عليه مِنَ الأحكام وجوبًا على مذهب الجمهور، ولا يجوز له أَنْ يعدل عن ذلك المعنى الظاهرِ فيه إلى المُحتمَل المرجوح، إلَّا إذا قامَتْ قرينةٌ أو دليلٌ صحيحٌ يدلُّ على أنَّ المرادَ به غيرُ الأمر، فيعدل عن ظاهره إلى ما يدلُّ عليه الدليلُ.

هذا، وجديرٌ الملاحظةُ والتنبيه إلى أمرين:

الأوَّل: أنَّ المصنِّف ـ رحمه الله ـ اقتصر ـ في تمثيله ـ على ذِكرِ سببٍ مِنْ أسباب الظاهر، وهو الحقيقة التي يُقابِلها المجاز، وهي على أقسامٍ ثلاثةٍ: حقيقةٍ لغويةٍ، وحقيقةٍ شرعيةٍ، وحقيقةٍ عرفيةٍ، دون التعرُّض للأسباب الأخرى(١٣).

الثاني: أنَّ المصنِّف ـ رحمه الله ـ اقتصر على ذِكْر بعض المعاني للأمر تمثيلًا، وزاد بعضُهم:

ـ الإرشاد: كقوله تعالى في آية الدَّيْن: ﴿فَٱكۡتُبُوهُ[البقرة: ٢٨٢]، وقولِه: ﴿وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡ[البقرة: ٢٨٢].

ـ التأديب: كقوله عليه الصلاة والسلام: «وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ»(١٤).

ـ التسوية: كقوله تعالى: ﴿فَٱصۡبِرُوٓاْ أَوۡ لَا تَصۡبِرُواْ[الطور: ١٦].

ـ الإهانة: كقوله تعالى: ﴿ذُقۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡكَرِيمُ ٤٩[الدخان].

ـ الاحتقار: كقوله تعالى: ﴿فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ[طه: ٧٢].

ـ الامتنان: كقوله تعالى: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ[البقرة: ٥٧، ١٧٢؛ الأعراف: ١٦٠؛ طه: ٨١].

ـ الإكرام: كقوله تعالى: ﴿ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ءَامِنِينَ ٤٦[الحِجْر]

ـ الدعاء: كقوله تعالى: ﴿فَٱغۡفِرۡ لَنَا[آل عمران: ١٦، ١٩٣؛ الأعراف: ١٥٥؛ المؤمنون: ١٠٩].

ـ التمنِّي: كقول امرئ القيس(١٥): أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِ(١٦).

ـ المشورة: كقوله تعالى: ﴿فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰ[الصافَّات: ١٠٢].

ـ الاعتبار: كقوله تعالى: ﴿ٱنظُرُوٓاْ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ[الأنعام: ٩٩].

ـ التَّكذيب: كقوله تعالى: ﴿قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١١١[البقرة: ١١١؛ النمل: ٦٤].

ـ التَّحسير والتَّلهيف: كقوله تعالى: ﴿قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡ[آل عمران: ١١٩].

ـ التَّصبير: كقوله تعالى: ﴿فَذَرۡهُمۡ يَخُوضُواْ وَيَلۡعَبُواْ[الزخرف: ٨٣؛ المَعارج: ٤٢].

وغيرها مِنَ المعاني التي تبلغ ـ في جملتها ـ ستَّةً وعشرين معنًى(١٧).

ـ يُتبَع ـ



(١) «أ»: «فهو المعنى الذي يسبق إلى فهمِ سامعه مِنَ المعاني التي يحتملها اللفظُ».

«ت»: «فهو ما سَبَق إلى فهمِ سامعه معناهُ الذي وُضِع له ولم يمنعه مِنَ العلم به ـ مِنْ جهة اللغة ـ مانعٌ»، وهو مُوافِقٌ لِمَا جاء في «المنهاج» للباجي (١٦)، وفيه تبديلُ كلمةِ: «اللغة» إلى «اللفظ».

(٢) انظر: «الحدود» للباجي (٤٣).

وعند الأصوليِّين تعريفاتٌ مُختلِفةٌ للظاهر.

انظر: «العُدَّة» لأبي يعلى (١/ ١٤٠)، «المعونة في الجدل» للشيرازي (١٢٨)، «البرهان» للجُوَيْني (١/ ٤١٦)، «أصول السرخسي» (١/ ١٦٣)، «المستصفى» للغزَّالي (١/ ٣٨٤)، «ميزان الأصول» للسمرقندي (٣٤٩)، «روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ٢٩)، «الإحكام» للآمدي (٢/ ١٩٨)، «منتهى السول» لابن الحاجب (١٤٥)، «شرح تنقيح الفصول» للقرافي (٣٧)، «مفتاح الوصول» للتلمساني (٥١٤) بتحقيقي، «المسوَّدة» لآل تيمية (٥٧٤)، «التعريفات» للجرجاني (١٤٣)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (١٧٥).

(٣) «أ»: «الأمر».

(٤) ما بين النجمتين ساقطٌ مِنْ: «أ، ت».

(٥) انظر المعانيَ التي تُستعمَلُ فيها صيغةُ: «افْعَلْ» في الكُتُب الأصوليَّة التالية: «المُعتمَد» لأبي الحسين (١/ ٤٩)، «العُدَّة» لأبي يعلى (١/ ٢١٩)، «شرح اللُّمَع» للشيرازي (١/ ١٩١)، «أصول السرخسي» (١/ ١٤)، «المستصفى» (١/ ٤١٧) و»المنخول» (١٣٢) كلاهما للغزَّالي، «المحصول» للفخر الرازي (١/ ٢/ ٥٧)، «روضة الناظر» لابن قدامة (٢/ ٦٥)، «الإحكام» للآمدي (٢/ ١٣)، «منتهى السول» لابن الحاجب (٩٠)، «مفتاح الوصول» للتلمساني (٤٠٨) بتحقيقي، «الإبهاج» للسبكي وابنه (٢/ ١٥)، «نهاية السول» للإسنوي (٢/ ١٣)، «التحصيل» للسراج الأرموي (١/ ٢٧٢)، «مناهج العقول» للبدخشي (٢/ ١٣)، «فواتح الرحموت» للأنصاري (١/ ٣٧٢)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (٣/ ١٧)، «المَحَلِّي» على «جمع الجوامع» (١/ ٣٧٢)، «المختصر» لابن اللحَّام (٩٨)، «غاية الوصول» لأبي يحيى (٦٤)، «عمدة الحواشي» للكنكوهي (١٢٢)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (٩٧).

(٦) «إلَّا أنه أَظهَرُ» ساقطةٌ مِنْ: «ت».

(٧) «أ»: «أَظهَرُ منه في الأمر».

(٨) «ت»: «على»، وهو تصحيفٌ.

(٩) «ن»: «الدليل عليه».

(١٠) انظر: «إحكام الفصول» (١٩٠) و»المنهاج» (١٦) كلاهما للباجي.

(١٢) انظر: «مفتاح الوصول» للتلمساني (٤١٠) بتحقيقي.

(١٤) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأطعمة» (٩/ ٥٢١) باب التسمية على الطعام والأكلِ باليمين، ومسلمٌ في «الأشربة» (١٣/ ١٩٣) باب آداب الطعام والشراب وأحكامِهما، مِنْ حديثِ عمر بنِ أبي سلمة رضي الله عنهما.

والفرق بين التأديب والإرشاد: أنَّ الإرشاد لمصالح الدنيا ومنافعها؛ فإنه لا ينقص الأجرُ والثواب بترك الإشهاد في البيوع والمداينات ولا يزيد بفعله، أمَّا الأدب فمندوبٌ إليه؛ فإنَّ الندب فيه الثوابُ في الآخرة، ويُفارِق الإرشادَ ـ أيضًا ـ بأنه لحقِّ غيره، [انظر: «مفتاح الوصول» للتلمساني (٤٠٨) بتحقيقي، «إرشاد الفحول» للشوكاني (٩٧)].

(١٥) هو امرؤ القيس بنُ حُجر بنِ الحارث بنِ عمرٍو الكِنْديُّ، الشاعر الجاهليُّ المشهور، عاش في اللهو ونظمِ الشعر؛ مِنْ آثاره: ديوانُ شِعرٍ أَشهَرُه: المعلَّقة، يقوم شِعرُه على منطق العاطفة وعلى التشبيه، ويمتاز بالاكتفاء والتلميح والابتكار؛ تُوُفِّيَ سنةَ: (٥٤٠م).

انظر ترجمته في: «طبقات فحول الشُّعَراء» للجُمَحي (١/ ٥١، ٥٢، ٨١)، «الشِّعر والشُّعَراء» لابن قُتَيْبة (١٢)، «المُؤتلِف والمُختلِف» لأبي القاسم الآمدي (٩)، «الفهرست» لابن النديم (١٧٧)، «خزانة الأدب» للبغدادي (١/ ٣٢٩)، «اختياراتٌ مِنْ كتاب الأغاني» للنصِّ (١/ ٢٩)، «تاريخ الأدب العربي» للفاخوري (٧٦)، «تاريخ الأدب» لعبد النافع وإبراهيم يوسف (٤٣)، «العرب قبل الإسلام» لزيدان (٢٨٨)، ومؤلَّفي: «الإعلام» (٥٢).

(١٦) والشطر الثاني مِنَ البيت: بِصُبْحٍ وَمَا الإِصْبَاحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ.

انظر: «ديوان امرئ القيس» (٤٩)، «تاريخ الأدب العربي» للفاخوري (٩٠).