فصل في تعريف الأمر بضربَيْه: الواجب والمندوب | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 2 ربيع الأول 1444 هـ الموافق لـ 28 سبتمبر 2022 م

تمام العبارة

في الاستدراكات على كتابِ «الإنارة» شرح «الإشارة»

لأبي الوليد سليمان بنِ خلف الباجي ـ رحمه الله ـ

(ت: ٤٧٤ﻫ)

[الحلقة السابعة]

 

فصل
[في تعريف الأمر بضربَيْه: الواجب والمندوب]

إِذَا(١) ثَبَتَ ذَلِكَ فَالأَمْرُ: اقْتِضَاءُ الفِعْلِ بِالقَوْلِ(٢) عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعْلَاءِ وَالقَهْرِ وَالقَسْرِ(٣)(٤).

وَهُوَ(٥) عَلَى ضَرْبَيْنِ: وَاجِبٍ وَمَنْدُوبٍ إِلَيْهِ(٦).

s فَالوَاجِبُ: مَا كَانَ فِي تَرْكِهِ عِقَابٌ مِنْ حَيْثُ هُوَ تَرْكٌ لَهُ عَلَى وَجْهٍ مَا(٧)، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ[البقرة: ٤٣].

s وَالمَنْدُوبُ إِلَيْهِ: هُوَ المَأْمُورُ بِهِ الَّذِي فِي فِعْلِهِ ثَوَابٌ وَلَيْسَ فِي تَرْكِهِ عِقَابٌ(٨) مِنْ حَيْثُ هُوَ تَرْكٌ لَهُ عَلَى وَجْهٍ مَا(٩)، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَاتِبُوهُمۡ إِنۡ عَلِمۡتُمۡ فِيهِمۡ خَيۡرٗاۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمۡ[النور: ٣٣].

[ش] عرَّف المصنِّف ـ رحمه الله ـ الأمرَ بأنه «اقتضاءُ الفعلِ بالقول على وجه الاستعلاء والقهر والقسر».

والمراد بالأمر هو: القول الدالُّ على طلب الفعل واستدعائه؛ فخَرَج بذلك طلبُ الترك وهو النهيُ، ويتميَّز الأمرُ ـ أيضًا ـ عن الإباحة بأنَّ المُبيحَ لا يستدعي الفعلَ وإنما يأذن فيه، بخلاف الأمر فإنه يستدعيه على وجهِ ما هو آمرٌ به مِنْ وجوبٍ أو ندبٍ.

ـ وقوله: «بالقول» أي: صيغة الأمر القولية؛ لتتميَّز بذلك عن الإشارات والرموز والحركات والفعل الذي يستدعي بغير قولٍ؛ فإنها وإِنْ سُمِّيَتْ أوامرَ فهي مجازيةٌ؛ لأنَّ الطلب مِنْ لوازم الأمر الحقيقيِّ، وصيغة «افْعَلْ» مِنْ لوازم الطلب؛ وعليه فالأصلُ المقرَّرُ أنَّ الكلام يُحْمَل على حقيقته في العبارات القوليَّة اللسانيَّة، لا في الإشارات والرموز وغيرها مِنَ المعاني النفسانيَّة.

ـ وقوله: «على وجه الاستعلاء والقهر والقسر» فهذا مِنِ اختصاص الأمر الذي يتميَّز به عن الشفاعة والرغبة والخضوع؛ إذ إنَّ الآمر يستدعيه على وجه الغلبة والقهر: كأمر الله لعباده، وأمرِ السلطان لرعيَّته، وأمرِ الأب لأولاده، وأمرِ السيِّد لعبده؛ فيأتي الآمرُ فيها متَّصِفًا بالترفُّع على المأمور، وبالاستعلاء والقسر، ويخرج مِنْ هذا القيد: طلبُ الفعل واستدعاؤه بالقول على جهة الدعاء والالتماس.

هذا، وبيَّن المصنِّف ـ رحمه الله ـ أنَّ الأمر ضربان: واجبٌ ومندوبٌ.

فعرَّف الواجبَ بأنه: «ما كان في تركه عقابٌ مِنْ حيث هو تركٌ له على وجهٍ ما».

ـ فقوله: «ما كان في تركه عقابٌ»: احترازٌ يتميَّز به الواجبُ عن المندوب إليه؛ إذ ليس في ترك المندوب إليه ولا المُباحِ عقابٌ، كمَنْ تَرَك صلاةَ الفرض حتَّى فات وقتُها مِنْ غيرِ عذرٍ: استحقَّ العقابَ، بخلافِ مَنْ تَرَك صلاةَ النفل(١٠) أو تَرَك الوقوفَ المُباح: لم يُستحَقَّ بشيءٍ مِنْ ذلك العقاب.

علمًا أنَّ الواجب يتَّفِق مع المندوب إليه في أنَّ في فعله ثوابًا؛ فأشار المصنِّفُ ـ رحمه الله ـ إليه في المندوب دون الواجب.

ـ وقوله: «مِنْ حيث هو تركٌ له»: قيدٌ للواجب يُحترَزُ به مِنْ ترك المندوب إليه والمُباحِ إلى معصيةٍ؛ فإنَّ استحقاق العقاب عليهما ليس مِنْ جهةِ أنه ترك المندوب إليه والمُباح، ولكِنْ مِنْ جهةِ اقترافه المعصيةَ.

ـ وقوله: «على وجهٍ ما»: قيدٌ آخَرُ للاحتراز مِنَ الواجب المخيَّر فيه، مثل كفَّارة اليمين؛ فإنَّ المكلَّف يُخيَّر بين إحدى الخصال الثلاث: الإطعام، والكسوة، والعتق؛ فهي واجبةٌ جميعُها على الصحيح، وتَبْرَأ ذِمَّةُ المكلَّف بفعلِ واحدٍ منها، أي: أنه لو أتى ببدلٍ لِمَا تَرَكه مِنَ الواجب فلا إثمَ عليه ولو تَرَك بقيَّةَ الخصال.

ومثَّل المصنِّف ـ رحمه الله ـ للواجب بآيةِ: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ[البقرة: ٤٣]؛ فهذه الآية دليلٌ جزئيٌّ تفصيليٌّ يأمر فيه اللهُ تعالى بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؛ وبناءً على قاعدةِ أنَّ «الأمر يقتضي الوجوبَ» ـ لأنَّ لفظ الأمر في الوجوب أظهرُ منه في الندب إذا وَرَد اللفظُ عاريًا مِنَ القرائن ـ فإنه يُحْكَم على الصلاة والزكاة بالوجوب؛ فالصلاةُ واجبةٌ بالأمر الذي تضمَّنه الدليل التفصيليُّ في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾، والزكاة واجبةٌ ـ أيضًا ـ بالدليل التفصيليِّ في قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ﴾.

وحكمُ الواجب ـ إذَنْ ـ هو: لزومُ القيام به، واستحقاقُ الثواب على فعله والعقابِ على تركه مِنْ غير عذرٍ، والحكمُ بالكفر على مَنْ أنكره إذا كان الدليلُ على ثبوته قطعيًّا، ولا يُوجِبُ ذلك الحكمَ إِنْ كان الدليلُ على ثبوته ظنِّيًّا، وهذا هو اصطلاح الجمهور مِنَ الفقهاء.

والمصنِّف ـ رحمه الله ـ عرَّف المندوبَ إليه بأنه: «هو المأمور به الذي في فعله ثوابٌ وليس في تركه عقابٌ مِنْ حيث هو تركٌ له على وجهٍ ما».

ـ فقوله: «هو المأمور به»: فقَدْ وَصَف المصنِّف ـ رحمه الله ـ المندوبَ بذلك لبيانِ أنه مأمورٌ به حقيقةً، وهو مذهب الجمهور، خلافًا لمَنْ نفى أَنْ يكون المندوبُ مأمورًا به حقيقةً، وإنما هو مأمورٌ به مجازًا، وهو مذهبُ بعض الحنفية كالكرخيِّ والرازيِّ وغيرهما(١١).

ويؤكِّد هذه الصفةَ بقوله: «الذي في فعله ثوابٌ» لأنَّ المندوب مطلوبٌ فعلُه كالواجب: يَستحِقُّ فاعلُه الأجرَ والثواب، غيرَ أنَّ المندوب مطلوبٌ مِنَ الشارع مع عدمِ ذمِّ تاركه، فلا يَستحِقُّ العقابَ على تركه له، وإذا كان الطلبُ أمرًا مِنَ الشارع فالمندوبُ إليه مأمورٌ به.

وهذه الصفة قيدٌ يخرج منه المُحرَّم والمكروه والمُباح؛ لأنَّ الشارع لم يطلب فِعْلَها، وتخرج ـ أيضًا ـ الأحكامُ المتعلِّقة بخطاب الوضع والتي لم يُطلَب مِنَ العبد فعلُها.

ـ وقوله: «وليس في تركه عقابٌ»: قيدٌ آخَرُ تخرج به الأحكامُ السابقة، كما يخرج الواجبُ بجميع أنواعه؛ لأنَّ تاركَ الواجبِ مذمومٌ، بخلافِ تارك المندوب فلا يُذَمُّ ولا يُعاقَب(١٢).

ـ وقوله: «مِنْ حيث هو تركٌ له على وجهٍ ما»: قيدٌ يُحترَز به مِنَ الواجب المخيَّر؛ لأنَّ المُخاطَب لا يُذَمُّ على تركه ـ في الجملة ـ إذا فَعَل أحَدَ المأموراتِ المخيَّر فيها، ويخرج الواجبُ الموسَّع لأنَّ المكلَّف لا يُذَمُّ على تركه في أوَّل الوقت؛ وإنما يَلْزَم ـ في الواجب المخيَّرِ ـ الذمُّ واستحقاقُ العقابِ بتركِ كُلِّ المأمورات، ويَلْزَم ـ في الواجب الموسَّعِ ـ الذمُّ واستحقاقُ العقاب بترك الفعل المأمور به حتَّى فوات الوقت(١٣).

هذا، وساق المصنِّف ـ رحمه الله ـ مثالًا على المندوب مِنَ القرآن في قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمۡ إِنۡ عَلِمۡتُمۡ فِيهِمۡ خَيۡرٗاۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمۡۚ[النور: ٣٣]؛ فإنَّ لفظ: ﴿فَكَاتِبُوهُمۡ﴾ أمرٌ بمكاتبة السيِّدِ عَبْدَه ليصير حرًّا، غير أنَّ الأمر بالمكاتبة للندب لا للإلزام؛ وذلك لوجودِ قرينتين صارفتين مِنَ الوجوب إلى الندب وهما:

ـ الأولى: قرينةٌ سياقيةٌ واردةٌ بعد الأمر بالمكاتبة، وهي قوله تعالى: ﴿إِنۡ عَلِمۡتُمۡ فِيهِمۡ خَيۡرٗا﴾؛ فجَعَل المكاتبةَ معلَّقةً على علم المالك بأنَّ في العبد خيرًا وصلاحًا.

ـ الثانية: قرينةٌ خارجيَّةٌ، وهي القاعدة الشرعيَّة العامَّة في حقوق المِلكيَّة التي تُقرِّر أنَّ للمالك مُطْلَقَ حرِّيَّة التصرُّف في مِلْكه، ولا يُشْرَع إجبارُ المالك على تصرُّفٍ مُعيَّنٍ إلَّا عند مُقتضَيَات المصلحة العامَّة أو الضرورة أو الحاجة الداعية إلى ذلك.

ولمَّا كانَتْ مِلْكيةُ العبد ثابتةً للمالك في أوَّل الآية في قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَبۡتَغُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ[النور: ٣٣]؛ دلَّ ذلك على أنَّ الأمر مصروفٌ مِنَ الوجوب إلى الندب للصارفَيْن السابقَيْن.

ـ يُتبَع ـ



(١) «ن»: «وإذا».

(٢) «أ»: «والقول».

(٣) «والقسر» ساقطةٌ مِنْ: «ن، ت»، وقد وردَتْ كلمةُ: «القصر» بالصاد في مخطوط: «أ»، وكذا في مخطوطةِ: «الحدود» للباجي، ولعلَّها تصحيفٌ لكلمة: «القسر» التي هي بمعنى القهر.

(٤) انظر: «الحدود» للباجي (٥٢).

وللعلماء تعريفاتٌ مُختلِفةٌ للأمر، [انظر: «شرح اللُّمَع» (١/ ١٩١) و«التبصرة» (١٧) كلاهما للشيرازي، «البرهان» للجُوَيْني (١/ ٢٠٣)، «المستصفى» (١/ ٤١١) و«المنخول» (١٠٢) كلاهما للغزَّالي، «ميزان الأصول» للسمرقندي (٨٥)، «التمهيد» للكلوذاني (١/ ١٢٤)، «المحصول» للفخر الرازي (١/ ٢/ ١٩، ٢٢)، «روضة الناظر» لابن قدامة (٢/ ٦٢)، «الإحكام» للآمدي (٢/ ١١)، «منتهى السول» لابن الحاجب (٨٩)، «فتح الغفَّار» لابن نُجَيْم (١/ ٦٢)، «نهاية السول» للإسنوي (٢/ ٣)، «التعريفات» للجرجاني (٣٧)، «بيان المختصر» للأصفهاني (٢/ ١١)، «فواتح الرحموت» للأنصاري (١/ ٣٧٠)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (٣/ ١٠)، «مناهج العقول» للبدخشي (٢/ ٣)، «المغني» للخبازي (٢٧)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (٩٢)].

(٥) «ت»: «هو».

(٦) «ت»: «وجوبٌ وندبٌ».

(٧) انظر: «الحدود» للباجي (٥٣).

وللواجب حدودٌ أخرى يمكن مُراجَعتُها في: «المستصفى» للغزَّالي (١/ ٦٥)، «المحصول» للفخر الرازي (١/ ١/ ١١٧)، «روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ٩٠)، «الإحكام» للآمدي (١/ ٧٤)، «منتهى السول» لابن الحاجب (٣٣)، «شرح تنقيح الفصول» للقرافي (٧١)، «تقريب الوصول» لابن جُزَيٍّ (١٢٣) بتحقيقي، «نهاية السول» للإسنوي (١/ ٤١)، «التعريفات» للجرجاني (٢٤٩)، «المسوَّدة» لآل تيمية (٥٧٥)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (٦).

(٨) «ت»: «والندب ما كان في فعله ثوابٌ، ولم يكن في تركه عقابٌ».

(٩) انظر: «الحدود» للباجي (٥٥).

وللمندوب تعريفاتٌ أخرى، [انظر: «المستصفى» للغزَّالي (١/ ٦٦)، «المحصول» للفخر الرازي (١/ ١/ ١٢٨)، «روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ١١٢)، «الإحكام» للآمدي (١/ ٩١)، «منتهى السول» لابن الحاجب (٣٩)، «شرح تنقيح الفصول» للقرافي (٧١)، «تقريب الوصول» لابن جُزَيٍّ (١٢٣) بتحقيقي، «نهاية السول» للإسنوي (٤٦)، «التعريفات» للجرجاني (٢٣١)، «مناهج العقول» للبدخشي (٤٦)، «شرح الورقات» للعبَّادي (٢٦)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (٦)].

(١٠) وجديرٌ بالتنبيه: أنَّ السنن والرواتب وإِنْ كان يجوز تركُها أحيانًا إلَّا أنه لا يجوز ـ على الصحيح ـ تركُها مطلقًا أو تركُ بعضها مُطلقًا؛ لأنَّ المداومة على تركها يعكس ـ بالمُقابِل ـ عدمَ الاكتراث بسُنَن المصطفى صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم والاقتداءِ بهديه، وعدمَ المبالاة بشرع الله تعالى، وقد نصَّ بعضُ الأئمَّة على أنَّ تارك السنن الرواتب مُطلقًا تُرَدُّ شهادتُه لسقوط عدالته مِنْ جهةِ نقصان دِينه وتهاونِه فيه؛ قال النوويُّ ـ رحمه الله ـ في [«المجموع» (٤/ ٣٠)]: «مَنْ واظب على ترك الراتبة أو تسبيحاتِ الركوع والسجود رُدَّت شهادتُه لتهاونِه بالدِّين» [انظر الفتوى رقم: (١٠٤٧) الموسومة ﺑ: «في المحافظة على السنن الرواتب المؤكَّدة» على موقعي الرسميِّ على الشبكة العنكبوتية].

(١١) انظر الاختلافَ في مسألة الأمر: هل هو حقيقةٌ في الندب؟ في المصادر التالية: «المستصفى» للغزَّالي (١/ ٧٥)، «الإحكام» للآمدي (١/ ٩١)، «تيسير التحرير» لبادشاه (٢/ ٢٢٢)، «فواتح الرحموت» للأنصاري (١/ ١١١ ـ ١١٢).

(١٢) انظر التنبيهَ السابق الوارد في (الهامش رقم: ١٠).

(١٣) انظر: «المستصفى» للغزَّالي (١/ ٦٦)، «الإحكام» للآمدي (١/ ٩١)، «نهاية السول» للإسنوي (١/ ٦٢).