السـؤال:
جاء في كتاب «الفقه على المذاهب الأربعة» لابن
الجزيري(١-
(1/413) دار المعارف.)،
تحت عنوان: «حكم إمامة من بلسانه لثغ» ما يلي:
«...ومن هذا تعلم أنَّ المالكية لا يشترطون لصحة
الإمامة أن يكون اللسان سليمًا».
وقد جاء في فتواكم (برقم:71) من فتاوى الصلاة: «في
حكم إمامة من يلحن في القراءة» قولكم: «..أمَّا
مذهب المالكية فلا تصحُّ إمامة اللحان في الفاتحة
أو في غيرها».
فهل هناك فرق بين من يحيل المعنى غير متعمِّد في
ذلك، مع من يكون لسانه غيرَ سليم؟
الجـواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على
مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله
وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
فاعلم -وفَّقك الله- أنه يوجد فرقٌ بين العامد
والساهي والعاجز والألثغ، أمَّا إمامة من يتعمَّد
اللَّحن فحرام فلا تصحُّ صلاته، وصلاة من خلفه
باتفاق المذهب المالكي(٢-
وهذا أيضًا باتفاق المذاهب الأربعة. [انظر: «حاشية الدسوقي»: (1/329)، «الإنصاف» للمرداوي: (2/262)، «مغني المحتاج» للشربيني: (1/240)، و«الفتاوى الهندية» للشيخ نظام وجماعة من علماء الهند: (1/81)].)،
كما اتفق أهل المذهب على صِحَّة صلاة الساهي
والعاجز طبعًا لا يقبل التعليم.
وأمَّا صلاة الألثغ وإمامته فصحيحة على الأظهر
لعجزه عن النطق السليم، لقوله تعالى:
﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ
نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:
286]، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم:
«إِذَا أَمَرْتُكُمْ
بِأمْرٍ فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»(٣-
أخرجه البخاري في «الاعتصام بالكتاب والسنة» (3/519) باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومسلم (1/608) في «الحج» رقم (1337)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.)،
وقيل: غير ذلك، ويختلفون في إمامة الجاهل وغيره
ممَّن يقبل التعليم، وكذا في اللحن الجَلِّي
والخفي على أقوالٍ ستة في المذهب، ومن هذه
الأقوال: عدمُ صحةِ إمامِ اللحان سواء كان لحنه في
الفاتحة أو في غيرها، وقد نقل هذا القول ابن رشد
في «البيان والتحصيل»(٤-
(1/449).)،
والصاوي في «بلغة السالك لأقرب المسالك»(٥-
(1/157).)،
ومحمَّد عليش في «شرح منح الجليل»(٦-
(1/217).)،
ومحمَّدُ بنُ عَرَفَةَ الدُّسُوقِيُّ في «حاشية
الشرح الكبير» للدردير ومعه تقريرات محمَّد عليش(٧-
(1/329).).
وحاصل المسألة يذكرها الدُّسوقي بقوله: «أنَّ
اللاَّحن إن كان عامدًا بَطَلت صلاتُه وصلاةُ من
خَلْفه باتفاق، وإن كان ساهيًا صَحَّت باتِّفاق،
وإن كان عاجزًا طبعًا لا يقبل التعليم فكذلك
لأنَّه ألكنُ، وإن كان جاهلاً يقبل التعليم فهو
محلُّ خلاف سواءٌ أمكنه التعلُّم أم لا، وسواء
أمكنه الاقتداء بمن لا يَلْحَنُ أم لا، وإنَّ أرجح
الأقوال فيه صِحَّةُ صلاةِ مَن خلفه وأحرى صلاتَهُ
هو لاتِّفاق اللخميِّ وابنِ رشدٍ عليها.
وأمَّا حكم الاقتداء على الاقتداء باللاحن
فبالعامد حرام، وبالألكن جائز، وبالجاهل مكروه إن
لم يجد من يقتدي به، وإلاَّ فحرام كما يدلُّ عليه
النقل، ولا فَرْقَ بين اللحن الجليِّ والخفيِّ في
جميع ما تقدم»(٨-
«حاشية الدسوقي على الشيخ الكبير»: (1/329).).
والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ
للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا
محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين،
وسَلَّم تسليمًا.
الجزائر في: 30 صفر 1431ﻫ
الموافق ﻟ: 14 فبراير 2010م