الجمعة 18 شعبان 1431 هـ   الموافق لـ: 30 يوليو 2010 م

 

عدد الزوار:  7.986.533

  

 

 

رحاب الأدب

 

 

تقديـم


يسرُّ إدارة موقع الشيخ محمد علي فركوس-حفظه الله- أن تقدم للزوار الكرام المهتمين بالأدب العربي باقة من المواضيع الأدبية مقسمة إلى سبعة أجزاء مرتبة على الشكل التالي:

البيان في نصوص الوحي، قواعد وفوائد، اللغة، مختارات شعرية، الحكم والأمثال، الملح والنوادر، أزهار متناثرة.  يدرج في كل يوم خميس  من الأسبوع مادة من كل صنف، كما أن الإدارة تعلم عن إدراج موضوع واحد كل يوم خميس.

وفق الله الجميع لما يحب ويرضى

إدارة الموقع

 

قواعد وفوائد


52- الحرف «نَعَمْ» ومعانيه

«نَعَمْ»: حرف تصديقٍ ووعدٍ وإعلام.

«نَعَمْ»: لها في اللغة ثلاثة معان:

الأول : أن تكون حرف تصديق، وذلك بعد الخبر.

الثاني: أن تكون حرف وعد، وذلك بعد الطلب.

الثالث: أن تكون حرف إعلام، وذلك بعد الاستفهام.

الأول:  إنْ جاءت "نعم" بعد الخبر فهي للتصديق مثل: لو قال لك إنسان: "جاء محمد"، فقلت: نعم، ماذا تريد بقولك: نعم؟ تريد تصديق خبره، يعني: بدل أن تقول: صدقت في قولك: "جاء زيد" اكتفيت بقولك: نعم، فنعم بعد الإخبار تكون للتصديق."نعم": حرف تصديق لا محل له من الإعراب.  

الثاني: أن تكون بعد الطلب، إذا جاءت بعد الطلب فهي حرف وَعْد، إذا قيل:  "حَافِظْ على الصلاة" فقلت: "نعم"، فمعنى نعم، يعني تعده بأنك ستنفذ هذا الأمر وتحافظ على الصلاة، ، أو قال لك أبوك مثلا: "اذْهَبْ إلى السوق" فقلت:" نعم"ماذا يفهم منك؟ أنك ستنفذ هذا الأمر، إذن هي بعد الطلب للوعد.

الثالث: بعد الاستفهام للإعلام،تقول: هل حضر أخوك؟ فتقول: نعم. ما الذي حصل بـ( نعم )؟ الإعلام بالثبوت، أعلمته بثبوت حضور أخيه أو أخيك، فهي إذن بعد الاستفهام للإعلام، ولهذا تجد أن البلاغيين يُعرّفون الاستفهام بأنه: طلب العلم بشيء لم يكن معلوما من قبل. فأنت إذا قلت له: ( نعم ) أعلمته بشيء لم يكن يعرفه من قبل.

[«شرح مختصر قواعد الإعراب» لعبد الله الفوزان (95) -بتصرف -]

 

الملح والنوادر


51- من غريب اللغة

- قال أبو الحسن: كان غلام يقعّر في كلامه فأتى أبا الأسود الدؤلي يلتمس بعض ما عنده فقال له أبو الأسود: ما فعل أبوك، قال: أخَذتْهُ الحُمَّى فطبَخَتْه طبْخًا، و فتَخَتْه فتخا، وفضخته فضخا، فتَرَكَتْه فرخا، فقال أبو الأسود: فما فعلت امرأته التي كانت تُشَارُّهُ وتُمارُّهُ وتُهارُّهُ وتُزارُّهُ، قال: طلّقها وتزوَّجتْ غيرَه فرَضِيَتْ وحَظِيَتْ وبَظِيَتْ، قال أبو الأسود: قد علمنا رضيت وحظيت فما بظيت، قال: بظيت حَرْفٌ من الغريب لم يَبْلُغْكَ، قال أبو الأسود: يا بُنيَّ كلُّ كلمة لا يعرفها عمُّك فاسترها كما تستر السِّنَّوْر خَرْءَهَا.

- قال أبو الحسن: مرَّ أبو علقمة النحوي ببعض طرق البصرة وهاجت به مرة، فوثب عليه قوم منهم فأقبلوا يعضّون إبهامه ويؤذنون في أذنه، فأفلت من أيديهم فقال مالكم تَتَكَأْكَأُونَ عليَّ كأنَّكم تتكأكأون على ذي جِنَّة افْرَنْقِعُوا عنِّي، قالوا: دعوه فإن شيطانه يتكلم بالهندية.

- وقال أبو الحسن: هاج بأبي علقمة الدم، فأُتِيَ بحجام فقال للحجام: اشدُدْ قصب الملازم وأَرْهِفْ ظباتِ المشارط، وأسرِعِ الوضع، وعجِّلِ النزع، وليكن شرطك وخزا، ومصك نهزا، ولا تكرهن أبيّا، ولا تردن أتيّا، فوضع الحجام محاجمه في جونته وانصرف.

 

[«البيان والتبيين» للجاحظ: (1/ 38)]

 

اللـغة


50- القول: مشتقاته ومعانيه

قال أبو الفتح عثمان بن جِنِّي: «إنّ معنى (قول) أين وُجِدت وكيف وقعت من تقدُّم بعض حروفها على بعض وتأخُّره عنه إنما هو للخفوف والحركة، وجهات تراكيبها الست مستعملة كلها لم يهمل شيء منها وهي: « ق و ل»، «ق ل و»، «و ق ل»، «و ل ق»، «ل ق و»،« ل و ق».

- الأصل الأول: «ق و ل» وهو القول، وذلك أن الفم واللسان يخفان له ويقلقان، ويمذلان به، وهو بضد السكوت الذي هو داعية إلى السكون، ألا ترى أن الابتداء لمّا كان أخذا في القول لم يكن الحرف المبدوء به إلا متحركا ولمّا كان الانتهاء به أخذا في السكوت لم يكن الحرف الموقوف عليه إلا ساكنا.

- الأصل الثاني: «ق ل و»، منه القِلْوُ حمار الوحش وذلك لخفته وإسراعه... ومنه قولهم: قلَوْت البُسر والسويق فهما مقلوَّان وذلك لأن الشيء إذا قلي جفّ وخفّ فكان أسرع إلى الحركة وألطف...

] -الأصل [الثالث: «و ق ل»، منه الوَقِل للوَعِل وذلك لحركته، وقالوا توقّل في الجبل إذا صعد فيه وذلك لا يكون إلا مع الحركة والاعتِمال...

] -الأصل[ الرابع: «و ل ق»، قالوا وَلَقَ يلِق إذا أسرع، قال الشماخ: جاءت به عنس من الشأم تلِقْ، أي تخف وتُسرع، وقُرئ : ﴿إ إِذْ تَلِقُونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ[النور : 15] أي تخِفّون وتُسرعون...

] -الأصل[ الخامس:«ل و ق»، «وجاء في الحديث لا آكل من الطعام إلا ما لوق لي» أي ما خدِم وأعمِلت اليد في تحريكه وتلبيقه حتى يطمئن وتتضام جهاته، ومنه اللٌّوقة للزبدة وذلك لخفتها وإسراع حركتها وأنها ليست لها مُسكة الجُبْن...

] -الأصل[ السادس: «ل ق و» ، منه اللَّقْوَة للعُقاب، قيل لها ذلك لخفتها وسرعة طيرانها...، واللَّقوة الناقة السريعة اللَّقاح وذلك لأنها أسرعت إلى ماء الفحل فقَبِلته ولم تَنْبُ عنه...»

[«الخصائص» لابن جِنِّي (5 فما بعدها) مع شيء من الحذف]

 

الحكم والأمثال


49- الصبر

المثل هو: عند الصّباحِ يَحْمَد القومُ السُّرى

معناه: إذا سَرَى (مشى) القوم بالليل قطعوا أرضا كثيرة و الأرض تُطْوَى بالليل لمن يمشيها فإذا أصبحوا حَمِدوا سَيْرَهُم. 

و يُضرَبُ: في الحثّ على احتمال المشاق و الصّبرِ عليها رجاءَ الرّاحة.

قصّته: هذا المثل بيت من رجز وقع في شعر الشمّاخ، و ذلك أنه سافر في قوم من بني ثعلبة، فمشوا حتى إذا كانوا قريبا من تيماء، قال الشماخ لابن أخيه: اِنزل فَاحْدُ بنا، فنزل فحدا بهم ثم نزل القوم للحداء واحدا بعد واحد، فوقعت أراجيزهم في ديوان الشماخ، فَنُسِبَت إليه، و أوّل الرجز:

                  طافَ خيالٌ مِـن سُلَيمى فاعـتـرى

                  بِنَجْدٍ أو تيماء أو وادي القُـــرَى

                  فمنــعَ النـــومَ و مـنَّى بالمُنى

 و في آخره:

                  عِندَ الصّباحِ يَحْمدُ القومُ السُّرى

                  و تَنجَلِـي عنهم غيابات الكَرى

[«معجم كنوز الأمثال» لكمال خلايلي: (100)]

 

البيان في نصوص الوحي


48- البراءة من المشركين

(الجزء الأول)

  ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ(5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)

 وسيكون الحديث عن هذه الآية وبلاغتها في الأوجه الآتية:

المسألة الأولى: وهي فائدة تكرار الأفعال فقيل فيه وجوه أحدها إن قوله : ﴿لا أعبد ما تعبدون﴾ [ الكافرون: 2 ]، نفي للحال والمستقبل وقوله : ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾[ الكافرون : 3 ]، مقابله أي لا تفعلون ذلك . وقوله: ﴿ولا أنا عابد ما عبدتم﴾[ الكافرون: 4 ]، أي لم يكن مني ذلك قط قبل نزول الوحي. ولهذا أتى في عبادتهم بلفظ الماضي فقال: ما عبدتم فكأنه قال: لم أعبد قط ما عبدتم. وقوله: ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ [ الكافرون: 5 ]، مقابله أي لم تعبدوا قط في الماضي ما أعبده أنا دائماً . وعلى هذا فلا تكرار أصلاً، وقد استوفت الآيات أقسام النفي ماضياً وحالاً ومستقبلاً عن عبادته وعبادتهم بأوجز لفظ وأخصره وأبينه . وهذا إن شاء الله أحسن ما قيل فيها فلنقتصر عليه، ولا نتعداه إلى غيره، فإن الوجوه التي قيلت في مواضعها فعليك بها.
المسألةالثانية: وهي تكريره الأفعال بلفظ المستقبل حين أخبر عن نفسه وبلفظ الماضي حين أخبر عنهم ففي ذلك سر، وهو الإشارة والإيماء إلى عصمة الله له عن الزيغ والانحراف عن عبادة معبوده، والاستبدال به غيره، وأن معبوده واحد في الحال والمآل على الدوام لا يرضى به بدلاً ولا يبغي عنه حولاً بخلاف الكافرين فإنهم يعبدون أهواءهم، ويتبعون شهواتهم في الدين وأغراضهم . فهم بصدد أن يعبدوا اليوم معبوداً وغداً غيره فقال : ﴿لا أعبد ما تعبدون﴾[ الكافرون:
2 ] يعني الآن ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾[ الكافرون: 3 ]، أنا الآن أيضاً ، ثم قال: ﴿ولا أنا عابد ما عبدتم﴾
[ الكافرون: 4 ] يعني ولا أنا فيما يستقبل يصدر مني عبادة لما عبدتم أيها الكافرون، وأشبهت ما هنا رائحة الشرط، فلذلك وقع بعدها الفعل بلفظ الماضي وهو مستقبل في المعنى . كما يجيء ذلك بعد حرف الشرط، كأنه يقول: مهما عبدتم من شيء فلا أعبده أنا.

 وأما المسألة الثالثة: وهي أنه لم يأت النفي في حقهم إلا باسم الفاعل وفي جهته جاء بالفعل المستقبل تارة، وباسم الفاعل أخرى، فذلك والله أعلم لحكمة بديعة وهي أن المقصود الأعظم براءته من معبوديهم بكل وجه وفي كل وقت، فأتى أولاً بصيغة الفعل الدالة على الحدوث والتجدد، ثم أتى في هذا النفي بعينه بصيغة اسم الفاعل الدالة على الوصف والثبوت، فأفاد في النفي الأول أن هذا لا يقع مني، وأفاد في الثاني أن هذا ليس وصفي ولا شأني فكأنه قال: عبادة غير الله لا تكون فعلاً لي، ولا وصفاً، فأتى بنفيين لمنفيين مقصودين بالنفي، وأما في حقهم ، فإنما أتى بالاسم الدال على الوصف والثبوب دون الفعل، أي إن الوصف الثابت اللازم العائد لله منتف عنكم، فليس هذا الوصف ثابتاً لكم، وإنما ثبت لمن خص الله وحده بالعبادة لم يشرك معه فيها أحداً، وأنتم لما عبدتم غيره فلستم من عابديه وإن عبدوه في بعض الأحيان فإن المشرك يعبد الله ويعبد معه غيره، كما قال أهل الكهف: ﴿وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله﴾ [ الكهف: 16 ] أي اعتزلتم معبودهم إلا الله فإنكم لم تعتزلوه، وكذا قال المشركون عن معبودهم: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [ الزمر: 3 ] فهم كانوا يعبدون الله ويعبدون معه غيره ، فلم ينتف عنهم الفعل لوقوعه منهم ونفي الوصف، لأن من عبد غير الله لم يكن ثابتاً على عبادة الله موصوفاً بها، فتأمل هذه النكتة البديعة كيف تجد في طيّها أنه لا يوصف بأنه عابد الله، وعبده المستقيم على عبادته إلا من انقطع إليه بكليته، وتبتل إليه تبتيلاً لم يلتفت إلى غيره ، ولم يشرك به أحداً في عبادته وإنه وإن عبده وأشرك به غيره ، فليس عابداً لله ولا عبداً له . وهذا من أسرار هذه السورة العظيمة الجليلة التي هي إحدى سورتي الإخلاص. وهذا لا يفهمه كل أحد، ولا يدركه إلا من منحه الله فهماً من عنده فله الحمد والمنة....يتبع

[«بدائع الفوائد» لابن القيم:(2/ 112)]

 

أزهار متناثرة


47- وصِيّة

أوصى عبد الحميد الكاتب الكتّاب فقال:

« تنافسوا معشر الكتّاب في صنوف العلم والأدب، وتفقّهوا في الدين، وابدؤوا بعلم كتاب الله عز وجل والفرائض، ثم العربية فإنها ثِقافُ ألسنتكم، وأَجِيدوا الخطَّ فإنه حلية كتبكم، و ارووا الأشعار و اعرفوا غريبها و معانيها، و أيام العرب والعجم أحاديثها وسيرها، فإن ذلك معين على ما تسعون إليه بهممكم، ولا يضعفنّ نظركم الحساب فإنه قوام كتاب الخراج منكم »

[«أدب الوصايا والمواعظ» للنحوي: (216)]

 

 

مختارات شعرية


46- فضل العلم و الحث عليه

 

قال العلاّمة الحافظ الحكمي – رحمه الله - :

  العِلمُ أغلى و أحلـى مـا له استمَـعتْ     أُذْنٌ و أعْـربَ عنـه ناطقٌ بِفمِ

  العلمُ غايتُه القصْوى ورتبـتُه الـ    ـعلياءُ فاسْـعَوْا إليه يا أولي الهِمَــمِ

  العلم أشـرفُ مطلـوبٍ و طالبـُــه     للهِ أكرمُ مَنْ يَمْشِي عَـلى قـدَمِ

  العلـمُ نــورٌ مبينٌ يسـتضـيء به     أهلُ السعادة و الجهّال في الظُّلَـمِ

  العلـم أعْلَى حياةٍ للعباد كــمــا     أهـلُ الجهـالةِ أمـواتٌ بجهلهمِ

  لا سَمْع لا عَقْل بل لا يُبْصِرونَ وفِي السْـ      سَعِيـرِ مُعْتَـرِفٌ كُلٌّ بِذَنْبِهِمِ

  فالجَهْلُ أَصْــلُ ضَلاَلِ الخَلْـقِ قاطِبـَةً      وأصْـلُ شَقْوَتِهِمْ  طُرًّا وظلمهم  

 والعِلْمُ أصْــلُ هُداهُـمْ مَعْ سَعـادَتِهِمْ      فلا يَضِلُّ ولا يَشْقى ذَوُو الحِكَمِ
  والخَوفُ بالجهْـلِ والحُـزْنُ الطـويلُ بِهِ  
   وعَن أُولِي العِلْمِ مَنْفِيَّانِ فَاعْتَصِمِ

  الـعِلْــمُ واللهِ مِــيـراثُ النُّبُـوَّةِ لا      ميراثَ يُشْبِهُهُ طوبَى لِمُقْتـَسِمِ
  لأنَّهُ إرْثُ حَـــقٍّ دائِــم أبَــدًا   
  وما سِــواهُ إلى الإِفْنَاءِ والعَـدَمِ

  العلم يا صَـاحِ يَسْتغفِـرْ لصـاحبِـه     أهلُ السماواتِ والأرَضِين من لَمَمِ

  كذاك تَستَـغفـرُ الحيتــانُ في لجَُـجٍ     من البحـارِ له في الضوءِ و الظُّلمِ

  وإنَّ أجنـحـةَ الأمْـلاَكِ تبسُطـهـا     لِطالبيــه رضًـا منهم بِصُنعهمِ

  والسالكــون طريقَ العلمِ يَسلُكُهُـم     إلى الجِـنَـانِ  بَـارِئُ النّـسَـمِ

  والسَّامِعُ العِلْمَ والوَاعِـي لِيَحْفَـظَـهُ      مؤدِّيــا ناشِـرًا  إيَّـاهُ في الأمَمِ
  فيــَا نَضَـارَتَهُ إذْ كــاَنَ مُتَّصِفًـا  
   بِذا بِدَعْــوَةِ خَيْـرِ الخَلْقِ كُلِّهِمِ
  كفاكَ في فضْلِ أهلِ العِلْـمِ أنْ رُفِعـوا     مِـنْ أجْلِهِ درجـاتٍ فـوْقَ غيْـرِهِمِ

  وكان فضْل أبِينَا في القديمِ عَلَى الـ     أمـلاكِ بالعِـلْم مِـنْ تَعْلِيـمِ ربّهـمِ

  كذاكَ   يوسُفُ   لَمْ   تَظْهَرْ فَضِيلَتُهُ       لِلعالَمينَ     بِغَيْرِ    العِلْمِ    والْحِكَمِ
  وما   اتِّباعُ   كَليمِ  اللهِ  لِلْخَضِرِ  الْـ   
   مَعْروفِ    إلا    لعِلْمٍ   عَنْهُ   مُنْبَهِمِ
  مَعْ    فَضْلِهِ    بِرِسالاتِ   الإلَهِ   لَهُ    
  وَمَوْعِدٍ     وسَماعٍ     مِنْهُ    لِلْكَلِمِ
  وقَدَّمَ    المصْطفى    بالعِلْمِ    حامِلَهُ    
  أعْظِمْ    بِذلِكَ   تَقْدِيمًا   لِذِي   قَدَمِ
  كفَاهُمُو   أنْ   غَدَوْا  لِلْوَحْيِ  أوْعِيَةً    
  وأضْحَتِ   الآيُ  مِنْهُ  فِي  صُدورِهِمِ
  وخصَّهُمْ     ربُّنا    بَصْرًا    بِخَشْيَتِهِ   
   وعَقْلُ   أمْثالِهِ   فِي   أصْدَقِ   الكَلِمِ
  ومَعْ    شَهادَتِهِ    جاءَتْ   شَهادَتُهُمْ   
   حَيْثُ اسْتَجابُوا وأهْلُ الجَهْلِ في صَمَمِ
  ويَشْهدُونَ   عَلى   أهْلِ  الجَهالَةِ  بالْ  
    مَوْلَى  إذا  اجتَمَعُوا  فِي يَوْمِ حَشْرِهِمِ
  والعَالِمُونَ    عَلى   العُبَّادِ   فَضْلُهُمُو   
   كالبَدْرِ   فَضْلاً  عَلى  الدُّرِّيِّ  فَاغْتَنِمِ
  هُمُ   الهُداةُ  إلى  أهْدَى  السَّبيلِ  وأهْـ   
   لُ  الجَهْلِ  عنْ  هَدْيِهِمْ ضَلُّوا لِجَهْلِهِمِ
  وفَضْلُهُمْ جاءَ في نصِّ الكِتابِ وفِي الْـ   
   حَديثِ   أشْهَرَ   مِنْ  نارٍ  عَلى  عَلَمِ

 

[«حاشية الحكمي على روضة العقلاء» لابن حبان: (47)]

 

 

 

قواعد وفوائد


45- دلالة الفعل الماضي على المستقبل

 

  الأصل في الفعل الماضي أنه يدل على حدث وقع وانقطع، ومضى وانقضى، ولكن قد يخرج عن هذا الأصل ويصير دالا على المستقبل وذلك في الأحوال الآتية:

- إذا كان للدعاء نحو: أبقاك الله، لا أفلح الظالم، بارك الله فيك، رحمه الله.

- إذا تضمَّن معنى الشرط نحو: إن رَحََلتَ في طلب العلم فالزَمْ علماءَ السنةِ.

- بعض الصيغ الواردة في الحِكم والأمثال نحو: مَنْ صبر ظفر، مَنْ تأنَّى نال ما تمنّى.

- إذا كانت دلالة الفعل لا تتوقف، ولا تنقطع نحو: قوله تعالى:﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ ، نهى الإسلام عن كل منكر.

- إذا تلا ما المصدرية الزمانية نحو: سأظل بارّا بوالديَّ ما بقيت حيّا.

- إذا أُريدَ التأكيد بأن ما يقع في المستقبل واقع لا محالة نحو: قوله تعالى:﴿ اقتربت الساعة﴾، وقوله: ﴿أتى أمر الله﴾.

[«الجليس في القواعد» لبوزواوي: (355)]

 

 

الملح والنوادر


44- هذه بتلك

 

كان عمران بن حِطّان شاعرا شديدا في مذهب الصُّفرية -وهي فرقة من فرق الخوارج-، وبلغ من خبثه في بغض علي رضي الله عنه أنه رثى عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي رضي الله عنه، فقال في ضربه عليا:

 

  يا ضربة من منيب ما أراد بها     إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

  إني لأذكره يوما فأحســبه     أوفى الـبرية عند الله ميــزانا

 

 قال عبد القاهر: قد أجبناه عن شعره هذا بقولنا:

 

  يا ضربة من كفور ما استفاد بهـا     إلا الجـزاء بما يصـليه نيرانا

  إني لألعـنه دينـا وألعـن مـن     يرجو له أبدا عفوا وغـفرانا

  ذاك الشقي لأشقى الناس كلهم     أخفّهم عند ربّ الناس ميزانا

 

 و قال آخر في الرد عليه: وهو بكر بن حسان الباهري: 

 

  قل لابن ملجم والأقدار غالبـة      هدمت للدين والإسلام أركانا
  فلا عفا الله عنه سوء فعـلتـه     ولا سقى قبر عمران بن حطانا
  يا ضربة من شقي ما أراد بهـا      إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
  بل ضربة من غوي أوردته لظى     وسوف يلقي بها الرحمن غضبانا

 

قال عبد الله بن المبارك معارضا الخارجي عمران بن حطان:   

                                                                

إني امرؤ ليس لي في ديـني لغامـزة     لين ولست على الأسلاف طعّانا

وفي ذنوبي إذا فكرت مشتــغـل     وفي معــادي إن لم ألق غفرانا

عن ذكر قوم مضوا كانوا لنا سلفا      وللنبي علـى الإسـلام أعـوانا

ولا أزال لهـم مستغــفرا أبـدا     كمـا أمــرت به سرّا وإعلانا

فما الدخول عليهم في الذي عملوا      بالطعـن مني وقد فرّطت عصيانا

فلا أسب أبا بكــر ولا عمــرا     ولا أسـب معــاذ الله عثمانا

ولا ابن عمّ رســول الله أشتـمه     حتى ألبّس تحت التــرب أكفانا

ولا الزبير حواريّ الرســـول ولا     أهدي لطلحة شتمـا عزَّ أو هانا

ولا أقـــول لأم المؤمنين كــما     قال الغـــواة لها زورا وبهتانا

ولا أقول عليّ في السحــاب لقـد     والله قلت إذًا جـَورا وعـدوانا

لو كان في المزن ألقتــه وما حملت     مزن السحاب من الأحياء إنسانا

إني أحـب عليّا حــب مقتـصد     ولا أرى دونه في الفضـل عثمانا

أمــا عليّ فقد كانـت له قــدم     في السابقين لها في الناس قد بانا

وكان عثمان ذا صـــدق وذا ورع     مراقبــا وجـزاه الله غفرانا

ما يعلم الله من قلــــبي مشايعة     للمبغضــين عليّـا وابن عفّانا

إني لأمنـحهم بغضـي علانيــة     ولست أكتمهم في الصدر كتمانا

.............

إن الجمـــاعة حبل الله فاعتصموا     بها هي العـروة الوثقى لمن دانا

الله يدفع بالســلطان معضـــلة     عن ديننا رحمـة منه ورضوانا

لولا الأئمة لم يأمـن لنــا سبــل     وكان أضعفـنا نهبـا لأقوانا

 

[«ديوان عبد الله بن المبارك»: (28)]

[«الفرق بين الفرق» للبغدادي: (73)]

 

 

اللـغة


43- بين العَدْل والعادِل

 

 قال الشيخ عطية سالم رحمه الله: « الذي يظهر لي أن بينهما فرقا في الأصل، وأن بينهما عموما وخصوصا

 - فالعادل من العدل الذي هو ضد الظلم كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾[النساء : 58]، واسم الفاعل منه عادل على وزن فاعل.

 - والعدل من العدالة التي هي ضد الفسق، كما في قوله تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ﴾ [الطلاق: 2].

 والأول مبحثه في الحقوق والأحكام، وقد يكون الحاكم عادلا وهو كافر، وعليه المثل من قول عمر رضي الله عنه لعامله على مصر«نحن أحق بالعدل من كسرى»، وقوله في حق النجاشي: « فإن فيها ملكا عادلا» وكان ذلك قبل أن يسلم فوصفه صلى الله عليه وسلم بأنه ملك عادل، وقال: «لا يُظلم أحد بجواره»

 وعلى هذا فوصف الإمام بالعدل في هذا الحديث -حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله- أخص لأن العادل قد يكون مع الكفر سياسة للملك، أما العدل فلا يكون إلا مع الإسلام، فكل عدل عادل وليس كل عادل عدل»

[«ترطيب الأفواه» للعفاني: (1/ 82)]

 

 

الحكم والأمثال


42- الخَيْبة

المثل هو: رجع بخُفّيْ حُنَيْن

ويُضرَب هذا المثل: للخائب الخاسر، أي: الذي يرجع من حاجته خائبا.

قصّته: اختلف في قصّته على النحو الآتي:

- قيل: كان حنين صانعا للأحذية (إسكافيا) فساومه أعرابي في خُفّين وماكسه حتى أخرجه، وانصرف ولم يشترهما، فلما ارتحل الأعرابي أخذ حنين إحدى الخفين فوضعها في أول طريقه، ثم مشى وألقى الأخرى في آخره، فلما مرّ الأعرابي بالخفّ قال: ما أشبه هذه بخفِّ حُنين، و لو كان معها الأخرى لأخذتها، فلما انتهى إلى الأخرى، ندم على ترك الأولى، فأناخ راحلته، و أخذها ورجع إلى الأولى، فلما غاب عمَد حنين إلى راحلته بما عليها فركبها، ومضى بها، ورجع الأعرابي إلى قومه بخفّين، فكان إذا سُئِل عن حاله قال: رجعتُ بِخُفّيْ حُنَينٍ فصار مثلا.

- وقيل كان حنين لصّا حقيرا فأُخذ وصُلِب، فجاءته أمُّه وعليه خُفّانِِ فانتزعتهما ورجعت، فقيل: رجعتْ بِخُفّيْ حُنَينٍ، أي رضِيتُ منه بذلك.

[«شرح مقامات الحريري» للشريشي: (1/ 309)]

 

 

البيان في نصوص الوحي


41- سبعة يظلهم الله في ظله

 (الجزء الثاني)

 

  عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه »

   بتأمل هذا الترتيب، نجد تلك الأصناف بعضها مع بعض، بمثابة المقدمات والنتائج والأسباب ومسبباتها، والآثار ومؤثراتها، فما يشهد حقا بأن كل متعددات في الحديث النبوي مترابطة المعاني وإن اختلفت المباني.

- فالإمام العادل سيقيم مجتمعا فاضلا ولاسيما وهو في ذاته عدل أي: مستقيم، آمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر مقيم للصلاة ومؤتٍ للزكاة، ومن الأمر بالمعروف: إقامة محاسن التشريع، ومن النهي عن المنكر: إقامة الحدود، سيكون مجتمعه حقا فاضلا تنشأ  فيه النشأة، ويشب فيه الشباب على هذا المنهج في عبادة الله.

- ومِن أخص تلك النشأة ارتياد المساجد، حفاظا على الصلوات في الجماعة، ومن كان هذا حاله من أول نشأته، لا شك أنه سيتعلق قلبه بالمساجد، ومن تعلق قلبه بالمساجد داوم على ارتيادها، وكان من لوازم ذلك التعارف على المصلين ومحبتهم والشعور بالإخاء معهم، فينتج قطعا التحابّ في الله، لأنهم جميعا مثله ما جاؤوا إلى المساجد إلا لِما جاء هو إليه، وهو ابتغاء وجه الله، وإلى هنا قوي وجه الارتباط، وظهر مدى هذا التأثير في تكوين أفراد المجتمع.

- وأما من دعته امرأة فتعفف عنها، فإن عفته عنها لم تأت عفوا بل بعد مغالبة الغريزة والفطرة ولا يغلب الغرائز إلا ما كان أقوى منها، ولا يكون إلا الإيمان بالله، والخوف من الله، ولا يورّث هذا إلا تلك الصلوات في تلك المساجد، كما قال  تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ ﴾[العنكبوت : 45].

- وكذلك إخراج المال في غير معاوضة، وتخطي غريزة الشح، وجِبلة حبّ الثناء كان من تلك المؤثرات، ومن قدر على مغالبة الغريزة الجنسية فهو على غيرها أقوى، وهل من يستطيع ذلك كله يكون غافلا عن ذكر الله في السر والعلانية؟ لا، وكلا، وهكذا فكل صفة في صنف تؤثر في الصنف الذي يليها.

[«ترطيب الأفواه» للعفاني: (1/ 48)]

 

 

أزهار متناثرة


40- لذة العلم

 

قال الخطيب البغدادي في «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» [2/ 412]: «حدثني أبو النجيب عبد الغفار بن عبد الواحد الأرموي مُذاكرةً، قال: سمعت الحسن بن علي المقرئ، يقول: سمعت أبا الحسين بن فارس اللغوي يقول: سمعت الأستاذ ابن العميد يقول: ما كنت أظن أن في الدنيا حلاوة ألذّ من الرئاسة، والوزارة التي أنا فيها حتى شاهدتُ مذاكرةَ سليمان بن أحمد الطبراني ، وأبي بكر الجعابي بحضرتي، فكان الطبراني يغلب الجعابي بكثرة حفظه، وكان الجعابي يغلب الطبراني بفطنته، وذكاء أهل بغداد، حتى ارتفعت أصواتهما، ولا يكاد أحدهما يغلب صاحبه، فقال الجعابي: عندي حديث ليس في الدنيا إلا عندي، فقال: هاته، فقال: نا أبو خليفة نا سليمان بن أيوب ..، -وحدث بالحديث- فقال الطبراني: أنا سليمان بن أيوب!، ومني سمع أبو خليفة، فاسمع مني حتى يعلو إسنادك فإنك تروي عن أبي خليفة عني!

فخجل الجعابي، وغلبه الطبراني، قال ابن العميد: فوددت في مكاني أن الوزارة، والرئاسة ليتها لم تكن لي، وكنت الطبراني، وفرحت مثل الفرح الذي فرح به الطبراني لأجل الحديث، أو كما قال.. اﻫ

صدق، والله هذه اللذة، لا لذة الشهوات والمناصب الزائلة، قال الإمام إبراهيم بن أدهم: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف».

[«حلية الأولياء»: (7/ 370)]. 

 

مختارات شعرية


39- المنافحة عن النبي صلى الله عليه وسلم

 

 ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اهجوا قريشا فإنه أشدّ عليهم من رشق النبل»...ثم أرسل إلى حسان بن ثابت فلما دخل عليه قال حسّان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه ثم أدلع لسانه فجعل يحركه فقال: و الذي بعثك بالحق لأفرِينّهم بلساني فرْيَ الأديم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تعجل فإن أبا بكر أعلم قريشٍ بأنسابها، و إن لي فيهم نسبا حتى يلخص لك نسبي»... قال حسان: و الذي بعثك بالحق لأسلنّك منهم كما تُسلُّ الشعرة من العجين.قالت عائشة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: «إن روح القدس لا يزال يؤيّدك ما نافحت عن الله ورسوله»، و قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول:« هجاهم حسان فشفى و اشتفى»

 قال حسان رضي الله عنه:

  هجَوتَ محمدا فأجبْتُ عنه         و عندَ اللهِ في ذاكَ الجزاءُ

  هجَوتَ محمـدا برّا حنيفا          رسولَ اللهِ شيمَتهُ الوفاءُ

  فإنّ أبي و والِدَهُ و عِرْضي          لِعِرضِ محمدٍ منكمْ وِقاءُ

  ثكِلْتُ بُنَيّتي إن لم ترَوها           تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفَيْ كَداء

  يُبارِينَ الأعنَّةَ مُصْعداتٍ          على أكتافها الأسَلُ الظِّماءُ

  تظلُّ جِيادُنا مُتمَطّراتٍ              تُلطِّمُهن بالخُمُـرِ النِّساءُ

  فإنْ أَعْرضتُمو عنّا اعتَمَرْنا    وكان الفتْحُ و انكشفَ الغِطاءُ

  و إلاّ فاصبروا لِضِرابِ يومٍ             يُعِزُّ اللهُ فيهِ منْ يشاءُ

  و قال الله قد أرسَلتُ عبدا         يقولُ الحقَّ ليسَ بهِ خَفاءُ

  و قال الله قد يسَّرْتُ جُندا       همُ الأنصارُ عُرضَتُها اللِّقاءُ

  لنا في كلِّ يـومٍ من معَدٍّ          سِبابٌ أو قِتالٌ أو هِجـاءُ

  فمَن يَهجو رسولَ اللهِ منكم        و يَمْدَحُه و يَنصُرُه سَواءُ

  و جِبْريلُ رسولُ اللهِ فينا         وروحُ القُدْسِ ليسَ له كِفاءُ

[«صحيح مسلم» : (2490)]

 

قواعد وفوائد


38- الفرق بين لام كي ولام العاقبة

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

  إن «لام العاقبة» التي لم يقصد فيها الفعل لأجل العاقبة إنما تكون من جاهل أو عاجز:

1-فالجاهل: كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ [القصص: 8]، لم يعلم فرعون بهذه العاقبة، أي أنه لم يكن يدري ما ينتهي إليه أمر موسى عليه السلام.

2-والعاجز أي العاجز عن رد عاقبة فعله كقولهم:

            لِدُوا للموتِ وابْنُوا للخرابِ     فكلُّكم يصير إلى تبابِ

فإنّهم يعلمون هذه العاقبة لكنهم عاجزون عن دفعها(انظر مجموع الفتاوى 8/ 44).

 أي: أن بني آدم عاجزون عن دفع الموت عن أنفسهم والخراب عن ديارهم.

 والجهمية الغلاة أنكروا حكمة الله ورحمته وقالوا: لم يخلق لحكمة ولم يأمر بحكمة وليس في القرآن لام كي، لا في خلقه، ولا في أمره، وزعموا أن قوله تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ﴾[الجاثية : 13] ﴿ خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ﴾[البقرة : 29] ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ﴾[النجم : 31]﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾[النساء : 165] وأمثال ذلك إنما اللام فيه لام العاقبة كقوله تعالى السابق: ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ ولم يعلموا، لام العاقبة إنما تصح ممن يكون جاهلا بعاقبة فعله، أو ممن يكون عاجزا عن رد عاقبة فعله على النحو الذي سبق ذكره أولا، وأما من هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وهو مريد لكل ما خلق فيمتنع في حقه لام العاقبة التي تتضمن نفي العلم أو نفي القدرة.

 

  قال ابن القيم رحمه الله:

 وأما لام العاقبة ويسمونها لام الصيرورة في نحو قوله تعالى :﴿ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا [ القصص: 8 ] فهي في الحقيقة لام كي، ولكنها لم تتعلق بالخبر لقصد المخبر عنه وإرادته، ولكنها تعلقت بإرادة فاعل الفعل على الحقيقة وهو الله سبحانه أي فعل الله ليكون كذا وكذا وكذلك قولهم: أعتق ليموت لم يعتق لقصد الموت، ولم يتعلق «اللام» بالفعل، وإنما المعنى قدّر الله أنه يعتق ليموت فهي متعلقة بالمقدور وفعل الله، ونظيره (إني أنسى لأسن)[ولكنه حديث ضعيف] ومن رواه أنسّى بالتشديد فقد كشف قناع المعنى،  وسمعت شيخنا أبا العباس بن تيمية يقول: يستحيل دخول لام العاقبة في فعل الله، فإنها حيث وردت في الكلام فهي لجهل الفاعل لعاقبة فعله، كالتقاط آل فرعون لموسى فإنهم لم يعلموا عاقبته، أو لعجز الفاعل عن دفع العاقبة نحو لدوا للموت وابنوا للخراب، فأما في فعل من لا يعزب عنه مثقال ذرة، ومن هو على كل شيء قدير، فلا يكون قط إلا لام كي وهي لام التعليل، ولمثل هذه الفوائد التي لا تكاد توجد في الكتب يحتاج إلى مجالسة الشيوخ والعلماء (بدائع الفوائد: 1/100)

[«اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية في النحو والصرف» لناصر الفهد: (218)]

 

 

الملح والنوادر


37- الأسماء لا تغيِّر الحقائق

 

 لقي الشاعر ثابت بن جعفر المعروف ﺑ:«تأبّط شرا» ذات يوم رجلا من ثقيف يُقال له أبو وهب -وكان جبانا- وعليه حلّة جيدة، فقال أبو وهب لتأبّط شرا: بم تغلب الرجال يا ثابت، وأنت كما ترى ذميم ضئيل؟ قال: باسمي، إنما أقول ساعة ألقى الرجل: أنا تأبّط شرا، فينخلع قلبه حتى أنال منه ما أردت، فقال له الثقفي: أبهذا فقط؟ قال: فقط، قال: فهل لك أن تبيعني اسمك؟ قال: نعم، فبم تبتاعه؟ قال: بهذه الحلّة وبكنيتك قال له: أفعل، ففعلا، وقال له تأبط شرا: لك اسمي ولي كنيتك؟ وأخذ حلّته وأعطاه طمريه، ثم انصرف، وقال في ذلك يخاطب زوجة الثقفي:

  ألا هل أتى الحسناء أنّ حليلها     تأبّط شرًّا واكتـنيتُ أبـا وَهْبِ

  فَهَبْه تسمَّى اسمي وسمّاني اسمه     فأين له صبري على مُعظم الخطبِ

  وأين له بأسٌ كبأسي وسوْرتي     وأين له في كـل فادحةٍ قلبِــي

[«الأغاني» للأصفهاني: (8/ 211)]

 

 

اللغة


36- بين المَلِكِ والمَالِكِ

 

المُلك: معروف وهو يذكر ويؤنث كالسلطان، وملك الله تعالى وملكوته سلطانه وعظمته وعزته.

قال ابن سيده: المَلْك والمُلك والمِلك: احتواء الشيء والقدرة على الاستبداد به.

و الملِك هو: المتصرف في الأشياء حسب إرادته، ومشيئته، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه

قال الراغب: الملك هو: المتصرف بالأمر والنهي

وقال الزجاج: قال أصحاب المعاني: الملِك: النافذ الأمر في ملكه، إذ ليس كل مالك ينفذ أمره وتصرفه فيما يملكه، فالملك أعم من المالك، والله -تعالى- مالك المالكين كلهم، إنما استفادوا التصرف في أملاكهم من جهته -تعالى-

وقال الطبري: «ولا خلاف بين جميع أهل المعرفة بلغات العرب أن الملِك من الملك مشتق؛ وأن المالك من الملك مأخوذ، فتأويل قراءة من قرأ «مالك يوم الدين» أن لله الملك يوم الدين خالصاً؛ دون جميع خلقه الذين كانوا قبل ذلك في الدنيا ملوكاً جبابرة، ينازعونه الملك، ويدافعونه الانفراد بالكبرياء والعظمة والسلطان والجبرية، فأيقنوا بلقاء الله يوم الدين أنهم الصغرة الأذلة، وأن له - دونهم ودون غيرهم - الملك والكبرياء، والعزة والبهاء، كما قال- جل ذكره وتقدست أسماؤه -: ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، فأخبر - تعالى ذكره- أنه المنفرد يومئذ بالملك، دون ملوك الدنيا، الذين صاروا يوم الدين من ملكهم إلى ذلة وصغار، ومن دنياهم في معادهم إلى خسار»

 قال الدرويش: «وبينهما فرق دقيق وهو أن المالك هو ذو المِلك بكسر الميم ، والمَلِك: ذو المُلْك بضمّها، قال أهل النحو : إن مَلِكا أمدح من مالك، وذلك أن المالك قد يكون غير ملِك، ولا يكون الملِك إلا مالكا، وجمْع الملك أملاك وملوك، وجمْع المالك ملاك ومالكون»

  قال الشوكاني: «وقد اختلف العلماء أيهما أبلغ ملِك أو مالك؟ فقيل: إن ملك أعم وأبلغ، إذ كل ملِك مالك، وليس كل مالك ملكا، ولأن أمر الملِك نافذ على المالك في مُلْكِه حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملِك قاله أبو عبيد والمبرد ورجحه الزمخشري، وقيل مالك أبلغ لأنه يكون مالكا للناس وغيرهم، فالمالك أبلغ في مدح الخالق من ملِك، وملِك أبلغ في مدح المخلوقين من مالك لأن المالك من المخلوقين قد يكون غير ملِك، وإذا كان الله تعالى مالكا كان ملِكا، واختار هذا القاضي أبو بكر بن العربي.»

 ثم قال الشوكاني: « والحق أن لكل واحد من الوصفين نوع أخصية لا يوجد في الآخر، فالمالك يقدر على ما لا يقدر عليه الملِك من التصرفات بما هو مالك له بالبيع والهبة والعتق ونحوها، والملِك يقدر على ما لا يقدر عليه المالك من التصرفات العائدة إلى تدبير الملك وحياطته ورعاية مصالح الرعية، فالمالك أقوى من الملِك في بعض الأمور، والملك أقوى من المالك في بعض الأمور، والفرق بين الوصفين بالنسبة إلى الرب سبحانه أن الملك صفة لذاته والمالك صفة  لفعله»

  [«النهج الأسمى» لمحمود النجدي: (1/ 97)]

 

الحكم والأمثال


35- صون النفس

المثل هو: تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييها

معناه: أنّ الحرة تُؤْثِر ُأنْ تجوع و لا تكون مُرْضعا لغير أولادها لِقاء أجرٍ تأخذه فيلحقها عيب، أي: لا ترضع لبنها بالأجرة ثم تأكلها.

يُضرَب: لمن يصون نفسه في الضرّاء عن المكاسب الدنيّة، أي لا يمنعه من صيانة نفسه شدّة فقره.

قصّة المثل: هذا المثل للحارث بن سليل الأسدي، و كان خطب إلى علقمة بن خصفة الطائي – وكان شيخا – فقال علقمة لامرأته: اختبري ما عند ابنتك، فقالت: أي بنيّة، أي الرجال أحبّ إليك؟ الكهل الجحجاح الواصل الميّاح، أم الفتى الوضّاح، الذهول الطمّاح؟ قالت: بل الفتى، قالت: إنّ الفتى يُغيرك، وإنّ الشيخ يعيرك، قالت: يا أمّاه إنّ الفتى شديد الحجاب، كثير العتاب، يا أمّاه أخشى من الشيخ أن يدنّس ثيابي، و يُبْلي شبابي، و يُشمت بي أترابي، فلم تزل أمّها بها حتى غلبتها على رأيها، فتزوّجها الحارث، ثم ارتحل بها إلى أهله، و إنه لجالس ذات يوم بفِناء قبّته، و هي إلى جانبه إذ أقبل شباب من بني أسد يعتجلون، فتنفّست الصعداء ثم بكتْ، فقال لها: ما يُبكيك؟ قالت ما لي وللشيوخ، الناهضين كالفروخ... ، فقال: ثكلتك أمّك! تجوع الحرّة و لا تأكل بثدييها، ثم قال:...  لرُبَّ غارةٍ شهدتها،... الْحقي بأهلك، فلا حاجة لي فيك.

[«شرح مقامات الحريري» للشريشي: (1/ 419)]

 

البيان في نصوص الوحي


34- سبعة يظلهم الله في ظله

(الجزء الأول)

 

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ".

قال الشيخ عطية محمد سالم: " مِن مبادئ البلاغة والعادة: أنه لا تورد متعددات إلا مع التجانس، لحسن النسق وجمال التنسيق، كلبنات الجوار، وحبات العقد، وكذلك الكلام والبلاغة النبوية: هي الذروة والقمة، وقد أعطِيَ صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، وكذلك مجامع الحكم، فكما أن أسلوب الحديث النبوي مبرّأ من تنافر الكلمات، ونشاز العبارات، فكذلك في المعاني، فإيراد هذه الأصناف السبعة في أسلوب واحد، مع تفاوتها في مواضيعها، وبعد ما بين بعضها البعض، لا بد أن فيها ما يربط بعضها ببعض من معنى شامل يسوغ نظمها في إيرادها لما تقتضيه البلاغة النبوية العالية، ويستوجبه خلو الحديث النبوي من النشز والتنافر، وقد أعطي في ذلك ما لم يعطه أحد، وهو صلى الله عليه أفصح العرب والعجم، مما يدعونا إلى تأملها بعين تتطلع إلى ما يقال له: فائدة الخبر ولازم الفائدة، وهو أبعد غايات البلاغة "

1-  الرغبة والرهبة في الله ومن الله.

2-  مراقبة الله والإخفاء عن الناس.

3-  ارتباط هذه الأجناس بعضها ببعض، وتأثير بعضها في بعض.

4- اشتراكهم في مخالفة هواهم.

وقال ابن القيم: " إنك إذا تأملت السبعة الذين يظلهم الله عز وجل في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وجدتهم إنما نالوا ذلك الظل بمخالفة الهوى:

- فإن الإمام المسلّط القادر لا يتمكن من العدل إلا بمخالفة هواه.

- والشاب المؤثر لعبادة الله على داعي شبابه لولا مخالفة هواه لم يقدر على ذلك.

- والرجل الذي قلبه معلق بالمساجد إنما حمله على ذلك مخالفة الهوى الداعي له إلى أماكن اللذات.

- والمتصدق المخفي لصدقته عن شماله لولا قهره لهواه لم يقدر على ذلك.

- والذي دعته المرأة الجميلة الشريفة فخاف الله عز وجل وخالف هواه.

- والذي ذكر الله عز وجل خاليا ففاضت عيناه من خشيته إنما أوصله إلى ذلك مخالفة هواه، فلم يكن لحر الموقف وعرقه وشدته سبيل عليهم يوم القيامة.

[«ترطيب الأفواه» للعفاني: (1/ 45-49) بتصرف]

 

أزهار متناثرة


33- كم من مريد للخير لن يصيبه

 

روى الدارمي في «سننه» قال: «أخبرنا الحكم بن مبارك أخبرنا عمرو بن يحيى قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرج فلما خرج قمنا إليه جميعا، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفا أمرا أنكرته ولم أر والحمد لله إلا خيرا. قال: فما هو؟. فقال: إن عشت فستراه. قال: رأيت في المسجد قوما حلقا جلوسا ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول كبروا مائة فيكبرون مائة، فيقول هللوا مائة فيهللون مائة، يقول سبحوا مائة فيسبحون مائة. قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئا انتظار رأيك أوانتظار أمرك. قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم، ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن، حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن لكم أن لا يضيع من حسناتكم شيء. ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه وسلم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحو باب ضلالة؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن، ما أردنا إلا الخير. قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن قوما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وايم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم. فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج».

[«مقدمة سنن الدارمي»: (210)]

 

مختارات شعرية


32- من الشعر الحكيم

   قال زهير بن أبي سُلْمى في معلّقته المشهورة:

 

  ومنْ لم يُصانعْ في أمورٍ كثيـرةٍ     يُضَرَّسْ بأَنيابٍ و يوطأْ بِمَنْسَمِ

  ومنْ يَجعلِ المعروفَ مِنْ دونِ عِرضِهِ     يَفِرهُ ومن لا يتَّقِ الشتمَ يُشْتَمِ

  ومَن لم يَذُدْ عن حوضهِ بسلاحه     يُهَدَّمْ ومن لا يَظلمِ الناسَ يُظْلَمِ

  ومن يَغتَرِبْ يحسب عدوًّا صديقهُ     و من لا يُكرِّمْ نفسَهُ لا يُكرَّمِ

  ومن يَكُ ذا فَضلٍ فيَبْخلْ بِفضْلِهِ     على قوْمِهِ يُسْتَغْنَ عنهُ و يُذْممِ

  ومن يوف لا يُذممْ و من يُهد قلبه     إلى مطمئنِّ البرِّ لا يتجمجَمِ

  ومن هاب أسباب المنايا ينَلْنَـه     و إن يرق أسباب السماء بسلّمِ

  ومن يجعلِ المعروف في غير أهله     يكن حمدُه ذمّا عليه و يندمِ

  ومهْما تَكُنْ عند امرئٍ مِن خليقةٍ     و إنْ خالها تخفى على الناسِ تُعلمِ

[«بلوغ الأرب» للألوسي: (3/ 98)]

قواعد وفوائد


31- الجمل بعد المعارف والنكرات

 

قال ابن هشام: «الجملة الخبرية بعد النكرات المحضة صفات، وبعد المعارف المحضة أحوال، وبعد غير المحض منهما محتمِل لهما».

هذه قاعدة من قواعد النحو، لكن القاعدة تُشاب أحيانًا بنوع من التساهل فيقال: الجمل بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال، وهذه الجملة ليست دقيقة، إنما الدقيقة مثل ما قال ابن هشام: الجملة بعد النكرة المحضة صفة، والجملة بعد المعرفة المحضة حال، وبعد المفرد الذي ليس هو محضًا تحتمل الحالية والوصفية.

إن من بين الجمل التي لها محل من الإعراب الجملة الواقعة صفة، وشرط الجملة الواقعة صفة أن يكون الموصوف نكرة، وهذا شرط أساسي، الجملة التي تكون صفة لا بد يكون الموصوف نكرة ومحضة أيضًا، فمثلا لو قلت: مررتُ برجلٍ يكتبُ، "رجل": نكرة، ومعنى نكرة يعني ما فيها أي شيء يقربها من المعرفة، هذا معنى محضة يعني بعيدة جدًّا من التعريف، إذن نقول: إن جملة "يكتب": صفة؛ لأنها وقعت بعد نكرة محضة. إذا قلت: (مررتُ برجلٍ جالسٍ يكتبُ)، الآن كلمة (رجل) قربت قليلا من المعرفة، لماذا؟ بوصفها ﺑ(جالس)[لأن الوصف يقلل من شيوع النكرة فتقرب من المعرفة]، إذن هل نقول: إن كلمة (رجل) هنا نكرة محضة أو فيها شائبة ورائحة تعريف؟ فيها، هذا معنى قول ابن هشام: الجمل بعد النكرات المحضة صفات، ما معنى المحضة؟ المحضة: هي النكرة التي ليس فيها شيء يقرّبها من المعرفة، ما مثال الذي يقربها من المعرفة؟ الصفة.

ومن الأمثلة: قول الله تعالى: ﴿أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة : 254] من: حرف جر، و( قبل ): اسم مجرور ﺑ( من )، والجار والمجرور متعلق بالفعل بأول الآية "أن": حرف مصدري ونصب، و( يأتي ): فعل مضارع منصوب وعلامة نصبه الفتحة، ( يوم ): فاعل مرفوع بالضمة، أي يأتي يومٌ، ( لا ): نافية عاملة عمل ليس ترفع الاسم وتنصب الخبر، ( بيع ): اسم لا، ( فيه )، خبر ( لا )، والجملة من لا واسمها وخبرها في محل رفع صفة لـ(يوم).

ومنه قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ  يُظْلَمُونَ﴾[البقرة : 281]  "ترجعون" في محل جر صفة لـ( يوم )، وهو من قبيل النكرة المحضة.

ومنه قوله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ ﴾ [آل عمران: 25]، فجملة لا ريب فيه في محل جر صفة لـ"يوم"

  وقوله تعالى:﴿ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ ﴾[الإسراء: 93] (حتى): حرف غاية ونصب، و(تُنَزِّلَ): فعل مضارع منصوب وعلامة نصبه الفتحة، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت، و(علينا): جار ومجرور متعلق بـ(تنزّل )، (كتابًا): مفعول به منصوب، (نقرؤه): فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والهاء مفعول، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره نحن، والجملة في محل نصب صفة لـ (كتابًا).

قال: وبعد المعارف أحوال يعني بعد المعارف المحضة، ما المراد بالمعرفة المحضة؟ اعكس الكلام الأول، ما قلته لك النكرة المحضة التي ليس فيها رائحة تعريف، المعرفة المحضة التي ليس فيها رائحة تنكير، مثل العلم، لو قلت: (رأيتُ زيدًا يكتبُ)، جملة حال من زيد، وزيد معرفة محضة.

   قال: وبعد غير المحض منهما محتمل لهما، الضمير الأول منهما يعود على المعرفة والنكرة وقوله: محتمل لهما، يعني للحالية والوصفية، مثاله: (مررتُ برجلٍ صالحٍ يصلي)، ( يصلي ) الجملة هل هي صفة أو حال؟ محتمل؛ لأنك إن نظرت لكلمة (رجل) أصلها فهي نكرة والجمل بعد النكرات صفات، وإن نظرت إلى الصفة التي بعدها، وأنها قربت من المعرفة فجملة (يصلي) حال؛ ولهذا من يعربها صفة إعرابه صحيح، ومن يعربها حالا إعرابه صحيح،لأن لكل منهما وجهة نظر،هذا مثال للنكرة غير المحضة.

المعرفة غير المحضة كما في قول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾[الجمعة: 5] كلمة (الحمار) "أل" في أصلها تفيد التعريف، إذن تصير جملة (يحمل) حالا؛ لأنه دخلت عليه (أل) قرب من المعرفة، لكن إن نظرنا إلى أن ( الحمار ) لا يُراد به حمارًا معينًا؛ فهو إذن نكرة فتصير جملة (يحمل) صفة.

﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾[يس: 37] جملة ( نسلخ ) إما صفة للّيل أو حال، لماذا؟ الليل إن نظرت إلى  أل الداخلة عليه يمكن أن تقول: إنه معرفة الآن؛ لأن الأصل في  "أل" أنها للتعريف، فتصير جملة ( نسلخ ) وقعت بعد معرفة، والجمل بعد المعارف أحوال، لكن هل هي معرفة محضة؟ غير محضة لماذا؟ لأنه قد يقول قائل "أل" هنا ما أفادت كلمة الليل تعريفًا، يسمونها (ال) الجنسية و(ال) الجنسية لا تفيد التعريف، فيبقى ( الليل ) على تنكيره.

وعلى هذا نقول: الجملة إن وقعت بعد معرفة غير محضة أو بعد نكرة غير محضة، فلك أن تعربها حالا ولك أن تعربها صفة؛ لأنك إن أعربتها حالا فباعتبار، وإن أعربتها صفة فباعتبار آخر، والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد.

[«شرح مختصر قواعد الإعراب» لعبد الله الفوزان: (37)]

 

الملح والنوادر


30- زر غِبّا تزدَدْ حُبّا

  تردد ثقيل على ظريف وأطال ترداده عليه حتى سئم منه ، فقال له الثقيل : من تراه أشعر الشعراء؟ فأجاب الظريف:هو ابن الوردي بقوله:

 

             غِبْ و زُرْ غبًّا تزِدْ حبّا فَمَنْ     أَكثرَ التَرْدادَ أضْناهُ المللْ

 فقال الثقيل: أخطأتَ ،فإن النجاريَ أشعرُ منه بقوله:

 

           إذا حقـّقتَ مِـنْ خِلٍّ ودادًا     فزُرْهُ ولا تَخفْ منهُ ملالاَ

           وَ كُنْ كالشَمسِ تطلعُ كلَّ يومٍ     ولا تكن في زيارته هلالا

 فأجاب الظريف: إن الحريري أشعر منه بقوله:

 

           ولا تزُرْ مَنْ تحبُّ في كل شهرٍ     غيرَ يومٍ ولا تزدهُ عليه

 

 وإن لم تصدِّقْني فقد وهبتك الدار بما فيها، وخرج وهو يقول:

 

           إذا حلَّ الثقيل بأرضِ قومٍ     فما للساكنينَ سوى الرَّحيل 

[«العقد الفريد» لابن عبد ربه: (1/ 39)]

اللـغة


29-كلّيات لغوية

- كلُّ ما عَلاك فأظلَّك فهو سماء.

- كلُّ أرض مُسْتَوِيَةٍ فهي صَعيد.

- كل بِناءَ مُرَبَّع فهوَ كَعْبَة.

- كلُّ بِنَاءٍ عال فهوَ صَرْحٌ.

- كلُ شيءٍ دَبَّ على وَجْهِ الأرْضِ فهو دَابَّةٌ.

- كلُّ ما غَابَ عن العُيونِ وكانَ مُحصَّلا في القُلوبِ فهو غَيْب.

- كلُّ ما يُسْتحيا من كَشْفِهِ منْ أعضاءِ الإِنسانِ فهوَ عَوْرة.

- كلُّ شيءٍ منْ مَتَاعِ الدُّنْيا فهو عَرَض.

- كلُّ أمْرٍ لا يكون مُوَافِقاً للحقِّ فهو فاحِشة.

- كلُّ شيءٍ تَصيرُ عاقِبتُهُ إلى الهلاكِ فهو تَهْلُكة.

- كلُّ نازِلةٍ شَديدةٍ بالإِنسانِ فهي قارِعَة.

- كلُّ ما كانَ على ساقٍ من نَباتِ الأرْضِ فهو شَجَرٌ.

- كُلُّ كرِيمَةٍ منَ النساءِ والإبلِ والخَيْل وَغَيْرِها فهي عَقِيلة.

- كلُّ ما لَه ناب ويَعْدُو على النّاسِ والدَّوابِّ فَيفْتَرِسُها فهو سَبع.

[«فقه اللغة» للثعالبي: (36)]

 

 

 

الحكم والأمثال


28-الحقُّ أَبْلَجُ وَالبَاطِلُ لَجْلَجٌ‏.‏

 

يعني أن الحق واضح، يقال‏:‏ صُبْح أَبْلَج، أي مُشْرِق ومنكشف، ومنه قوله‏:‏

                       حَتَّى بَدَتْ أَعْنَاقُ صُبْح أَبْلَجَا ‏.‏

والباطل لجلج‏:‏ أي مُلْتَبِس ومختلط، قال المبرد‏:‏ قوله لجلج أي يَتَرَدَّد فيه صاحبُه ولا يصيب منه مخرجاً‏.‏

ومن الحكم والأمثال في الحق والباطل ما يلي:

- جولة الباطل ساعة، وجولة الحق إلى قيام الساعة.

-  للحق دولة وللباطل صولة.

-  للباطل جولة ثم يضمحل.

-   الحق يعلو ولا يعلى عليه.

فاصبر أخي على الحق حتى تلقى الأحبة محمدا وصحبه.

[«مجمع الأمثال» للميداني: (1/ 321)]

 

البيان في نصوص الوحي


27- هول يوم القيامة

 

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ(2) ﴾ [الحج:1- 2]

  اشتملت هاتان الآيتان على أنواع من البلاغة والبيان، نجملها فيما يلي:

1- في قوله تعالى: " وترى الناس سكارى وما هم بسكارى" تشبيه بليغ،فقد شبه الناس في ذلك اليوم العصيب بحالة السكارى الذين فقدوا التمييز، وأضاعوا الرشد، والعلماء يقولون: من أدلة المجاز صدق نقيضه، كقولك: زيد حمار إذا وصفته بالبلادة والغباء، ثم يصدق أن تقول وما هو بحمار فتنفي عنه الحقيقة، فكذلك الآية بعد أن أثبتت السكر المجازي نفت الحقيقة أبلغ نفي مؤكد بالباء، والسر في تأكيد التنبيه على أن السكر الذي هو بهم في تلك الحالة ليس من المعهود في شيء، وإنما هو أمر لم يعهدوا قبله مثله، والاستدراك بقوله: "ولكن عذاب الله شديد " راجع إلى قوله: " وما هم بسكارى" وكأنه تعليل لإثبات السكر المجازي، كأنه قيل: إذا لم يكونوا سكارى من الخمر، وهو السكر المعهود، فما هذا السكر الغريب؟ وما سببه؟ فقيل: شدة عذاب الله تعالى.

2- وفي عدوله عن  مرضع إلى مرضعة سر قل من يتفطن له، وهو: أن المرضعة هي التي باشرت الإرضاع فعلا، فنزعها الثدي من فم طفلها عند حدوث الهول، ووقوع الارتباك أدلُّ على الدهشة، وأكثر تجسيدا لمواطن الذهول، الذي استولى عليها، وهناك فرق آخر، وهو: أن وروده على النسب أي: مرضع لا يلاحظ فيه حدوث الصفة المشتق منها، ولكن مقتضاه أنه موصوف بها، وعلى غير النسب أي: مرضعة يلاحظ فيه حدوث الفعل وخروج الصفة عليه، وهذا من أسرار لغتنا التي تندر في اللغات.

3- قال ابن القيم رحمه الله: المرضع من لها ولد ترضعه، والمرضعة من ألقمت الثدي للرضيع، وعلى ذا فقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ﴾ أبلغ من مرضع في هذا المقام، فإن المرأة قد تذهل عن الرضيع إذا كان غير مباشر للرضاعة، فإذا التقم الثدي واشتغلت برضاعه لم تذهل عنه إلا لأمر هو أعظم عندها من اشتغالها بالرضاع.

  وتأمل رحمك الله تعالى السر البديع في عدوله سبحانه عن كل حامل إلى قوله: ﴿ ذَاتِ حَمْلٍ﴾ فإن الحامل قد تطلق على المهيئة للحمل، وعلى من هي في أول حملها ومباديه، فإذا قيل: ذات حمل، لم يكن إلا لمن قد ظهر حملها وصلح للوضع كاملا أو سقطا، كما يقال: ذات ولد، فأتى في المرضعة بالتاء التي تحقق فعل الرضاعة دون التهيؤ لها، وأتى في الحامل بالسبب الذي يحقق وجود الحمل وقبوله للوضع والله سبحانه وتعالى أعلم.(بدائع الفوائد: 2/213)

4-  هذا من أسرار البيان في القرآن الكريم ففرق بين المرضعة التي هي متلبسة في الفعل، وبين من لها طفل ترضعه وهو غير مباشر للرضاعة، قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" (11/174): وألحق الهاء في مرضع لأنه أراد فاعلات ذلك اليوم، فأجراه على الفعل، وأما إذا أخبرت عن المرأة بأن لها طفلا ترضعه فإنما تقول: مرضع مثل حامل"

  ومثله يقال في الفرق بين حامل وذات حمل، قال الزمخشري: لم قيل مرضعة دون مرضع؟ قلت: المرضعة التي هي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبي، والمرضع: التي شأنها أن ترضع، وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به، فقيل مرضعة، ليدل على أن ذلك الهول، إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الدهشة.  

 

[«إعراب القرآن وبيانه» للدرويش: (5/ 97)]

أزهار متناثرة


26- من حنفاء الجاهلية

 

كان جمع من عقلاء العرب وحكمائها غير موافقين لعمرو بن لحي فيما ابتدع من الدين ولا متبعين ما شرع من عبادة الأصنام، بل كانوا مخالفين له، وتعبّدوا بما ترتضيه العقول وتظاهره الشرائع المقررة وهم أفراد من القبائل المتفرقة، ومن هؤلاء قسّ بن ساعِدة الإِيادي، أحكم حكماء العرب، وأول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية، وأول من كتب من فلان إلى فلان، وأوّل من قال أمّا بعد، وأوّل من خطب متوكئا على عصا، وبه يضرب المثل في الخطابة و البلاغة، ومن مشهور خطبه :" أيّها الناس اسمعوا وعُوا، فإذا وعيتُم فانتفعوا، إنه مَن عاشَ مات، ومَن مات فات، وكلُّ ما هو آتٍ آت.
أمّا بعد: فإنّ في السماء لخَبَرا، وإن في الأرض لعبَرا، مِهادٌ موضوع، وسَقْفٌ مرفوع، ونجوم تَمُور، وبِحارٌ لا تَغُور، وليل داج، وسماء ذات أبراج، أقسم بالله قُسٌّ قَسَمًا حتْما، لا كاذبا فيه ولا آثِما، لئِن كان في الأرض رِضًا ليَكونَنَّ بعده سخط، وإن لله ـ عزت قدرته ـ دينا هو أحبُّ إليه مِنْ دينكم الذي أنتم عليه، وقد أتاكم أوانه، ولحقتكم مدته، ما لي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون؟ أَرَضُوا بالمُقام فأقاموا، أَمْ تُرِكوا فناموا؟ ثم أنشد:


في الذاهِبِينَ مِنَ الأوَّليــ   نَ مِنَ القُرونِ لنا بصائرْ
لمَّــا رأيتُ مَــوَارِدًا   للمـوتِ ليس لها مَصَادِرْ
ورأيتُ قومِـيَ نحوَهـا   يَسْعى الأصَاغرُ والأكابِرْ
لا يَرجـع المـاضي إلَيَّ   ولا مـنَ الباقين غابـِرْ
أيقَنـْتُ أنِّـي لا محــا   لَةَ حيثُ صار القومُ صائِر.

 

[«بلوغ الأرب» لمحمود شكري الألوسي: (2/ 245)]

 

 

مختارات شعرية


25- فضل العلم والحث عليه

 

قال العلاّمة الحافظ الحكمي -رحمه الله- :

  العِلمُ أغلى و أحلـى مـا له استمَـعتْ     أُذْنٌ و أعْـربَ عنـه ناطقٌ بِفمِ

  العلمُ غايتُه القصْوى و رتبـته العليــاء     فاسْـعَوْا إليه يا أولي الهِمَــمِ

  العلم أشـرفُ مطلـوبٍ و طالبـُــه     للهِ أكرمُ مَنْ يَمْشِي عَـلى قـدَمِ

  العلـمُ نــورٌ مبينٌ يسـتضـيء به     أهلُ السعادة و الجهّال في الظُلَـمِ

  العلـم أعْلَى حياةً للعباد كــمــا     أهـلُ الجهـالةِ أمـواتٌ بجهلهمِ

  لاسَمْع لا عَقْل بل لا يُبْصِرونَ وفِي السْـ      سَعِيـرِ مُعْتَـرِفٌ كُلٌّ بِذَنْبِهِمِ

  فالجَهْلُ أَصْــلُ ضَلَالِ الخَلْـقِ قاطِبـَةً      وأصْـلُ شَقْوَتِهِمْ  طُرًّا وظلمهم

  والعِلْمُ أصْــلُ هُداهُـمْ مَعْ سَعـادَتِهِمْ      فلا يَضِلُّ ولا يَشْقى ذَوُو الحِكَمِ
  والخَوفُ بالجهْـلِ والحُـزْنُ الطـويلُ بِهِ      وعَن أُولِي العِلْمِ مَنْفِيَّانِ فَاعْتَصِمِ

  الـعِلْــمُ واللهِ مِــيـراثُ النُّبُـوَّةِ لا      ميراثَ يُشْبِهُهُ طوبَى لِمُقْتـَسِمِ
  لأنَّهُ إرْثُ حَـــقٍّ دائِــم أبَــدًا      وما سِــواهُ إلى الإِفْنَاءِ والعَـدَمِ

  العلم يا صَـاحِ يَسْتغفِـرْ لصـاحبِـه     أهلُ السماواتِ و الأرْضِين من لَمَمِ

  كذاك تَستَـغفـرُ الحيتــانُ في لجَُـجٍ     من البحـارِ له في الضوءِ و الظُلمِ

  و إنَّ أجنـحـةَ الأمْـلاَكِ تبسُطـهـا     لِطالبيــه رضًـا منهم بِصُنعهمِ

  و السالكــون طريقَ العلمِ يَسلُكُهُـم     إلى الجِـنَـانِ بَـارِئُ النّـسَـمِ

  والسَّامِعُ العِلْمَ والوَاعِـي لِيَحْفَـظَـهُ      مؤدِّيــا ناشِـرًا  إيَّـاهُ في الأمَمِ
  فيــَا نَضَـارَتَهُ إذْ كــاَنَ مُتَّصِفًـا      بِذا بِدَعْــوَةِ خَيْـرِ الخَلْقِ كُلِّهِمِ
  كفاكَ في فضْـلِ العِلْـمِ أنْ رُفِعـوا     مِـنْ أجْلِهِ درجـاتٍ فـوْقَ غيْـرِهِمِ

  و كان فضْل أبِينَا في القديمِ عَلَى الـ     أمـلاكِ بالعِـلْم مِـنْ تَعْلِيـمِ ربّهـمِ

  كذاكَ   يوسُفُ   لَمْ   تَظْهَرْ فَضِيلَتُهُ       لِلعالَمينَ     بِغَيْرِ    العِلْمِ    والْحِكَمِ
  وما   اتِّباعُ   كَليمِ  اللهِ  لِلْخَضِرِ  الْـ       مَعْروفِ    إلا    لعِلْمٍ   عَنْهُ   مُنْبَهِمِ
  مَعْ    فَضْلِهِ    بِرِسالاتِ   الإلَهِ   لَهُ       وَمَوْعِدٍ     وسَماعٍ     مِنْهُ    لِلْكَلِمِ
  وقَدَّمَ    المصْطفى    بالعِلْمِ    حامِلَهُ       أعْظِمْ    بِذلِكَ   تَقْدِيمًا   لِذِي   قِدَمِ
  كفَاهُمُو   أنْ   غَدَوْا  لِلْوَحْيِ  أوْعِيَةً       وأضْحَتِ   الآيُ  مِنْهُ  فِي  صُدورِهِمِ
  وخصَّهُمْ     ربُّنا    بَصَرًا    بِخَشْيَتِهِ       وعَقْلُ   أمْثالِهِ   فِي   أصْدَقِ   الكَلِمِ
  ومَعْ    شَهادَتِهِ    جاءَتْ   شَهادَتُهُمْ       حَيْثُ اسْتَجابُوا وأهْلُ الجَهْلِ في صَمَمِ
  ويَشْهدُونَ   عَلى   أهْلِ  الجَهالَةِ  بالْ       مَوْلَى  إذا  اجتَمَعُوا  فِي يَوْمِ حَشْرِهِمِ
  والعَالِمُونَ    عَلى   العِبادِ   فَضْلُهُمُو       كالبَدْرِ   فَضْلا  عَلى  الدُّرِّيِّ  فَاغْتَنِمِ
  هُمُ   الهُداةُ  إلى  أهْدَى  السَّبيلِ  وأهْـ       لُ  الجَهْلِ  عنْ  هَدْيِهِمْ ضَلُّوا لِجَهْلِهِمِ
  وفَضْلُهُمْ جاءَ في نصِّ الكِتابِ وفِي الْـ       حَديثِ   أشْهَرُ   مِنْ  نارٍ  عَلى  عَلَمِ

 

 [«حاشية روضة العقلاء» لابن حبان: (47)]

 

قواعد وفوائد


24- قاعدة في كتابة الألف

 

 وهي التي تسمّى: "الألف اللّيّنة" الساكنة المفتوح ما قبلها، وهي لا تقبل الحركات، ولا تأتي في أول الكلمة، لأنها لا تكون إلا ساكنة، وأول الكلمة لا يكون إلا متحركا، والعرب لا تبدأ بساكن، ولا تقف على متحرك.

 لهذه الألف موضعان:

أحدها: أن تكون في وسط الكلمة، فتُكْتَب بصورة الألف بكل حالٍ، مثل: قال، باع.

الثاني: أن تكون في آخر الكلمة، فتارة تُكتب بصورة الألف، وتارة بصورة الياء(اصطلح أهل الإملاء على تسمية الألف الممدودة "ا" ألفا، والألف المقصورة "ى" ياء.

أولا: فتكتب بصورة الألف في خمسة مواضع:

1- أن تكون الكلمة حرفا، مثل: كلاّ، ولولا، ويستثنى من ذلك: بلى، وعلى، وحتّى، ما لم تتصل بـ"ما" الاستفهامية، فإن اتصلت بها كتبت بصورة الألف مع حذف ألف "ما"، مثل: إلامَ، علامَ، حتَّامَ.

2- أن تكون الكلمة اسما مبنيا، مثل: قمنا(الشاهد في الضمير المتصل)، ذا (اسم إشارة مبني)، ويستثنى من ذلك: أنّى، ومتى، وأُولى: اسم إشارة للجمع(مثل: أُولاءِ)، والأُلَى:اسم موصول بمعنى الذين، فتكتب بالياء. ولَدَى(من زيادة المحقق).

3- أن تكون الكلمة اسما أعجميا (سواء كان الاسم الأعجمي ثلاثياكـ: لوقا، وأغا، أو كان غير ثلاثي)، مثل: أمريكا، ويستثنى من ذلك: موسى، وعيسى، وكِسرى، وبُخارى، فتكتب بالياء.(وأيضا: متَّى: أبو يونس عليه السلام، وكُمَّثرى: اسم فاكهة أعجمي).ويقال: موسيقا.. لا موسيقى  لأن جميع الكلمات الأعجمية المنتهية بألف تكتب بالألف الطويلة ما عدا أربع كلمات: عيسى (العبرية)، موسى (العبرية)، كسرى (الفارسية)، بخارى (الفارسية). فتكتب بالألف المقصورة. وعليه: فموسيقا بالألف الطويلة لا الألف المقصورة.

4- أن تكون الكلمة (سواء كانت اسما أو فعلا) ثلاثية وأصل الألف الواو، مثل: دعا، العصا.(ذهب الكوفيون إلى أن ما جاء على وزن فُعَل، أو فِعَل أنه يكتب بالياء، سواء كان واويا أو يائيا، فمثلا:العُلا، والرِّبا، تكتب عندهم هكذا: العُلَى، الرِّبى).

5- أن تكون الألف مسبوقة بالياء، مثل: دنيا، سجايا، ويستثنى من ذلك: الأعلام، فتكتب على ياء، مثل: يحيى، وإنما كتبت ألف الأعلام بالياء، تمييزا للعلم عن الفعل نحو (يحيا للفعل، ويحيى للاسم) والصفة.

ثانيا: وتكتب الألف بصورة الياء في ثلاثة مواضع:

1- ما استثني مما سبق في التي تكتب بصورة الألف، وهو: بلى، إلى، على، حتّى، أنّى، متى، لدى، أُولى(الإشارية)، الأُلى(الموصولة)، موسى، عيسى، كِسرى، بُخارى، متَّى(أبو يونس عليه السلام)، كُمَّثرى، والعلم المختوم بألف مسبوقة بالياء.

2- إذا كانت في الأفعال والأسماء المُعربة رابعة فأكثر، مثل: أعطى، اِصطفى، المُعطى، المُصطفى.

3- إذا كانت في فعل أو اسم معرب ثالثة منقلبة عن ياء، الفتى، سعى.

[«قواعد في الإملاء» لابن عثيمين: (19)]

 

 

الملح والنوادر


23- من جالس جانس، والصاحب ساحب

 

إذا كانت إضافة المنكَّر إلى المعرّف تكسبه تعريفا، وإضافة المذكر إلى المؤنث تكسبه تأنيثا، فاحرص على صحبة العلماء ومجاورة الفضلاء ومرافقة الصلحاء، وإياك أن تضيف نفسك إلى قرين سوء فيكسبك السوء، وقد أحسن شرف الدين المحلي حيث قال:

 

 عَلَيْكَ بأَرْبَابِ الصُّدورِ فَمَنْ غَـدَا    مُضافا لأربابِ الصدور تَصدَّرَا

 وإيَّاك أنْ تَرْضَى بِصُحبةِ نَاقصٍ    فتَنْحَطّ قَدْرا مِنْ عُلاكَ وتحْقَــرَا

 فرَفْعُ أبُو مَنْ ثُمَّ خَفْضُ مُزَمِّلٍ    يُحَقِّقُ قـَوْلي مُغْرِيًا ومُـحَــذِّرَا

 

قوله: «فرفع أبو من» أشار به إلى نحو: علمت زيدا أبو مَنْ هو، فـ «أبو» لولا إضافته إلى «من» الاستفهامية التي لها صدر الكلام لكان منصوبا على أنه مفعول به ثان لـ «علمت»، ولكنه لما أضيفت إلى ما له صدر الكلام استحق هو الصدارة، وصار مبتدأ وعلق العامل فيه عن العمل لفظا.

وقوله: «ثم خفض مزمل» يشير به إلى قول امرىء القيس:

 كأنَّ ثَبِيرًا في عَرَانِِينِِ وبْلِهِ    كبيرُ أناسٍ في بِجَادٍ مُزَمّلِ

فمزمّل كان حقّه أن يكون مرفوعا لأنه صفة لمرفوع وهو «كبير أناس» ولكنه خفض بسبب مجاورة مجرور.

[«شرح نظم عبيد ربه في النحو»: (70)]

 

 

اللغـة


22- من المثلّثات

 

 لقد وردت كلمات في العربية مثلّثة الشكل ويختلف معناها باختلاف شكلها ومن ذلك كلمة "الغمر" فحرف الغين جاء بالفتح والضم والكسر ولكلٍّ معنى على النحو الآتي:

 غَمْر-بالفتح-:الماء الكثير، ورجل غَمر الخُلُق أي: واسعه

 غُمْر-بالضم-:الرجل الجاهل الذي لم يجرِّب الأمور

غِمر-بالكسر-:الحِقد

 وقد جمع بعضهم هذه الكلمات في بيتين فقال :

 

  إنّ دمـوعيَ غَمْــرُ     وليس عنديَ غِمْرُ

  يـا أيها ذا الغُمْرُ     أَقْصِرْ عنِ التعَتُّبِ

 وشرح آخَرُ هذين البيتين فقال:

 

  يُقال للماءِ الكـثيرِ غَمْـرُ     والحِقْدُ في الصَدرِ فذاك غِمْرُ

  و الرجلُ الجاهِلُ فهْو غُمْرُ     فـلا تكنْ منْ جملة الجهّـالِ.

[«أدب الكاتب» لابن قتيبة الدينوري: (250)]

 

الحكم والأمثال


21- في اللسان

  قالوا في اللسان: (عَثرة القَََدَم أَسْلمُ مِنْ عثرة اللسان)، لأنه كما قيل في المثل الآخر (عثرة الرجل عظْم يُجْبَر، وعثرة اللسان لا تُبْقي ولا تذر)، ولذلك قالوا أيضا (كَلْمُ اللِّسان أنكى من كَلْمِ الحُسَام)،[نَكَى ونَكَأَ الجُرْحَ:قَشَرَهُ قبل أن يبرأ، ومعناه أن الجرح الذي يحدثه اللسان أشد إيلاما من جرح السيف].

   هذا، وقد رمق شعراؤنا سماء هذه الأمثال فنظموها في أبيات من الشعر فقالوا عن الأوّل والثاني:

 

          يموت الفتى من عثرةٍ بلســانه     وليس يموت المرء من عثرة الرِّجْلِِ

          فعثرته مِنْ فـيه ترمي برأسـه     وعثرته بالرِّجــلِ تَبْرَا على مَهْلِ

 وقالوا عن الثالث:

 

         جراحات السِّـنانِ لها الْتِئَـامٌ     ولا يلْتـَامُ ما جرح اللسانُ

        وقد يُرجى لجرح السيف برؤٌ     وجرْحُ الدهر ما جرَح اللسانُ

  وقد حذر الشافعي رحمه الله من خطر اللسان فقال :

 

     احفظ لسانك أيها الإنسانُ     لا يلدغنّك إنـــه ثعبـــانُ

    كم في المقابر من قتيل لسانه     كانت تهاب لقاءَهُ الأقــــرانُ

 

 وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبيَّن ما فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب» (رواه مسلم:7673 )

[«مجمع كنوز الأمثال» لكمال خلايلي: (232)]

 

 

البيان في نصوص الوحي


20- فضل العلم والعلماء

 

عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « من سلك طريقا يطلب فيه علما، سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يوَرِّثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر»

  [رواه أبو داود: 3641، والترمذي:2682، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود":3641]

وفي هذا الحديث النبوي بيان للتكريم العظيم والمنزلة الكبيرة التي يحظى بها العالم والمتعلم، وإشارة إلى أهمية العلم، لأنه الطريق الموصل إلى الجنة، وهو ميراث الأنبياء، وبه حياة القلوب وسعادة النفوس.

ولا شك أن تشبيه العلماء بالقمر ليلة البدر يعد من البلاغة النبوية، فالقمر يضيء الآفاق ويمتد نوره، أما الكواكب الأخرى فنورها ضئيل، وإذا كان الجهل كالليل في ظلمته، فإن العلماء بمنزلة القمر ليلة البدر الذي يبدد الظلام ويزين السماء.

وهناك لطيفة أخرى في هذا التشبيه النبوي، فالقمر يضعف نوره ثم يزداد، وتراه كاملا ثم يتضاءل وينقص، وكذلك العلماء تتفاوت مراتبهم في العمل الصالح و الدعوة إلى دين الله.

وفي قوله (إن العلماء ورثة الأنبياء) تنبيه للعلماء أن يسلكوا هدي الأنبياء وطريقتهم في الدعوة وتزكية النفوس وتربية الأمة، وبذلك يحصل لهم نصيبهم  من هذا الميراث العظيم.

وإذا كان قِوام حياة البدن وأمور المعيشة عن طريق المال، فإن حياة القلب وغذاءه وشفاءه من أسقامه لا يكون إلا بالعلم النافع الذي يورث العمل الصالح، ومن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر.

[«منهج الإسلام في تزكية النفوس» لأنس أحمد كرزون: (1/ 187 )]

 

 

أزهار متناثرة


19- نصيحةُ أمّ لابنتها

 

قالت أمامة بنت الحارث لابنتها حين أرادوا أن يحملوها إلى زوجها: أيْ بُنيّة إنّ الوصية لو تُرِكت لِفَضل أدبٍ تُرِكتْ لذلك منكِ، ولكنها تذكرة للغافل، و معولة للعاقل، ولو أن امرأة استغنت عن الزوج لغِنى أبويها، و شدة حاجتهما إليها، كنتِ أغنى الناسِ عنه، ولكن النساء للرجال خُلِقْنَ، ولهن خُلِق الرجال، أيْ بُنَيّة إنكِ فارقتِ الجوَّ الذي منه خرجتِ، وخلَّفتِ العُشَّ الذي فيه درَجتَِ، إلى وَكْرٍ لم تعرفيه، وقرينٍ لم تألفيه، فأصبَحَ بملكه عليكِ رقيباً ومليكاً، فكوني له أَمَةً يكنْ لكِ عبدا وشيكا، يا بُنَيّة احْمِلي عنِّي عشر خِصال يَكُنَّ لكِ ذخْراً وذِكرا: الصحبة بالقناعة، و المعاشرة بِحُسن السمع والطاعة، و التعهد لموقع عينيه، و التفقد لموضع أنفه، فلا تقع عيناه منك على قبيح، ولا يشَم منك إلا أطيب ريح، والكحل أحسن الحسن، والماء أطيب الطيب المفقود، والتعهد لوقت طعامه، والهدوء عنه حين منامه، فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مبْغضة، والاحتفاظ ببيته وماله، والإرعاء على نفسه وحشمه وعياله، فإن الاحتفاظ بالمال حسن التقدير، والإرعاء (الإبقاء) على العيال والحشم حسن التدبير، ولا تفشي له سرا، ولا تعصي له أمرا، فإنكِ إن أفشيتِ سره لم تأمني غدره، وإن عصيتِ أمره أَوْغَرْتِ صدره، ثم اتّقي مع ذلك الفرح إن كان تَرِحاَ، والاكتئاب عنده إن كان فَرِحاَ، فإن الخصلة الأولى من التقصير، والثانية من التكدير، وكوني أشد ما تكونين له إعظاما، يكن أشد ما يكون لك إكراما، وأشد ما تكونين له موافقة، أطول ما تكونين له مرافقة، واعلمي أنك لا تَصِلِين إلى ما تُحبين حتى تُؤْثِرِي رِضاه على رِضاك، وهواه على هواك، فيما أحببتِ وكرِهتِ والله يخير لك... فَحُمِلتْ إليه فَعَظُمَ موقعها منه وولدت له الملوك السبعة الذين ملكوا بعده اليمن.

[«بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب المؤلف» للألوسي: (2/ 19)]

 

 

مختارات شعرية


18- نصائح غاليات

  قال طرفة بن العبد:

ستُبْدي لك الأيامُ ما كنتَ جاهِلاً 

ويأتيكَ بالأنباءِ منْ لـمْ تبِعْ لــهُ

لعمرُكَ مـا الأيامُ إلا مُعـــارَة 

ولا خيرَ في خيرٍ ترى الشـرَّ دونه

عنِ المرءِ لا تســألْ وأبْصِرْ قرينهُ 

لعمــركَ ما أدري وإنّـي لواجِل

فإنْ تكُ خَلفي لا يَفُتها ســوادِيا

ويأْتيكَ بالأخبـــار مَنْ لمْ تُزوِّدِ

بَتاتا ولم تضـرِبْ له وقتَ مَوْعِدِ

فما اسْطعْتَ مِن معـروفها فتزَوَّدِ

ولا نائلٌ يأتيك بـــعد التلذذ

فإنَّ القرينَ بالمقــارَنِ مُقتــَدِ

أفي اليــومِ إِقدامُ المنيـةِ أمْ غدِ

وإنْ تكُ قُـدَّامي أَجِدْها بِمَرْصَدِ

وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتمثل بعجز البيت الأول من هذه القصيدة فعن عائشة رضي الله عنها قالت: « كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا اسْترَاثَ (استبطأ) الخبر تمثل فيه ببيت طرفة ويأتيك بالأخبار من لم تزود » (أخرجه أحمد:24751، وصححه الألباني في الصحيحة: 2057)  

   [«جمهرة أشعار العرب» للقريشي: (160)]

 

قواعـد وفوائـد


17- أقسام الفعل من حيث التوكيد

 

تنقسم الأفعال من حيث التوكيد وعدمه إلى ثلاثة أقسام:

الأول: ما لا يجوز توكيده أصلا: وهو الفعل الماضي فلا يؤكّد أبدا، لأن معناه الماضي لا يتفق مع ما تدل عليه النون من الاستقبال، وأما قول القائل:

  دامنَّ سعدُكِ لو رحمت متيّما     لولاك لم يك للصبابة جانحا

فضرورة شاذة، سهّلها ما في الفعل من معنى الطلب، فعومل معاملة الأمر، كما شذَّ توكيد الاسم في قول رؤبة ابن العجاج :   أقائلنّ أحضِروا الشهودا

فيمتنع إذا أن تقول: كتبَنَّ، وذهبَنَّ...

الثاني: ما يجوز توكيده دائما: وهو فعل الأمر، وذلك لأنه للاستقبال دائما، فيجوز توكيده مطلقا وبدون شروط نحو: اكتبَنَّ، اجتهدَنَّ...

الثالث: ما يجوز توكيده أحيانا ولا يجوز توكيده أحيانا أخرى: وهو الفعل المضارع وله أحكام يفصِّلها الصرفيون على النحو الآتي:

1- أن يكون توكيده واجبا: بشروط هي:

- كونه مثبتا

- كونه دالا على الاستقبال

- كونه جوابا لقسم

- كونه غير مفصول من لام القسم بفاصل.

مثاله: قول الله تعالى: ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم ، فإذا فقد شرط من هذه الشروط امتنع توكيده.

2- أن يكون توكيده ممتنعا: إذا فقد شرطا من الشروط المبينة في الحالة السابقة أي: إذا انتفت شروط الواجب ولم يكن من الحالات الآتية. وذلك فيما يلي:

- كونه منفيا في جواب قسم كقوله تعالى : ﴿ تالله تفتؤ تذكر يوسف ولو كان النفي مقدّرا.

- كونه دالا على الزمن الحاضر(الحال) نحو قولك: والله لأقرأ الآن.

- كونه مفصولا من لام جواب القسم بفاصل، نحو: قد، والسين، وسوف نحو: والله لقد يسهو العالم.

- كونه مفصولا من لام جواب القسم بمعمول الفعل نحو: والله للنجاحَ تبلغ بالعمل الجاد.

3- أن يكون توكيده قريبا من الواجب: وذلك إذا كان شرطا لـ "إنْ" المؤكّدة بـ "ما" الزائدة أي: يقع فعل الشرط في جملة تكون كلمة الشرط فيها هي الحرف "إن" ومعه "ما" الزائدة المدغمة فيها نحو قوله تعالى: ﴿إمّا تخافنَّ من قوم خيانة

4- أن يكون كثيرا: إذا وقع بعد أداة طلب: أمر، أو نهي، أو دعاء، أو عرض، أو تمن، أو استفهام نحو:

-الأمر: ليقومنّ زيد.

- النهي: لا تهملنّ واجبك

- الدعاء: قول خرنق بنت هفان:

       لا يبعدن قومي الذين هم     سم العداة وآفة الجزرِ

- العرض:

     هلاّ تمنَّن بوعد غير مخلفة     كما عهدتك في أيام ذي سلم

- التمني:

   فليتك يوم الملتقى ترينَّني     لكي تعلمي أني امرؤ بك هائمُ

- الاستفهام:

    أفبعد كندة تمدحنّ قبيلا...

5- أن يكون قليلا: إذا وقع بعد "لا" النافية، أو "ما" الزائدة التي لم تسبق بـ"إن" الشرطية كقوله تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا﴾

6- أن يكون أقل: أي أن يكون توكيده جائزا ولكنه قليل الاستعمال ونادر، وذلك إذا كان الفعل بعد "لم"، وبعد أداة جزاء غير "إمّا" أو "إن" شرطا كان المؤكَّد أو جزاء كقول القائل في وصف جبل:

      يحسبه الجاهل ما لم يعلما     شيخا على كرسيّه معمّما

أي: يعلمن، وتقول: لم يحضرنّ علي، والأحسن أن تقول: يحضر.

 ملاحظة: هناك من أدرج بعض الأقسام في بعض والخطب سهل إن شاء الله تعالى.

[«الجمع اللطيف في فن التصريف» لأبي معاذ عبدالله:  (220) ،وراجع «أوضح المسالك» لابن هشام]

 

الملح والنوادر


16- شتان ما بينهما

  يروى عن الأصمعي أنه قال: هجم عليّ شهر رمضان وأنا بمكة، فخرجت إلى الطائف لأصوم بها هربا من حرِّ مكة، فلقيني أعرابي، فقلت له: أين تريد؟ قال: أريد هذا البلد المبارك لأصوم هذا الشهر المبارك فيه، فقلت: أما تخاف الحر؟ فقال: مِنَ  الحَرِّ أفرُّ.

[«الكامل» للمبرد: (262)]

 

اللـغة


15- فروق لغوية

 (تابع)

1- الفرق بين المدح والثناء: أن الثناء مدح مكرر من قولك: تثنيت الخيط إذا جعلته طاقين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنْ الْمَثَانِي﴾ يعني سورة الحمد لأنها تكرر في كل ركعة، والثناء يكون في الخير والشر يقال: أثنى عليه بخير وأثنى عليه بشر بخلاف المدح فلا يكون إلا في الخير.

2- الفرق بين القراءة والتلاوة: أن التلاوة لا تكون إلاّ لكلمتين فصاعدا، والقراءة تكون للكلمة الواحدة أو أكثر. والتلاوة تختص باتباع كتب الله المنزلة تارة بالقراء‌ة وتارة بالارتسام، لما فيها من أمر ونهي وترغيب وترهيب، أو ما يتوهم فيه ذلك، وهي أخص من القراء‌ة، فكل تلاوة قراء‌ة، وليس كل قراء‌ة تلاوة.

3- الفرق بين السرعة والعجلة: أن السرعة: التقدم فيما ينبغي أن يُتقدَّم فيه، وهي محمودة ونقيضها مذموم، وهو الإبطاء، والعجلة: التقدم فيما لا ينبغي أن يُتقدَّم فيه، وهي مذمومة، ونقيضها محمود، وهو الأناة، و أما قوله تعالى: ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّي لِتَرْضَى ﴾ فإن ذلك بمعنى أسرعت.

4- الفرق بين الناس والورى: أن الناس تقع على الأحياء والأموات، والورى: الأحياء منهم دون الأموات، و أصله مِنْ وَرِيَ الزِنْد يَرِي إذا أظهر النار، فسمي الورى ورى لظهوره على وجه الأرض، ويقال الناس الماضون ولا يقال الورى الماضون.

  [«معجم الفروق اللغوية» للعسكري: (من صفحات متعددة)]

 

الحكم والأمثال


14- على أهلها تجني براقش

المثل : عَلَى أََهْلِهاَ تَجْنىِ بَرَاقِشُ

يضرب :  لمن يعمل عملا يرجع ضرره إليه.

قصته : كانت بَرَاقشُ كلبةً لقومٍ من العرب، فأغير عليهم، فهَرَبُوا ومعهم بَرَاقش، فاتَّبع القومُ آثارَهُم بنُبَاح بَرَاقش، فهجموا عليهم فاصطلموهم، قَال حمزة بن بيض‏:‏

لم تكن عن جناية لَحِقَتْنِي   لا يَساري ولا يَمينِي رَمَتْنِي

بل جَنَاها أخٌ عليَّ كريمٌ    وعلى أهلها بَرَاقِشُ تَجْـنِي

وروى يونس بن حبيب عن أبي عمرو بن العلاء قَال‏:‏ إن براقش امرَأة كانت لبعض الملوك، فسافر الملك واستخلفها، وكان لهم موضع إذا فَزِعوا دخَّنُوا فيه، فإذا أبصره الجند اجتمعوا، وإن جواريها عبثن ليلة فَدخَّنَّ فجاء الجند، فلما اجتمعوا قَال لها نصحاؤها‏:‏ إنك إن رَدّدْتهم ولم تستعمليهم في شَيء ودخّنتهم مرة أخرى لم يأتِكِ منهم أحد، فأمرتهم فبنوا بناء دون دارها، فلما جاء الملك، سَألَ عنْ البِناءَ فأخبروه بالقصة، ‏‏ فَقَال‏:‏ على أهْلهِا  تَجنِي بَرَاقش، فصارت مَثَلاً.

[«مجمع الأمثال» للميداني: (1/ 686)]

 

البيان في نصوص الوحي


13-  من الأمثال النبوية

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه قَالَ قَالَ النَّبِىُّ  صلى الله عليه وسلم: « مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا الْمُنْفِقُ فَلاَ يُنْفِقُ إِلاَّ سَبَغَتْ - أَوْ وَفَرَتْ - عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِىَ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَلاَ يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلاَّ لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلاَ تَتَّسِعُ ».

 وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "ضرب رسول الله مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد أو جنتان من حديد، قد اضطرت أيديهما إلى ثدييهما وتراقيهما، فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشى أنامله وتعفو أثره وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة مكانها قال أبو هريرة فأنا رأيت رسول الله يقول بإصبعه هكذا في جبته فرأيته يوسعها ولا تتسع ".[البخاري: 1443، مسلم: 2406]

   لما كان البخيل محبوسا عن الإحسان ممنوعا عن البر والخير، كان جزاؤه من جنس عمله فهو ضيق الصدر، ممنوع من الانشراح، ضيق العطن، صغير النفس، قليل الفرح، كثير الهم، والغم، والحزن، لا يكاد تقضى له حاجة، ولا يعان على مطلوب، فهو كرجل عليه جبّة من حديد قد جمعت يداه إلى عنقه بحيث لا يتمكن من إخراجها، ولا حركتها، وكلما أراد إخراجها أو توسيع تلك الجبّة لزمت كل حلقة من حلقها موضعها، وهكذا البخيل كلّما أراد أن يتصدّق منعه بخله فبقي قلبه في سجنه كما هو.

  والمتصدِّق كلما تصدق بصدقة انشرح لها قلبه، وانفسح بها صدره، فهو بمنزلة اتساع تلك الجبة عليه فكلما تصدق اتسع وانفسح، وانشرح وقوي فرحه، وعظم سروره، ولو لم يكن في الصدقة إلا هذه الفائدة وحدها لكان العبد حقيقا بالاستكثار منها والمبادرة إليها، وقد قال تعالى:  ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر : 9].

  والفرق بين الشح والبخل، أن الشح هو شدة الحرص على الشيء والإحفاء في طلبه والاستقصاء في تحصيله وجشع النفس عليه، والبخل منع إنفاقه بعد حصوله، وحبه وإمساكه، فهو شحيح قبل حصوله بخيل بعد حصوله، فالبخل ثمرة الشح، والشح يدعو إلى البخل والشح كامن في النفس، فمن بخل فقد أطاع شحه، ومن لم يبخل فقد عصى شحه، ووقى شره وذلك هو المفلح، ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، والسخيّ قريب من الله تعالى ومن خلقه ومن أهله وقريب من الجنّة وبعيد من النار، والبخيل بعيد من خلقه بعيد من الجنة قريب من النار فجود الرجل يحببه إلى أضداده، وبخله يبغضه إلى أولاده.

 

ويُظهِرُ عيبَ المرء في الناس بُخلُه     ويَسْتُره عنهم جميعـًا سَخاؤُهُ

تَغطَّ بأثوَابِ السَّخاءِ فإنَّني     أرَى كلَّ عيب فالسخاء غِطَاؤُهُ

وقـَارِنْ إذا قارَنْتَ حرًّا فإنَّما     يَزِينُ ويُزرِي بالفَتى قُرَنَاؤُهُ

وأقلِلْ إذا ما استطعْتَ قوْلاَ فإنّه     إذا قلَّ قوْلُ المرْءِ قلَّ خَطاؤُهُ

إذا قلَّ مَال المرْءِ قلَّ صَدِيقـُهُ     وضاقت عليه أرضُه وسمَاؤُهُ

وأصْبَحَ لا يدري وإنْ كان حَازِمًا     أَقدَّامُه خيرٌ له أمْ وَرَاؤُهُ

إذا المرءُ لمْ يختَرْ صَدِيقًا لنَفْسِه     فناد به في الناس هذا جَزَاؤُهُ

 

 وحدُّ السخاء: بذل ما يحتاج إليه عند الحاجة وأن يوصل ذلك إلى مستحقه بقدر الطاقة، وليس كما قال البعض: من نقص عمله حد الجود بذل الموجود. ولو كان كما قال هذا القائل لارتفع اسم السرف والتبذير، وقد ورد الكتاب بذمهما وجاءت السنة بالنهي عنهما، وإذا كان السخاء محمودا فمن وقف على حدّه سمي كريما، وكان للحمد مستوجبا ومن قصر عنه كان بخيلا وكان للذم مستوجبا، والسخاء نوعان: فأشرفهما سخاؤك عما بيد غيرك، والثاني سخاؤك ببذل ما في يدك فقد يكون الرجل من أسخي الناس وهو لا يعطيهم شيئا لأنه سخا عما في أيديهم وهذا معنى قول بعضهم: السخاء أن تكون بمالك متبرعا وعن مال غيرك متورعا.

[«الروح» لابن القيم: (408)]

 

أزهار متناثرة


12- براعة الاستهلال

إنّ كثيرا من الكتاب لا يحسن وضع مقدمة مناسبة لما هو بصدد الكتابة عنه، وهو ما يعرف عند علماء المعاني ببراعة الاستهلال، وخطبة الكتاب إذا كانت مناسبة لموضوع الكتاب فإن ذلك يهيء الناظر فيه معرفة ما فيه، ويصور له بعبارة موجزة زبدة الموضوع أو الرسالة، وتكمن براعة الكاتب في القدرة على الدخول في موضوع الرسالة أو البحث دون أن يشعر القارئ بذلك، ولعل خطبة الإمام أحمد في كتابه «الرد على الزنادقة والجهمية» فيها بيان لبراعة الاستهلال وحسن البيان، وكان حقها أن تكتب بماء الذهب.

قال رحمه الله تعالى: ( الحمد لله الذي جعل في كلّ زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم! ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عقال الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين..)

[«صيد الكتب» لفؤاد الشلهوب: (3)]

 

مختارات شعرية


11- الرضى بقضاء الله وقدره

 

 

 

 دَعِ الأيّــامَ تـفعـلُ ما تشاءُ 

ولا تَجْزَعْ لحـادِِثــةِ اللَّيالي 

 وكُنْ رَجُلاً على الأهْوَالِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِ جَلْدًا 

 و إنْ كَثُرَتْ عيوبُك في البَرايا 

 تستّــَرْ بالسخاءِ فكلُّ عَيْبٍ 

 ولا تُـرِي للأعادي قَـطُّ ذُلاًًّ 

 ولا تَرْجُ السماحةََ مِنْ بَخيلٍ 

 ورِزْقُكَ ليسَ يُنْقِصُهُ التَأنّي 

ولا حُزْنٌ يدومُ ولا سرورٌ 

 إذا ما كنتَ ذا قلْبٍ قََََََنُوعٍ 

 ومَنْ نزَلَتْ بساحته المنايا 

و أَرْضُ اللهِ واسعةٌ ولكن 

دَعِ الأيَّامَ تَغْدِرُ كلَّ حينٍ 

 

 

وطِبْ نفسًا إذا حَكَمَ القضَاءُ

 فما لحوَادِثِ الدنيا بَقـــاءُ

وشِيمَتُكَ السَّماحةُ والوفـاءُ

وسرَّك أنْ يكونَ لها غِطــاءُ

يُغطِّيهِ كما قــيلَ السخـاءُ

فإنّ شـماتةَ الأَعْدَا بَــلاءُ

فما في النارِ للظَمْآنِ مـــاءُ

وليس يزيدُ في الرِزْقِِ الَعَنَــاءُ

ولا بُؤْسٌ عليــك ولا رخـاءُ

فأنتَ ومالِكُ الدنيا ســـواءُ

فلا أرْضٌ تَقِيهِ ولا سمــــاءُ

إذا نزلَ القََضَا ضَاق الفَضَــاءُ

فما يُغْنـــي عنِ الموتِ الدَوَاءُ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[«ديوان الشافعي»: (12)]

 

الملح والنوادر


10- بداهة الحريري

 كان الحريري من ذوي الجاه واليسار يملك بالمشان أكثر من ثمانية عشر ألف نخلة يغلها، وكان له منزل بالبصرة يقصده الأدباء والعلماء يقرؤون عليه أو يفيدون من علمه، وخصوصا بعد أن ألف المقامات وذاع أمرها بين الناس، وكان مرهف الشعور صادق الحس والتخمين.

  وكان الحريري ضئيل الجسم زري المنظر عصبي المزاج، ينتف شعرات لحيته إذا اشتغل بالتفكير والكتابة، ولكنه مع هذا كان موضع تقدير الناس وإكبارهم، ويُحكى أن شخصا زاره، وأراد أن يتلقى عليه شيئا من العلم لذيوع  شهرته، فلما رآه استزرى منظره، فأدرك الحريري ما دار في نفسه، ولما طلب هذا الشخص إلى الحريري أن يملي عليه شيئا من الأدب قال له: اكتب! وأملاه هذين البيتين:
   مـا أنت أول سارٍ غرَّه قمـر 
   ورائــدٌ أعجبـته خضـرة الدِمنِ

   فاختر لنفسك غيري إنني رجل     مثل المعيدي فاستمـع بي ولا تََرَنِي

فخجل الرجل وانصرف عنه.

[«مقدمة شرح مقامات الحريري»: (6)]

 

 

اللـغة


9- فروق لغوية

1- الفرق بين السؤال والاستفهام

أن الاستفهام: لا يكون إلا لما يجهله المستفهم فيه أو يشك فيه، أما السؤال: فيجوز فيه أن يكون السائل يسأل عما يعلم وعما لا يعلم، فالفرق بينها ظاهر.

2- الفرق بين الاختصار والإيجاز

أن الاختصار: هو إلقاؤك فضول الألفاظ من كلام المؤلف من غير إخلال بمعانيه، أما الإيجاز: هو أن يُبنى الكلام على قلة اللفظ وكثرة المعاني، فإن استعمل أحدهما موضع الآخر فلتقارب معنييهما.

3- الفرق بين النبأ والخبر

 أن النبأ لا يكون إلا للإخبار بما لا يعلمه المخبَر، أما الخبر: فيجوز أن يكون بما يعلمه وبما لا يعلمه، ولهذا يقال تخبرني عن نفسي ولا يقال تنبئني عن نفسي.

4- الفرق بين الخطأ والغلط

أن الغلط هو وضع الشيء في غير موضعه، ويجوز أن يكون صواباً في نفسه، وأما الخطأ: لا يكون صواباً على وجه أبدًا، وقال بعضهم: الغلط: أن يسهى عن ترتيب الشيء وإحكامه، والخطأ: أن يسهى عن فعله أو أن يوقعه من غير قصد له ولكن لغيره.

 [«معجم الفروق اللغوية» لأبي هلال العسكري: (25 فما فوق)]

 

 

الحكم والأمثال


8- نَفْسُ عِصَامٍ  سَوَّدَتْ عِصَاماً

 قيل‏:‏ إنه عصام بن شهبر حاجبُ النعمان بن المنذر الذي قَالَ له النابغة الذبياني حين حَجَبَهُ عن عيادة النعمان من قصيدة له:

          فإنِّي لاَ ألُومُكَ في دُخُول     وَلَكِنْ مَا وَرَاءَكَ يا عِصَامُ‏؟‏

يضرب في نَبَاهة الرجل من غير قديم، وهو الذي تسميه العرب ‏"‏الخارجي‏"‏ يعنى أنه خرج بنفسه من غير أولية كانت له قَالَ كثير‏:‏

            أبَا مَرْوَانَ لَسْتَ بِخَارِجِيٍّ     وَلَيْسَ قَدِيمُ مَجْدِكَ بِانْتِحَالِ

وفي المثل ‏"‏كن عصامياً، ولاَ تكن عظامياً‏"‏ وقيل‏:‏

            نَفَسُ عِصَامٍ سَودَتْ عصَامَا   وَعَلَّمَتْهُ الكَرَّ وَالإقْدَامَا

                               وَصَيَّرَتْهُ مَلِكاً هُمَامَا

يُقَال‏:‏ إنه وُصف عند الحجاج رجلٌ بالجهل، وكانت له إليه حاجة، فَقَالَ في نفسه‏:‏ لأخْتَبِرَنَّهُ، ثم قَالَ له حين دخل عليه‏:‏ أعصامياً أنت أم عِظَامياً‏؟‏ يريد أشَرُفْتَ أنتَ بنفسك أم تفخر بآبائك الذين صاروا عظاما‏؟‏ فَقَالَ الرجل‏:‏ أنا عصامي وعظامي، فَقَالَ الحجاج‏:‏ هذا أفضل الناس، وقضى حاجته، وزاده، ومكث عنده مدة، ثم فاتشه فوجَدَه أجْهَلَ الناسِ، فَقَالَ له‏:‏ تصدُقُنِي وإلاَ قَتلتك، قَالَ له‏:‏ قل ما بدا لك وأصدقك، قَالَ‏:‏ كيف أجَبْتَنِي بما أجَبْتَ لما سألتك عما سألتك‏؟‏ قَالَ له‏:‏ والله لم أعلم أعصامي خير أم عظامي، فخشيت أن أقول أحدهما فأخطئ، فقلت‏:‏ أقول كليهما، فإن ضرني أحدهما نفعني الآخر.

   وكان الحجاج ظَنَّ أنه أراد أفْتَخِرُ بنفسي لِفَضْلِي وبآبائي لشرفهم، فَقَالَ الحجاج عند ذلك‏:‏ المقاديرُ تًصَيِّرُ العِيَّ خطيباً، فذهبت مثلاً‏.‏

[«مجمع الأمثال» للميداني : (2/371)]

 

 

البيان في نصوص الوحي


7- آداب الضيافة

 

 قال الله تعالى:﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27)[الذاريات: 24-27]

  قال الأديب السلفي محمود شكري الألوسي معلِّقا على هذه الآية، ومبرزا أوجه البلاغة فيها: "ففي هذا من الثناء على إبراهيم عليه السلام وجوه متعددة:

منها: أنه وصف إكرام ضيفه بأنهم مكرمون أي إن إبراهيم أكرمهم.

ومنها: قوله تعالى (إذ دخلوا عليه) فلم يذكر استئذانهم، ففي هذا دليل على أنه صلى الله عليه وسلم قد عُرِفَ بإكرام الضيفان واعتياد قِراهم فبَقِيَ منزل مضيفه مطروقا لمن ورده لا يحتاج إلى استئذان، بل استئذان الدخول دخوله وهذا غاية ما يكون من الكرم.

ومنها: قوله(سلامٌ) بالرفع وهم سلّموا عليه بالنصب، والسلام بالرفع أكمل، فإنه يدل على الجملة الاسمية الدالّة على الثبوت والدوام، والمنصوب يدل على الفعلية الدالّة على الحدوث والتجدّد، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام حيّاهم بتحية أحسن من تحيتهم فإن قولهم سلاما يدل على سلمنا سلاما وقوله سلام أي سلام عليكم.

ومنها:أنه حذف المبتدأ من قوله (قوم منكرون)، فإنه لمّا أنكرهم ولم يعرفهم احتشم من مواجهتهم بلفظ يُنَفِّرُ الضيف لو قال أنتم قوم منكرون، فحذف المبتدأ هنا من ألطف الكلام.

ومنها: أنه راغ إلى أهله ليجيئهم بنُزُلِهم والروغان هو الذهاب في اختفاء بحيث لا يكاد يشعر به وهذا من كرم المضيف.

ومنها: أنه ذهب إلى أهله فجاء بالضيافة، فدل على أن ذلك كان مُعَدًًّا عندهم مهيَّأًً للضيفان ولم يحتج أن يذهب إلى غيرهم من جيرانه أو غيرهم فيشتريه أو يستقرضه.

ومنها: قوله(فجاء بعجل سمين) دلّ على خدمته للضيف بنفسه ولم يقل فأمر لهم بل هو الذي ذهب وجاء به بنفسه ولم يبعثه مع خادمه وهذا أبلغ في إكرام الضيف.

ومنها: أنه جاء بعجل كامل ولم يأت ببضعة منه وهذا من تمام كرمه.

ومنها: أنه سمين لا هزيل، ومعلوم أن ذلك من أفخر أموالهم، ومثله يُتَّخَذُ للاقتناء والتربية فآثر به ضيفانه.

ومنها: أنه قرّبه إليهم بنفسه ولم يأمر خادمه بذلك.

ومنها: أنه قرّبه إليهم ولم يقرِّبهم إليه، وهذا أبلغ في الكرامة، أن تُجلِسَ الضيف ثم تقرِّب الطعام إليه وتحمله إلى حضرته ولا تضع الطعام في ناحية ثم تأمر ضيفك بأن يتقرب إليه.

ومنها: أنه قال لهم (ألا تأكلون)، وهذا عرض وتلطّف في القول وهو أحسن من قوله كُلُوا أو مُدُّوا أيديكم ونحوها مما يعلم الناس بعقولهم حسنه ولطفه.

ومنها: أنه إنما عرض عليهم الأكل لأنه رآهم لا يأكلون، ولم يكن ضيوفه يحتاجون معه إلى الإذن في الأكل بل كان إذا قدّم لهم الطعام أكَلوا، وهؤلاء الضيوف لمّا امتنعوا من الأكل قال لهم ألا تأكلون، ولهذا أَوْجَسَ منهم خيفة أي: أحسَّها وأضمرها في نفسه ولم يبدها لهم.

  فقد جمعت هذه الآية آداب الضيافة التي هي أشرف الآداب وكفى بها شرفا وفخرا.

 

[«بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب» للألوسي: (1/ 375)]

 

 

مختارات شعرية


6- الافتقار إلى الله

 

أرسل ابن تيمية رحمه الله في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه إلى تلميذه ابن القيم رحمه الله  وعلى ظهرها أبيات بخطّه من نظمه يقول فيها:

 

  أنا الفقـيرُ إلى ربِّ البَرِيـَّـاتِ      أنا المسكينُ في مَجْمُـوعِ حـالاتِـي

  أنا الظََلُومُ لنفسـي وهي ظالمتِي      والخيرُ إن يَأْتِنـا مِنْ عِنْـدِهِ يَـاتِـي

  لا أستطيع لنفسي جَلْبَ مَنْفـعةٍ    ولا عَـنِ النفسِ لي دفع المضــرَّاتِ

  وليس لي دونه مولى يدبِّرُنِـي      ولا شـفـيعٌ إذا حــاطتْ خطيئـاتي

  و الفقرُ وصْـفُ ذاتٍ لازمٌ أبدا    كمـا الغنـى أبَـدا وصفٌ له ذاتـي

[«مدارج السالكين» لابن القيم: (1/ 524)]

 

 

قواعد وفوائد


5- أسلوب الإغراء

   الإغراء: هو ترغيب المخاطب في أمر محمود يَجْدُرُ به لُزومُه، أو القيام به، أو تَشْوِيقُه إلى فعله، وذلك بنصب الاسم بِفِعْلِ الإِغْراء المحذوف مقدّر بما يناسب المقام: كالزم، واطلب، وافعل، نحو: العِلْمَ، أي: الْزَمِ العِلْمَ، واكتسبه.

  ويَتَكوَّن أسلوب الإغراء مِنْ ثلاثة أمور:

ـ المُغْرِي: وهو المتكلِّم الذي يوجِّه التنبيه.

ـ المُغْرَى: وهو الذي يتَّجِه إليه التنبيه.

ـ المُغْرَى به: وهو الأمر المحمود.

  ويكون الإغراء كما يلي:

1 ـ بذكر اسمٍ من منصوب معرّف ب "ال" نحو: المروءةَ.

تنبيه: يجوز ذكر العامل وحذفه في هذه الحالة.

2 ـ أو بتكرير اسم منصوب معرّف ب "ال" نحو : الاجتهادَ الاجتهادَ أيُّها الطلبة، ونحو: النجدةَ النجدةَ، ومنه قول الشاعر:

 

أخاك أخاك إنّ من لا أخــا له    كساعٍ إلى الهيْجا بغيرِ سِلاحِ

وإنَّ ابْنَ عمِّ المرءِ فاعْلَمْ، جنَاحُه    وهلْ ينهضُ البَازِي بغير جناحِ

ومـا طالب الحاجات إلا مغرّر    وما نال شيئاً طـالبٌ كنجاحِ

تنبيه: يجب حذف العامل في هذه الحالة.

3 ـ أو بعطف اسم منصوب معرَّف ب "ال" على اسم آخر، ويكون هذا العطف بالواو نحو : الثباتَ، و الصبرَ، ونحو:الصِّدْقَ، وكرمَ الخُلُقِ، المروءة، والنجدةَ.

تنبيه: يجب حذف العامل في هذه الحالة.

[«جامع الدروس العربية» للغلاييني: (3/ 17)]

 

 

الملح والنوادر


4- الشغف بالكتاب

كتاب الجمهرة لابن دريد مرجع من مراجع أهل الأدب، أملاه بحلب تلميذه أبو عبد الله الحسين بن أحمد ابن خالويه المتوفى في سنة 370ﻫ على جهابذة مشاهير منهم أحمد بن عبد الرحمن بن قابوس، وكانت عند تلميذه أبي علي القالي بمنزلة الروح من الجسد، حتى إنه أعطِيَ فيها ثلاثمائة مثقال ذهبا فأبى! فلمَّا اشتدت حاجته إلى الإنفاق على عياله باعها بأربعين مثقالا!!!

 وكتب عليها هذه الأبيات:

 

 أنِسْتُ بها عِشرينَ عامًا وبِعْتُهَا    وقد طَال وُجْدِي بَعْدَها وحَنِينِي

  وما كان ظنِّي أنَّني سأبيعُهـا    ولو خلَّدْتنِي في السُّجونِ ديوني

  ولكن لِعَجزٍ وافتِقـارٍ وصِبيةٍ    صِغـارٍ عليهـم تستهلُّ شؤوني

  فقُلْتُ ولم أَمْلِكْ سوابِقَ عَبْرَتِي    مَقالةَ مَكْوِيِّ الفـؤادِ حَـزينِ

  وقد تُخرجُ الحاجاتُ يا أمَّ مالِكٍ    كرائِـمَ مِنْ ربٍّ بهنَّ ضَنِيـنِ

 فلما رأى الذي اشتراها هذه الأبيات كاد يذوب أسًى وعطْفًا على صاحبها، ثم أرسلها إليه ومعها أربعون مثقالا ذهبا أخرى، فلما وصلته كان كأنما رُدَّتْ إليه روحه.

[«شرح مقصورة بن دريد» لعبد الوصيف محمد: (9)]

 

اللـغة


3- في سياقة الأوائل

- الاسْتِهْلالُ: أوَّلُ صيَاحِ المولودِ إذا وُلِد.

- البَاكُورَةُ: أوَّلُ الفَاكِهَة.

- البِكْرُ: أوَّلُ الْوَلَدِ.

- تَبَاشِيرُ الصُّبْح: أَوائِلُهُ.

- حِدْثانُ الأمْرِ: أَوَّلُه.

- السُّلافُ: أوَّلُ العَصِيرِ.

- شَرْخُ الشَّبابِ ورَيْعَانُه وعُنْفُوانُهُ وغُلَوَاؤُهُ: أوَّلُهُ.

- الصُّبْحُ: أوَّلُ النَّهارِ.

- صَدْرُ كلِّ شيءٍ وغُرَّتُهُ: أوَّلُهُ.

- الطَّلِيعَة:ُ أوَّلُ الجَيْشِ.

- الغَسَقُ: أوَّلُ اللَّيْلِ.

- فاتِحَةُ الكِتاب: أوَّلُهُ.

- قَرْنُ الشَّمْسِ: أوَّلُها.

- النَّبَطُ: أوَّلُ ما يَظْهَرُ مِنْ ماءِ البئْرِ إذا حُفِرَتْ.

- النَّشْوَةُ: أوَّلُ السُّكْرِ.

- النُّعَاسُ: أوَّلُ النَّوْم.

- النّهَلُ: أوَّلُ الشُرْب.

- الوَخْطُ: أوَّلُ الشَّيْبِ.

- الْوَسْمِيُّ: أوَّلُ المَطرِ.

[«فقه اللغة وسر العربية» للثعالبي: (45)]

 

الحكم والأمثال


2- عند جهينة الخبر اليقين

أصل هذا المثل أن رجلا اسمه حصين بن عمرو خرج يطلب فُرْصة فاجتمع برجل من جهينة يُقال له الأخنس ابن كعب، فتعاقدا ألاَّ يلقيا أحدا إلا سلباه، وكلاهما فاتك يحذر صاحبه، فطلبا يوما اللخمي فوجداه نازلا في ظل شجرة فعرض عليهما الطعام فنزلا وأكلا وشربا ثم إنّ الأخنس ذهب لبعض شأنه فلما رجع وجد سيف صاحبه مسلولا، و اللخمي يَتشحَّط في دمه فسلّ سيفه، وقال: ويحك!قتلتَ رجلا تحرّمنا بطعامه وشرابه!فقال: اقعد يا أخا جهينة، فلهذا وشبهه خرجنا، ثم إن الجهني شغل صاحبه بشيء، ثم وثب عليه فقتله، وأخذ متاعه ومتاع اللخمي، ثم انصرف إلى قومه راجعا بماله، وكانت لحصين أخت تسمّى صخرة، فكانت تبكيه في المواسم وتسأل عنه فلا تجد من يخبرها بخبره، فقال الأخنس حين أبصرها:

  وكَمْ مِنْ فارسٍ لا تَزْدََرِيـهِ   

  عَلَوتُ بياضَ مفرقهِ بِعَضْبٍ 

  يَذِلُّ له العزيزُ وكلُّ لَـيْثٍ 

  فأضحتْ عِرْسُهُ ولها عليهِ   

  كَصَخرةٍ إذ تسائِلُ في مراحٍ   

  تُسائِلُ عن حصينِ كلَّ رَكْبٍ   

  فمَنْ يَكُ سائلا عنه فعـندي   

 إذا شخصتْ لرؤْيتهِ العيونُ

 فأَضْحى في الفلاةِ له سكونُ 

 مِنَ العِقْبانِ مسْكنُه العـَرِين

ُ بُعَيْدَ هُدوءِ رَقدتـِـها أَنينُ

 وفي جرمٍ و عِلْمُهُما ظنونُ

 وعند جُهَيْنةَ الخبَرُ اليَقِينُ

 لسائِلِهِ الحديثُ المستَبِينُ

  مراح وجرم :قبيلتان

[«شرح مقامات الحريري»: 2/ 138]

 ملاحظة:

جاء في بعض الأحاديث: «آخر من يدخل الجنة رجل يقال له جهينة فيقول أهل الجنة عند جهينة الخبر اليقين» ولكنه حديث موضوع انظر: (ضعيف الجامع للألباني رقم: 6).

 

البيان في نصوص الوحي


1- قطع علائق المشركين

قال الله تعالى:﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظهير ولا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ [سبأ :22-23]

 قال ابن القيم رحمه الله مبرزا وجه البيان في هذه الآية الكريمة:"فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يعتقد أنه يحصل له به من النفع، والنفع لا  يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع:

- إما مالك لما يريد عابده منه.

- فإن لم يكن مالكا كان شريكا في الملك.

- فإن لم يكن شريكا له كان له معينا وظهيرا.

- فإن لم يكن معينا ولا ظهيرا كان شفيعا عنده.

 فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيا مُتَرَتِّبًا، منتقلا من الأدنى إلى ما دونه، فنفى الملك، والشركة، والمظاهرة، والشفاعة التي يظنها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه.

 فكفى بهذه الآية نورا، وبرهانا ونجاة، وتجريدا للتوحيد، وقطعا لأصول الشرك وموادِّه لمن عقلها". 

[«مدارج السالكين» لابن القيم: (1/ 343)]

 

.:: الـعـودة ::.

 


.: كل منشور لم يرد ذكره في الموقع الرسمي لا يعتمد عليه ولا ينسب إلى الشيخ :.

.: منشورات الموقع في غير المناسبات الشرعية لا يلزم مسايرتها لحوادث الأمة المستجدة، أو النوازل الحادثة لأنها ليست منشورات إخبارية، إعلامية، بل هي منشورات ذات مواضيع فقهية، علمية، شرعية :.

.: تمنع إدارة الموقع من استغلال مواده لأغراض تجارية، وترخص في الاستفادة من محتوى الموقع لأغراض بحثية أو دعوية على أن تكون الإشارة عند الاقتباس إلى الموقع :.

جميع الحقوق محفوظة (1424ھ/2004م - 1431ھ/2010م)