الجمعة 27 رمضان 1435 هـ / 25 يوليو 2014 م

 

 

          

 
 

 
 

في قابلية الحدث للتجزؤ

 

في قابلية الحدث للتجزؤ

الفتوى رقم: 1141

الصنف:  فتاوى الطهارة- الوضوء

السـؤال:

هل يرتفع الحدث عن كلِّ عضوٍ من أعضاء الطهارة بمجرَّد غَسْله أو لا يرتفع الحدث عن شيءٍ منها إلاَّ بتمام الطهارة ؟

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمّا بعد:

فهذا السؤال هو قاعدةٌ مختلفٌ فيها، وهي: «هل يرتفع الحدث عن كُلِّ عضوٍ من أعضاء الوضوء بمجرَّد غَسْله أو لا يرتفع الحدث عن كُلِّ شيءٍ فيها إلاَّ بعد تمام الوضوء ؟».

وهذه القاعدة يتفرَّع عنها مسائل منها: الاختلاف في اشتراط كمال الطهارة وقت لُبس الخفِّ، كمن غسل رجله اليمنى فأدخلها في الخُفِّ قبل أن يغسل رجله اليسرى، ثُمَّ غسل رجله اليسرى فأدخلها في الخُفِّ: هل يجوز له المسح على الخُفَّين إذا أحدث بعد ذلك ؟

وكذلك عند من يرى عدم وجوب الترتيب في الوضوء وغَسَل رجليه ولَبِس خُفَّيه ثَمَّ أَتمَّ وضوءه هل يمسح عليهما بعد ذلك ؟

مع أنهم مُجمعون على أنه لو نزع الخُفَّ الأَوَّل بعد غَسْل الرجل الثانية ثُمَّ لَبِسهما جاز له المسح.

ومِمَّن اشترط كمال الطهارة مالكٌ والشافعي وأحمد في أصحِّ الروايتين عنه، خلافًا لأبي حنيفة والثوري والمزني وداود، وهو ما اختاره ابن المنذر في عدم اشتراط كمال الطهارة.

وسبب الخلاف في المسألة -عندي- يرجع إلى الحدث كمعنًى من المعاني هل يقبل الانقسام والتجزُّؤ أم لا ؟

قال العراقي -رحمه الله-: «مَحلُّ وجوب الإتيان بالمقدور عليه من الواجب هو ما إذا كان المأتيُّ به من القُرَب يتجزَّأ، فأمَّا إذا كان لا يتجزَّأ، كاليوم الواحد في الصوم، فإنه لا يجب الإتيان بالمقدور عليه منه؛ لأنه لا يتجزَّأ، وإذا فسد بعضُه فسد كُلُّه(١- «طرح التثريب» للعراقي (2/ 119).).

وعليه، فمن رأى عدم قابلية الحدث للانقسام والتجزُّؤ فلا يرتفع منه جزءٌ، بل يبقى على حدثه إلى تمام الوضوء؛ ذلك لأنه يَشترط في المسح على الخُفِّ أن يكون وقتَ لُبسه غير محدِثٍ.

وعلى مذهب من يرى أنَّ الحدث قابلٌ للانقسام والتجزئة، فإنه يطهر الجزء الذي غسله ويرتفع الحدث عن العضو المغسول بمجرَّد غَسْلِه ولو قَبْل تمام الوضوء، ويصحُّ المسح عليه بعده؛ لأنه وقتَ لُبسه لم يكن مُحدِثًا.

فإذا تقرَّر ما تقدَّم ذكره، فقد ثبت من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ لِلصَّلاَةِ» رواه الشيخان وغيرهما(٢- رواه البخاري (1/ 393)، ومسلم (3/ 215)، والبغوي في «شرح السنة» (2/ 34) من حديث عائشة رضي الله عنها.)، وفي صحيح مسلم عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ»(٣- أخرجه مسلم (3/ 216)، والبغوي في «شرح السنة» (2/ 33)، من حديث عائشة رضي الله عنها.)، وعن ابن عمر أنَّ عمر رضي الله عنهما قال: يا رسول الله، أَيَرْقُدُ أحدُنا وهو جُنُبٌ ؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ»(٤- أخرجه البخاري (1/ 393)، ومسلم (3/ 216)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.)، وفي رواية مسلم: «لِيَتَوَضَّأْ ثَمَّ لْيَنَمْ»(٥- أخرجه مسلم (3/ 216)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.)، وفي حديث عطاء بن يسارٍ قال: «رأيتُ رجالاً من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضَّؤوا وضوء الصلاة».

قال الحافظ: «وقال جمهور العلماء: المراد بالوضوء هنا الشرعي والحكمة فيه أنه يخفِّف الحدث، ولاسيَّما على القول بجواز تفريق الغسل»(٦- «فتح الباري» لابن حجر (1/ 394).).

قلت: فإذا كانت فائدة الوضوء تخفيفَ الحدث وهو معنًى من المعاني، فهي تدلُّ من نفس الجهة على قابلية الحدث للتجزئة، ويؤيِّد ذلك ما رواه ابن أبي شيبة بسندٍ رجالُه ثقاتٌ عن شدَّاد بن أوسٍ الصحابي قال: «إذا أجنب أحدكم من الليل ثمَّ أراد أن ينام فليتوضَّأ، فإنَّه نصف الجنابة»(٧- أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (1/ 62).). فضلاً عمَّا تقدَّم ترجيحه من جواز الجمع بين الوضوء والتيمُّم(٨- انظر الفتوى (3) على الموقع الرسمي الموسومة ﺑ «إتمام الطهارة بالتيمُّم».)، على أَنَّها قربةٌ قابلةٌ للتجزُّؤ، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- حيث قال: «ومَن غسل إحدى رجليه ثمَّ أدخلها الخُفَّ قبل غَسْل الأخرى؛ فإنه يجوز المسح عليها من غير اشتراط خَلْعٍ، ولُبسه قبل إكمال الطهارة كلُبسه بعدها، وكذا لُبسها قبل كمالها(٩- يعني لبس العمامة قبل كمال الطاهرة.)، وهو إحدى الروايتين، وهو مذهب أبي حنيفة»(١٠- «اختيارات ابن تيمية» للبعلي (14).).

والعلمُ عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلّم تسليمًا.


 

١- «طرح التثريب» للعراقي (2/ 119).

٢- رواه البخاري (1/ 393)، ومسلم (3/ 215)، والبغوي في «شرح السنة» (2/ 34) من حديث عائشة رضي الله عنها.

٣- أخرجه مسلم (3/ 216)، والبغوي في «شرح السنة» (2/ 33)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

٤- أخرجه البخاري (1/ 393)، ومسلم (3/ 216)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

٥- أخرجه مسلم (3/ 216)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

٦- «فتح الباري» لابن حجر (1/ 394).

٧- أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (1/ 62).

٨- انظر الفتوى (3) على الموقع الرسمي الموسومة ﺑ «إتمام الطهارة بالتيمُّم».

٩- يعني لبس العمامة قبل كمال الطاهرة.

١٠- «اختيارات ابن تيمية» للبعلي (14).

البداية - السابق - - اللاحق- النهاية

<<  العودة


نسخة للطباعة        أرسل إلى صديق     أخبر صديقك عن الموقع


 

.: كل منشور لم يرد ذكره في الموقع الرسمي لا يعتمد عليه ولا ينسب إلى الشيخ :.

.: منشورات الموقع في غير المناسبات الشرعية لا يلزم مسايرتها لحوادث الأمة المستجدة، أو النوازل الحادثة لأنها ليست منشورات إخبارية، إعلامية، بل هي منشورات ذات مواضيع فقهية، علمية، شرعية :.

.: تمنع إدارة الموقع من استغلال مواده وترجمة مواضيعه إلى لغات أخرى لأغراض تجارية، وترخص في الاستفادة من محتوى الموقع لأغراض بحثية أو دعوية على أن تكون الإشارة عند الاقتباس إلى الموقع :.

جميع الحقوق محفوظة (1424ﻫ/2004م - 1435ﻫ/2014م)