الأربعاء 22 ذو القعدة 1435 هـ / 17 سبتمبر 2014 م

 

 

          

 
 

 
 

الإنارة شرح كتاب الإشارة في معرفة الأصول والوجازة في معنى الدليل للإمام للحافظ أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي الأندلسي [ت:٤٧٤]    -الجزء السادس 2-

 

الجزء السادس (2)

 

باب
أحكام الناسخ والمنسوخ

[ في حقيقة النسخ ]

 

• قال الباجي -رحمه الله- في [ص 255]:

«النَّسْخُ: هُوَ إِزَالَةُ الحُكْمِ الثَّابتِ بالشَّرْعِ المُتَقَدِّمِ بشَرْعٍ مُتَأَخِرٍ عَنْهُ عَلَى وَجْهٍ لَوْلاَهُ لَكَانَ ثَابتًا، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسِخَ وَالمَنْسُوخَ لاَبُدَ أَنْ يَكُونَا حُكْمَيْنِ شَرْعِيَيْنِ».

[م] اختار المصنِّف قولَ القائلين بأنَّ النسخ رفع وإزالة الحكم، أي: قطع لدوام الحكم فجأة لا لبيان انتهاء مُدَّته، وهو الصحيح؛ لأنّ انتهاء مُدّة الحكم لا يُسمَّى نسخًا، والخلاف لفظيٌّ لحصول الاتفاق على انعدام الحكم الأوّل بسبب انعدام متعلّقه وهو الدليل لا لذات الحكم.

واشترط المصنِّف في الحكم أن يكون ثابتًا؛ لأنَّ ما لا ثبات له لا حاجة إلى رفعه، وقيَّده بشرع متأخِّر للاحتراز من زوال الحكم بدون شرع كالموت أو الجنون؛ لأنَّ الرفع عنهما لم يكن بشرع، واشتُرط المتأخّر في الشرع ليكون هو الناسخ للحكم المنسوخ لإخراج المخصّصات المتصلة كالشرط والغاية والاستثناء فهي رافعة للحكم الشرعي بخطاب شرعي لكن لا تُسمَّى نسخًا؛ لأنّ الخطاب غير متأخّر عنها بل متّصل بها.

هذا، والحكم الأوَّل هو المنسوخ فإنه يشترط ‑من حيث مُدَّتُه‑ أن تكون مطلقة غير معلومة فيرد فيه الناسخ من غير انتظار من المكلَّفين، ويُشترط فيه ‑من حيث ثبوتُه‑ أن يكون ثابتًا بخطاب مُتقدِّم، أمَّا الحكم الثابت بدليل العقل أو بالبراءة فلا يُسمَّى نسخًا؛ لأنه لم يثبت بخطاب مُتقدِّم وإنَّما ثبت بأصل براءة الذِّمَّة.

والحكم الثاني هو الناسخ ويشترط أن يكون خطابًا شرعيًّا مُنفصلاً عن المنسوخ ومُتأخِّرًا عنه، فارتفاع الحكم بالموت أو الجنون أو بأي عارض من عوارض الأهلية فليس بنسخ، واقتران الحكم ببعضه بعضًا كالشرط والغاية والاستثناء ‑كما تقدَّم‑ لا يُسمَّى نسخًا وإنَّما هو تخصيص(١- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (255).).

• وقول المصنِّف بعد ذلك: «أَوِ السَّاقِطُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَامْتِثَالِ مُوجِبهِ فَإِنَّهُ لاَ يُسَمَّى نَسْخًا».

[م] أي أنَّ الساقط بعد ثبوته وانتهاء مُدَّته لا يُسمَّى نسخًا؛ لأنَّ النسخَ هو إزالة الحكم على وجهٍ لولا هذا الرفع لبقي الحكم ثابتًا ومُستمرًّا يعمل به، أمّا بعد انتهاء مُدَّته فلا يعمل به، كالإجارة من حيث انقضاءُ أجلها يكون ارتفاع حكمها بسبب انقضاء أجلها وانتهاءِ المدّة المعلومة لكلا المتعاقدين، بخلاف ما إذا حلت قوة قاهرة أو وجد سبب طارئ على العقد فإنَّه يؤدِّي إلى فسخها قبل انتهاء مُدَّتها كالهدم مثلاً.

 

فـصل
[ في حكم نسخ ما يتوقف عليه صحة العبادة  ]

 

 قال الباجي -رحمه الله- في [ص 256]:

«..إِذَا نَقَصَ بَعْضُ الجُمْلَةِ أَوْ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِهَا فَقَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُ الفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بنَسْخٍ، وَبهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: "هُوَ نَسْخٌ"».

[م] في تحرير محلِّ النِّزاع فإنَّه لا خلاف بين أهل العلم في أنَّ النقصان من العبادة نسخ لما أسقط منها لاعتباره واجبًا ثمَّ أزيل وجوبه، كما لا نزاع بينهم في أنَّ ما لا يتوقَّف عليه صحَّة العبادة لا يكون نسخًا لها(٢- انظر: «المحصول للرازي» (1/3/556)، «الإحكام» للآمدي (2/290)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (296).)، ولكن الخلاف في نسخ ما يتوقَّف عليه صحَّة العبادة سواء كان جزءًا لها كالركن أو خارجًا عنها كالشرط، وفي هذه المسألة أقوال، وما عليه الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة وكثير من الفقهاء: أنَّ نسخه لا يكون نسخًا للعبادة وإنَّما هو تخصيص للعموم، وبه قال الفخر الرازي والآمدي وهو مذهب الكرخي وأبي الحسين البصري، وذهب بعض الحنفية إلى: أنَّ نسخه يكون نسخًا للعبادة، وفصل آخرون بين الشرط المنفصل عن الماهية فلا يكون نسخه نسخًا للعبادة وبين الجزء كالركوع فإنَّ نسخه نسخ للعبادة، وهو قول القاضي عبد الجبار وبه قال الغزالي وصحَّحه القرطبي(٣- هو أبو عبد الله محمَّد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح الأنصاري الخزرجي القرطبي، فقيه مالكي مفسِّر ومحدِّث، له تصانيف مفيدة، أشهرها: «الجامع لأحكام القرآن» أجاد فيه في بيان واستنباط الأحكام وإثبات القراءات والناسخ والمنسوخ والإعراب، وله «شرح أسماء الله الحسنى»، و«التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة»، و«التقصي»، توفي سنة (671ﻫ). انظر ترجمته في: «الديباج المذهب» لابن فرحون (317)، «نفح الطيب» للمقري (2/110)، «طبقات المفسرين»، للداودي (2/69)، «طبقات المفسرين» للسيوطي (92)، «شذرات الذهب» لابن العماد (5/335)، «شجرة النور الزكية» لمخلوف (197). )(٤- انظر تفصيل هذه المسألة في المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (256).)، والمصنِّف اختار تفصيل الباقلاني.

والظاهر أنَّ مذهب الجمهور هو الصحيح في عدم نسخ العبادة فيما تتوقَّف عليه صحَّتها؛ لأنَّ الرفع والإزالة لم تتناول إلاَّ الجزء أو الشرط ويبقى الباقي على حاله من عدم التغيير، وبقياس النسخ على التخصيص حيث إنَّ التخصيص لا يخرج جميع أفراد العموم، ولوقوع نسخ الشرط والجزء من الشارع ولم تنسخ تلك العبادة بالكلية، مثل: استقبال بيت المقدس الذي هو شرط عند الجمهور في صحَّة الصلاة وقد نسخ هذا الشرط ولم تنسخ تلك الصلاة، وكذلك نسخ عشر رضعات بخمس، وقد نسخ هذا الجزء ولم ينسخ الرضاع بالكلية.

 

[ في اختلاف كون الزيادة على النص نسخًا ]

 

• وفي [ص 257] قال الباجي -رحمه الله-:

«وَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ فِي النَّصِ، قَالَ أَصْحَابُ أَبي حَنِيفَةَ: «هُوَ نَسْخُ» وَقَالَ أَصْحَابُنَا وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: "لَيْسَتْ بنَسْخٍ"».

[م] فهذه المسألة إنما تتعلق بالأحكام التي هي الأمر والنهي والإباحة وتوابعها(٥- «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (6/407).)، وفي تحرير محلِّ النِّزاع فإنَّه لا خلاف في أنَّ الزيادة على النَّص إن كانت من غير جنس المزيد عليه، وكانت مستقلَّة كفرض الزكاة على الصلاة فليست نسخًا(٦- انظر: «المنخول» للغزالي (299)، «المحصول» للرازي (1/3/541)، «روضة الناظر» لابن قدامة (1/209)، «الإحكام» للآمدي (2/285)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (194)، «نزهة الخاطر» لابن بدران (1/209).)، لكن الخلاف في الزيادة على النصَّ يظهر من جهتين:

الأولى: إن كانت الزيادة من جنس المزيد عليه ومستقلَّة عنه كزيادة صلاة من الصلوات الخمس، فهذا ليس بنسخ على قول الجمهور خلافًا لأهل العراق، ومذهب الجمهور أقوى؛ لأنَّ تلك الزيادة لم ترفع حُكمًا شرعيًّا فانتفت حقيقة النسخ، وبقي المزيد عليه بعد الزيادة مُحكمًا.

الثانية: إن كانت الزيادة من جنس المزيد عليه وغير مستقلّة عنه كزيادة جزء مثل: زيادة التغريب على الجَلْدِ، أو زيادة شرط كاشتراط النية في الطهارة، واشتراط الطهارة للطواف، فهذا لا يكون نسخًا مُطلقًا على رأي الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة وبعض المعتزلة خلافًا للأحناف، ومنهم من فصل في هذه المسألة، ورأى أنَّ الزيادة إذا غيّرت حكم المزيد عليه فجعلته غير مجزئ بعد أن كان مجزئًا وجب أن يكون نسخًا، وإن كانت الزيادة لا تغيِّر حكم المزيد ولا تخرجه من الإجزاء إلى ضِدِّه لم يكن نسخًا، وهو مذهب أبي بكر الباقلاني وابن القَصَّار وارتضاه الباجي. وقريب من هذا الرأي قول القائلين أنَّ الزيادة إن أثبتت حُكمًا نفاه النصّ أو نَفَتْ حُكمًا أثبته النصّ فهي نسخ له، وإن كانت الزيادة لم تتعرّض للنصّ بنفي أو إثبات بل زادت عليه شيئًا سكت عنه النصّ فلا يجوز أن يكون نسخًا، وهو الصحيح؛ لأنَّ الزيادةَ رفعت البراءةَ الأصلية التي هي البراءة العقلية ورفعها ليس نسخًا إجماعًا؛ لأنَّ النسخ هو «رفعُ الحكم الشرعيِّ بالدليل المتأخِّر عنه» والبراءة حكم عقلي وليست حُكمًا شرعيًّا(٧- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (259).).

والخلاف بين العلماء في هذه المسألة معنويٌّ له آثاره الفقهية المترتبة عليه، فمن تمسَّك بأنَّ الزيادة على النَّص نسخ؛ فإنَّه لا يثبت عنده تلك الزيادة بخبر الواحد أو بالقياس؛ لأنَّ المتواتر لا ينسخ بخبر الواحد ولا بالقياس لذلك لم يعملوا بحديث: «تغريب عام»(٨- أخرجه البخاري (12/140) في الحدود باب: البكران يجلدان وينفيان من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: «سمعت رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يأمر فيمن زنى، ولم يُحصن بجلد مائة وتغريب عام».)؛ لأنَّه خبر الواحد تضمَّن زيادة جملة على المتواتر في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2]، وكذلك خبر: «لاَ صَلاَةَ إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ»(٩- أخرجه البخاري (2/237)، ومسلم (4/100)، وأبو داود (1/514)، والترمذي (2/25)، والنسائي (2/137)، وابن ماجه (1/273) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.)؛ فإنَّه زيادة تضمَّنها الخبر على المتواتر من قوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: 20]، المفيد لمطلق القراءة وجعل الفاتحة ركنًا هو نسخٌ للمتواتر بخبر الواحد، وذلك غير جائز عند الأحناف، وكذلك خبر: «لاَ تُحَرِّمُ المَصَّةُ وَالمَصَّتَانِ»(١٠- التهميش)؛ فإنَّ الزيادة في الخبر على مطلق الرضاع في قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23]، ونحوها من المسائل.

فـصل
[ في مورد النسـخ ]

 

 قال المصنِّف -رحمه الله- في [ص 259] بعدما أورد الخلاف في دخول النسخ في الأخبار:

«وَالصَحِيحُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ نَفْسَ الخَبَرِ لاَ يَدْخُلُهُ النَّسْخُ؛ لأَنَّ ذَلِكَ لاَ يَكُونُ نَسْخًا وَإِنَّمَا يَكُونُ كَذِبًا لَكِنْ إِنْ ثَبَتَ بالخَبَرِ حُكْمٌ مِنَ اْلأَحْكَامِ جَازَ أَنْ يَدْخُلَهُ النَّسْخُ».

[م] لا خلاف بين العلماء في جواز نسخ الخبر الذي أريد به الإنشاء، أي الخبر الذي يكون بمعنى الأمر والنهي مثل قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: 223]، وقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: 228]، وقوله تعالى: ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79]، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةَ»(١١- أخرجه البخاري (5/143)، وأبو داود (3/795)، والترمذي (3/555)، وابن ماجه (2/816)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.)، فإنَّ مثل هذه الأخبار وغيرها أريد بها الإنشاء فهي قابلة للنسخ ونسخ ألفاظها.

أمَّا مدلول الخبر إن كان ممَّا لا يمكن تغييره بأن لا يقع إلاَّ على وجه واحدٍ باعتبار ما كان وما يكون: كأخبار الآخرة والجنَّة والنَّار، وصفات الله تعالى، وما كان عليه أمر الأنبياء والأمم وما يكون: كقيام الساعة وآياتها، فلا يجوز نسخه بحال قولاً واحدًا لا يختلفون فيه؛ لأنَّ القول بنسخه يفضي إلى الكذب وذلك مستحيل على الوحي.

أمَّا إذا كان مدلول الخبر ممَّا يصحُّ تغييره بأن يكون وقوعه على غير الوجه المخبر عنه، ماضيًا كان أو مستقبلاً، أو خبرًا عن حكم شرعي أو وعدًا أو وعيدًا فهو محلّ خلاف بين العلماء، وما عليه جمهور الفقهاء والأصوليِّين عدم دخول النسخ في الأخبار مُطلقًا، وذهب أبو عبيد الله وأبو الحسين البصريان والفخر الرازي إلى جوازه مُطلقًا، وهو اختيار تقي الدِّين بن تيمية وبعض الحنابلة، ومالت طائفة من العلماء إلى تفصيل المسألة مع اختلافهم في نوع التفصيل، واختار بعضهم تفصيلاً وجهه: أنَّ النسخ في الأخبار ممنوع مُطلقًا ولكن إن ثبت بالخبر حكم من الأحكام جاز نسخه وعليه بعض المالكية وهو ما صحَّحه الباجي(١٢- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (260).) على ما هو مبيَّن في نصه.

هذا، والنسخ إنَّما يدخل الأحكامَ الشرعية العملية التكليفية، فلا يتناول النسخُ الأحكامَ المتعلّقة بالاعتقادات وأصول الدِّين، لعدم قَبولها التبديل والتغيير، كالإيمان الخاصّ «إيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيرِه وشرِّه»، ولا يدخل الأحكامَ التي ثبتت على التأبيد، كالجهاد مثلاً فالنسخ ينافيه، ولا يدخل النسخُ الأحكامَ العامّة التي ثبتت مصالحُها ثبوتًا ظاهرًا، فلا يسع رفعها، كالقواعد الكلية المتمثِّلة في الأمر بالمعروف والنهيِ عن المنكر، وبطلانِ العمل المخالف للشرع، ونفي الضرر والضِّرار، كما لا يمكن رفع الأحكام المتعلِّقة بالأخلاق والفضائل، كَبِرِّ الوالدين، والعدلِ، والوفاء بالعهد، لكون جنسها لا يقبل التغييرَ، وبالمقابل لها فلا يدخل النسخُ الأحكامَ المتعلِّقةَ بالأخلاق الذميمةِ والرذائل كالظُّلم والكذب والخيانة والكفرِ وعقوقِ الوالدين، لعدم قَبول جنسها للتغيير ‑أيضًا‑ فالأُولى مصلحتُها ظاهرة، والأخرى مفسدتها بيِّنة، وكذلك لا يدخل النسخُ الأحكامَ المؤقتَّةَ: كالصيام إلى الغروب؛ لأنّ التأقيت محدود أثره إلى انتهاء غاية، وكذلك الأحكام الواردة محكمة غير منسوخة بعد الزمن النبويِّ فلا يدخلها النسخُ؛ لأنَّ النسخَ لا يثبت إلاَّ بوحيٍ(١٣- «الفتح المأمول» للمؤلف (142).).

فـصل
[ في نسخ العبادة بمثلها أو ما هو أخفّ منها أو أثقل ]

 

• قال الباجي -رحمه الله- في [ص 260]:

«يَجُوزُ نَسْخُ العِبَادَةِ بمِثْلِهَا وَمَا هُوَ أَخَفُ مِنْهَا وَأَثْقَلُ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ، وَمَنَعَ قَوْمٌ نَسْخَ العِبَادَةِ بمَا هُوَ أَثْقَلُ مِنْهَا».

[م] اتفق العلماءُ على جواز نسخ العبادة بمثلها أو أخفّ منها، ونقل المصنِّف الإجماعَ في: «إحكام الفصول»(١٤- «إحكام الفصول» للباجي (400)، وممَّن نقل الإجماعَ أيضًا الآمدي في «الإحكام» (2/261)، وابن الحاجب في «منتهى السول» (158)، وابن عبد الشكور في «مسلم الثبوت» (2/71)، والشوكاني في «إرشاد الفحول» (188).)، ومثال نسخ الحكم ببدل هو مثل المنسوخ في التخفيف والتثقيل والتشديد، كنسخ استقبال بيت المقدس بالكعبة، ومثال نسخ الحكم ببدل هو أخف من المنسوخ: نسخ عِدّة المتوفى عنها زوجها من الحول إلى أربعة أشهر وعشرة أيام، وكلا النسخين متّفق عليهما، وذلك موافق لقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106].

أمَّا نسخ العبادة بما هو أثقل منها فهو محلّ خلافٍ بين أهل العلم، والجمهورُ على جوازه عقلاً وشرعًا، وقول المصنِّف: «ومنعَ قومٌ نسخَ العبادةِ بما هو أثقلُ منها» فهذا المنع منسوبٌ لأبي بكر محمَّد بن داود الظاهري وجماعةٍ من الظاهرية والمعتزلةِ، وأضيف هذا القول أيضًا للإمام الشافعي، قال السبكي عنه في «الإبهاج»: «وليس بصحيح عنه»(١٥- «الإبهاج» للسبكي وابنه (2/239).)، ونسبه الشيرازي والآمدي وغيرهما إلى بعض الشافعية(١٦- انظر: «المعتمد» لأبي الحسين (1/416)، «الإحكام» لابن حزم (4/93)، «العدة» لأبي يعلى (3/785)، «التبصرة» للشيرازي (258)، «شرح اللمع» للشيرازي (1/494)، «التمهيد» للكلوذاني (2/352)، «الإحكام» للآمدي (2/261).).

 

[ في دليل نسخ العبادة بما هو أثقل منها ]

 

• قال المصنِّفُ -رحمه الله- في [ص 261] في معرض الاستدلال على مذهب الجمهور بدليل من المعقول:

«وَإِذَا جَازَ أَنْ يَبْتَدِئَ التَّعَبُدَ بمَا هُوَ أَثْقَلُ عَلَيْهِمْ مِنْ حُكْمِ الأَصْلِ، جَازَ  ـ أَيْضًا ـ أَنْ يَنْسَخَ عَنْهُمْ الْعِبَادَةَ بمَا هُوَ أَثْقَلُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا».

[م] هذا دليل الجمهور من المعقول، واستدلُّوا به ‑أيضًا‑ بأنَّ مصلحة التدرّج والترقِّي من الأحكام الخفيفة إلى الثقيلة لا تمتنع عقلاً، إذ في البداية تتمرّن النفوس عليها كحدِيثي عهدٍ بالكفر حتى تتهيّأ لقَبول غيرها ممّا هو مثلها أو أثقل منها.

أمَّا الدليل الثاني فيظهر في وقوع مثل هذا النسخ، و«الوُقُوعُ دَلِيلُ الجَوَازِ» مثاله: أنَّ الصيام  كان على التخيير بين الفداء بالمال والصيام في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] ثمَّ نسخ التخيير بتعيين الصيام في قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، ويمكن التمثيل بمثال آخر وجهه: أنَّ في بداية أمر الدعوة إلى الله أمروا بالإعراض عن المشركين، وذلك بترك القتال، ثمَّ نسخ الحكم بإيجاب الجهاد في سبيل الله، ومعلوم أنَّ الجهاد أثقل من الإعراض(١٧- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (262).).

فـصل
[ في ورود التلاوة مضمنة لحكم واجب ]

 

• قال المصنِّف -رحمه الله- في [ص262] عند بيان ما يترتَّب من حكم على ورود التلاوة مضمنة لحكم واجب:

«...فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ جَازَ نَسْخُ الحُكْمِ مَعَ بَقَاءِ التِّلاَوَةِ، وَجَازَ نَسْخُ التِّلاَوَةِ وَبَقَاءُ الْحُكْمِ».

[م] وبهذا التقرير قال جمهور أهل العلم، وفضلاً عمّا ذكره المصنِّف فإنّه يجوز ‑أيضًا‑ نسخ الحكم والتلاوة معًا مثل ما ثبت من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فُتَوُفِّيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ»(١٨- التهميش)، فكانت «العشر» منسوخة الحكم والتلاوة معًا بخمسِ رضعاتٍ فلم يبق للفظ «العشر» حكم القرآن لا في الاستدلال ولا في التلاوة ولا في العمل، ويستدل  «خمس رضعات» فيما نسخت تلاوته وبقي حكمه(١٩- انظر: «العدة» لأبي يعلى (3/782)، «شرح اللمع» للشيرازي (1/496-497)، «التمهيد» للكلوذاني (2/367)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (3/557)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (179).).

 

[ في نسخ الحكم مع بقاء التلاوة ]

 

• قال المصنِّف -رحمه الله- في [ص 263]:

«فَأَمَّا نَسْخُ الحُكْمِ مَعَ بَقَاءِ التِّلاَوَةِ، فَهُوَ مِثْلُ: نَسْخِ التَّخْييرِ بَيْنَ الصَّوْمِ أَوْ الفِدْيَةِ لِمَنْ طَاقَ الصَّوْمَ، وَنَسْخِ الوَصِيّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبينَ، وَنَسْخِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ عِنْدَ مُنَاجَاةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلاَمِ وَإِنْ بَقِيَتِ التِّلاَوَةُ لِذَلِكَ كُلِّهِ».

[م] الأمثلة التي ساقها المصنِّف في نسخ الحكم وبقاء التلاوة هي من قبيل نسخ الكتاب بالكتاب، ونسخ إلى بدل، فآية التخيير بين الصوم والفدية للمطيق القادر في صدر الإسلام هي قوله تعالى:  ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]، فنسخ هذا الواجب المخيّر إلى واجب مضيّق بقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، فبقيت التلاوة ونسخ الحكم بالكتاب وإلى بدل ونسخ الأخف بالأثقل؛ لأنَّ التخيير أخفّ من التضييق.

والجدير بالتنبيه إلى أنَّ العلماء اختلفوا في تعرض آية التخيير للنسخ أو بقائها محكمة(٢٠- انظر: «جامع البيان» لابن جرير (2/131)، وما بعدها، «تفسير ابن كثير» (1/213-215)، «تفسير القرطبي» (2/287-279)، «فتح الباري» (8/180)، «فتح القدير» للشوكاني (1/180-181)، «إرواء الغليل» للألباني (4/17-25).)، والصحيح أنّها منسوخة في حقّ المقيم الصحيح وغير منسوخة فيمن لا يطيق صيامه أو المريض الذي لا يرجى برؤه لحديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِي حَتَّى نَزَلَتْ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا»(٢١- أخرجه البخاري (4507)، ومسلم (1145) من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.)، وعن عطاء أنَّه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال ابن عباس: «لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هُوَ الشَّيْخُ الكَبِيرُ وَالمَرْأَةُ الكَبِيرَةُ لاَ يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا»(٢٢- أخرجه البخاري في «التفسير» (8/179 (4505) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.).

أمَّا قوله: «وَنَسْخِ الوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ»؛ فالمراد بذلك قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180]﴾، فهي منسوخة بآية الميراث مع بقاء تلاوتها. غير أنَّ هذه الآية محلّ خلاف بين العلماء في كونها منسوخة أو محكمة(٢٣- انظر: «جامع البيان» لابن جرير (2/116-21)، «تفسير ابن كثير» (1/211-212)، «تفسير القرطبي» (2/262-263)، «فتح القدير» للشوكاني (1/178-179).)، والقائلون بأنَّها منسوخة اختلفوا في الناسخ لها، وما عليه الجمهور أنها منسوخة بآية المواريث مع ضميمة أخرى وهي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»(٢٤- أخرجه أحمد (5/267)، وأبو داود (3/824)، وابن ماجه (2/905)، والترمذي (4/433)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (6/264)، من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه. والحديث رواه جمع من الصحابة، وله طرق متعدِّدة، وإن كان سنده قويًّا في موضع، وفي آخر ورد من طرق لا يخلو إسناده من مقال، لكنَّه بمجموعها يعتضد الحديث ليثبت تواتره بالانضمام كما تقرّر في أصول الحديث. [انظر: «نصب الراية» للزيلعي (4/403)، و«الدراية» لابن حجر (2/290)، «التلخيص الحبير» لابن حجر (3/92)، «فيض القدير» للمناوي (2/245)، «إرواء الغليل» للألباني (6/87)].)، والظاهرُ أنَّ المرادَ به نسخ وجوب الوصية مع بقاء الاستحباب لما علم في الفروع الفقهية من اتفاق الجمهور على استحباب الوصية للأقرباء غير الوارثين(٢٥- انظر: «الاستذكار» لابن عبد البر (7/265)، «المبسوط» للسرخسي (27/142)، «رؤوس المسائل الخلافية» للعكبري (3/1107).).

لكن القول بإحكام آية الوصية أقرب إلى الصواب لانتفاء التعارض مع آية الميراث وضميمته؛ لأنَّ الأصل عدمُ النسخ، ولا يصار إلى النسخ إلاَّ عند تعذّر الجمع، وقد أمكن الجمع بحملها على الخصوص، ويكون المراد بها من الأقربين من عدا الورثة منهم، ومن الوالدين من لا يرث كالأبوين الكافرين ومن هو في الرِّقّ(٢٦- انظر: «فتح القدير» للشوكاني (1/178).). قال ابن المنذر: «أجمع كلُّ من نحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ الوصية للوالدين الذَين لا يرثان المرء والأقرباء الذين لا يرثونه جائزة»(٢٧- «الإجماع» لابن المنذر (74).).

أمَّا قوله: «وَنَسْخِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ عِنْدَ مُنَاجَاةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ» فإنّها كانت واجبة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: 12]، ثمَّ نسخ ذلك الوجوب إلى الإباحة بقوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 13](٢٨- انظر: «جامع البيان» لابن جرير (14/28/19-22)، «أحكام القرآن» لابن العربي (4/1761)، «تفسير القرطبي» (17/302)، «فتح القدير» للشوكاني (9/191).).

هذا، ويمكن إضافة مثال آخر لنسخ الحكم مع بقاء التلاوة: نسخ آية الاعتداد بالحول في قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240]، بالاعتداد بأربعة أشهر وعشرٍ الثابت في قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]، وهو من نسخ الكتاب بالكتاب، ونسخ الأثقل بالأخف ونسخ إلى بدل.

 

[ في بقاء الحكم ونسخ التلاوة ]

 

• ويقول المصنِّف في [ص 264]:

«وَأَمَّا بَقَاءُ الحُكْمِ وَنَسْخُ التِّلاَوَةِ فَمَا تَظَاهَرَتْ بهِ الأَخْبَارُ مِنْ نَسْخِ تِلاَوَةِ آيَةِ الرَّجْمِ وَنَسْخِ خَمْسِ رَضَعَاتٍ».

[م] آية الرجم ثبتت من حديث عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ: مَا أَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللهِ، أَلاَ وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ إِذَا أُحْصِنَ الرَّجُلُ وَقَامَتِ البَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ حَمْلٌ أَوْ اعْتِرَافٌ وَقَدْ قَرَأْتُهَا: ﴿الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا البَتَّةَ﴾، رَجَمَ رَسُولُ اللهِ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ»(٢٩- أخرجه مالك في «الموطإ» (3/41)، والبخاري (12/144)، ومسلم (11/191)، وأبو داود (4/572)، والترمذي (4/38)، وابن ماجه (2/853)، والدارمي (2/179)، والبيهقي (8/210)، والبغوي في «شرح السُّنَّة» (10/280)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.). فيستدلُّ بهذه الآية على نسخ التلاوة والرسم مع بقاء الحكم وهو رجم الزاني المحصَن.

وكذلك آية خمس رضعات ثبتت من طريق عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كَانَ فِيمَا أُنزِلَ مِنَ القُرْآنِ «عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ» فَنُسِخْنَ  «خَمْسِ رَضَعَاتٍ»، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ»(٣٠- التهميش)، فيستدلّ «بخمس رضعات» فيما نُسِخَتْ تلاوتُه وبقي حكمه(٣١- انظر: «العدة» لأبي يعلى (3/782)، «شرح اللمع» للشيرازي (1/496)، «التمهيد» للكلوذاني (2/367)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (3/557)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (189).).

 

فـصل
[ في صحة نسخ العبادة قبل وقت الفعل ]

 

 قال الباجي -رحمه الله- في [ص 265] بعدما قرَّر مذهبَ الجمهور في صحَّة نسخ العبادة قبل وقت الفعل:

«وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَبي حَنِيفَةَ: "لاَ يَصِحُّ نَسْخُ العِبَادَةِ قَبْلَ وَقْتِ الفِعْلِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا أُمِرَ بهِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مِنْ ذَبْحِ ابْنِهِ، ثُمَّ نُسِخَ عَنْهُ قَبْلَ فِعْلِهِ..."».

[م] لا خلاف عند القائلين بالنسخ في جواز النسخ قبل الفعل بعد دخول وقته؛ لأنَّ شرط الأمر حاصل وهو التمكّن من الفعل، لكن الخلاف قبل دخول وقت الفعل، والتمكُّن من فعل ذلك الأمر، فمذهب الأكثرين إلى جواز نسخ العبادة قبل دخول وقت الفعل، وبهذا قال البزدوي والسرخسي من الحنفية، وخالف في ذلك أكثر الحنفية والمعتزلة والصيرفي(٣٢- هو أبو بكر الصيرفي، انظر ترجمته على هامش كتاب «الإشارة» (265).) من الشافعية وابن بَرهان وأبو الحسن التميمي من الحنابلة، ومثاله أن يأمر الشارع بالحجِّ أو الصيام فيقول: حجّوا هذه السَّنَّة، أو صوموا، ثمَّ يقول قبل ابتداء الحجّ أو الصوم: لا تحجّوا، أو لا تصوموا.

وسبب الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى الأمر هل يستلزم الإرادة أَوْ لاَ ؟ وهل حكمة التكليف هي امتثال إيقاع ما كلّف به أم أنَّها ابتلاء وامتحان المكلَّف ثانيًا ؟ فمن رأى أنَّ الأمر يستلزم الإرادة، فإذا أمر بشيء علمنا أنَّه مرادٌ، ورأى أنَّ حكمة التكليف هي الامتثال والإيقاع فقط قال لا يجوز نسخ الشيء قبل التمكُّن من الفعل لتخلُّف حكمة التكليف وهي الامتثال، ونتج حكم مغاير على من بنى أصله على خلاف الأول.

والصحيح مذهب القائلين إنَّ الإرادة نوعان(٣٣- انظر تقرير مذهب أهل السُّنَّة للإرادة في «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (8/131)، «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز (116).):

6 إرادة كونية قدرية: وهي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات، وهي لا تستلزم محبّة الله ورضاه، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [الحج: 14].

6 وإرادة شرعية دينية: فهذه متضمِّنة لمحبَّة الله ورضاه، ولكنَّها قد تقع وقد لا تقع، مثل قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 27].

وعليه، فإنَّ أوامر الله سبحانه تستلزم الإرادة الشرعية لكنَّها لا تستلزم الكونية، فقد يأمر الله تعالى بأمر يريده شرعًا وهو يعلم سبحانه أنَّه لا يريد وقوعَه كونًا وقدرًا، فكانت الحكمة من ذلك ابتلاء الخلق وتمييز المطيع من غير المطيع، لذلك جاز نسخ الشيء قبل التمكُّن من فعله. وتكون حكمة المنسوخ بعد التمكُّن من الفعل هي: الامتثال وقد وقع، وتكون حكمة المنسوخ قبل التمكّن من فعله: الابتلاء والامتحان، وقد وقع قبل النسخ(٣٤- انظر تفصيل المسألة في المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (266).).

[ في حجّة القائلين بصحة نسخ العبادة قبل وقت الفعل ]

 

 قال الباجي -رحمه الله- في [ص 266] مستدلًّا لمذهب القائلين بصحَّة نسخ العبادة قبل وقت الفعل:

«وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا أُمِرَ بهِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مِنْ ذَبْحِ ابْنِهِ(٣٥- اختلف السلف في المفدى من الذبح من ابني إبراهيم عليه السلام أهو إسماعيل أَم إسحاق ؟ والذي ذهب إليه أهل التحقيق كابن تيمية وابن القيم وابن كثير وغيرهم أنَّ الذبيح هو إسماعيل عليه الصلاة والسلام، وقد بيّن ابن القيم بطلان القول بأنه إسحاق عليه الصلاة والسلام من عشرين وجهًا. [انظر: «تفسير الطبري» (12/23/81-86)، «زاد المسير» لابن الجوزي (7/72-73)، «تفسير الفخر الرازي» (13/153-155)، «زاد المعاد» لابن القيم (1/71)، «تفسير ابن كثير» (4/17-19)، «تفسير القرطبي» (15/99-101)].) ثُمَّ نُسِخَ عَنْهُ قَبْلَ فِعْلِهِ».

[م] استدلَّ المصنِّف بهذه الآية على وقوع نسخ العبادة قبل وقت الفعل، و«الوُقُوعُ دَلِيلُ الصِّحَّةِ وَالجَوَازِ»، وقد ورد الأمر بالذبح حقيقة حكاية عن إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: 102]، ثمَّ قال الله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: 102]، والأمر صَدَرَ من الله سبحانه إلى إبراهيم عليه السلام، إذ القتل محرّم إلَّا ما أذن فيه سبحانه وتعالى، فلو لم يكن الذبح مأمورًا به حقيقة لما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: 106]، فهو بلاءٌ وُصِفَ بأنَّه عظيمٌ لما عُلِمَ أنّ نتيجةَ مُقدِّماته غيرُ مأمونةٍ من الخطر، فنسخ الله سبحانه هذا الحكم قبل التمكّن من الذبح بقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 107]، فإنّ الفداء هو البدل، والذبح هو المبدل عنه، فكان الذبح مأمورًا به حقيقة، ثمَّ إنَّ هذه الواقعة من حيث الاستدلال السابق‑ يُؤيِّدُها عمومُ قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106]؛ لأنَّ ظاهر الآية جوازُ النسخِ في عموم الأحوالِ سواء بعد التمكُّن من الفعل أو قبله.

هذا، ومن الأدلَّة الحديثية على الوقوع: حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: غزونا مع رسول اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم غزوةَ خيبر، فأمسى الناسُ قد أوقدوا النيران، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «عَلاَمَ تُوقِدُونَ ؟!! قَالُوا: عَلَى لُحُومِ الحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ، فَقَالَ: «أَهْرِيقُوا مَا فِيهَا وَاكْسِرُوهَا»، فقال رجلٌ من القوم: أَوْ نُهَرِيقُ مَا فِيهَا وَنَغْسِلُهَا ؟ فقال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: «أَوْ ذَاكَ»(٣٦- أخرجه البخاري في «المغازي» (4196)، والذبائح (5497)، ومسلم في «الجهاد والسير» (4769)، وابن ماجه في «الذبائح» (3195)، والبيهقي في «الغصب» (11886)، من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.)، ووجهُ دلالةِ الحديث أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم نَسَخَ حُكْمَ كَسْرِ قُدورِ لحمِ الحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ إلى غَسلها قبل التمكُّن من الفعل، و«الوُقُوعُ دَلِيلُ الجَوَازِ»، ومن ذلك ـ أيضًا ـ  ما رواه أبو داود عن حمزة الأسلمي أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَمَّرَهُ على سَرِيَّةٍ، قال: فخرجت فيها، وقال: «إِنْ وَجَدْتُمْ فُلاَنًا فَأَحْرِقُوهُ بِالنَّارِ»، فَوَلَّيْتُ، فَنَادَانِي، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «إِنْ وَجَدْتُمْ فُلاَنًا فَاقْتُلُوهُ، وَلاَ تُحْرِقُوهُ، فَإِنَّهُ لاَ يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلاَّ رَبُّ النَّارِ»(٣٧- أخرجه أبو داود في باب كراهية حرق العدو بالنار (2673)، وأحمد في «مسنده» (3/494)، من حديث حمزة الأسلمي رضي الله عنه، والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح سنن أبي داود» (2/145)، وفي «السلسلة الصحيحة» (4/90).)، فدلَّ الحديثُ على صِحَّةِ نسخِ حُكْمِ الإحراق بالنَّار إلى حكم القتل قبلَ التمكُّنِ من الفعل. فهذه شواهدُ معتبرةٌ على صِحَّةِ مذهبِ جمهورِ أهل العلم.

 

فـصل
[ في موارد إجماع نسخ القرآن والخبر المتواتر والآحاد ]

 

• قال الباجي -رحمه الله- في [ص 267]:

«لاَ خِلاَفَ بَيْنَ أَهْلِ العِلْمِ فِي جَوَازِ نَسْخِ القُرْآنِ بالقُرْآنِ، وَالخَبَرِ المُتَوَاتِرِ بمِثْلِهِ، وَخَبَرِ الوَاحِدِ بمِثْلِهِ».

[م] هذه المذكورات في نصِّ المؤلِّف حصل فيها اتفاق أهل العلم(٣٨- نقل الإجماع في هذه المسألة ابن حزم في «الإحكام» (4/107)، والسرخسي في «أصوله» (2/67)، والآمدي في «الإحكام» (2/267)، وابن نجيم في «فتح الغفار» (2/133)، والأنصاري في «فواتح الرحموت» (2/76)، والشوكاني في «إرشاد الفحول» (190)، والكراماستي في «الوجيز» (6).)، لجوانب منها:

أولاً: بخصوص نسخ القرآن بالقرآن فمستند الإجماع قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106]؛ ولأنَّه وقع فعلاً و«الوُقُوعُ دَلِيلُ الجَوَازِ»، كنسخ الفداء بالمال عن الصيام، ونسخ عِدَّة المتوفى عنها زوجها من سنة كاملة إلى أربعة أشهر وعشرٍ، ولأنَّ رتبة كلٍّ منهما متحدة لأنَّ كلَّ واحد منهما قطعي الثبوت.

ثانيًا: بخصوص نسخ السُّنَّة المتواترة بالسُّنَّة المتواترة، فقد حصل فيها الإجماع لعدم الامتناع عقلاً لنسخ المتواتر بمثله إلحاقًا قياسيًّا بالقرآن، ولاتحادهما في الرتبة؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما قطعيُّ الثبوت، غير أنَّه لم يعلم وقوعه، قال الفتوحي(٣٩- هو أبو البقاء تقي الدين محمَّد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي المصري الحنبلي، الإمام الأصولي اللغوي المتقن الشهير ﺑ «ابن النجَّار»، ولد بمصر سنة (898ﻫ)، وانتهت إليه رئاسة المذهب الحنبلي له مصنفات أشهرها: «منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات» في الفروع و«الكوكب المنير المسمى بمختصر التحرير» في أصول الفقه، توفي سنة (972ﻫ). انظر ترجمته في: «مختصر طبقات الحنابلة» للشطي (87)، «المدخل» للإمام أحمد لابن بدران (436، 462)، «الأعلام» للزركلي (6/233)، «معجم المؤلفين» لكحالة (3/73)، مقدمة «شرح الكوكب المنير» للمحققين محمَّد الزحيلي، ونزيه حماد (1/5). ): «وأمَّا مثال نسخ متواتر السُّنَّة بمتواترها، فلا يكاد يوجد؛ لأنَّ كلّها آحاد، إمَّا في أولها، وإمّا في آخرها، وإمَّا في أوَّل إسنادها إلى آخره، مع أنّ حكم نسخ بعضها ببعض جائز عقلاً وشرعًا»(٤٠- «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (3/560).).

ثالثًا: وحصول الاتفاق على نسخ خبر الواحد بمثله لوقوعه ‑أولا‑ و«الوُقُوعُ دَلِيلُ الجَوَازِ» مثل: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ بِالآخِرَةِ»(٤١- التهميش)، ولاتحادهما في الرتبة ثانيًا؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما ظنيّ الثبوت.

[ في نسخ القرآن بالخبر المتواتر ]

 

 قال المصنف -رحمه الله- في الصفحة السابقة نفسها:

«وَذَهَبَ أَكْثَرُ الفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ القُرْآنِ بالخَبَرِ المُتَوَاتِرِ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ».

[م] القول بجواز نسخ القرآن بالخبر المتواتر هو مذهب الجمهور من أصحاب المذاهب الأربعة، وهو مذهب المتكلِّمين والمعتزلة، وبه قال الظاهرية على التحقيق، ومذهب أحمد في المشهور عنه: الجواز عقلاً لا شرعًا، وبه قال أبو يعلى، والمنقول عن الشافعي المنع مُطلقًا، ونصره بعض أتباعه وابن مهدي الطبري(٤٢- هو أبو منصور طاهر بن مهدي الطبري، فقيه شافعي، كان عالِمًا بالتواريخ والأدب والوفيات، ذكره السمعاني وابن الصلاح، توفي سنة (532ﻫ). [انظر: «طبقات الشافعية» للإسنوي (2/66)].)(٤٣- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش كتاب «الإشارة» (267-268).).

وفي المنصوص عن مذهب الشافعي في «الرسالة» عدم جواز نسخ القرآن بالسُّنَّة مُطلقًا من غير تفريق بين المتواتر والآحاد، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، غير أنّ النصَّ الوارد في «الرسالة» غير صريحٍ في المنع من جهة العقل، لذلك اختلفت الشافعية في نسبة المنع العقلي إلى مذهب الشافعي، وقد حقَّق السبكيُّ وابنه مذهبَه في هذه المسألة، يظهر حاصلها: أنَّ الشافعي يرى أنَّه إذا نُسِخَ القرآنُ بالسُّنَّة فيلزم أن يصاحب السُّنَّةَ قرآنٌ يعضِّدها، وإذا نُسِخَت السُّنةُ بالقرآن فيلزم أن يصاحب القرآنَ سُنَّةٌ تعضِّدُهُ ليبيِّنَ توافق الكتاب والسُّنَّة(٤٤- «الرسالة» للشافعي (108)، «العدة» لأبي يعلى (3/388)، «التبصرة» للشيرازي (264)، «شرح اللمع» للشيرازي (1/501)، «البرهان» للجويني (2/1307)، «المستصفى» للغزالي (1/124)، «المنخول» للغزالي (2/292)، «الإحكام» للآمدي (2/272)، «الإبهاج» للسبكي وابنه (2/247)، «جمع الجوامع» لابن السبكي (2/78).).

هذا، وما رجَّحه المصنِّف من جواز نسخ القرآن بالخبر المتواتر أقوى، سواء من جهة العقل أو الشرع، وقد استدلَّ له عقلاً أنَّ كليهما مقطوع بصحَّته، أي: لا فرق بين القرآن والسُّنَّة المتواترة من جهة المصدر؛ لأنّهما وحيان صادران من الله تعالى، ولا من جهة السند؛ لأنَّ كليهما متواترٌ قطعيُّ الثبوت، وما دام أنَّ لكل واحدٍ منهما نفس خاصية الآخر جاز نسخ القرآن بالخبر المتواتر كما يجوز نسخ القرآن بالقرآن إلحاقًا قياسيًّا.

[ في وقوع نسخ القرآن بالسنة المتواترة ]

 

• قال المصنِّف بعدها:

«وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِين﴾ [البقرة: 180] مَنْسُوخٌ بمَا رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ"».

[م] استدلَّ المصنِّف شرعًا على وقوع نسخ القرآن بالسُّنَّة المتواترةِ بأنَّ آيةَ الوصِيَّةِ منسوخةٌ بحديث منعِ الوصية للوارث، و«الوُقُوعُ دَلِيلُ الجَوَازِ»، وقد اعتُرض على ذلك بأنَّ آيةَ الوصية إنَّما كان نسخُها بآية الميراث في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]، فيكون نسخُ القرآن بالقرآن لا بالسُّنَّة المتواترة، وإنَّما أشار النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى ما بَيَّنَتْهُ آيةُ الميراث من سهام الوالدين والأقربين بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»(٤٥- التهميش)، وأجيب على هذا الاعتراض بأنَّ آيةَ الوصيةِ منسوخةٌ بآية الميراث مع ضميمة أخرى وهي الحديث المتواتر: «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» إذ لا يخفى أنَّ الميراث لا يمنع من الوصية للأجانب والأقربين غير الوارثين.

كما اعتُرض: أنَّ آية الوصية لم يقع نسخها بالحديث المتواتر لأنَّ حديث: «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» خبر الواحد، وهو لا يَقْوَى على نسخِ ما ثبت بالقرآن، وأُجيب بأنّ المتواتر من حيث قوتُه نوعان: متواترٌ من حيث السندُ، ومتواتر من حيث ظهورُ العمل به من غير نكير.

فأمَّا الأوَّل فالحديث رواه جمعٌ من الصحابة وله طرق متعدِّدة، وإن كان في موضع سنده قوي، وفي آخر ورد من طرق لا يخلو إسناد منها من مقال، لكنَّه بمجموعها يتعضّد الحديث ليثبت تواتره عند الانضمام كما هو مقرَّر في الأصول وبيَّنه أهل الحديث(٤٦- انظر: «نصب الراية» للزيلعي (4/403-405)، «التلخيص الحبير» لابن حجر (3/92)، «فيض القدير» للمناوي (2/245)، «إرواء الغليل» للألباني (6/87-96).).

وإن سُلِّم جدلاً أنَّ الحديث لم يرتق إلى مرتبة التواتر؛ فإنَّ ظهور العمل به من غير نكير من رجال العلم وأئمَّة الفتوى بلا منازع يُغني الناس عن روايته، وهذا النوع الثاني، فكيف إذا اجتمع النوعان معًا ؟

 

فـصل
[ في نسخ السُّنَّة بالقرآن ]

 

• قال المصنِّف في معرض الاستدلال على صحة مذهب الجمهور في جواز نسخ السُّنَّة بالقرآن في [ص 270]:

«وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا وَرَدَ مِنَ القُرْآنِ لِصَلاَةِ الخَوْفِ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ بالسُّنَّةِ تَأْخِيرُهَا يَوْمَ الخَنْدَقِ إِلَى أَنْ يَأْمَنَ، وَنَسْخُهُ التَّوَجُّهَ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ بقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم رَدَّ مَنْ جَاءَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَيْهِمْ».

[م] ما عليه جمهور الحنفية والمالكية والحنابلة وبعض الشافعية جواز نسخ السُّنَّة بالقرآن، وهو أحد قولي الشافعي في أضعف الروايتين عنه، ومنع من ذلك في أصحّهما وهي الرواية المشهورة عنه على ما قرّره في «الرسالة»(٤٧- «الرسالة» للشافعي (110).)، ونسب الجويني له التردّد(٤٨- «البرهان» للجويني (2/1307).)، وقد تقدَّم تحقيق السبكي وابنه في هذه المسألة.

ومذهب الجمهور في جواز نسخ السُّنَّة بالقرآن مُطلقًا سواء كانت سُنَّةً متواترة أو آحادًا هو الأصحّ لعدم امتناعه عقلاً ولوقوعه شرعًا(٤٩- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (270).)، إذ لا يمتنع عقلاً أن تنسخ السُّنَّة باعتبارها وحيًا بالقرآن الذي هو وحي، قال تعالى في شأنهما عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم]، فيجوز عقلاً نَسْخُ حكمِ أحدِ الوحيين بالآخر.

أمَّا وقوعه شرعًا فقد استدلَّ له المصنِّف بوقائع كثيرة، و«الوُقُوعُ دَلِيلُ الجَوَازِ» فمن ذلك:

قوله -رحمه الله-: «مَا وَرَدَ مِنَ القُرْآنِ لِصَلاَةِ الخَوْفِ…»؛ فاستدلَّ المصنِّف على أنَّ تأخير الصلاة حالة الخوف الثابت بالسُّنَّة حيث إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم أَخَّرَ الصلاة يوم الخندق: الظهر والعصر والمغرب، حتى بعد المغرب يهوي من الليل فصلاها كما يصليها لوقتها(٥٠- أخرجه النسائي (2/17)، والدارمي في «سننه» (1/296)، وأحمد في «مسنده» (3/25)، وابن خزيمة في «صحيحه» (2/99)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (1/257)، وفي «صحيح النسائي» (1/217) رقم: (660).)، ثمَّ نسخ تأخيرها بالقرآن في قوله تعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102].

ومَثَّلَ المصنِّفُ ‑أيضًا‑ بالتوجّه إلى بيت المقدس الثابت في السُّنَّة، حيث إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم لمَّا قدم المدينة صَلَّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، ثمَّ نسخ بالقرآن في قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144].

أمَّا المثال الثالث الذي ساقه المصنِّف -رحمه الله- فهو ما عليه أكثر العلماء على أنَّ قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] ناسخ لما كان عليه الصلاة والسلام عاهد عليه قريشًا، من أنَّه يردُّ إليهم من جاءه منهم مسلمًا(٥١- «تفسير القرطبي» (18/63).)، ويذهب آخرون إلى أنَّ الآية مخصِّصة للعامِّ تأخَّرت عنه إلى وقت الحاجة، وقت مجيء المهاجرات المؤمنات إلى المسلمين بالمدينة؛ لأنّ لفظ صلح الحديبية عام في الرجال والنساء، فالآية أخرجت النساء من المعاهدة، وأبقت الرجال من باب تخصيص العموم وتخصيص السُّنَّة بالقرآن(٥٢- نسب الشيخ عطية محمّد سالم -رحمه الله- في التتمّة الأولى ﻟ «أضواء البيان» إلى كثير من المفسِّرين بأنّ الآية مخصّصة لما جاء في معاهدة صلح الحديبية. انظر: «أضواء البيان» للشنقيطي (8/160).).

ومن وقائع ذلك –أيضًا‑ تحريم مباشرة النساء في رمضان ليلاً، وهو ثابت بالسُّنَّة(٥٣- «تفسير القرطبي» (2/314).) فنسخ بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ [النساء: 187]، ومن ذلك صوم عاشوراء(٥٤- عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر المحرم، واتفق العلماء على استحباب صيامه، ويسنّ الجمع بين التاسع والعاشر لحديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» [أخرجه مسلم (8/13)]، غير أنّ العلماء يختلفون في وجوبه قبل أن يكتب رمضان، وقد حقّق الحافظ ابن حجر هذه المسألةَ ونظم متفرقها بقوله: «ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنَّه كان واجبًا لثبوت الأمر بصومه ثمّ تأكّد الأمر بذلك، ثمّ زيادة التأكيد بالنداء العامّ، ثمّ زيادة بأمر كلّ من أكل بالإمساك، ثمّ زيادته بأمر الأمّهات أن لا يرضعن فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود الثابت في صحيح مسلم: «لَمَّا فرض رمضان ترك عاشوراء»، مع العلم بأنّه ما ترك استحبابه، بل هو باق، فدلّ أنَّ المتروك وجوبه». [«فتح الباري» لابن حجر (4/247)].) الثابت بالسُّنَّة(٥٥- انظر هذه المسألة في «المنتقى» للباجي (2/58)، «المقدمات الممهدات» لابن رشد (1/242)، «المغني» لابن قدامة (3/173)، «الاعتبار» للحازمي (340)، «المجموع» للنووي (6/382)، «فتح الباري» لابن حجر (4/245).) نسخ وجوبه بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183]، ومن ذلك الصلاة على المنافقين كان حكم جوازها ثابتًا بالسُّنَّة فقد صَلَّى النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم على عبد الله بن أبي بن سلول المنافق(٥٦- «تفسير القرطبي» (8/218).)، ثمَّ نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ [التوبة: 84].


 

١-  انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (255).

٢-  انظر: «المحصول للرازي» (1/3/556)، «الإحكام» للآمدي (2/290)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (296).

٣-  هو أبو عبد الله محمَّد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح الأنصاري الخزرجي القرطبي، فقيه مالكي مفسِّر ومحدِّث، له تصانيف مفيدة، أشهرها: «الجامع لأحكام القرآن» أجاد فيه في بيان واستنباط الأحكام وإثبات القراءات والناسخ والمنسوخ والإعراب، وله «شرح أسماء الله الحسنى»، و«التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة»، و«التقصي»، توفي سنة (671ﻫ).

انظر ترجمته في: «الديباج المذهب» لابن فرحون (317)، «نفح الطيب» للمقري (2/110)، «طبقات المفسرين»، للداودي (2/69)، «طبقات المفسرين» للسيوطي (92)، «شذرات الذهب» لابن العماد (5/335)، «شجرة النور الزكية» لمخلوف (197).

٤-  انظر تفصيل هذه المسألة في المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (256).

٥-  «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (6/407).

٦-  انظر: «المنخول» للغزالي (299)، «المحصول» للرازي (1/3/541)، «روضة الناظر» لابن قدامة (1/209)، «الإحكام» للآمدي (2/285)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (194)، «نزهة الخاطر» لابن بدران (1/209).

٧-  انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (259).

٨-  أخرجه البخاري (12/140) في الحدود باب: البكران يجلدان وينفيان من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: «سمعت رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يأمر فيمن زنى، ولم يُحصن بجلد مائة وتغريب عام».

٩-  أخرجه البخاري (2/237)، ومسلم (4/100)، وأبو داود (1/514)، والترمذي (2/25)، والنسائي (2/137)، وابن ماجه (1/273) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

١٠-   أخرجه أحمد (6/ 31)، ومسلم (2/ 1073)، والنسائي (6/ 101)، وابن ماجه (1/ 624)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

١١-    أخرجه البخاري (5/143)، وأبو داود (3/795)، والترمذي (3/555)، وابن ماجه (2/816)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

١٢-    انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (260).

١٣-    «الفتح المأمول» للمؤلف (142).

١٤-    «إحكام الفصول» للباجي (400)، وممَّن نقل الإجماعَ ‑أيضًا الآمدي في «الإحكام» (2/261)، وابن الحاجب في «منتهى السول» (158)، وابن عبد الشكور في «مسلم الثبوت» (2/71)، والشوكاني في «إرشاد الفحول» (188).

١٥-    «الإبهاج» للسبكي وابنه (2/239).

١٦-    انظر: «المعتمد» لأبي الحسين (1/416)، «الإحكام» لابن حزم (4/93)، «العدة» لأبي يعلى (3/785)، «التبصرة» للشيرازي (258)، «شرح اللمع» للشيرازي (1/494)، «التمهيد» للكلوذاني (2/352)، «الإحكام» للآمدي (2/261).

١٧-    انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (262).

١٨-    أخرجه مالك في «الموطإ» (2/ 118)، والشافعي في «مسنده» (1/ 307)، ومسلم (10/ 29)، وأبو داود (2/ 551)، والترمذي (3/ 456)، والنسائي (6/ 100)، وابن ماجه (1/ 625)، والبيهقي (7/ 454)، والدارمي (2/ 157)، والبغوي في «شرح السُّنَّة» (9/ 80)، وابن الجارود في «المنتقى» (262)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

١٩-    انظر: «العدة» لأبي يعلى (3/782)، «شرح اللمع» للشيرازي (1/496-497)، «التمهيد» للكلوذاني (2/367)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (3/557)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (179).

٢٠-    انظر: «جامع البيان» لابن جرير (2/131)، وما بعدها، «تفسير ابن كثير» (1/213-215)، «تفسير القرطبي» (2/287-279)، «فتح الباري» (8/180)، «فتح القدير» للشوكاني (1/180-181)، «إرواء الغليل» للألباني (4/17-25).

٢١-    أخرجه البخاري (4507)، ومسلم (1145) من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.

٢٢-    أخرجه البخاري في «التفسير» (8/179 (4505) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

٢٣-    انظر: «جامع البيان» لابن جرير (2/116-21)، «تفسير ابن كثير» (1/211-212)، «تفسير القرطبي» (2/262-263)، «فتح القدير» للشوكاني (1/178-179).

٢٤-    أخرجه أحمد (5/267)، وأبو داود (3/824)، وابن ماجه (2/905)، والترمذي (4/433)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (6/264)، من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه. والحديث رواه جمع من الصحابة، وله طرق متعدِّدة، وإن كان سنده قويًّا في موضع، وفي آخر ورد من طرق لا يخلو إسناده من مقال، لكنَّه بمجموعها يعتضد الحديث ليثبت تواتره بالانضمام كما تقرّر في أصول الحديث. [انظر: «نصب الراية» للزيلعي (4/403)، و«الدراية» لابن حجر (2/290)، «التلخيص الحبير» لابن حجر (3/92)، «فيض القدير» للمناوي (2/245)، «إرواء الغليل» للألباني (6/87)].

٢٥-    انظر: «الاستذكار» لابن عبد البر (7/265)، «المبسوط» للسرخسي (27/142)، «رؤوس المسائل الخلافية» للعكبري (3/1107).

٢٦-    انظر: «فتح القدير» للشوكاني (1/178).

٢٧-    «الإجماع» لابن المنذر (74).

٢٨-    انظر: «جامع البيان» لابن جرير (14/28/19-22)، «أحكام القرآن» لابن العربي (4/1761)، «تفسير القرطبي» (17/302)، «فتح القدير» للشوكاني (9/191).

٢٩-    أخرجه مالك في «الموطإ» (3/41)، والبخاري (12/144)، ومسلم (11/191)، وأبو داود (4/572)، والترمذي (4/38)، وابن ماجه (2/853)، والدارمي (2/179)، والبيهقي (8/210)، والبغوي في «شرح السُّنَّة» (10/280)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

٣٠-  أخرجه مالك في «الموطإ» (2/ 118)، والشافعي في «مسنده» (1/ 307)، ومسلم (10/ 29)، وأبو داود (2/ 551)، والترمذي (3/ 456)، والنسائي (6/ 100)، وابن ماجه (1/ 625)، والبيهقي (7/ 454)، والدارمي (2/ 157)، والبغوي في «شرح السُّنَّة» (9/ 80)، وابن الجارود في «المنتقى» (262)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

٣١-    انظر: «العدة» لأبي يعلى (3/782)، «شرح اللمع» للشيرازي (1/496)، «التمهيد» للكلوذاني (2/367)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (3/557)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (189).

٣٢-    هو أبو بكر الصيرفي، انظر ترجمته على هامش كتاب «الإشارة» (265).

٣٣-    انظر تقرير مذهب أهل السُّنَّة للإرادة في «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (8/131)، «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز (116).

٣٤-    انظر تفصيل المسألة في المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (266).

٣٥-    اختلف السلف في المفدى من الذبح من ابني إبراهيم عليه السلام أهو إسماعيل أَم إسحاق ؟ والذي ذهب إليه أهل التحقيق كابن تيمية وابن القيم وابن كثير وغيرهم أنَّ الذبيح هو إسماعيل عليه الصلاة والسلام، وقد بيّن ابن القيم بطلان القول بأنه إسحاق عليه الصلاة والسلام من عشرين وجهًا. [انظر: «تفسير الطبري» (12/23/81-86)، «زاد المسير» لابن الجوزي (7/72-73)، «تفسير الفخر الرازي» (13/153-155)، «زاد المعاد» لابن القيم (1/71)، «تفسير ابن كثير» (4/17-19)، «تفسير القرطبي» (15/99-101)].

٣٦-    أخرجه البخاري في «المغازي» (4196)، والذبائح (5497)، ومسلم في «الجهاد والسير» (4769)، وابن ماجه في «الذبائح» (3195)، والبيهقي في «الغصب» (11886)، من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.

٣٧-    أخرجه أبو داود في باب كراهية حرق العدو بالنار (2673)، وأحمد في «مسنده» (3/494)، من حديث حمزة الأسلمي رضي الله عنه، والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح سنن أبي داود» (2/145)، وفي «السلسلة الصحيحة» (4/90).

٣٨-    نقل الإجماع في هذه المسألة ابن حزم في «الإحكام» (4/107)، والسرخسي في «أصوله» (2/67)، والآمدي في «الإحكام» (2/267)، وابن نجيم في «فتح الغفار» (2/133)، والأنصاري في «فواتح الرحموت» (2/76)، والشوكاني في «إرشاد الفحول» (190)، والكراماستي في «الوجيز» (6).

٣٩-    هو أبو البقاء تقي الدين محمَّد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي المصري الحنبلي، الإمام الأصولي اللغوي المتقن الشهير ﺑ «ابن النجَّار»، ولد بمصر سنة (898ﻫ)، وانتهت إليه رئاسة المذهب الحنبلي له مصنفات أشهرها: «منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات» في الفروع و«الكوكب المنير المسمى بمختصر التحرير» في أصول الفقه، توفي سنة (972ﻫ).

انظر ترجمته في: «مختصر طبقات الحنابلة» للشطي (87)، «المدخل» للإمام أحمد لابن بدران (436، 462)، «الأعلام» للزركلي (6/233)، «معجم المؤلفين» لكحالة (3/73)، مقدمة «شرح الكوكب المنير» للمحققين محمَّد الزحيلي، ونزيه حماد (1/5).

٤٠-    «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (3/560).

٤١-   أخرجه أحمد (5/ 350، 355، 356)، ومسلم (7/ 46، 13/ 134 ـ 135)، والنسائي (4/ 79)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ( 4/ 76)، من حديث ابن بريدة عن أبيه رضي الله عنه.

٤٢-    هو أبو منصور طاهر بن مهدي الطبري، فقيه شافعي، كان عالِمًا بالتواريخ والأدب والوفيات، ذكره السمعاني وابن الصلاح، توفي سنة (532ﻫ). [انظر: «طبقات الشافعية» للإسنوي (2/66)].

٤٣-    انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش كتاب «الإشارة» (267-268).

٤٤-    «الرسالة» للشافعي (108)، «العدة» لأبي يعلى (3/388)، «التبصرة» للشيرازي (264)، «شرح اللمع» للشيرازي (1/501)، «البرهان» للجويني (2/1307)، «المستصفى» للغزالي (1/124)، «المنخول» للغزالي (2/292)، «الإحكام» للآمدي (2/272)، «الإبهاج» للسبكي وابنه (2/247)، «جمع الجوامع» لابن السبكي (2/78).

٤٥-   أخرجه أحمد (5/ 267)، وأبو داود (3/ 824)، وابن ماجه (2/ 905)، والترمذي (4/ 433)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (6/ 264)، من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه. والحديث رواه جمع من الصحابة، وله طرق متعدِّدة، وإن كان سنده قويًّا في موضع، وفي آخر ورد من طرق لا يخلو إسناده من مقال، لكنَّه بمجموعها يعتضد الحديث ليثبت تواتره بالانضمام كما تقرّر في أصول الحديث. [انظر: «نصب الراية» للزيلعي (4/ 403)، و«الدراية» لابن حجر (2/ 290)، «التلخيص الحبير» لابن حجر (3/ 92)، «فيض القدير» للمناوي (2/ 245)، «إرواء الغليل» للألباني (6/ 87)].

٤٦-    انظر: «نصب الراية» للزيلعي (4/403-405)، «التلخيص الحبير» لابن حجر (3/92)، «فيض القدير» للمناوي (2/245)، «إرواء الغليل» للألباني (6/87-96).

٤٧-    «الرسالة» للشافعي (110).

٤٨-    «البرهان» للجويني (2/1307).

٤٩-    انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (270).

٥٠-    أخرجه النسائي (2/17)، والدارمي في «سننه» (1/296)، وأحمد في «مسنده» (3/25)، وابن خزيمة في «صحيحه» (2/99)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (1/257)، وفي «صحيح النسائي» (1/217) رقم: (660).

٥١-    «تفسير القرطبي» (18/63).

٥٢-    نسب الشيخ عطية محمّد سالم -رحمه الله- في التتمّة الأولى ﻟ «أضواء البيان» إلى كثير من المفسِّرين بأنّ الآية مخصّصة لما جاء في معاهدة صلح الحديبية. انظر: «أضواء البيان» للشنقيطي (8/160).

٥٣-    «تفسير القرطبي» (2/314).

٥٤-    عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر المحرم، واتفق العلماء على استحباب صيامه، ويسنّ الجمع بين التاسع والعاشر لحديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» [أخرجه مسلم (8/13)]، غير أنّ العلماء يختلفون في وجوبه قبل أن يكتب رمضان، وقد حقّق الحافظ ابن حجر هذه المسألةَ ونظم متفرقها بقوله: «ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنَّه كان واجبًا لثبوت الأمر بصومه ثمّ تأكّد الأمر بذلك، ثمّ زيادة التأكيد بالنداء العامّ، ثمّ زيادة بأمر كلّ من أكل بالإمساك، ثمّ زيادته بأمر الأمّهات أن لا يرضعن فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود الثابت في صحيح مسلم: «لَمَّا فرض رمضان ترك عاشوراء»، مع العلم بأنّه ما ترك استحبابه، بل هو باق، فدلّ أنَّ المتروك وجوبه». [«فتح الباري» لابن حجر (4/247)].

٥٥-    انظر هذه المسألة في «المنتقى» للباجي (2/58)، «المقدمات الممهدات» لابن رشد (1/242)، «المغني» لابن قدامة (3/173)، «الاعتبار» للحازمي (340)، «المجموع» للنووي (6/382)، «فتح الباري» لابن حجر (4/245).

٥٦-    «تفسير القرطبي» (8/218).

 

         

<<  العودة


نسخة للطباعة        أرسل إلى صديق     أخبر صديقك عن الموقع