الإنارة شرح كتاب الإشارة في معرفة الأصول والوجازة في معنى الدليل للإمام
للحافظ أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي الأندلسي [ت:٤٧٤] -الجزء الثاني
والعشرون -
المرادُ بترجيح المعاني هو ترجيح العِلل والأقيسة، وهي
كبقية الأدلة على مراتبَ متفاوتةٍ، في القُوَّة والضعف
بالنظر إلى اتساع الاجتهادات ومنافسة القائسين، وطريق
دفع التعارض بين قِيَاسَين: النظر إن كان لأحدهما مزية
أو فضل فإنه يُقدَّمُ على ما دونه، سواء كان الفضل
واردًا من طريق الأصل وهو المقيس عليه المنصوص على
حكمه، أو بحَسَبِ الفرع وهو المقيس الذي سكت الشارع
عنه، أو بحسَب العِلَّة التي هي الوصفُ الجامع بين
الأصل والفرع، أو بحسَب حكم الأصل، وقد تكون
المرجِّحاتُ بحسَب الأمر الخارجيِّ عن الأركان الأربعة
للقياس.
ونظرًا لاتساع ميدان ترجيحات المعاني والأقيسة، فإنَّ
المصنِّف اكتفى بِذِكر أحد عشر ضربًا من أوجه الترجيح
بين القِياسَين بحسَب العِلَّة، كما صَرَّح بقوله:
«والكلام ههنا في ترجيح العلل»، وهي من قياس العِلَّة
على العِلَّة، وهذا أمر معلومٌ؛ لأنَّ أكثرَ الخِلاف
في المسائل الفقهية يترتَّب على الاختلاف في عِلل
الأحكام وترجيحِ بعضها، كما سيأتي مشروحًا بالأمثلة
التي يقصد منها مُطلق المثال لا مناقشة أدلة الأقوال.
وقد مَثَّلَ له المصنِّفُ
«باستدلال المالكي في أنَّ غيرَ الأب لا يُجبِر على
النكاح؛ لأنَّ من لا يتصرَّف في مال الصغيرة بنفسه لم
يملك التصرُّفَ في بُضعها كالأجنبي، فيعارضه الحنفي
بأنَّ ابنَ العمِّ عَصَبَةٌ من أهل ميراثها فجاز له
التصرُّف في بُضعها كالأب، فيقول المالكي: عِلَّتنا
أَوْلَى لأنها مُطَّرِدة مُنعكسة، وعِلَّتكم ليست
منعكسة؛ لأنَّ الحاكم ليس بعصبة ويملك التزويج،
والعِلَّة إذا اطردت وانعكست غلب على الظنِّ تعلُّق
الحكم بها لوجوده بوجودها، وعدمه بعدمها»(٢١-
«إحكام الفصول» (759)، «المنهاج» كلاهما للباجي (235)، «شرح اللمع» للشيرازي (2/959)، «التمهيد» للكلوذاني (4/242).)،
إذًا دوران الحكم مع عدمها ووجودها نفيًا وإثباتًا
يدلُّ على شِدَّة تأثيرها وصِحَّتها(٢٢-
«المستصفى» للغزالي (2/402).).
ومثاله -أيضًا-
قول المستدِلِّ في مسح الرأس: إنَّه مسح تعبُّدي في
الوضوء فلا يُسنُّ تثليثه كمسح الخُفِّ، فيقول المعارض
الشافعي: هو فرض في الوضوء فيسنُّ تثليثه كغسل الوجه،
فإنَّ عِلَّةَ الأَوَّلِ مُطردة منعكسة، إذ التعليل
واقع بالمسح، وعِلَّة الثاني مُطردة غير منعكسة؛ لأنَّ
المضمضة والاستنشاق ليسا فرضًا عنده ويسنُّ تثليثهما(٢٣-
«إجابة السائل» للصنعاني (434).)،
والمقرَّرُ عند الأصوليِّين أنَّ العِلَّةَ
المُطَّردةَ المنعكسةَ مُقدَّمةٌ على العِلَّةِ
المطَّرِدة، والمطَّردة مُقدَّمَةٌ على المنعكسة،
للاتفاق على اشتراط الاطراد في العِلَّة بخلاف
الانعكاس(٢٤-
المصدر السابق، «نشر البنود» للعلوي (2/309)، «المذكِّرة» للشنقيطي (335).).
[م]
العِلَّةُ التي يشهد لها أصولٌ كثيرةٌ مُقدَّمةٌ عند
الجمهور على العِلَّة التي لا يشهد لها إلاَّ أصلٌ
واحدٌ(٢٥-
انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (344).)،
وخالف بعضُ الشافعية وقالوا: هما سواء، فلا عِبرةَ
بكثرة الأصول لاستوائها في الفساد في الأصول كُلِّها
أو في أصلٍ واحدٍ؛ لأنَّه إذا كان المعنى واحدًا
فالأصولُ وإن كثرت كانت دلالتها عائدة إلى ذلك المعنى،
فلا معنى للترجيح، كما أنَّ كثرةَ الشهود من الجانبين
لا يوجب التقديم(٢٦-
«شرح اللمع» للشيرازي (2/953)، «التمهيد» للكلوذاني (4/232).)،
وذهب القاضي عبد الجبار المعتزلي إلى أنه إذا كان
طريقة التعليل واحدة لا يرجَّح بها(٢٧-
«المعتمد» لأبي الحسين (2/851).)،
وإن كانت مختلفة رجّح بها، وهذا القول اختاره الغزالي
حيث قال:
«وهذا يظهر إن كان طريق الاستنباط مختلفًا، وإن كان
متساويًا فهو ضعيف»(٢٨-
«المستصفى» للغزالي (2/402).).
ومذهب الجمهور أقوى؛ لأنَّ الأصول شواهد للصِّحَّة،
وما قَوِيَتْ شواهدُه كان أقوى في إثارة غَلَبة
الظنِّ، ولأنه لا عبرةَ مع الفاسد بالكثرة والقِلَّة،
فشهود الزور لا عبرة بكثرتهم؛ لأنَّ شهادتهم على باطل،
وشهود الحقِّ يقوُّون الظنَّ، فالاثنان أكثر من
الواحد، ويظهر ضعف الرأي القائل بالتسوية فيما إذا
عاضد إحدى العِلَّتين عموم، فإنه عموم لا ينفع مع فساد
العِلَّة، أَمَّا مع صِحَّتها فيرجح بمعاضدته(٢٩-
«شرح اللمع» للشيرازي (2/945)،«التمهيد» للكلوذاني (4/232).).
ويندرج الترجيح بكثرة الأصول في باب الترجيح بكثرة
الأدلَّة وكثرة الرواة(٣٠-
انظر: الترجيح بكثرة الرواة (ص 446).)،
فلا يبعد أن يقوى ظنُّ المجتهد به وتكون كثرة الأصول
ككثرة الرواة للخبر.
هذا، وقد مثَّل المصنِّفُ لهذا الضرب من ترجيح العلل
«باستدلال
المالكي على اعتبار النية في الوضوء بأنَّ هذه عبادةٌ
افتقرت إلى النية كالصلاة والزكاة والحجِّ والتيمُّم
والصوم، وغير ذلك من العبادات، فيعارضه الحنفي بأنَّ
الوضوء طهارةٌ بالماء فلم تفتقر إلى النية كغسل
الجنابة، فيقول المالكي: عِلَّتنا أَوْلى؛ لأنها تشهد
لها أصولٌ كثيرة، وعِلَّتكم لا يشهد لها إلاَّ أصل
واحد، وما شهد له أصول كثيرة غلب على الظنِّ صِحَّتها»(٣١-
«إحكام الفصول» (759)، «المنهاج» كلاهما للباجي (235).).
ومثاله –أيضًا- لهذه المسألة: أنَّ العِلَّةَ في ضمان
مال الغير وضع اليد عليه ولو لغير تملُّك، ويشهد
للمُستدِلِّ على عِلَّته يد الغاصب ويد المستعير من
الغاصب، فيرجَّحُ ذلك على ما قال أبو حنيفة من كون
العِلَّة وضع اليد بقصد التملُّك، ولا يشهد لأبي حنيفة
إلاَّ يد الرهن، وإن صحَّ استنباط ذلك من تضمين مستلم
السلعة(٣٢-
انظر: «المستصفى» للغزالي (2/403)، «نشر البنود» للعلوي (2/310)، «المذكرة» للشنقيطي (334).)،
فلا يبعد أن يُغلِّب المجتهد عِلَّة المستدلِّ ويكون
كلّ أصل كأنه شاهد آخر.
ومن هذا القبيل –أيضًا-
الربا في البُرِّ إذا عُلِّلَ بالطُّعم فإنه يشهد له
الملح، وإن عُلِّلَ بالقوت لم يشهد له(٣٣-
«المستصفى» للغزالي(2/403).).
١-
«نشر
البنود» للعلوي (2/310)، وانظر: المصادر الأصولية المثبتة
على هامش
«الإشارة» (342).
٢-أخرجه أبو
داود في
«الأشربة» (4/87) باب النهي عن
المسكر، والترمذي في
«الأشربة» (4/292)
باب ما جاء:
«مَا
أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ»،
وابن ماجه في
«الأشربة»
(2/1124) باب ما أسكر
كثيره
فقليله حرام، والبغوي في
«شرح السنَّة» (11/351)،
من حديث جابر بن عبد الله
رضي الله عنهما،
والحديث صحَّحه ابن حبان (1385)، وحسَّنه
الترمذي في
«سننه»، والألباني في
«صحيح
سنن أبي داود»
(3681).
٤-أخرجه
أبوداود في «البيوع والإجارات» (3/645-657)
باب بيع التمر بالتمر، والترمذي في «البيوع»
(3/528)، باب في النهي عن المحاقلة والمزابنة،
والنسائي في «البيوع» (7/268) باب اشتراء
التمر بالرطب، وابن ماجه في «التجارات»
(2/761) باب بيع الرطب بالتمر، وأخرجه مالك في
«الموطأ» (2/128)، وأحمد في «مسنده» (1/175)،
والشافعي في «مسنده» (147) وفي «الرسالة»
(331) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصحَّحه ابن
المديني وابن حبان والحاكم وقال في «مستدركه»
(2/38): «ولا أعلم أحدًا طعن فيه». [انظر:
«نصب الراية» للزيلعي (4/40)، «التلخيص الحبير»
لابن حجر (3/9)، «إرواء الغليل» للألباني
(5/199)].
٥-
«شرح
اللمع» للشيرازي (2/956).
٦-
انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش
«الإشارة»
(343).
١٢-الجِص: من
البناء الذي يطلى به، والنورة: حجر الكلس. [«لسان العرب» لابن منظور (2/291،
14/324)].
١٣-
«لسان
العرب» لابن منظور (7/343).
١٤-
قال التلمساني في
«مفتاحه» (481):
«الصعيد
مشتقٌّ من الصعود، فكان عامًّا في كلِّ ما صعد
على وجه الأرض». وانظر على هامشه اختلاف العلماء في جواز التيمم
فيما عدا التراب من أجزاء الأرض المتولِّدة
عنها.
١٦-قال ابن
الأثير في
«النهاية» (2/98):
«يقال: دَبَّرتُ العبد إذا
عَلَّقتَ عتقَه بموتك، وهو التدبير،
أي: أنه يعتق بعد ما يُدبِّره سيِّده ويموت».
١٧-
النهي عن بيع المدبَّر أخرجه الدارقطني
(4/78)، والبيهقي (10/314) من حديث ابن عمر
رضي الله عنهما مرفوعًا بلفظ:
«المُدَبَّرُ لاَ يُبَاعُ
وَلاَ
يُوهَبُ، وَهُوَ حُرٌّ مِنَ الثُّلُثِ»، قال الدارقطني:
«لم يسنده
غيرُ عبيدة بن حسان وهو ضعيف، وإنما هو عن ابن
عمر موقوفًا من قوله».
قال الألباني في
«السلسلة الضعيفة» (1/197):
«موضوع». [انظر:
«الميزان» للذهبي (3/423)،
«التلخيص
الحبير» لابن حجر (4/251)].
والمسألةُ مورودة للتمثيل وإلاَّ فقد صحَّ أنه
صلى الله عليه وآله وسلم باع المدبَّر، فقال
جابرٌ رضي الله عنه: إنَّ رجلاً من الأنصار
أعتقَ غلامًا له عن دبر لم يكن له مال غيره،
فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم
فقال: مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟
فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة، فدفع
إليه». أخرجه البخاري في «العتق» (5/165) باب
بيع المدبَّر، ومسلم في
«الأيمان» (11/141) باب جواز بيع المدبَّر.
١٨-
«إحكام
الفصول» (758)،
«المنهاج» (235) كلاهما للباجي. وانظر مسألة بيع المدبَّر
مفصَّلاً في
«المنتقى» للباجي (7/45).
١٩-
انظر:
«شرح
اللمع» للشيرازي (2/959).
٢٠-
انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش
«الإشارة»
(344).
أحدهما:
أبو الفتح محمَّد بن علي بن محمَّد بن عثمان
بن المواق، الحلواني، الفقيه الحنبلي الزاهد،
برع في
الفقه والأصول وكان مشهورًا بالورع وكثرة
العبادة، له تصانيف، منها:
«كفاية المبتدئ»
في الفقه، و«مختصر
العبادات»، ومصنّف في أصول الفقه، توفي سنة (505ﻫ).
انظر ترجمته في:
«طبقات الحنابلة»
للقاضي لابن أبي يعلى (2/257)،
«ذيل
طبقات الحنابلة» لابن رجب (1/106).
والثاني:
ابنه أبو محمّد عبد الرحمن بن محمد بن علي
الحلواني، تفقه على أبيه وأبي الخطاب، وبرع في
الفقه والأصول، وله تصانيف، منها:
«التبصرة» في الفقه، و«الهداية» في الأصول توفي سنة (546ﻫ).