الخميس 25 شوال 1435 هـ / 21 أغسطس 2014 م

 

 

          

 
 

 
 

المطلب الثالث: أعمال القلوب

 

تقريب الأفهام إلى ما في مباحث النية من الأحكام

المبحث الثالث: في التفريق بين العبادات المفتقرة إلى نية وغيرها

المطلب الثالث: أعمال القلوب

فأعمال القلوب هي المعتقدات والنيَّات كالإيمان بالله وتعظيمه ومحبَّته والخوف منه والإخلاص له والتوكُّل عليه ونحو ذلك من العبادات القلبية، وقد تقدَّم من مذاهب الفقهاء وأهل الحديث أنه لا تُشترط النيَّة لأعمال القلوب لأنها لا تقع إلاَّ منويَّةً لتميُّزها عن العبادات الأخرى، فضلاً عن تميُّزها عن العادات، لذلك فهي منصرفةٌ إلى الله تعالى بصورتها، إذ المعلوم أنَّ القرباتِ التي لا لَبْس فيها لا تحتاج إلى نيَّة الإضافة لله تعالى.

وقد اشترط بعض العلماء النيَّةَ في أعمال القلوب بناءً على أنَّ «العمل إحداث أمرٍ قولاً كان أو فعلاً بالجارحة أو بالقلب»(١)، واحتجُّوا على ذلك بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم بعد أن سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ»(٢)، لذلك اشترطوا النيَّة لأعمال القلوب لكونها مشمولةً بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»(٣).

والمذهب الأوَّل أقوى وأَوْلى، لأنَّ العمل -في اللغة- حركة البدن فيشمل القول ويُتجوَّز به عن حركة النفس(٤)، ويسبق إلى الفهم حالَ إطلاقه تخصيصُ العمل بأفعال الجوارح، وأعمالُ القلوب لا تقع إلاَّ منويَّةً، وفقدان النيَّة فيها هو فقدان حقيقتها، قال ابن حجرٍ -نقلاً عن ابن المنير-: «وأمَّا ما كان من المعاني المحضة: كالخوف والرجاء فهذا لا يقال باشتراط النيَّة فيه، لأنه لا يمكن أن يقع إلاَّ منويًّا، ومتى فُرضت النيَّة مفقودةً فيه استحالت حقيقته»(٥).

هذا، ولا يصحُّ الاحتجاج بحديث: «أَفْضَلُ الأَعْمَالِ: إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ» إلاَّ على رأي المرجئة(٦) الذين يعرِّفون الإيمانَ بأنه مجرَّد ما في القلب، وأكثرُ المرجئة تُدخل فيه أعمالَ القلوب(٧).

أمَّا القول الصحيح الذي تشهد له الأدلَّة فهو تفصيل المسألة، ووجهها أنَّ اسم الإيمان قد يُذكر مجرَّدًا، وقد يُذكر مقرونًا بالعمل أو الإسلام، فإذا أُطلق لفظ الإيمان مجرَّدًا تناول الإسلام والأعمال لأنها من لوازمه كما في الصحيحين: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ -أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ- شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيق»(٨) وفي قوله صلَّى الله عليه وسلَّم لوفد عبد القيس: «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ الإِيمَانِ بِاللهِ»، ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ: «شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ. وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا إِلَيَّ خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ»(٩).

وإذا ذُكر الإيمان مع العمل أريد به أصلُ الإيمان المقتضي للعمل، وإذا ذُكر الإيمان مع الإسلام كما في حديث جبريل عليه السلام أنه سأل النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن الإيمان والإسلام ولإحسان ففرَّق بينهما، فلمَّا ذكرها جميعًا ذكر أنَّ الإيمان ما يتعلَّق بالمعتقد وهو ما في القلب، والإسلام ما يظهر من الأعمال الظاهرة(١٠).

فالحاصل أنَّ الإيمان والإسلام إذا ذُكرا متفرِّقين يكون معناهما واحدًا، وعند الاجتماع يفترقان في المعنى.



(١) «إرشاد الساري» للقسطلاني (١/ ٥٣).

(٢) أخرجه البخاري في «الإيمان» باب من قال إِنَّ الإيمان هو العمل (٢٦)، ومسلم في «الإيمان» (٨٣)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٣) أخرجه البخاري في «الإيمان» باب ما جاء أنَّ الأعمال بالنيَّة والحسبة ولكلِّ امرئٍ ما نوى (١)، ومسلم في «الإمارة» (١٩٠٧)، من حديث عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه.

(٤) انظر: «فيض القدير» للمناوي (١/ ٣٠).

(٥) «فتح الباري» لابن حجر (١/ ١٣٦).

(٦) المرجئة: مشتقٌّ من الإرجاء وهو بمعنى التأخير أو إعطاء الرجاء، وكلا المعنيين يوافق معتقد المرجئة، فهم يؤخِّرون الأعمالَ عن الإيمان، ويغلون في إثبات الوعد والرجاء، وهم فِرَقٌ كثيرةٌ أوصلها أبو الحسن الأشعري إلى اثنتي عشرة فرقةً ويُرجعها ابن تيمية إلى ثلاثة أصنافٍ:

الأوَّل: «الذين يقولون: الإيمان مجرَّد ما في القلب، ثمَّ من هؤلاء من يُدخل فيه أعمالَ القلوب، وهم أكثر فرق المرجئة...

والقول الثاني: من يقول: هو مجرَّد قول اللسان، وهذا لا يُعرف لأحدٍ قبل الكرَّامية.

والثالث: تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة».

[انظر: «مقالات الإسلاميِّين» للأشعري (١/ ٢١٣)، «الملل» للشهرستاني (١/ ١٨٩)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ١٩٥)، «الفَرْق بين الفِرَق» للبغدادي (١٩)].

(٧) حقيقة الإيمان الشرعي -عند أهل السنَّة- فمركَّبةٌ من قولٍ وعملٍ، والقول قسمان:

* قول القلب: وهو التصديق بالقلب وإقراره ومعرفته، وأصل القول: هو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويدخل فيه الإيمان بكلِّ ما جاء به الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم.

* قول اللسان: وهو الإقرار بالله وبما جاء من عنده والشهادة لله بالتوحيد ولرسوله بالرسالة ولجميع الأنبياء والرسل، ثمَّ التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد وسائر الذكر والدعاء، وقول اللسان ينشأ من قول القلب وهو أصله.

- والعمل وهو قسمان:

* عمل القلب: وهو حبُّ الله ورسوله وتعظيم الله ورسوله، وتعزير الرسول وتوقيره، وخشية الله والإنابة إليه والإخلاص له والتوكُّل عليه ونحو ذلك، فهذه الأعمال القلبية كلُّها من الإيمان، وهي ممَّا يوجبها التصديق والاعتقاد إيجابَ العلَّة والمعلول وهو أصل العمل.

* عمل الجوارح: وهو أفعال سائر الجوارح من الطاعات والواجبات التي بُني عليها الإسلام، وسائر أعمال التطوُّع التي يستحقُّ بفعلها اسم زيادة الإيمان، والأفعال المنهي عنها التي بفعلها يستحقُّ نقصان الإيمان، فعمل الجوارح ينشأ من عمل القلب وهو أصله [انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ١٨٦، ٥٤٠، ٦٧٢).].

(٨) أخرجه بهذا اللفظ: مسلم في «الإيمان» (٣٥)، وأخرجه البخاري بلفظ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَان» كلاهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وانظر ألفاظ الحديث وطرقه في «السلسلة الصحيحة» للألباني (٤/ ٣٦٩).

(٩) أخرجه البخاري في «مواقيت الصلاة» باب قول اللَّهِ تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١] (٥٢٣)، ومسلم في «الإيمان» (١٧)، من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(١٠) انظر: «الأعمال بالنيات» لابن تيمية (٤٠).

<<  العودة


نسخة للطباعة        أرسل إلى صديق     أخبر صديقك عن الموقع


.: كل منشور لم يرد ذكره في الموقع الرسمي لا يعتمد عليه ولا ينسب إلى الشيخ :.

.: منشورات الموقع في غير المناسبات الشرعية لا يلزم مسايرتها لحوادث الأمة المستجدة، أو النوازل الحادثة لأنها ليست منشورات إخبارية، إعلامية، بل هي منشورات ذات مواضيع فقهية، علمية، شرعية :.

.: تمنع إدارة الموقع من استغلال مواده وترجمة مواضيعه إلى لغات أخرى لأغراض تجارية، وترخص في الاستفادة من محتوى الموقع لأغراض بحثية أو دعوية على أن تكون الإشارة عند الاقتباس إلى الموقع :.

جميع الحقوق محفوظة (1424ﻫ/2004م - 1435ﻫ/2014م)