|

تقريب الأفهام إلى ما في مباحث النية من الأحكام
المبحث الثالث: في التفريق بين العبادات المفتقرة إلى نية وغيرها
المطلب الثالث: أعمال القلوب
فأعمال القلوب هي المعتقدات والنيَّات كالإيمان بالله وتعظيمه ومحبَّته والخوف منه والإخلاص له والتوكُّل عليه ونحو ذلك من العبادات القلبية، وقد تقدَّم من مذاهب الفقهاء وأهل الحديث أنه لا تُشترط النيَّة لأعمال القلوب لأنها لا تقع إلاَّ منويَّةً لتميُّزها عن العبادات الأخرى، فضلاً عن تميُّزها عن العادات، لذلك فهي منصرفةٌ إلى الله تعالى بصورتها، إذ المعلوم أنَّ القرباتِ التي لا لَبْس فيها لا تحتاج إلى نيَّة الإضافة لله تعالى.
وقد اشترط بعض العلماء النيَّةَ في أعمال القلوب بناءً على أنَّ «العمل إحداث أمرٍ قولاً كان أو فعلاً بالجارحة أو بالقلب»، واحتجُّوا على ذلك بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم بعد أن سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ»، لذلك اشترطوا النيَّة لأعمال القلوب لكونها مشمولةً بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».
والمذهب الأوَّل أقوى وأَوْلى، لأنَّ العمل -في اللغة- حركة البدن فيشمل القول ويُتجوَّز به عن حركة النفس، ويسبق إلى الفهم حالَ إطلاقه تخصيصُ العمل بأفعال الجوارح، وأعمالُ القلوب لا تقع إلاَّ منويَّةً، وفقدان النيَّة فيها هو فقدان حقيقتها، قال ابن حجرٍ -نقلاً عن ابن المنير-: «وأمَّا ما كان من المعاني المحضة: كالخوف والرجاء فهذا لا يقال باشتراط النيَّة فيه، لأنه لا يمكن أن يقع إلاَّ منويًّا، ومتى فُرضت النيَّة مفقودةً فيه استحالت حقيقته».
هذا، ولا يصحُّ الاحتجاج بحديث: «أَفْضَلُ الأَعْمَالِ: إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ» إلاَّ على رأي المرجئة الذين يعرِّفون الإيمانَ بأنه مجرَّد ما في القلب، وأكثرُ المرجئة تُدخل فيه أعمالَ القلوب.
أمَّا القول الصحيح الذي تشهد له الأدلَّة فهو تفصيل المسألة، ووجهها أنَّ اسم الإيمان قد يُذكر مجرَّدًا، وقد يُذكر مقرونًا بالعمل أو الإسلام، فإذا أُطلق لفظ الإيمان مجرَّدًا تناول الإسلام والأعمال لأنها من لوازمه كما في الصحيحين: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ -أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ- شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيق» وفي قوله صلَّى الله عليه وسلَّم لوفد عبد القيس: «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ الإِيمَانِ بِاللهِ»، ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ: «شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ. وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا إِلَيَّ خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ».
وإذا ذُكر الإيمان مع العمل أريد به أصلُ الإيمان المقتضي للعمل، وإذا ذُكر الإيمان مع الإسلام كما في حديث جبريل عليه السلام أنه سأل النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن الإيمان والإسلام ولإحسان ففرَّق بينهما، فلمَّا ذكرها جميعًا ذكر أنَّ الإيمان ما يتعلَّق بالمعتقد وهو ما في القلب، والإسلام ما يظهر من الأعمال الظاهرة.
فالحاصل أنَّ الإيمان والإسلام إذا ذُكرا متفرِّقين يكون معناهما واحدًا، وعند الاجتماع يفترقان في المعنى.
<< العودة
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
أخبر صديقك عن الموقع
|