الجمعة 30 ذو الحجة 1435 هـ / 24 أكتوبر 2014 م

 

 

          

 
 

 
 

العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية - الشيخ عبد الحميد بن باديس عليه رحمة الله (التصفيف الرابع و العشرون)

 

 

«التصفيف الثامن والعشرون»

 

عقيدة الإثبات والتنزيه

-تابع-

السابع والأربعون: [صفة الواحد الأحد]:

وَهُوَ الوَاحِدُ فِي ذَاتِهِ، وَأَسْمَائِهِ، وَصِفَاتِهِ، وَأَفْعَالِهِ:

فَلاَ ثَانِيَ لَهُ، وَلاَ نَظِيرَ لَهُ، وَلاَ شَرِيكَ لَهُ فِي ذَاتِهِ.

وَلاَ ثَانِيَ لَهُ، وَلاَ نَظِيرَ لَهُ، وَلاَ شَرِيكَ لَهُ فِي أَسْمَائِهِ.

وَلاَ ثَانِيَ لَهُ، وَلاَ نَظِيرَ لَهُ، وَلاَ شَرِيكَ لَهُ فِي صِفَاتِهِ.

وَلاَ ثَانِيَ لَهُ، وَلاَ نَظِيرَ لَهُ، وَلاَ شَرِيكَ لَهُ فِي أَفْعَالِهِ(١- أراد المصنِّف -رحمه الله- أن يجعل هذا الفصل خاتمة منهجٍ عامٍّ لأسماء الله وصفاته وأفعاله يقرِّر فيه صفة الأحدية والوحدانية لله سبحانه الشاملة لجميع الكمالات المطلقة، فهو الواحد المتفرِّد بصفات الجلال والجمال والكمال، والمتوحِّد بنعوت العظمة والكبرياء والمجد، فهو واحدٌ في ذاته لا شبيه له، وواحدٌ في صفاته لا مثيل له، وواحدٌ في أفعاله لا شريك له ولا مناسب، وواحدٌ في إلهيَّته فلا نِدَّ له في المحبَّة والتعظيم والذلِّ والخضوع، قال الزجَّاج -رحمه الله- في «الوجيز في أسماء الله الحسنى» (1/ 18): «فالله تعالى هو الواحد الأحد الذي توحَّد بجميع الكمالات، بحيث لا يشاركه فيها مشاركٌ، وهو الذي توحَّد في ألوهيَّته وأسمائه وصفاته وربوبيته، وهو الذي ليس كمثله شيءٌ، ولم يتَّخذ زوجةً ولا ولدًا»، ومعنى الواحد أنه لا ثانيَ له، فلذلك لا يقال في التثنية واحدان، فهو الفرد الذي لم يزَلْ وحده ولم يكن معه آخَر، وهو المتفرِّد بالذات في عدم المثل، قال البيهقي -رحمه الله- في «الاعتقاد» (26): «الواحد: هو الفرد الذي لم يزَلْ وحده بلا شريكٍ، وقيل هو الذي لا قسيم لذاته ولا شبيه له ولا شريك، وهذه صفةٌ يستحقُّها بذاته»، أمَّا الأحد فهو الفرد الذي لا يتجزَّأ ولا يُثنَّى ولا يقبل الانقسام، فالواحد المطلق هو المتمكِّن من الأحدية لعدم التماثل مع غيره لانتفاء وجود من يماثله جلَّ في علاه. وذهب بعض أصحاب المعاني إلى أنَّ المراد بالواحد: نفي التركيب والأجزاء الخارجية والذهنية عنه تعالى، والمراد بالأحد نفي الشريك عنه في ذاته وصفاته [انظر: «الفروق اللغوية» للعسكري (565)]. وذهب آخَرون إلى أنَّ الواحد يفيد وحدة الذات فقط، والأحد يفيدها بالذات والمعنى. ويحتمل معنى الواحد وجوهًا أخرى ذكرها البيهقي -رحمه الله- في «الأسماء والصفات» (1/ 49). ولا يصحُّ إطلاق هذا اللفظ على أحدٍ ولا يَجمع بين الوصفين إلاَّ الله تعالى، قال ابن كثيرٍ -رحمه الله- في «تفسير سورة الإخلاص» (4/ 570): «يعني: هو الواحد الأحد الذي لا نظير له ولا وزير ولا نديد ولا شبيه ولا عديل، ولا يُطْلَق هذا اللفظ على أحدٍ في الإثبات إلاَّ على الله عزَّ وجلَّ، لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله». وقال ابن الأثير -رحمه الله- في «النهاية» (5/ 159): «في أسماء الله تعالى «الواحد» هو الفرد الذي لم يزَلْ وحده، ولم يكن معه آخَر، قال الأزهري: الفرق بين الواحد والأحد أنَّ الأحد بُني لنفي ما يُذكر معه من العدد، تقول: ما جاءني أحدٌ، والواحد: اسمٌ بُني لمفتتح العدد، تقول: جاءني واحدٌ من الناس، ولا تقول: جاءني أحدٌ، فالواحد منفردٌ بالذات في عدم المثل والنظير، والأحد منفردٌ بالمعنى. وقيل: الواحد هو الذي لا يتجزَّأ ولا يُثنَّى ولا يقبل الانقسام، ولا نظير له ولا مثل، ولا يجمع هذين الوصفين إلاَّ الله تعالى». هذا، وإذا كان الله تعالى تفرَّد بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله من غير مثيلٍ ولا نظيرٍ ولا شريكٍ ولا عديلٍ كان لزامًا على العباد أن يوحِّدوه عقدًا وقولاً وعملاً مع الاعتراف بكماله المطلق، والإيمان بتفرُّده بالوحدانية والأحدية، وإن لم يحيطوا بشيءٍ من صفاته ولم يدركوا شيئًا من نعوته، فالواجب أن يفردوه بأنواع العبادة المشروعة. و«أحد» و«واحد» اسمان من أسماء الله الحسنى ثابتان لله تعالى، ويدلُّ على اسم «الأحد» قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]، وهو ما ذكره المصنِّف -رحمه الله- في سياق تقرير وحدانية الله ووجوب الإخلاص له، ومن السنَّة حديث بريدة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم سمع رجلاً يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ»، فَقَالَ: «لَقَدْ سَأَلْتَ اللهَ بِالاسْمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» أخرجه أبو داود في «الصلاة» (2/ 166-167) باب الدعاء، والترمذي في «الدعوات» (5/ 515) باب جامع الدعوات، من حديث بريدة الأسلمي رضي الله عنه، والحديث صحَّحه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» برقم (1493). وأمَّا اسم «الواحد» فقد ورد ذكرُه في مقاماتٍ مختلفةٍ من القرآن الكريم تدور معانيها على انفراد الله تعالى بالوحدانية في ذاته وصفاته وأفعاله، وعلى وجوب الإسلام لله والاستسلام لعظمته، وخضوعِ الخلائق له يوم القيامة، وتنزيهِ نفسه عمَّا نُسب إليه من أباطيل عقائد المشركين منها: - قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 163]. - وقوله تعالى: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: 34]. - وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء: 108]. - وقوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: 39]. - وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل: 51]. - وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لاَ يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: 16]. - وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: 48]. - وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاَصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: 4]. - وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: 73]. ومن السنَّة فقد ذُكر اسم «الواحد» في مواضع كثيرةٍ في خطبة الحاجة والأذكار والأدعية. هذا، وبغضِّ النظر عمَّا ذكره المصنِّف -رحمه الله- من نفي المثل والندِّ والكفء والنظير والشبيه لله تعالى من جميع الوجوه، فإنه يستفاد من الآيات القرآنية أنَّ الله هو الأحد الوتر، تفرَّد بالكمال والعظمة والجلال بلا شبيهٍ ولا مثالٍ، لذلك نزَّه نفسه عن النقائص والعيوب التي تلحق أوصاف المخلوقين فقال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 22]، وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: 91]، وقال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 3-4]، وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: 4]، ومن جهةٍ أخرى ردَّ الله تعالى بهذه الآيات القرآنية على أهل الباطل من المغضوب عليهم والضالِّين والمشركين الذين لم يُوَفُّوا بجناب الربوبية ولم يقدروا الله حقَّ قدره، وناقضوا الغايةَ مِن خلق الخليقة وهو توحيده وإفراده بالذلِّ والخضوع وسائر أنواع العبودية، فاتَّخذوا معه الشركاء والنظراء وظنُّوا به ظنَّ السَّوْء وضربوا له الأمثال، وانتقصوا من مقام الربوبية حتى صارت أفئدتهم مشمئزَّةً من التوحيد، ونفوسُهم نافرةً عن الهدى، وأعينهم معميَّةً عن الحقِّ، وأعمالهم صادَّةً عن سبيل الله المستقيم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: 45]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: 46]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ للهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: 12]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمَّد: 1]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الحج: 25]. هذا، والمصنِّف -رحمه الله-، وإن ختم مبحث الأسماء والصفات بفصلٍ متعلِّقٍ بصفة الأحدية والوحدانية الشامل لجميع صفات الكمال بحيث لا يفوته منها صفةٌ ولا نعتٌ من أوصاف الجلال والجمال لتفرُّده سبحانه بالكمال المطلق الذي لا يعتريه نقصٌ ولا عيبٌ بأيِّ حالٍ أو وجهٍ من الوجوه، إلاَّ أنَّ المصنِّف -من جهةٍ أخرى- جعل هذا الفصل تمهيدًا للتوحيد العلميِّ من ناحية وجوب الإقرار بوحدانية الله سبحانه بالكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، واعتقاد ذلك في القلب اعتقادًا إيمانيًّا جازمًا. كما جعل الفصل مدخلاً -أيضًا- للتوحيد العمليِّ من ناحية وجوب إفراد الله سبحانه وحده بالعبادة وإخلاص الدين له. فرحم الله الشيخ عبد الحميد بن باديس فقد كان حقًّا عدَّةً علميةً وعمدةً إصلاحية. )، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾(٢- الآية 22 من سورة الأنبياء. وهذه الآية من الأدلَّة العقلية في إثبات وحدانية الله وتفرُّده بالربوبية، ويسمَّى بدليل التمانع، وملخَّصه: أنه لو كان فيهما آلهةٌ إلاَّ الله لفسدتا، ولكن ليس فيهما آلهةٌ إلاَّ الله فلم تفسدا، أو يقال: لو كان فيهما آلهةٌ إلاَّ الله لفسدتا، لكنَّهما لم تفسدا، فدلَّ ذلك على أنه ليس فيهما إلهٌ إلاَّ الله، واستُدلَّ بدليل التمانع في الألوهية، وهو صالحٌ للربوبية ولم يأتِ التمانع فيه لوضوحه. )، ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾(٣- الآية 91 من سورة المؤمنون. ينزِّه الله تعالى نفسه عمَّا يصفه به الظالمون الجاحدون من النقائص من اتِّخاذ الولد والشريك في الملك والتصرُّف والعبادة، ويثبت وحدانيته بدليل التمانع -أيضًا-، ووجهه: أنه لو أثبتنا للعالَم خالقَيْن تقديرًا لكان كلُّ خالقٍ يريد أن ينفرد بما خلق كما تجري عليه عادة الملوك فلا يرضى أن يشاركه أحدٌ في خلقه وسلطانه، الأمر الذي لا ينتظم الوجود معه، فلمَّا اتَّسق الوجود وانتظم دلَّ ذلك على أنَّ للعالَم خالقًا واحدًا، قال ابن كثيرٍ -رحمه الله- في [«تفسيره» (3/ 254)]: «لو قُدِّر تعدُّد الآلهة لانفرد كلٌّ منهم بما يخلق، فما كان ينتظم الوجود. والمشاهَد أنَّ الوجود منتظمٌ متَّسقٌ، كلٌّ من العالَم العلويِّ والسفليِّ مرتبطٌ بعضُه ببعضٍ في غاية الكمال، ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: 3]، ثمَّ لكان كلٌّ منهم يطلب قهْرَ الآخَر وخلافه، فيعلو بعضهم على بعضٍ. والمتكلِّمون ذكروا هذا المعنى وعبَّروا عنه بدليل التمانع، وهو أنه لو فُرض صانعان فصاعدًا، فأراد واحدٌ تحريك جسمٍ وأراد الآخَر سكونه، فإن لم يحصل مراد كلِّ واحدٍ منهما كانا عاجزين، والواجب لا يكون عاجزًا، ويمتنع اجتماع مراديهما للتضادِّ. وما جاء هذا المحال إلاَّ مِن فرض التعدُّد فيكون محالاً. فأمَّا إن حصل مراد أحدهما دون الآخَر كان الغالب هو الواجب، والآخَر المغلوب ممكنًا؛ لأنه لا يليق بصفة الواجب أن يكون مقهورًا؛ ولهذا قال: ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: 91] أي: عمَّا يقول الظالمون المعتدون في دعواهم الولدَ أو الشريك علوًّا كبيرًا». )، ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾(٤- جزءٌ من الآية 3 من سورة فاطر.)، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾(٥- جزءٌ من الآية 65 من سورة مريم. والمراد بقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: شبيهًا مناظرًا يدانيه أو يساويه أو يرقى إلى سموِّ ذاته وصفاته وأفعاله، والسميُّ والكفء والندُّ ألفاظٌ متقاربةٌ، كلُّها تُفسَّر بالمثيل والنظير والشبيه، فالله سبحانه واحدٌ لا مثيل له مِن خلقه ولا نظير، ولا يقاس بخلقه. [انظر: «تفسير ابن كثير» (3/ 131)، «فتح القدير» للشوكاني (3/ 343)]. )، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾(٦- جزءٌ من الآية 11 من سورة الشورى.)، ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ. اللهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾(٧- الآيات: 1، 2، 3، 4 من سورة الإخلاص. هذا، وجملة الآيات القرآنية التي استدلَّ بها المصنِّف -رحمه الله- إنما هي لبيان أنه لا صلاح للكون بغير الوحدانية، فأساس قيام الخلق وبقاء السماوات والأرض وما فيهما إنما هو وحدانية الله تعالى وانفراده عمَّن سواه، فليس له مثلٌ ولا نظيرٌ في ذاته وصفاته وأفعاله، فلمَّا انتفى المشارك استحقَّ الله تعالى أن يُفْرَد بالعبادة فيُخْلَص له كما أُفرد بالربوبية، لذلك كان واجبًا على العباد أن يوحِّدوا اللهَ تعالى في ربوبيته وألوهيته عقدًا وقولاً وعملاً. ).


 

١- أراد المصنِّف -رحمه الله- أن يجعل هذا الفصل خاتمة منهجٍ عامٍّ لأسماء الله وصفاته وأفعاله يقرِّر فيه صفة الأحدية والوحدانية لله سبحانه الشاملة لجميع الكمالات المطلقة، فهو الواحد المتفرِّد بصفات الجلال والجمال والكمال، والمتوحِّد بنعوت العظمة والكبرياء والمجد، فهو واحدٌ في ذاته لا شبيه له، وواحدٌ في صفاته لا مثيل له، وواحدٌ في أفعاله لا شريك له ولا مناسب، وواحدٌ في إلهيَّته فلا نِدَّ له في المحبَّة والتعظيم والذلِّ والخضوع، قال الزجَّاج -رحمه الله- في «الوجيز في أسماء الله الحسنى» (1/ 18): «فالله تعالى هو الواحد الأحد الذي توحَّد بجميع الكمالات، بحيث لا يشاركه فيها مشاركٌ، وهو الذي توحَّد في ألوهيَّته وأسمائه وصفاته وربوبيته، وهو الذي ليس كمثله شيءٌ، ولم يتَّخذ زوجةً ولا ولدًا»، ومعنى الواحد أنه لا ثانيَ له، فلذلك لا يقال في التثنية واحدان، فهو الفرد الذي لم يزَلْ وحده ولم يكن معه آخَر، وهو المتفرِّد بالذات في عدم المثل، قال البيهقي -رحمه الله- في «الاعتقاد» (26): «الواحد: هو الفرد الذي لم يزَلْ وحده بلا شريكٍ، وقيل هو الذي لا قسيم لذاته ولا شبيه له ولا شريك، وهذه صفةٌ يستحقُّها بذاته»، أمَّا الأحد فهو الفرد الذي لا يتجزَّأ ولا يُثنَّى ولا يقبل الانقسام، فالواحد المطلق هو المتمكِّن من الأحدية لعدم التماثل مع غيره لانتفاء وجود من يماثله جلَّ في علاه.

وذهب بعض أصحاب المعاني إلى أنَّ المراد بالواحد: نفي التركيب والأجزاء الخارجية والذهنية عنه تعالى، والمراد بالأحد نفي الشريك عنه في ذاته وصفاته [انظر: «الفروق اللغوية» للعسكري (565)].

وذهب آخَرون إلى أنَّ الواحد يفيد وحدة الذات فقط، والأحد يفيدها بالذات والمعنى.

ويحتمل معنى الواحد وجوهًا أخرى ذكرها البيهقي -رحمه الله- في «الأسماء والصفات» (1/ 49).

ولا يصحُّ إطلاق هذا اللفظ على أحدٍ ولا يَجمع بين الوصفين إلاَّ الله تعالى، قال ابن كثيرٍ -رحمه الله- في «تفسير سورة الإخلاص» (4/ 570): «يعني: هو الواحد الأحد الذي لا نظير له ولا وزير ولا نديد ولا شبيه ولا عديل، ولا يُطْلَق هذا اللفظ على أحدٍ في الإثبات إلاَّ على الله عزَّ وجلَّ، لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله».

وقال ابن الأثير -رحمه الله- في «النهاية» (5/ 159): «في أسماء الله تعالى «الواحد» هو الفرد الذي لم يزَلْ وحده، ولم يكن معه آخَر، قال الأزهري: الفرق بين الواحد والأحد أنَّ الأحد بُني لنفي ما يُذكر معه من العدد، تقول: ما جاءني أحدٌ، والواحد: اسمٌ بُني لمفتتح العدد، تقول: جاءني واحدٌ من الناس، ولا تقول: جاءني أحدٌ، فالواحد منفردٌ بالذات في عدم المثل والنظير، والأحد منفردٌ بالمعنى.

وقيل: الواحد هو الذي لا يتجزَّأ ولا يُثنَّى ولا يقبل الانقسام، ولا نظير له ولا مثل، ولا يجمع هذين الوصفين إلاَّ الله تعالى».

هذا، وإذا كان الله تعالى تفرَّد بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله من غير مثيلٍ ولا نظيرٍ ولا شريكٍ ولا عديلٍ كان لزامًا على العباد أن يوحِّدوه عقدًا وقولاً وعملاً مع الاعتراف بكماله المطلق، والإيمان بتفرُّده بالوحدانية والأحدية، وإن لم يحيطوا بشيءٍ من صفاته ولم يدركوا شيئًا من نعوته، فالواجب أن يفردوه بأنواع العبادة المشروعة.

و«أحد» و«واحد» اسمان من أسماء الله الحسنى ثابتان لله تعالى، ويدلُّ على اسم «الأحد» قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]، وهو ما ذكره المصنِّف -رحمه الله- في سياق تقرير وحدانية الله ووجوب الإخلاص له، ومن السنَّة حديث بريدة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم سمع رجلاً يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ»، فَقَالَ: «لَقَدْ سَأَلْتَ اللهَ بِالاسْمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» أخرجه أبو داود في «الصلاة» (2/ 166-167) باب الدعاء، والترمذي في «الدعوات» (5/ 515) باب جامع الدعوات، من حديث بريدة الأسلمي رضي الله عنه، والحديث صحَّحه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» برقم (1493).

وأمَّا اسم «الواحد» فقد ورد ذكرُه في مقاماتٍ مختلفةٍ من القرآن الكريم تدور معانيها على انفراد الله تعالى بالوحدانية في ذاته وصفاته وأفعاله، وعلى وجوب الإسلام لله والاستسلام لعظمته، وخضوعِ الخلائق له يوم القيامة، وتنزيهِ نفسه عمَّا نُسب إليه من أباطيل عقائد المشركين منها:

- قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 163].

- وقوله تعالى: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: 34].

- وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء: 108].

- وقوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: 39].

- وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل: 51].

- وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لاَ يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: 16].

- وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: 48].

- وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاَصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: 4].

- وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: 73].

ومن السنَّة فقد ذُكر اسم «الواحد» في مواضع كثيرةٍ في خطبة الحاجة والأذكار والأدعية.

هذا، وبغضِّ النظر عمَّا ذكره المصنِّف -رحمه الله- من نفي المثل والندِّ والكفء والنظير والشبيه لله تعالى من جميع الوجوه، فإنه يستفاد من الآيات القرآنية أنَّ الله هو الأحد الوتر، تفرَّد بالكمال والعظمة والجلال بلا شبيهٍ ولا مثالٍ، لذلك نزَّه نفسه عن النقائص والعيوب التي تلحق أوصاف المخلوقين فقال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 22]، وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: 91]، وقال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 3-4]، وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: 4]، ومن جهةٍ أخرى ردَّ الله تعالى بهذه الآيات القرآنية على أهل الباطل من المغضوب عليهم والضالِّين والمشركين الذين لم يُوَفُّوا بجناب الربوبية ولم يقدروا الله حقَّ قدره، وناقضوا الغايةَ مِن خلق الخليقة وهو توحيده وإفراده بالذلِّ والخضوع وسائر أنواع العبودية، فاتَّخذوا معه الشركاء والنظراء وظنُّوا به ظنَّ السَّوْء وضربوا له الأمثال، وانتقصوا من مقام الربوبية حتى صارت أفئدتهم مشمئزَّةً من التوحيد، ونفوسُهم نافرةً عن الهدى، وأعينهم معميَّةً عن الحقِّ، وأعمالهم صادَّةً عن سبيل الله المستقيم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: 45]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: 46]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ للهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: 12]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمَّد: 1]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الحج: 25].

هذا، والمصنِّف -رحمه الله-، وإن ختم مبحث الأسماء والصفات بفصلٍ متعلِّقٍ بصفة الأحدية والوحدانية الشامل لجميع صفات الكمال بحيث لا يفوته منها صفةٌ ولا نعتٌ من أوصاف الجلال والجمال لتفرُّده سبحانه بالكمال المطلق الذي لا يعتريه نقصٌ ولا عيبٌ بأيِّ حالٍ أو وجهٍ من الوجوه، إلاَّ أنَّ المصنِّف -من جهةٍ أخرى- جعل هذا الفصل تمهيدًا للتوحيد العلميِّ من ناحية وجوب الإقرار بوحدانية الله سبحانه بالكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، واعتقاد ذلك في القلب اعتقادًا إيمانيًّا جازمًا.

كما جعل الفصل مدخلاً -أيضًا- للتوحيد العمليِّ من ناحية وجوب إفراد الله سبحانه وحده بالعبادة وإخلاص الدين له.

فرحم الله الشيخ عبد الحميد بن باديس فقد كان حقًّا عدَّةً علميةً وعمدةً إصلاحية.

٢- الآية 22 من سورة الأنبياء.

وهذه الآية من الأدلَّة العقلية في إثبات وحدانية الله وتفرُّده بالربوبية، ويسمَّى بدليل التمانع، وملخَّصه: أنه لو كان فيهما آلهةٌ إلاَّ الله لفسدتا، ولكن ليس فيهما آلهةٌ إلاَّ الله فلم تفسدا، أو يقال: لو كان فيهما آلهةٌ إلاَّ الله لفسدتا، لكنَّهما لم تفسدا، فدلَّ ذلك على أنه ليس فيهما إلهٌ إلاَّ الله، واستُدلَّ بدليل التمانع في الألوهية، وهو صالحٌ للربوبية ولم يأتِ التمانع فيه لوضوحه.

٣- الآية 91 من سورة المؤمنون.

ينزِّه الله تعالى نفسه عمَّا يصفه به الظالمون الجاحدون من النقائص من اتِّخاذ الولد والشريك في الملك والتصرُّف والعبادة، ويثبت وحدانيته بدليل التمانع -أيضًا-، ووجهه:  أنه لو أثبتنا للعالَم خالقَيْن تقديرًا لكان كلُّ خالقٍ يريد أن ينفرد بما خلق كما تجري عليه عادة الملوك فلا يرضى أن يشاركه أحدٌ في خلقه وسلطانه، الأمر الذي لا ينتظم الوجود معه، فلمَّا اتَّسق الوجود وانتظم دلَّ ذلك على أنَّ للعالَم خالقًا واحدًا، قال ابن كثيرٍ -رحمه الله- في [«تفسيره» (3/ 254)]: «لو قُدِّر تعدُّد الآلهة لانفرد كلٌّ منهم بما يخلق، فما كان ينتظم الوجود. والمشاهَد أنَّ الوجود منتظمٌ متَّسقٌ، كلٌّ من العالَم العلويِّ والسفليِّ مرتبطٌ بعضُه ببعضٍ في غاية الكمال، ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: 3]، ثمَّ لكان كلٌّ منهم يطلب قهْرَ الآخَر وخلافه، فيعلو بعضهم على بعضٍ. والمتكلِّمون ذكروا هذا المعنى وعبَّروا عنه بدليل التمانع، وهو أنه لو فُرض صانعان فصاعدًا، فأراد واحدٌ تحريك جسمٍ وأراد الآخَر سكونه، فإن لم يحصل مراد كلِّ واحدٍ منهما كانا عاجزين، والواجب لا يكون عاجزًا، ويمتنع اجتماع مراديهما للتضادِّ. وما جاء هذا المحال إلاَّ مِن فرض التعدُّد فيكون محالاً.

فأمَّا إن حصل مراد أحدهما دون الآخَر كان الغالب هو الواجب، والآخَر المغلوب ممكنًا؛ لأنه لا يليق بصفة الواجب أن يكون مقهورًا؛ ولهذا قال: ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: 91] أي: عمَّا يقول الظالمون المعتدون في دعواهم الولدَ أو الشريك علوًّا كبيرًا».

٤- جزءٌ من الآية 3 من سورة فاطر.

٥- جزءٌ من الآية 65 من سورة مريم.

والمراد بقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: شبيهًا مناظرًا يدانيه أو يساويه أو يرقى إلى سموِّ ذاته وصفاته وأفعاله، والسميُّ والكفء والندُّ ألفاظٌ متقاربةٌ، كلُّها تُفسَّر بالمثيل والنظير والشبيه، فالله سبحانه واحدٌ لا مثيل له مِن خلقه ولا نظير، ولا يقاس بخلقه. [انظر: «تفسير ابن كثير» (3/ 131)، «فتح القدير» للشوكاني (3/ 343)].

٦- جزءٌ من الآية 11 من سورة الشورى.

٧- الآيات: 1، 2، 3، 4 من سورة الإخلاص.

هذا، وجملة الآيات القرآنية التي استدلَّ بها المصنِّف -رحمه الله- إنما هي لبيان أنه لا صلاح للكون بغير الوحدانية، فأساس قيام الخلق وبقاء السماوات والأرض وما فيهما إنما هو وحدانية الله تعالى وانفراده عمَّن سواه، فليس له مثلٌ ولا نظيرٌ في ذاته وصفاته وأفعاله، فلمَّا انتفى المشارك استحقَّ الله تعالى أن يُفْرَد بالعبادة فيُخْلَص له كما أُفرد بالربوبية، لذلك كان واجبًا على العباد أن يوحِّدوا اللهَ تعالى في ربوبيته وألوهيته عقدًا وقولاً وعملاً.

-يتبع-

<<  العودة


نسخة للطباعة        أرسل إلى صديق     أخبر صديقك عن الموقع


.: كل منشور لم يرد ذكره في الموقع الرسمي لا يعتمد عليه ولا ينسب إلى الشيخ :.

.: منشورات الموقع في غير المناسبات الشرعية لا يلزم مسايرتها لحوادث الأمة المستجدة، أو النوازل الحادثة لأنها ليست منشورات إخبارية، إعلامية، بل هي منشورات ذات مواضيع فقهية، علمية، شرعية :.

.: تمنع إدارة الموقع من استغلال مواده وترجمة مواضيعه إلى لغات أخرى لأغراض تجارية، وترخص في الاستفادة من محتوى الموقع لأغراض بحثية أو دعوية على أن تكون الإشارة عند الاقتباس إلى الموقع :.

جميع الحقوق محفوظة (1424ﻫ/2004م - 1435ﻫ/2014م)