الإثنين 21 جمادى الثانية 1435 هـ / 21 أبريل 2014 م

 

 

          

 
 

 
 

رحاب الأدب

تقديـم


يسرُّ إدارة موقع الشيخ محمد علي فركوس-حفظه الله- أن تقدم للزوار الكرام المهتمين بالأدب العربي باقة من المواضيع الأدبية مقسمة إلى سبعة أجزاء مرتبة على الشكل التالي:

البيان في نصوص الوحي، قواعد وفوائد، اللغة، مختارات شعرية، الحكم والأمثال، الملح والنوادر، أزهار متناثرة. يدرج في كل يوم خميس من الأسبوع مادة من كل صنف، كما أن الإدارة تعلم عن إدراج موضوع واحد كل يوم خميس.

وفق الله الجميع لما يحب ويرضى

إدارة الموقع

مختارات شعرية


184- فتنة المال

مَنْ كَانَ يَمْلِكُ دِرْهَمَيْنِ تَعَلَّمَتْ ... شَفَتَاهُ أَنْوَاعَ الكَلاَمِ فَقَالاَ
وَتَقَدَّمَ الإِخْوَانُ فَاسْتَمَعُوا لَهُ ... وَرَأَيْتَهُ بَيْنَ الوَرَى مُخْتَالاَ
لَوْلاَ دَرَاهِمُه الَّتِي يَزْهُو بِهَا ... لَوَجَدْتَهُ فِي النَّاسِ أَسْوَأَ حَالاَ
إِنَّ الغَنِيَّ إِذَا تَكَلَّمَ بِالخَطَا ... قَالُوا صَدَقْتَ وَمَا نَطَقْتَ مُحَالاَ
أَمَّا الفَقِيرُ إِذَا تَكَلَّمَ صَادِقًا ... قَالُوا كَذَبْتَ وَأَبْطَلُوا مَا قَالاَ
إِنَّ الدَّرَاهِمَ فِي المَوَاطِنِ كُلِّهَا ... تَكْسُو الرِّجَالَ مَهَابَةً وَجَمَالاَ
فَهِيَ اللِّسَانُ لِمَنْ أَرَادَ فَصَاحَةً ... وَهِيَ السِّلاَحُ لِمَنْ أَرَادَ قِتَالاَ
 

[«جواهر الأدب» للهاشمي (2/ 489)].

 

قواعد وفوائد


183- فائدةٌ بديعةٌ في دخول «أن» على الفعل

«في دخول «أن» على الفعل دون الاكتفاء بالمصدر ثلاثُ فوائد: أحدها: أنَّ المصدر قد يكون فيما مضى وفيما هو آتٍ وليس في صيغته ما يدلُّ عليه، فجاءوا بلفظ الفعل المشتقِّ منه مع «أن» ليجتمع لهم الإخبار عن الحدث مع الدلالة على الزمان. الثانية: أنَّ «أن» تدلُّ على إمكان الفعل دون الوجوب والاستحالة. الثالثة: أنها تدلُّ على مجرَّد معنى الحدث دون احتمالِ معنًى زائدٍ عليه، ففيها تحصينٌ من الإشكال وتخليصٌ له من شوائب الإجمال. بيانُه أنك إذا قلت: «كرهتُ خروجَك» و«أعجبني قدومُك» احتمل الكلامُ معانيَ منها: أن يكون نفس القدوم هو المُعْجِب لك دون صفةٍ من صفاته وهيآته وإن كان لا يوصَف في الحقيقة بصفاتٍ ولكنها عبارةٌ عن الكيفيات، واحتمل أيضًا أنك تريد أنه أعجبك سرعتُه أو بطؤه أو حالةٌ من حالاته، فإذا قلتَ: «أعجبني أن قَدِمْتَ» كانت «أن» على الفعل بمنزلة الطبائع والصوابِ من عوارض الإجمالات المتصوَّرة في الأذهان، وكذلك زادوا «أن» بعد «لمَّا» في قولهم: «لمَّا أن جاء زيدٌ أكرمتُك» ولم يزيدوها بغير ظرفٍ سوى «لمَّا» وذلك أنَّ «لمَّا» ليست في الحقيقة ظرفَ زمانٍ ولكنَّه حرفٌ يدلُّ على ارتباط الفعل الثاني بالأوَّل وأنَّ أحدهما كالعلَّة للآخَر بخلاف الظرف إذا قلت: «حين قام زيدٌ قام عمرٌو»، فجعلت أحدَهما وقتًا للآخَر على اتِّفاقٍ لا على ارتباطٍ، فلذلك زادوا أن بعدها صيانةً لهذا المعنى وتخليصًا له من الاحتمال العارض في الظرف، إذ ليس الظرف من الزمان بحرفٍ فيكون قد جاء لمعنًى كما جاءت «لمَّا»».

[«بدائع الفوائد» لابن القيِّم (1/ 90)].

الملح والنوادر


182- حيلة مدَّعي الولاية

«خرج بعض حُذَّاق المكديِّين من بغداد إلى حمص ومعه امرأته، فلمَّا حصل بها قال: «إنَّ هذا بلد حماقةٍ وأريد أن أعمل حيلةً فتساعديني»، فقالت: «شأنُك»، قال: «كوني بموضعك ولا تجتازي بي ألبتَّة، فإذا كان كلُّ يومٍ فخذي لي ثلثي رطلٍ زبيبًا وثلثي رطلٍ لوزًا نيًّا، فاعجنيه واجعليه وقتَ الهاجرة على آجرَّةٍ جديدةٍ نظيفةٍ لأعرفها في الميضأة الفلانية -وكانت قريبةً من الجامع- ولا تزيديني على هذا شيئا، ولا تمرِّي بناحيتي» فقالت: «أفعل»، وجاء هو فأخرج جبَّةَ صوفٍ كانت معه فلبِسها وسراويلَ صوفٍ ومئزرًا وجعله على رأسه ولزم أسطوانةً يمرُّ الناس عليها فصلَّى نهاره أجمع وليلته أجمع لا يستريح إلاَّ في الأوقات المحظور فيها الصلاةُ، فإذا جلس فيها سبَّح ولم ينطق بلفظةٍ، فتُنبِّه على مكانه ورُوعي مدَّةً ووُضِعَتِ العيونُ عليه، فإذا هو لا يقطع الصلاةَ ولا يذوق الطعامَ فتحيَّر أهلُ البلد في أمره، وكان لا يخرج من الجامع إلاَّ في وقت الهاجرة في كلِّ يومٍ دفعةً إلى تلك الميضأة فيبول فيها ويعدُّ إلى الآجرَّة وقد عرفها وعليها ذاك المعجون وقد صار منحلاًّ وصورتُه صورة الغائط، فمن يدخل ويخرج لا يشكُّ أنه غائطٌ فيأكله فيقيم أودَه ويرجع، فإذا كان وقتُ صلاة العتمة أو في الليل شرب من الماء قدر كفايته، وأهل حمص يظنُّون أنه لا يَطْعَم الطعامَ ولا يذوق الماءَ، فعَظُمَ شأنُه عندهم فقصدوه وكلَّموه فلم يجبهم، وأحاطوا به فلم يلتفت، واجتهدوا في خطابه فلزم الصمت، فزاد مَجِلَّةً عندهم حتى أنهم كانوا يتمسَّحون بمكانه ويأخذون الترابَ مِن موضعه ويحملون إليه المرضى والصبيان فيمسح بيده عليهم، فلمَّا رأى منزلتَه وقد بلغت إلى ذلك وكان قد مضى على هذا الصمت سنةٌ اجتمع مع امرأته في الميضأة وقال: «إذا كان يومُ الجمعة حين يصلِّي الناس فتعالَيْ فاعلقي بي والْطمي وجهي وقولي: «يا عدوَّ الله، يا فاسق، قتلتَ ابني ببغداد وهربت إلى ههنا تتعبَّد وعبادتُك مضروبٌ بها وجهُك»، ولا تفارقيني وأظهِري أنك تريدين قتلي بابنك، فإنَّ الناس سيجتمعون إليكِ وأمنعهم أنا من أذيَّتك وأعترفُ بأني قتلتُه وتبت وجئت إلى ههنا للعبادة والتوبة والندم على ما كان منِّي، فاطلبي قودي بإقراري وحملي إلى السلطان فيَعرضون عليكِ الديةَ فلا تقبليها حتى يبذلوا لك عشر دياتٍ أو ما استوى لكِ بحسب ما ترين مِن زيادتهم وحرصهم، فإذا تناهت أعطيتُهم في افتدائي إلى حدٍّ يقع لكِ أنهم لا يزيدون بعده شيئًا فاقبلي الفداءَ منهم واجمعي المالَ وخذيه واخرجي مِن يومكِ إلى بغداد ولا تقيمي بالبلد، فإني سأهرب وأتبعك»، فلمَّا كان من الغد جاءت المرأة فتعلَّقت به وفعلت به ما قال، فقام أهل البلد ليقتلوها وقالوا: «يا عدوَّة الله، هذا من الأبدال، هذا قوام العالَم، هذا قطب الوقت»، فأومأ إليهم أن اصبِروا ولا تناوَلوها بشرٍّ، فصبروا وأوجز في صلاته، ثمَّ سلَّم وتمرَّغ في الأرض طويلاً ثمَّ قال: «أيُّها الناس، هل سمعتم لي كلمةً منذ أقمتُ عندكم»، فاستبشَروا بسماع كلامه وارتفعت ضجَّةٌ عظيمةٌ وقالوا: «لا»، قال: «إني إنما أقمتُ عندكم تائبًا ممَّا ذكرَتْه، وقد كنت رجلاً فيَّ دفعٌ وخسارةٌ فقتلتُ ابنَ هذه المرأة وتبتُ وجئتُ إلى ههنا للعبادة، وكنت محدِّثًا نفسي بالرجوع لها لتقتلني خوفًا من أن تكون توبتي ما صحَّت، وما زلتُ أدعو اللهَ أن يقبل توبتي ويمكِّنها منِّي إلى أن أجيبت دعوتي باجتماعي بها وتمكينها من قودي، فدَعُوها تقتلني وأستودعكم اللهَ»، فارتفعت الضجَّة والبكاء وهو مارٌّ إلى والي البلد ليقتله بابنها، فقال الشيوخ: «يا قوم، لقد ضللتم عن مداواة هذه المحنة وحراسة بلدكم بهذا العبد الصالح، فارفقوا بالمرأة واسألوها قبولَ الدية نجمعها من أموالنا»، فطافوا بها وسألوها فقالت: «لا أفعل»، فقالوا: «خذي ديتين»، فقالت: «شعرةٌ من ابني بألف ديةٍ»، فما زالوا حتى بلغوا عشر دياتٍ فقالت: «اجمعوا المالَ فإذا رأيته وطاب قلبي بقبوله فعلتُ وإلاَّ قتلتُ القاتل»، فجمعوا مائةَ ألف درهمٍ وقالوا: «خذيها»، فقالت: «لا أريد إلاَّ قتل قاتل ابني، في نفسي أثرٌ»، فأقبل الناس يرمون ثيابهم وأرديتهم وخواتيمهم والنساء حليَّهن، فأخذت ذلك وأبرأته من الدم وانصرفت وأقام الرجل بعد ذلك في الجامع أيَّامًا يسيرةً حتى علم أنها قد بَعُدت، ثمَّ هرب في بعض الليالي وطُلب فلم يوجد ولا عُرف له خبرٌ حتى انكشف لهم أنه كان حيلةً بعد مدَّةٍ طويلةٍ».

[«الأذكياء» لابن الجوزي (100)].

اللغة


181- معاني الشهادة

«شهد -في لسانهم- لها معانٍ: أحدها: الحضور ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وفيه قولان: أحدهما: مَن شهد المصر في الشهر، والثاني: من شهد الشهر في المصر وهما متلازمان. والثاني: الخبر ومنه: «شهد عندي رجالٌ مَرْضيُّون -وأرضاهم عندي عمر- أنَّ رسول الله نهى عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح» رواه مسلمٌ وأحمد وأبو داود وغيرهم. والثالث: الإطلاع على الشيء ومنه: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وإذا كان كلُّ خبرٍ شهادةً فليس مع من اشترط لفظ الشهادة فيها دليلٌ من كتابٍ ولا سنَّةٍ ولا إجماعٍ ولا قياسٍ صحيحٍ، وعن أحمد فيها ثلاث رواياتٍ: إحداهنَّ: اشتراط لفظ الشهادة، والثانية: الاكتفاء بمجرَّد الإخبار اختارها شيخنا، والثالثة: الفرق بين الشهادة على الأقوال وبين الشهادة على الأفعال فالشهادة على الأقوال لا يُشترط فيها لفظ الشهادة وعلى الأفعال يُشترط لأنه إذا قال سمعتُه يقول فهو بمنزلة الشاهد على رسول الله فيما يُخبر عنه».

[«بدائع الفوائد» لابن القيِّم (1/18)].

الحكم الأمثال


180- رمَتْني بدائها وانسلَّت

قال أبو عبيدٍ: «ويحكى عن المفضل أنه كان يقول: هذا المثل قيل لرهمٍ بنت الخزرج من كلبٍ، وكانت امرأة سعد بن زيد مناة بن تميمٍ، وكان لها ضرائر، فسابَّتها إحداهنَّ يومًا فرَمَتْها رهمٌ بعيبٍ هو فيها، فقالت ضرَّتُها: «رمَتْني بدائها وانسلَّت» فذهبت مثلاً». ويُضرب هذا المثل لمن يعيِّر الإنسان بما هو فيه.

[«الأمثال» لابن سلام (73)].

مختارات شعرية


179- فضل السفر

مَا فِي المُقَامِ لِذِي عَقْلٍ وَذِي أَدَبٍ * مِنْ رَاحَةٍ فَدَعِ الأَوْطَانَ وَاغْتَرِبِ

سَافِرْ تَجِدْ عِوَضًا عَمَّنْ تُصَاحِبُهُ * وَانْصَبْ فَإِنَّ لَذِيذَ العَيْشِ فِي النَّصَبِ

إِنِّي رَأَيْتُ وُقُوفَ المَاءِ يُفْسِدُهُ * إِنْ سَالَ طَابَ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ

وَالأُسْدُ لَوْلاَ فِرَاقُ الغَابِ مَا قَنَصَتْ * وَالسَّهْمُ لَوْلاَ فِرَاقُ القَوْسِ لَمْ يُصِبِ

وَالشَّمْسُ لَوْ وَقَفَتْ فِي الفُلْكِ دَائِمَةً * لَمَلَّهَا النَّاسُ مِنْ عُجْمٍ وَمِنْ عَرَبِ

وَالبَدْرُ لَوْلاَ أُفُولٌ مِنْهُ مَا نَظَرَتْ * إِلَيْهِ فِي كُلِّ حِينٍ عَيْنُ مُرْتَقِبِ

وَالتِّبْرُ كَالتُّرْبِ مُلْقًى فِي أَمَاكِنِهِ * وَالعُودُ فِي أَرْضِهِ نَوْعٌ مِنَ الحَطَبِ

فَإِنْ تَغَرَّبَ هَذَا عَزَّ مَطْلَبُهُ * وَإِنْ أَقَامَ فَلاَ يَعْلُو عَلَى رُتَبِ

[«جواهر الأدب» للهاشمي (2/ 490)].

البيان في نصوص الوحي


178- فائدةٌ في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾

«قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ من باب بدل الاشتمال، والسؤال إنما وقع عن القتال فيه، فلِمَ قُدِّمَ الشهرُ وقد قلتم: إنهم يقدِّمون ما هم ببيانه أهمُّ وهُم به أعنى؟

قيل: السؤال لم يقع منهم إلاَّ بعد وقوع القتال في الشهر وتشنيع أعدائهم عليهم وانتهاك حرمته، فكان اعتناؤهم واهتمامهم بالشهر فوق اهتمامهم بالقتال، فالسؤال إنما وقع مِن أجل حرمة الشهر، فلذلك قدِّم في الذكر وكان تقديمه مطابقًا لِما ذكَرْنا من القاعدة.

فإن قيل: فما الفائدة في إعادة ذكر القتال بلفظ الظاهر؟ وهلاَّ اكتفى بضميره فقال: «قل هو كبيرٌ»، وأنت إذا قلت: «سألته عن زيدٍ: أهو في الدار؟» كان أوجزَ مِن أن تقول: «أزيدٌ في الدار؟».

قيل: في إعادته بلفظ الظاهر نكتةٌ بديعةٌ وهي تعلُّق الحكم الخبريِّ باسم القتال فيه عمومًا، ولو أتى بالمضمر وقال: «هو كبيرٌ» لتُوُهِّم اختصاص الحكم بذلك القتال المسئول عنه وليس الأمر كذلك، وإنما هو عامٌّ في كلِّ قتالٍ وقع في شهرٍ حرامٍ.

ونظير هذه الفائدة قوله صلَّى الله عليه وسلَّم وقد سئل عن الوضوء بماء البحر فقال: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ»، فأعاد لفظَ الماء ولم يقتصر على قوله: «نَعَمْ، تَوَضَّئُوا بِهِ» لئلاَّ يُتوهَّم اختصاصُ الحكم بالسائلين لضربٍ من ضروب الاختصاص، فعدل عن قوله: «نَعَمْ، تَوَضَّئُوا» إلى جوابٍ عامٍّ يقتضي تعلُّقَ الحكم والطهور به بنفس مائه مِن حيث هو، فأفاد استمرارَ الحكم على الدوام وتعلُّقَه بعموم الآية، وبطَل توهُّمُ قصره على السبب، فتأمَّلْه فإنه بديعٌ.

فكذلك في الآية: لمَّا قال: ﴿قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ فجعل الخبرَ ﺑ﴿كَبِيرٌ﴾ واقعًا على: ﴿قِتَالٌ فِيهِ﴾، فيُطلق الحكمُ به على العموم، ولفظُ المضمر لا يقتضي ذلك، وقريبٌ مِن هذا قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾، ولم يقل: «أجرَهم» تعليقًا لهذا الحكم بالوصف وهو كونُهم مصلحين، وليس في الضمير ما يدلُّ على الوصف المذكور، وقريبٌ منه وهو ألطف معنًى قولُه تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، ولم يقل: «فيه» تعليقًا لحكم الاعتزال بنفس الحيض وأنه هو سبب الاعتزال، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذىً﴾ ولم يقل: «الحيض» لأنَّ الآية جاريةٌ على الأصل، ولأنه لو كرَّره لثَقُل اللفظُ لتكرُّره ثلاثَ مرَّاتٍ، وكان ذكرُه بلفظ الظاهر في الأمر بالاعتزال أحسنَ مِن ذكره مضمرًا ليفيد تعليقَ الحكم بكونه حيضًا، بخلاف قوله: ﴿قُلْ هُوَ أَذىً﴾ فإنه إخبارٌ بالواقع والمخاطَبون يعلمون أنَّ جهةَ كونه أذًى هو نفس كونه حيضًا، بخلاف تعليق الحكم به فإنه إنما يُعلم بالشرع فتأمَّلْه».

[«بدائع الفوائد» لابن القيِّم (2/ 40)]

أزهار متناثرة


177- مصادر الرازي في تفسيره

قال الشاطبيُّ: حدَّثني الأستاذ أبو عليٍّ الزواويُّ عن شيخه الأستاذ الشهير أبي عبد الله المسفر أنه قال: «إنَّ تفسير ابن الخطيب احتوى على أربعة علومٍ نقلها من أربعة كتبٍ، مؤلِّفوها كلُّهم معتزلةٌ: فأصول الدين نقلها من كتاب «الدلائل» لأبي الحسين. وأصول الفقه نقلها من كتاب «المعتمد» لأبي الحسين أيضًا، وهو أحد نُظَّار المعتزلة؛ وهو الذي كان يقول فيه بعضُ الشيوخ: «إذا خالف أبو الحسين البصريُّ في مسألةٍ صَعُبَ الردُّ عليه فيها». قال: والتفسير من كتاب القاضي عبد الجبَّار. والعربية والبيان من «الكشَّاف» للزمخشري».

[«الإفادات والإنشادات» للشاطبي (9)]

اللغة


176- البشارة

تعريفها: البِشارة (بكسر الباء): ما يُبشِّر به الإنسانُ غيرَه من أمرٍ، والبُشارة (بضمِّ الباء): ما يُعطاه المُبشِّر بالأمر. وسُمِّيت البشارة بذلك من البِشر، وهو السرور، لأنها تُظهر طلاقةَ وجه الإنسان. وإذا أطلِقت فهي للخير، ويجوز استعمالها مُقيَّدةً في الشرِّ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران : 21]. والفرق بينها وبين الخبر: أنَّ الخبر يكون من المخبر الأوَّل ومن يليه، والبِشارة لا تكون إلاَّ من المخبر الأوَّل، والخبر يكون بالصدق والكذب سارًّا كان أو غير سارٍّ، والبِشارة تختصُّ بالخبر الصادق السارِّ غالبًا.

[«بهجة المجالس» (12)]

البيان في نصوص الوحي


175- في القصاص حياةٌ

قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179]. في هذه الآية سُمُوٌّ بيانيٌّ منقطع النظير لأنها تنطوي على فنونٍ عديدةٍ، ودونك بعضَها على وجه الاختصار:

1- الإيجاز: فقد كان العرب يتباهون بقولهم: «القتل أنفى للقتل»، فجاءت آية القرآن وهي ﴿فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ أكثرَ إيجازًا وأرشق تعبيرا، لأنها أربع كلماتٍ وهي: «في، ال، قصاص، حياةٌ» وقول العرب ستٌّ وهي: «ال، قتل، أنفى، وضميره لأنه اسمٌ مشتقٌّ، اللام، قتل»، ولأنَّ حروفها الملفوظة الثابتة وقفًا ووصلاً أحد عشر حرفًا وحروف قول العرب أربعة عشر حرفًا.

2– تعريف القصاص، وتنكير الحياة، أي: أنه كان لكم في هذا الجنس من القصاص حياةٌ عظيمةٌ لا تدركون كنهها، لأنَّ القاتل يرتدع عن القتل فتُصان بذلك حياة الأبرياء، ويزدجر البغاة ومَن رُكِّزت في نفوسهم طبيعةُ الإجرام.

3- تعجيل الترغيب والتشويق بذكر الحياة، وبها يتنسَّم السامع رائحةَ الحياة وطيبَها وحلاوتها، لأنها أتت نتيجةً حتميةً للقصاص، بعكس كلمة العرب التي تبتدئ بذكر الموت.

4- التعميم الذي يتجاوز التخصيص، فليس القتل وحده سبب القصاص، ولكنْ ينتظم فيه جميع الجروح والشِّجاج، لأنَّ الجارح إذا علم أنه إذا جَرَح جُرِح صار ذلك سببًا لبقاء الجارح والمجروح، وربَّما لأفضت الجراحة إلى الموت، فيُقتصُّ من الجارح.

5- جعلُ نتيجةِ القتل حياةً تعبيرٌ مِن أعجبِ ما في الشعر يسمو إلى الغاية من الخيال، ولكن أعجبُ ما فيه أنه ليس خيالاً، بل يتحوَّل إلى تعبيرٍ علميٍّ يسمو إلى الغاية من الدقَّة كأنه يقول بلسان العلم: في نوعٍ مِنْ سَلْبِ الحياة نوعٌ مِن ْ إيجاب الحياة. 6- من إعجاز لفظة القصاص أنَّ الله تعالى سمَّى بها قَتْلَ القاتل، فلم يسمِّه قتلاً كما فعلت الكلمة العربية، لأنَّ أحد القتلين هو جريمةٌ واعتداءٌ، فنزَّه سبحانه العدلَ الشرعيَّ حتَّى عن شبهه بلفظ الجريمة، وهذا منتهى السموِّ الأدبيِّ.

[«إعراب القرآن» للدرويش (229)، «وحي القلم» للرافعي (450)]

مختارات شعرية


174- عبد الله بن المبارك

يُعَدُّ من أبرز السلف الصالح وزُهَّادهم، والذي كان يحجُّ سنةً ويغزو سنةً مرابطًا في سبيل الله في الثغور: فقد أرسل رسالةً مِن طرطوس أحدِ الثغور مع الروم إلى صديقه العالم الزاهد الفضيل بن عياضٍ -رحمه الله- في سنة سبعٍ وسبعين ومائةٍ يقول فيها:

يَا عَابِدَ الحَرَمَيْنِ لَوْ أَبْصَرْتَنَا * لَعَلِمْتَ أَنَّكَ بِالعِبَادَةِ تَلْعَبُ

مَنْ كَانَ يَخْضِبُ جِيدَهُ بِدُمُوعِهِ * فَنُحُورُنَا بِدِمَائِنَا تَتَخَضَّبُ

أَوْ كَانَ يُتْعِبُ خَيْلَهُ فِي بَاطِلٍ * فَخُيُولُنَا يَوْمَ الصَّبِيحَةِ تَتْعَبُ

رِيحُ العَبِيرِ لَكُمْ وَنَحْنُ عَبِيرُنَا * رَهَجُ السَّنَابِكِ وَالغُبَارُ الأَطْيَبُ

وَلَقَدْ أَتَانَا مِنْ مَقَالِ نَبِيِّنَا * قَوْلٌ صَحِيحٌ صَادِقٌ لاَ يَكْذِبُ

لاَ يَسْتَوِي غُبَّارُ خَيْلِ اللهِ فِي * أَنْفِ امْرِئٍ وَدُخَانُ نَارٍ تَلْهَبُ

هَذَا كِتَابُ اللهِ يَنْطِقُ بَيْنَنَا * «لَيْسَ الشَّهِيدُ بِمَيِّتٍ» لاَ يَكْذِبُ

فلمَّا وصلت الرسالة إلى الفضيل في الحرم وقرأها ذرفت عيناه، ثمَّ قال: «صدق أبو عبد الرحمن ونصح».

[«النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» لابن تغري بردي (2/103)]

مختارات شعرية


173- في الشدَّة حيث لا ينفع اللين

قال شهل بن شيبان الزماني:

صَفَحْنَا عَنْ بَنِي ذُهْلٍ * وَقُلْنَا القَوْمُ إِخْوَانُ

عَسَى الأَيَّامُ أَنْ يُرْجِعْـ * نَ قَوْمًا كَالَّذِي كَانُوا

فَلَمَّا صَرَّحَ الشَّرُّ * فَأَمْسَى وَهْوَ عُرْيَانُ

وَلَمْ يَبْقَ سِوَى العُدْوَا * نِ دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوا

مَشَيْنَا مِشْيَةَ اللَّيْثِ * غَدَا وَاللَّيْثُ غَضْبَانُ

بِضَرْبٍ فِيهِ تَوْهِينٌ * وَتَخْضِيعٌ وَإِقْرَانُ

وَطَعْنٍ كَفَمِ الزَّقِّ * إِذًا وَالزَّقُّ مَلْآنُ

وَبَعْضُ الحِلْمِ عِنْدَ الجَهْـ * لِ لِلذِّلَّةِ إِذْعَانُ

وَفِي الشَّرِّ نَجَاةٌ حِيـ * نَ لاَ يُنْجِيكَ إِحْسَانُ

[«شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (1/ 32)]

قواعد وفوائد


172- أسلوب الاختصاص

الاختصاص هو: تفسير مدلولِِ ضميرِ المُتكلِّم أو المخاطَب باسمٍ منصوبٍ معرَّفٍ بالإضافة أو بالألف أو باللام.

يُسْتعمل الاختصاص عندما يتحدَّث المتكلِّم عن جماعةٍ هو أو المخاطَب أحد أفرادها.

والفِعل المُقَدَّر هو أخُصُّ، أو أَعني.

والغرض منه:

- التوضيح، أو التوكيد نحو: نحن -سُكَّانَ الحيِّ- نريد بناءَ مسجدٍ نصلِّي فيه.

- الفخر نحو: نحن- الجنودَ- ندافع عن الوطن.

- التواضع نحو: نحن -المؤلِّفين- نتواضع.

اللغة


171- من الفروق اللغوية

قال ابن القيِّم رحمه الله:

1- والفرق بين المبادرة والعجلة أنَّ:

المبادرة: انتهاز الفرصة في وقتها ولا يتركها حتى إذا فات طلبها، فهو لا يطلب الأمورَ في أدبارها ولا قبل وقتها، بل إذا حضر وقتُها بادر إليها ووثب عليها وثوبَ الأسد على فريسته، فهو بمنزلة من يبادر إلى أخذ الثمرة وقتَ كمال نضجها وإدراكها.

والعجلة: طلبُ أخذ الشيء قبل وقته، فهو لشدَّة حرصه عليه بمنزلة من يأخذ الثمرةَ قبل أوان إدراكها كلِّها.

فالمبادرة: وسطٌ بين خُلقين مذمومين أحدهما: التفريط والإضاعة، والثاني: الاستعجال قبل الوقت، ولهذا كانت العَجَلة من الشيطان، فإنها خفَّةٌ وطيشٌ وحدَّةٌ في العبد تمنعه من التثبُّت والوقار والحلم وتوجب له وَضْعَ الأشياء في غير مواضعها وتجلب عليه أنواعًا من الشرور وتمنعه أنواعًا من الخير، وهي قرين الندامة، فقلَّ من استعجل إلاَّ ندم، كما أنَّ الكسل قرين الفوت والإضاعة.

2- وأمَّا الفرق بين الحزم والجبن:

فالحازم: هو الذي قد جمع عليه همَّه وإرادته وعقله ووزن الأمورَ بعضها ببعضٍ، فأعدَّ لكلٍّ منها قرنَه، ولفظة الحزم تدلُّ على القوَّة والإجماع، ومنه حزمة الحطب، فحازم الرأي: هو الذي اجتمعت له شئون رأيه وعرف منها خيرَ الخيرين وشرَّ الشرين، فأحجم في موضع الإحجام رأيًا وعقلاً لا جبنًا ولا ضعفًا.

العَاجِزُ الرَّأْيِ مِضْيَاعٌ لِفُرْصَتِهِ * حَتَّى إِذَا فَاتَ أَمْرٌ عَاتَبَ القَدَرَا

والجبن: هو تهيُّب الإقدام على ما لا ينبغي أن يخاف، والجبان: الهيوب للأشياء لا يُقْدِم عليها.

[«الروح» لابن القيِّم (404)]

البيان في نصوص الوحي


170- النجاة في اتِّباع الرحمة المهداة

عن أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا فَقَالَ: يَا قَوْمِ، إِنِّي رَأَيْتُ الجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ العُرْيَانُ، فَالنَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَأَدْلَجُوا، فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهَلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي فَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ بِمَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الحَقِّ».

[رواه البخاري (7283)، ومسلم (2283)]

أزهار متناثرة


169- وصيَّة عمر بن عبد العزيز رحمه الله

كَتَبَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْأَلُهُ عَنِ الْقَدَرِ، فَكَتَبَ: «أَمَّا بَعْدُ، أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ، وَالاِقْتِصَادِ فِي أَمْرِهِ، وَاتِّبَاعِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَرْكِ مَا أَحْدَثَ الْمُحْدِثُونَ بَعْدَ مَا جَرَتْ بِهِ سُنَّتُهُ وَكُفُوا مُؤْنَتَهُ، فَعَلَيْكَ بِلُزُومِ السُّنَّةِ فَإِنَّهَا لَكَ -بِإِذْنِ اللهِ- عِصْمَةٌ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَبْتَدِعِ النَّاسُ بِدْعَةً إِلاَّ قَدْ مَضَى قَبْلَهَا مَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهَا أَوْ عِبْرَةٌ فِيهَا، فَإِنَّ السُّنَّةَ إِنَّمَا سَنَّهَا مَنْ قَدْ عَلِمَ مَا فِي خِلاَفِهَا مِنَ الْخَطَإِ وَالزَّلَلِ وَالْحُمْقِ وَالتَّعَمُّقِ، فَارْضَ لِنَفْسِكَ مَا رَضِيَ بِهِ الْقَوْمُ لِأَنْفُسِهِمْ، فَإِنَّهُمْ عَلَى عِلْمٍ وَقَفُوا، وَبِبَصَرٍ نَافِذٍ كَفُّوا، وَهُمْ عَلَى كَشْفِ الأُمُورِ كَانُوا أَقْوَى، وَبِفَضْلِ مَا كَانُوا فِيهِ أَوْلَى، فَإِنْ كَانَ الْهُدَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ لَقَدْ سَبَقْتُمُوهُمْ إِلَيْهِ، وَلَئِنْ قُلْتُمْ إِنَّمَا حَدَثَ بَعْدَهُمْ؛ مَا أَحْدَثَهُ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ وَرَغِبَ بِنَفْسِهِ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ هُمُ السَّابِقُونَ، فَقَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ بِمَا يَكْفِي، وَوَصَفُوا مِنْهُ مَا يَشْفِي، فَمَا دُونَهُمْ مِنْ مَقْصَرٍ، وَمَا فَوْقَهُمْ مِنْ مَحْسَرٍ، وَقَدْ قَصَّرَ قَوْمٌ دُونَهُمْ فَجَفَوْا، وَطَمَحَ عَنْهُمْ أَقْوَامٌ فَغَلَوْا، وَإِنَّهُمْ بَيْنَ ذَلِكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ، كَتَبْتَ تَسْأَلُ عَنِ الإِقْرَارِ بِالْقَدَرِ فَعَلَى الْخَبِيرِ -بِإِذْنِ اللهِ- وَقَعْتَ، مَا أَعْلَمُ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ مِنْ مُحْدَثَةٍ، وَلاَ ابْتَدَعُوا مِنْ بِدْعَةٍ هِيَ أَبْيَنُ أَثَرًا وَلاَ أَثْبَتُ أَمْرًا مِنَ الإِقْرَارِ بِالْقَدَرِ، لَقَدْ كَانَ ذَكَرَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْجُهَلاَءُ يَتَكَلَّمُونَ بِهِ فِي كَلاَمِهِمْ وَفِي شِعْرِهِمْ، يُعَزُّونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ عَلَى مَا فَاتَهُمْ، ثُمَّ لَمْ يَزِدْهُ الإِسْلاَمُ بَعْدُ إِلاَّ شِدَّةً، وَلَقَدْ ذَكَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ وَلاَ حَدِيثَيْنِ، وَقَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ الْمُسْلِمُونَ فَتَكَلَّمُوا بِهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ، يَقِينًا وَتَسْلِيمًا لِرَبِّهِمْ، وَتَضْعِيفًا لِأَنْفُسِهِمْ، أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ لَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمُهُ، وَلَمْ يُحْصِهِ كِتَابُهُ، وَلَمْ يَمْضِ فِيهِ قَدَرُهُ، وَإِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَفِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: مِنْهُ اقْتَبَسُوهُ، وَمِنْهُ تَعَلَّمُوهُ، وَلَئِنْ قُلْتُمْ لِمَ أَنْزَلَ اللهُ آيَةَ كَذَا؟ لِمَ قَالَ كَذَا؟ لَقَدْ قَرَءُوا مِنْهُ مَا قَرَأْتُمْ، وَعَلِمُوا مِنْ تَأْوِيلِهِ مَا جَهِلْتُمْ، وَقَالُوا بَعْدَ ذَلِكَ: كُلِّهِ بِكِتَابٍ وَقَدَرٍ، وَكُتِبَتِ الشَّقَاوَةُ، وَمَا يُقْدَرْ يَكُنْ، وَمَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلاَ نَمْلِكُ لِأَنْفُسِنَا ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا، ثُمَّ رَغِبُوا بَعْدَ ذَلِكَ وَرَهِبُوا».

[رواه أبو داود في «سننه» (4614) كتاب السنَّة]

مختارات شعرية


168- العبرة ليست بالكثرة

قال بعض شعراء بلعنبر:

لَوْ كُنْتُ مِنْ مَازِنٍ لَمْ تَسْتَبِحْ إِبِلِي * بَنُو اللَّقِيطَةِ مِنْ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَا

إِذًا لَقَامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خَشِنٌ * عِنْدَ الحَفِيظَةِ إِنْ ذُو لَوْثَةٍ لاَنَا

قَوْمٌ إِذَا الشَّرُّ أَبْدَى نَاجِذَيْهِ لَهُمْ * طَارُوا إِلَيْهِ زُرَافَاتٍ وَوُحْدَانَا

لاَ يَسْأَلُونَ أَخَاهُمْ حِينَ يَنْدُبُهُمْ * فِي النَّائِبَاتِ عَلَى مَا قَالَ بُرْهَانَا

لَكِنَّ قَوْمِي -وَإِنْ كَانُوا ذَوِي عَدَدٍ- * لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا

يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً * وَمِنْ إِسَاءَةِ أَهْلِ السُّوءِ إِحْسَانَا

كَأَنَّ رَبَّكَ لَمْ يَخْلُقْ لِخَشْيَتِهِ * سِوَاهُمُ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ إِنْسَانَا

[«شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (1/ 22)]

قواعد وفوائد


167- أسلوب التحذير

التحذير هو: حثُّ المُخاطَب على اجتناب أمرٍ مكروهٍ، ويكون باسمٍ منصوبٍ يُقَدَّر الفعلُ معه بما يُناسِب المقامَ ﻛ: احذرْ، أو باعِدْ، أو تجنَّبْ. ويتكوَّن أسلوب التحذير من ثلاثة أمورٍ:

- المُحَذِّر وهو: المُتَكَلِّم الذي يُوَجِّه التنبيهَ إلى غيره.

- المُحَذَّر وهو: الذي يتَّجِه إليه التنبيه.

- المُحَذَّر منه وهو: الأمر المكروه.

ويكون التحذير كما يلي:

- بذكر اسمٍ منصوبٍ مُعَرَّفٍ ﺑ«ال» مسبوقةٍ بعبارة «إيَّاكَ أنْ»: إياك أن تُسرف في الأكل، وقد تحذف أنْ: إيَّاك والكذبَ

- قد يُذكَر المُحَذَّر منه فقط نحو: الأسدَ، أو يكرَّر نحو: الحفرةَ الحفرةَ، وقد يكون معطوفًا نحو: يدك والنارَ.

والغرض من التحذير عادةً تنبيهُ المخاطب الغافل حتى يتجنَّب خطرًا يهدِّده نحو: العقربَ العقربَ، أو تحريض المخاطَب على اجتناب أمرٍ مكروهٍ نحو: الكذبَ والخداعَ.

[«الجليس» لبوزاوي (79)]

الملح والنوادر


166- حُسْن التخلُّص

عن عبد العزيز ابن أخي الماجشون قال: بَلَغَنا أنه كانت لعبد الله بن رواحة جاريةٌ يَسْتسِرُّها عن أهله، فبَصُرت به امرَأتُه يومًا قد خلا بها فقالت: «لقد اخْتَرتَ أَمَتَكَ على حُرَّتِك؟» فجاحدَها ذلك، قالت: «فإن كنتَ صادقًا فاقْرَأْ آيةً من القرآن»، قال:

«شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ * وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الكَافِرِينَا»

قالت: «فزِدْني آيةً»، فقال:

«وَأَنَّ العَرْشَ فَوْقَ المَاءِ طَافٍ * وَفَوْقَ العَرْشِ رَبُّ العَالَمِينَا

وَتَحْمِلُهُ مَلاَئِكَةٌ كِرَامٌ * مَلاَئِكَةُ الإِلَهِ مُقَرَّبِينَا»

فقالت: «آمنتُ بالله وكذَّبتُ البصرَ»، فأتى رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فحدَّثه، فضحك ولم يُغَيِّر عليه.

[«سير أعلام النبلاء» للذهبي (2/ 342)].

اللغة


165- من أسماء الله الحسنى

الأوَّل: الذي ليس قبله شيءٌ. الآخر: الذي ليس بعده شيءٌ. الظاهر: الذي فوقيته وعلوُّه فوق كلِّ شيءٍ. الباطن: المحيط بكلِّ شيءٍ بحيث يكون أقربَ إليه من نفسه. الصمد: الذي لا جوف له. وقيل: السيِّد الذي يُصْمَد إليه في الحوائج. البارئ: المنشئ للشيء من العدم إلى الوجود. البَرُّ: قال ابن عبَّاسٍ: اللطيف، وفي «لسان العرب»: العطوف الرحيم اللطيف الكريم، وقال الضحَّاك: الصادق فيما وعد. المُهَيْمِن: الشهيد على عباده بأعمالهم. الربُّ: المالك الذي لا منازع له، والفعَّال لِما يريد؛ ذو التصرُّف التامِّ والتدبير المطلق لكلِّ شيءٍ. العليُّ: فكلُّ معاني العلوِّ ثابتةٌ له؛ وهي: علوُّ القهر فلا مُغَالِبَ له، وعلوُّ الشأن فهو المتعالي عن جميع النقائص، وعلوُّ الذات وهو فوقيته - تعالى - مستويًا على عرشه.

الحكم والأمثال


164- إنَّ وراء الأَكَمَة ما وراءها

المثل: إِنَّ وَرَاءَ الأَكَمَةِ مَا وَرَاءَهَا. الأكمة: التَّلة وكلُّ مكانٍ مرتفعٍ. وأصلُ هذا المثل: أَمَةٌ واعدتْ صديقَها أن تأتِيَه وراءَ الأَكَمَةِ إذا فرغتْ مِن مهنة أهلها ليلاً، فشغلوها عن الإنجاز بما يأمرونها مِنَ العمل، فقالتْ حين غلبها الشوقُ: «حَبَسْتُمُونِي وَإِنَّ وَرَاءَ الأَكَمَةِ مَا وَرَاءَهَا». ويُضرب هذا المثلُ لمَن يُفشي على نفسه أمرًا مستورًا.

[«مجمع الأمثال» للميداني (1/ 17)].

البيان في نصوص الوحي


163- من الأمثال النبوية (3)

عن النعمان بن بشيرٍ رضي الله عنهما عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: «لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا»، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا» [رواه البخاري: 2493].

في هذا المثال النبويِّ البديع تصويرٌ دقيقٌ لِما سيحِلُّ بالمجتمع من هلاكٍ ودمارٍ إذا تُرك أصحابُ الشهوات والأهواء يتصرَّفون كما يحلو لهم دون أن يُمنعوا، وأنَّ هذا المنعَ والأخذَ على أيديهم هو الرحمة والشفقة، ولو لم يُدرك ذلك أهلُ الفساد الذين زاغت عقولُهم بسبب تسلُّط شهواتهم فأصبحوا يسعَوْن إلى ما فيه هلاكُهم وهلاك غيرهم.

فالعقوبة علاجٌ حاسمٌ قد لا يُفلح غيرُه لزجر النفس الأمَّارة بالسوء في بعض الأحيان، وهي السبيل الأقوم لحماية الإنسان من شرِّ نفسه التي انحازت إلى صفِّ أعدائه، والطبيبُ الحاذق هو الذي يسارع إلى بتر العضو عندما يستشري فيه الداءُ لئلاَّ يعمَّ إلى غيره من الأعضاء، ولو نظرنا إلى ما خلَّفتْه بعض الاتِّجاهات الحديثة في التربية عندما استبعدت أسلوبَ العقوبة لوجدْناها قد أخرجت جيلاً منحلاًّ متهالكًا وراء شهواته، قد تأصَّلت فيه الجريمة والانحراف.

[«منهج الإسلام في تزكية النفس» لأنس كرزون (2/ 655)]

أزهار متناثرة


162- لا رأي ولا قول لأحدٍ مع سنَّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم

كان من هدي السلف رضوانُ الله عليهم أنهم يقِفُون عند كتاب الله وسنَّة نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم ولا يقدِّمون عليها رأيًا أو قولاً ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 36]. وتواترت الأخبار عن الصحب -رضوان الله عليهم- بذلك؛ فكم حكموا في نازلةٍ برأيهم، ثمَّ استبانت لهم سنَّةُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فرمَوْا برأيهم ورأي أكابرهم وراءهم ظهريًّا، ولله درُّ ابن عبَّاسٍ عندما قال لإخوانه الذين قالوا: «إنَّ أبا بكرٍ وعمر لا يَرَيَان التمتُّع بالعمرة إلى الحجِّ، ويريان أنَّ إفراد الحجِّ أفضل»، فقال لهم: «يوشك أن تنزل عليكم حجارةٌ من السماء، أقول: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟» فشاهت وجوهٌ قدَّمت رأيَها أو قولَ شيوخها على قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وما كان ذاك عند الشيوخ الأعلام كأحمد ومالكٍ وأبي حنيفة والشافعيِّ، إنما حدث ذلك في الأتباع، وأولئك منه براءٌ. قال البخاريُّ رحمه الله: «سمعتُ الحميديَّ يقول: كنَّا عند الشافعيِّ رحمه الله، فأتاه رجلٌ فسأله مسألةً، فقال: «قضى فيها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كذا وكذا»، فقال رجلٌ للشافعيِّ: «ما تقول أنت؟!» فقال: «سبحان الله! تراني في كنيسةٍ! تراني في بِيعةٍ! ترى على وسطي زُنَّارًا؟! أقول لك: قضى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنت تقول: ما تقول أنت؟!». وقال ابن أبي العزِّ: «حكى الطحاويُّ حكايةَ أبي حنيفة مع حمَّاد بن زيدٍ، وأنَّ حماد بن زيدٍ لمَّا روى له حديث: «أيُّ الإسلام أفضل؟» إلى آخره، قال له: «ألا تراه يقول: أيُّ الإسلام أفضل؟» قال: «الإيمان»، ثمَّ جعل الهجرةَ والجهاد من الإيمان؟» فسكت أبو حنيفة، فقال بعض أصحابه: «ألا تجيبه يا أبا حنيفة؟» قال: «بم أجيبه وهو يحدِّثني بهذا عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؟».

[«صيد الكتب» لفؤاد الشلهوب (38)]

مختارات شعرية


161- صن النفس عمَّا يشينها

قال الشافعي رحمه الله:

صُنِ النَّفْسَ وَاحْمِلْهَا عَلَى مَا يَزِينُهَا * تَعِشْ سَالِمًا وَالقَوْلُ فِيكَ جَمِيلُ

وَلاَ تُرِيَنَّ النَّاسَ إِلاَّ تَجَمُّلاً * نَبَا بِكَ دَهْرٌ أَوْ جَفَاكَ خَلِيلُ

وَإِنْ ضَاقَ رِزْقُ اليَوْمِ فَاصْبِرْ إِلَى غَدٍ * عَسَى نَكَبَاتُ الدَّهْرِ عَنْكَ تَزُولُ

وَلاَ خَيْرَ فِي وُدِّ امْرِئٍ مُتَلَوِّنٍ * إِذَا الرِّيحُ مَالَتْ مَالَ حَيْثُ تَمِيلُ

وَمَا أَكْثَرَ الإِخْوَانَ حِينَ تَعُدُّهُمْ * وَلَكِنَّهُمْ فِي النَّائِبَاتِ قَلِيلُ

[«ديوان الشافعي» (25)]

قواعد وفوائد


160- من خصائص الفعل الناقص «كان»

ممَّا يختصُّ به الفعل «كان» جوازُ حذف لامه، مثل قوله تعالى:﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: 20]، ومثل الآية في حذف النون من المضارع المستوفي للشروط ما أنشده الأصمعي:

فإن يَكُ هذا عهدَ ريَّا وأهلها * فهذا الذي كنَّا ظننَّا وظنَّتِ

ومثله قول ضابىء بن الحارث البرجمي:

فمن يكُ أمسى بالمدينة رحلُه * فإنِّي وقيَّارٌ بها لغريبُ

وذلك بشروطٍ وهي:

1- أن يكون بصيغة المضارع لا الماضي ولا الأمر.

2- أن يكون الفعل المضارع مجزومًا لا مرفوعًا ولا منصوبًا كقوله تعالى: ﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ [الأنعام: 135] وقوله تعالى: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ﴾ فقد انتفى فيهما الشرط.

3- أن يكون جزمه بالسكون لا بالحذف (حذف حرف العلَّة، أو حذف النون) كقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ لأنَّ جزمه بحذف النون.

4- أن يكون الفعل غير متَّصلٍ بضمير نصبٍ. ولذلك لم يُحذف من حديث النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ» يعني الدجَّال لأنه متَّصلٌ بضميرٍ منصوبٍ.

5- أن لا يليَها ساكنٌ كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: 137] لم تُحذف لاتِّصاله بالساكن. وخالف يونس في هذا الشرط الجمهورَ فأجاز الحذفَ تمسُّكًا بنحو قول الخنجر بن صخرٍ الكندي:

فإن لم تكُ المرآة أبدت وسامةً * فقد أبدت المرآة جبهة ضيغمِ

وحمله الجماعة على الضرورة.

الملح والنوادر


159- النهي عن تتبُّع شواذِّ المسائل

قال المروذي: قال أبو عبد الله: سألني رجلٌ مرَّةً عن يأجوج ومأجوج: أمسلمون هم؟ فقلت له: أحكمتَ العلم حتى تسأل عن ذا؟!

وقال أيضا: قال أبو عبد الله: سأل بشر بن السريِّ سفيان الثوريَّ عن أطفال المشركين ؟ فصاح به، وقال: يا صبيُّ أنت تسأل عن ذا ؟!

وقال أحمد بن حبَّان القطيعيُّ: دخلتُ على أبي عبد الله، فقلت: أتوضَّأُ بماء النورة؟

فقال: ما أحبُّ ذلك، فقلت: أتوضَّأ بماء الباقلاَّء؟ قال: ما أحبُّ ذلك. قال: ثمَّ قمت، فتعلَّق بثوبي وقال: إيش تقول إذا دخلتَ المسجد؟ فسكتُّ. فقال: إيش تقول: إذا خرجتَ من المسجد؟ فسكتُّ. فقال: اذهب فتعلَّم هذا.

قلت: يعني الإمام -رحمه الله- أنك تركت ما فيه سنَّةٌ ثابتةٌ وتحتاجه كلَّ يومٍ مرارًا، وجئتَ تسأل عمَّا قد لا تحتاجه أبدًا، وليس فيه أثرٌ.

[«الآداب الشرعية» لابن مفلح (2/72)]

 

اللغة


158- في معنى استعتب

قال ابن القيِّم رحمه الله تعالى: «وأمَّا استعتب فللطلب، أي: طلب الإعتاب، فهو لطلب مصدر الرباعيِّ الذي هو أعتب، أي: أزال عتبه لا لطلب الثلاثيِّ الذي هو العتب، فقوله تعالى : ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فُصِّلت: 24]، أي: وإن يطلبوا إعتابنا وإزالة عتبنا عليهم، ويقال : عتب عليه إذا أعرض عنه وغضب عليه، ثمَّ يقال: استعتب السيِّدُ عبدَه، أي: طلب منه أن يزيل عتب نفسه عنه بعوده إلى رضاه فأعتبه عبده أي: أزال عتبه بطاعته، ويقال: استعتب العبدُ سيِّدَه أي: طلب منه أن يزيل غضبَه وعتبه عنه فأعتبه سيِّده، أي: فأزال عتب نفسه عنه. وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فُصِّلت: 24]، أي: وإن يطلبوا إعتابَنا -وهو إزالة عتبنا عنهم- فما هم من المزال عتبهم، لأنَّ الآخرة لا تقال فيها عثراتهم، ولا يُقْبَل فيها توبتهم، وقوله: ﴿لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: 84]، أي: لا يُطلب منهم إعتابُنا، وإعتابه تعالى إزالة عتبه بالتوبة والعمل الصالح، فلا يُطلب منهم يوم القيامة أن يُعتِبوا ربَّهم فيزيلوا عتبه بطاعته واتِّباع رسله، وكذلك قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَ يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم: 57]، وقول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في دعاء الطائف: [لك العتبى] هو اسمٌ من الإعتاب لا من العتب أي: أنت المطلوب إعتابُه ولك عليَّ أن أعتبك وأرضيَك بطاعتك، فأفعل ما ترضى به عنِّي وما يزول به عتبك عليَّ، فالعتب منه على عبده والعتبى والإعتاب له من عبده، فهاهنا أربعة أمور:

الأوَّل: العتب، وهو من الله تعالى، فإنَّ العبد لا يعتب على ربِّه فإنه المحسن العادل فلا يُتصوَّر أن يعتب عليه عبده إلاَّ والعبد ظالمٌ، ومن ظنَّ من المفسِّرين خلافَ ذلك فقد غلط أقبحَ غلطٍ.

الثاني: الإعتاب، وهو من الله ومن العبد باعتبارين: فإعتاب الله عبدَه إزالة عتب نفسه عن عبده، وإعتاب العبد ربَّه إزالة عتب الله عليه، والعبد لا قدرة له على ذلك إلاَّ بتعاطي الأسباب التي تزول بها عتب الله عليه.

الثالث: الاستعتاب، وهو من الله أيضًا، ومن العبد بالاعتبارين، فالله يستعتب عباده أي: يطلب منهم أن يعتبوه ويزيلوا عتبه عليهم، ومنه قول ابن مسعودٍ وقد وقعت الزلزلة بالكوفة: «إنَّ ربَّكم يستعتبكم فأعتِبوه» والعبد يستعتب ربَّه أي: يطلب منه إزالة عتبه.

الرابع: العتبى، وهي اسم الإعتاب.

فاشددْ يديك بهذا الفصل الذي يعصمك من تخبيط كثيرٍ من المفسدين لهذه المواضع، ومنه قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا يتمنَّينَّ أحدكم الموتَ لضرٍّ نزل به فإمَّا محسنٌ فلعلَّه أن يزداد، وإمَّا مسيءٌ فلعلَّه أن يستعتب» (رواه البخاري (5671)، ومسلم (2680) أي: يطلب من ربِّه إعتابَه بتوفيقه للتوبة وقبولها منها، فيزول عتبه عليه. والاستعتاب نظير الاسترضاء وهو طلب الرضى. وفي الأثر: «إنَّ العبد ليسترضي ربَّه فيرضى عنه. وإنَّ الله ليسترضي فيرضى». لكن الاسترضاء فوق الاستعتاب فإنه طلب رضوان الله، والاستعتاب: طلب إزالة غضبه وعتبه وهما متلازمان.

[«بدائع الفوائد» لابن القيِّم (2/483)]

الحكم والأمثال


157- ليس الخُبر كالخَبر

المثل: «تَسْمَعُ بالْمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أنْ تَرَاهُ»، يروى «لَأَنْ تَسْمَعَ بِالْمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ»‏ و‏«أَنْ تَسْمَعَ»،‏ ويروى «تَسْمَعُ بِالْمُعَيْدِيِّ لاَ أَنْ تَرَاهُ»، والمختار «أَنْ تَسْمَعَ».

يُضرب: لمن خَبَرُه خَيْرٌ من مَرْآه، ودخلتِ الباءُ على تقديرِ: «تُحَدَّثُ بِهِ خَيْرٌ».

قصّته: قال المفضّل‏:‏ «أَوّلُ مَنْ قال ذلك المنذرُ بنُ ماءِ السّماءِ، والْمُعَيْدِيُّ رجلٌ مِن مَعَدٍّ كان يُغير على ثغورِ الملكِ النّعمانِ، وكان هذا يطلبه فلا يقدر عليه، وكان النّعمانُ يُعْجَب بما يَسْمَعُ عن شجاعتِه وبسالتِه، فكتب إليه يدعوه إلى الدّخولِ في طاعتِه على أن يُعْطِيَه مائةً مِنَ الإبلِ، فقبل الْمُعَيْدِيُّ هذا العرْضَ وأتاه، فلمّا رآه النّعمانُ ازدراه لدمامتِه وقال: «تَسْمَعُ بِالْمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ»، فقال الْمُعَيْدِيُّ: «مَهْلاً أَيُّهَا المَلِكُ، إِنَّ الرِّجَالَ لاَ يُكَالُونَ بِالصِّيعَانِ، وَإِنَّمَا المَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ: قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، إِنْ قَاتَلَ قَاتَلَ بِجَنَانٍ، وَإِنْ نَطَقَ نَطَقَ بِبَيَانٍ»، فأُعْجِبَ الملكُ بحُسْنِ كلامِه وحضورِ جوابِه، وجعله مِن خاصّتِه إلى أن مات».

[«مجمع كنوز الأمثال» لكمال خلايلي (213)]

البيان في نصوص الوحي


156- شرف البيت الحرام في آياتٍ من سورة آل عمران

قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 96-97].

وفي الحجِّ أتى بهذا اللفظ الدالِّ على تأكُّد الوجوب من عشرة أوجهٍ:

أحدها: أنه قدَّم اسمَه تعالى وأدخل عليه لام الاستحقاق والاختصاص ثمَّ ذكر من أوجبه عليهم بصيغة العموم الداخلة عليها حرف «على» أبدل منه أهل الاستطاعة، ثمَّ نكَّر السبيلَ في سياق الشرط إيذانًا بأنه يجب الحجُّ على أيِّ سبيلٍ تيسَّرت من قوتٍ أو مالٍ، فعلَّق الوجوبَ بحصول ما يسمَّى سبيلاً، ثمَّ أتبع ذلك بأعظم التهديد بالكفر فقال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ أي: لعدم التزامه هذا الواجبَ وتركه، ثمَّ عظَّم الشأنَ وأكَّد الوعيدَ بإخباره ما يُستغنى به عنه، والله تعالى هو الغنيُّ الحميد ولا حاجة به إلى حجِّ أحدٍ، وإنما في ذكر استغنائه عنه هنا من الإعلام بمقته له وسخطه عليه وإعراضه بوجهه عنه ما هو أعظم التهديد وأبلغه، ثمَّ أكَّد ذلك بذكر اسم «العالمين» عمومًا، ولم يقل: «فإنَّ الله غنيٌّ عنه»، لأنه إذا كان غنيًّا عن العالمين كلِّهم فله الغنى الكامل التامُّ من كلِّ وجهٍ بكلِّ اعتبارٍ، فكان أدلَّ لعِظَمِ مقته لتارك حقِّه الذي أوجبه عليه، ثمَّ أكَّد هذا المعنى بأداة «إنَّ» الدالَّةِ على التأكيد، فهذه عشرة أوجهٍ تقتضي تأكُّدَ هذا الفرض العظيم.

وتأمَّلْ سرَّ البدل في الآية المقتضي لذكر الإسناد مرَّتين، مرَّةً بإسناده إلى عموم الناس، ومرَّةً بإسناده إلى خصوص المستطيعين، وهذا من فوائد البدل: تقوية المعنى وتأكيده بتكرُّر الإسناد، ولهذا كان في نيَّة تكرار العامل وإعادته.

ثمَّ تأمَّلْ ما في الآية من الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال، وكيف تضمَّن ذلك إيرادَ الكلام في صورتين وخلَّتين: اعتناءٍ به وتأكيدٍ لشأنه، ثمَّ تأمَّل كيف افتتح هذا الإيجابَ بذكر محاسن البيت وعِظَمِ شأنه بما تدعو النفوس إلى قصده وحجِّه وإن لم يطلب ذلك منها، فقال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ إلخ، فوصفه بخمس صفاتٍ: أحدها: كونه أسبق بيوت العالم وُضع في الأرض، الثاني: أنه مباركٌ، والبركة كثرة الخير ودوامه، وليس في بيوت العالم أبرك منه ولا أكثر خيرًا ولا أدوم ولا أنفع للخلائق، الثالث: أنه هدًى، ووصفه بالمصدر نفسه مبالغةً، حتى كأنه نفس الهدى، الرابع: ما تضمَّن من الآيات البيِّنات التي تزيد على أربعين آية، الخامس: الأمن الحاصل لداخله، وفي وصفه بهذه الصفات دون إيجاب قصده ما يبعث النفوس على حجِّه وإن شطَّت بالزائرين الديار وتناءت بهم الأقطار، ثمَّ أتبع ذلك بصريح الوجوب المؤكَّد بتلك التأكيدات، وهذا يدلُّ على الاعتناء منه سبحانه لهذا البيت العظيم، والتنويه بذكره، والتعظيم لشأنه، والرفعة من قدره، ولو لم يكن له شرفٌ إلاَّ إضافته إيَّاه إلى نفسه بقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لكفى بهذه الإضافة فضلاً وشرفًا، وهذه الإضافة هي التي أقبلت بقلوب العالمين إليه، وسلبت نفوسهم حياله وشوقًا إلى رؤيته، فهذه المثابة للمحبِّين يثوبون إليه ولا يقضون منه وطرًا أبدًا، كلَّما ازدادوا له زيارةً ازدادوا له حبًّا وإليه اشتياقًا، فلا الوصال يشفيهم ولا البعاد يسليهم، كما قيل:

أَطُوفُ بِهِ وَالنَّفْسُ بَعْدُ مَشُوقَةٌ * إِلَيْهِ وَهَلْ بَعْدَ الطَّوَافِ تَدَانِي

وَأَلْثِمُ مِنْهُ الرُّكْنَ أَطْلُبُ بَرْدَ مَا * بِقَلْبِيَ مِنْ شَوْقٍ وَمِنْ هَيَمَانِ

فَوَاللهِ مَا أزْدَادُ إِلاَّ صَبَابَةً * وَلاَ القَلْبُ إِلاَّ كَثْرَةَ الخَفَقَانِ

فَيَا جَنَّةَ المَأْوَى وَيَا غَايَةَ المُنَى * وَيَا مُنْيَتِي مِنْ دُونِ كُلِّ أَمَانِ

أَبَتْ غَلَبَاتُ الشَّوْقِ إِلاَّ تَقَرُّبًا * إِلَيْكَ فَمَا لِي بِالبِعَادِ يَدَانِ

وَمَا كَانَ صَدِّي عَنْكَ صَدَّ مَلاَلَةٍ * وَلِي شَاهِدٌ مِنْ مُقْلَتِي وَلِسَانِي

دَعَوْتُ اصْطِبَارِي عَنْكَ بَعْدَكَ وَالبُكَا * فَلَبَّى البُكَا وَالصَّبْرُ عَنْكَ عَصَانِي

وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّ المُحِبَّ إِذَا نَأَى * سَيَبْلَى هَوَاهُ بَعْدَ طُولِ زَمَانِ

وَلَوْ كَانَ هَذَا الزَّعْمُ حَقًّا لَكَانَ ذَا * دَوَاءَ الهَوَى فِي النَّاسِ كُلَّ زَمَانِ

بَلَى إِنَّهُ يَبْلَى التَّصَبُّرُ وَالهَوَى * عَلَى حَالِهِ لَمْ يُبْلِهِ المَلَوَانِ

وَهَذَا مُحِبٌّ قَادَهُ الشَّوْقُ وَالهَوَى * بِغَيْرِ زِمَامٍ قَائِدٍ وَعِنَانِ

أَتَاكَ عَلَى بُعْدِ المَزَارِ وَلَوْ وَنَتْ * مَطِيَّتُهُ جَاءَتْ بِهِ القَدَمَانِ

[«تفسير السعدي» (138)]

أزهار متناثرة


155- فطنة الباقلاَّني

«.. كالحكاية المعروفة عن القاضي أبي بكر بن الطيِّب لمَّا أرسله المسلمون إلى ملك النصارى بالقسطنطينية، فإنهم عظَّموه وعرف النصارى قدْرَه، فخافوا أن لا يسجد للملك إذا دخل، فأدخلوه من بابٍ صغيرٍ ليدخل منحنيًا، ففطن لمكرهم فدخل مستدبرًا متلقِّيًا لهم بعَجُزه، ففعل نقيض ما قصدوه، ولَما جلس وكلَّموه أراد بعضُهم القدحَ في المسلمين، فقال له: ما قيل في عائشة امرأة نبيِّكم؟ يريد إظهار قول الإفك الذي يقوله من يقوله من الرافضة أيضًا، فقال القاضي: ثنتان قُدح فيهما ورُميتا بالزنا إفكًا وكذبًا: مريم وعائشة، فأمَّا مريم فجاءت بالولد تحمله من غير زوجٍ، وأمَّا عائشة فلم تأتِ بولدٍ مع أنه كان لها زوجٌ، فأبهت النصارى»

[«منهاج السنَّة النبوية» لابن تيمية (2/56)]

مختارات شعرية


154- الطاهرة عائشة رضي الله عنها

قال حسَّان بن ثابتٍ رضي الله عنه قصيدةً يثني فيها على أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها ويبرِّؤها ممَّا نُسب إليها، ومنها:

حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ * وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الغَوَافِلِ

حَليلَةُ خَيْرِ النَّاسِ دِينًا وَمَنْصِبًا * نَبِيِّ الهُدَى وَالمَكْرُمَاتِ الفَوَاضِلِ

عَقِيلَةُ حَيٍّ مِنْ لُؤَيِِّ بْنِ غَالِبِ * كِرَامِ المَسَاعِي مَجْدُها غَيْرُ زائِلِ

مُهذَّبَةٌ قَدْ طَيَّبَ اللهُ جَنْيَهَا * وطهَّرَها مِنْ كُلِّ شَيْنٍ وَبَاطِلِ

فَإِنْ كَانَ مَا بُلِّغْتِ عَنِّيَ قُلتُهُ * فَلاَ رَفَعَتْ سَوْطِي إِليَّ أَنَامِلِي

وَكَيْفَ وَوُدِّي مَا حَيِيتُ وَنُصْرَتِي * لآلِ رَسُولِ اللهِ زَيْنِ المَحافلِ

لَهُ رُتَبٌ عَالٍ عَلَى النَّاسِ فَضْلُهَا * تَقَاصَرُ عَنْهَا سَوْرَةُ المُتَطَاوِلِ

[«إعراب القرآن» للدرويش (5/259)]

قواعـد وفوائـد


153- من طرق معرفة القلب المكاني

أن يترتَّب على عدم القلب منعٌ من الصرف بدون مقتضٍ: وذلك بأن نجد أنَّ كلمةً ما ممنوعةٌ من الصرف دون سببٍ ظاهرٍ، ومن أشهر أمثلتهم على ذلك كلمة: «أشياء»، فهذه الكلمة ممنوعةٌ من الصرف كما هو معروفٌ، إذ تقول: أشياءُ، أشياءَ، بأشياءَ، ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْهَا وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: 101].

والمعروف أيضًا أنَّ وزن «أفْعال» ليس ممنوعًا من الصرف بدليل كلمة «أسماء» التي تشبه كلمة «أشياء» فأنت تقول: أسماءٌ، أسماءً، أسماءٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم﴾ [الأعراف: 71] وقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ [يوسف: 40]، وقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ [النجم: 23].

إذن ما السبب في منع كلمة «أشياء» من الصرف؟ يقول الصرفيون: إنَّ هذه الكلمة ليست على وزن «أفعال»، وإنما هي على وزنٍ آخر من الأوزان التي تُمْنَع من الصرف، وذلك لأنَّ مفردها هو: شيءٌ، وأنَّ اسم الجمع منها هو «شيئاء» على وزن «فعلاء»، وأنت تعلم أنَّ ألف التأنيث الممدودة تمنع الاسم من الصرف، وهم يقولون: إنَّ كلمة «شيئاء» في آخرها همزتان بينهما ألفٌ، والألف مانعٌ غير حصينٍ، ووجود همزتين في آخر الكلمة ثقيلٌ، لذلك قُدِّمت الهمزة الأولى التي هي لام الكلمة مكان الفاء، ويكون القلب على الوجه التالي.

شيئاء ـــــــــ فعلاء

أشياء ـــــــــ لفعاءاء

وعلى هذا نستطيع أن نفهم السبب في منع كلمة «أشياء» من الصرف، فلو لم نقل بقلبها لزم منع «أفعال» من الصرف بدون مقتضٍ، وقد ورد مصروفًا في قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ [النجم: 23]، فنقول: أصل «أشياء» «شيآء» على وزن «فعلاء»، قُدِّمت الهمزة التي هي «اللام» في موضع «الفاء» فصار «أشياء» على وزن «لفعاء» فمنعها من الصرف نظرًا إلى الأصل الذي هو «فعلاء»، ولا شكَّ أن «فعلاء» من موازين ألف التأنيث الممدودة، فهو ممنوعٌ من الصرف لذلك وهو المختار، وهذا مذهب الخليل، وأمَّا سيبويه فلا يقول بالقلب المكانيِّ هنا، بل يجوِّز اجتماع الهمزتين في الطرف، ثمَّ يقلب الثانية ياء، ويُعلِّها إعلالَ قاضٍ، وهو مردودٌ بأنَّ الياء المتطرِّفة المبدلة من الهمزة لا تُعَلُّ بالحذف، كما في بارئٍ ومستهزئٍ.

الملح والنوادر


152- الثقلاء حمَّى الروح

قال ابن القيِّم -في معرض حديثه عن فضول المخالطة- : «ومنهم من مخالطته حمَّى الروح، وهو الثقيل البغيض العقل الذي لا يُحسن أن يتكلَّّم فيفيدَك، ولا يُحسن أن ينصت فيستفيدَ منك، ولا يعرف نفسه فيضعَها في منزلتها، بل إن تكلَّم فكلامه كالعصا تنزل على قلوب السامعين مع إعجابه بكلامه وفرحه به، فهو يُحْدِث من فيه كلَّما تحدَّث ويظنُّ أنه مسكٌ يطيِّب به المجلس، وإن سكت فأثقلُ من نصف الرحى العظيمة التي لا يطاق حملُها ولا جرُّها على الأرض، ويُذْكَر عن الشافعيِّ -رحمه الله- أنه قال: «ما جلس إلى جانبي ثقيلٌ إلاَّ وجدتُ الجانبَ الذي هو فيه أنزل من الجانب الآخر»، ورأيتُ يومًا عند شيخنا -قدَّس الله روحه- رجلاً من هذا الضرب والشيخ يحمله، وقد ضعفت القوى عن حمله، فالتفت إليَّ وقال: «مجالسة الثقيل حمَّى الربع»، ثمَّ قال: «لكن قد أدمنت أرواحنا على الحمَّى فصارت لها عادةً» أو كما قال، وبالجملة فمخالطة كلِّ مخالفٍ حمَّى للروح فعرضيةٌ ولازمةٌ. ومن نكد الدنيا على العبد أن يبتلى بواحدٍ من هذا الضرب وليس له بدٌّ من معاشرته ومخالطته، فليعاشره بالمعروف حتى يجعل الله له فرجًا ومخرجًا» [«بدائع الفوائد» لابن القيِّم (2/822)].

اللغة


151- في تسمية المتضادَّين باسمٍ واحد

وراء: تكون قدَّامًا تكون خلفًا.

جليلٌ: عظيم وحقير، ومثله جَلَل.

عسعس: أقبل وأدبر.

الهاجد: القائم المصلِّي بالليل، والنائم أيضًا.

غابرٌ: الماضي من الأيَّام وما يُستقبل منها.

المولى: المالك والمملوك.

السدفة: الظلمة والضوء.

الناهل: العطشان، والريَّان.

الحشمة: الغضب، والحياء.

الطرب: خفَّةٌ تصيب الإنسان لشدَّة السرور أو لشدَّة الجزع.

المأتم: النساء المجتمعات في غمٍّ وحزنٍ ومناحةٍ، وكذلك النساء المجتمعات في فرحٍ وسرورٍ.

الصريخ: المغيث، والمستغيث.

الجَوْنُ: للأبيض والأسْوَد.

والقُروء: للأطهار والحِيَض.

والصَّريم: للَّيل والصُّبح.

والخَيلولة: للشَّكِّ واليَقين. قال أبو ذؤيبٍ:

فَبَقِيتُ بَعْدَهُمُ بِعَيْشٍ نَاصِبٍ * وَإِخَالُ أَنِّي لاَحِقٌ مُسْتَتْبَعُ

أي: وأتيَقَّن.

والنِّدُّ: المِثلُ والضِّدُّ. وفي القرآن: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ على المعنيين.

والزوج: الذكر والأنثى.

والقانِعُ: السائل والذي لا يسأل.

 [«فقه اللغة» للثعالبي وغيره (375) ]

الحكم والأمثال


150- خُلف الوعد

المثل: «إنَّما هو كبرقِ الخُلَّب»

«الْبَرْقُ الْخُلَّبُ: الَّذِي لاَ غَيْثَ فِيهِ كَأَنَّهُ خَادِعٌ، وَمِنْهُ قِيلَ لِمَنْ يَعِدُ وَلاَ يُنْجِزُ: «إِنَّمَا أَنْتَ كَبَرْقٍ خُلَّبٍ». وَالْخُلَّبُ أَيْضًا: السَّحَابُ الَّذِي لاَ مَطَرَ فِيهِ. وَيُقَالُ: «بَرْقُ خُلَّبٍ» بِالإِضَافَةِ».

[«تفسير القرطبي» (14/19)]

البيان في نصوص الوحي


149- فائدةٌ بديعةٌ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾

«قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ فالشيعة الفرقة التي شايع بعضها بعضًا أي: تابعه، ومنه الأشياع أي: الأتباع، فالفرق بين الشيعة والأشياع أنَّ الأشياع هم التبع والشيعة القوم الذين شايعوا أي: تبع بعضهم بعضًا، وغالب ما يُستعمل في الذمِّ، ولعلَّه لم يَرِدْ في القرآن إلاَّ كذلك كهذه الآية وكقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ وقوله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾، وذلك والله أعلم لِما في لفظ الشيعة من الشياع والإشاعة التي هي ضدُّ الائتلاف والاجتماع، ولهذا لا يُطلق لفظ الشِّيَع إلاَّ على فِرَق الضلال لتفرُّقهم واختلافهم، والمعنى: «لننزعنَّ من كلِّ فرقةٍ أشدَّهم عُتُوًّا على الله وأعظمهم فسادًا فنلقيهم في النار»، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ العذاب يتوجَّه إلى السادات أوَّلاً ثمَّ تكون الأتباع تبعًا لهم فيه كما كانوا تبعًا لهم في الدنيا».

[«بدائع الفوائد» لابن القيِّم (1/155)].

أزهار متناثرة


148- من شعر الصحابة

عن سَلَمَةَ بنِ الأكوعِ رضي الله عنه قال: «خرجْنا مع رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم إلى خيبرَ، فسِرْنا ليلاً،فقال رجلٌ مِن القومِ لعامرِ بنِ الأكوعِ، ألا تُسمعنا مِن هُنَيْهَاتِك؟ قال: وكان عامرٌ رجلاً شاعرًا، فنزل يحدو بالقوم يقول:

اللَّهُمَّ لَوْلاَ أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا * وَلاَ تَصَدَّقْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا

فَاغْفِرْ فِدَاءً لَكَ مَا اقْتَفَيْنَا * وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاَقَيْنَا

وَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا

إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا * وَبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا

فقال رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم: «مَنْ هَذَا السَّائِقُ؟»، قالوا : عامرُ بنُ الأكوعِ، فقال: «يَرْحَمُهُ اللهُ».

وفي روايةٍ قال: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَرَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَسْمِعْنَا يَا عَامِرُ مِنْ هُنَيْهَاتِكَ. فَحَدَا بِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ السَّائِقُ؟»، قَالُوا: عَامِرٌ، فَقَالَ: «رَحِمَهُ اللهُ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ هَلاَّ أَمْتَعْتَنَا بِه، فَأُصِيبَ صَبِيحَةَ لَيْلَتِهِ، فَقَالَ الْقَوْمُ: حَبِطَ عَمَلُهُ، قَتَلَ نَفْسَهُ. فَلَمَّا رَجَعْتُ وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا نبيَّ اللهِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَقَالَ: «كَذَبَ مَنْ قَالَهَا، إِنَّ لَهُ لأَجْرَيْنِ اثْنَيْنِ، إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، وَأَيُّ قَتْلٍ يَزِيدُهُ عَلَيْهِ».

[رواه البخاري (6891)]

مختارات شعرية


147- لله درك يا عمر (2)

قال أسلم مولى الفاروق عمر: خرجْنا مع عمر بن الخطَّاب إلى حرَّة واقمٍ حتَّى إذا كان بصرارٍ إذا نارٌ، فقال: «يا أسلم، إنِّي لأرى هاهنا ركبًا قصَّر بهم الليل والبرد، انطلق بنا»، فخرجْنا نهرول حتَّى دنونا منهم، فإذا امرأةٌ معها صبيانٌ وقدرٌ منصوبةٌ على النار، وصبيانها يتضاغَوْن، فقال عمر: «السلام عليكم يا أصحاب الضوء»، وكره أن يقول: «يا أصحاب النار»، فقالت: «وعليك السلام»، فقال: «أدنو؟»، فقالت: «ادنُ بخيرٍ أو دعْ»، قال: فدنا، وقال: «م لكم»، قالت: «قصَّر بنا الليل والبرد»، قال: «وما بال هؤلاء الصبية يتضاغَوْن؟» قالت: «الجوع»، قال: «فأيُّ شيءٍ في هذه القدر؟»، قالت: «ماءٌ أُسكِّتهم به حتى يناموا، واللهُ بيننا وبين عمر»، قال: «إي-رحمكِ الله- وما يدري عمرَ بكم؟» قالت: «يتولَّى أمْرَن ثمَّ يغفل عنا؟!» قال: فأقبل عليَّ فقال: «انطلِقْ بنا»، فخرجْن نهرول حتَّى أتينا دار الدقيق، فأخرج عدلاً من دقيقٍ، وكبَّة شحمٍ، فقال: «احمِلْه عليَّ»، فقلت: «أنا أحمله عنك»، فقال: «أنت تحمل وزري يوم القيامة -لا أمَّ لك-؟» فحملتُه عليه، فانطلق وانطلقت معه إليها نهرول، فألقى ذلك عندها، وأخرج من الدقيق شيئًا، فجعل يقول لها: «ذُرِّي عليَّ وأنا أُحِرُّ لكِ»، (أعمل لك حريرةً)، وجعل ينفخ تحت القدر، ثمَّ أنزلها فقال: «ابغني شيئًا»، فأتته بصحفةٍ فأفرغها فيها، ثمَّ جعل يقول: «أطعِميهم وأنا أسطح لهم»، فلم يزل حتى شبعوا، وترك عندها فَضْل ذلك، وقام وقمت معه فجعلت تقول: «جزاك الله خيرًا، كنتَ أَوْلى بهذا الأمر من أمير المؤمنين»، فيقول: «قولي خيرًا، إذا جئتِ أمير المؤمنين وجدتِني هناك -إن شاء الله-»، ثمَّ تنحَّى عنها ناحيةً، ثمَّ استقبلها فربض مربضًا، فقلتُ: «إنَّ لك شأنًا غير هذا»، فلا يكلِّمني، حتى رأيت الصبية يصطرعون، ثمَّ ناموا وهدءوا، فقال: «يا أسلم، إنَّ الجوع أسهرهم وأبكاهم فأحببتُ ألاَّ أنصرف حتى أرى ما رأيت»، وفي روايةٍ: «..فلمَّا ضحكوا طابت نفسي».

[خبرٌ صحيحٌ أخرجه عبد الله بن أحمد في الفضائل، وابن عساكر]

ولله درُّ حافظ إبراهيم حين يقول في «عمريَّته»:

وَمَنْ رَآهُ أَمَامَ القِدْرِ مُنْبَطِحًا * وَالنَّارُ تَأْخُذُ مِنْهُ وَهْوَ يُذْكِيهَا

وَقَدْ تَخَلَّلَ فِي أَثْنَاءِ لِحْيَتِهِ * مِنْهَا الدُّخَانُ وَفُوهُ غَابَ فِي فِيهَا

رَأَى هُنَاكَ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى * حَالٍ تَرُوعُ لَعَمْرُ اللهِ رَائِيهَا

يَسْتَقْبِلُ النَّارَ خَوْفَ النَّارِ فِي غَدِهِ * وَالعَيْنُ مِنْ خَشْيَةٍ سَالَتْ مَآقِيهَا

فَذَاكَ خُلْقٌ مِنَ الفِرْدَوْسِ طِينَتُهُ * اللهُ أَوْدَعَ فِيهَا مَا يُنَقِّيهَا

لاَ الكِبْرُ يَسْكُنُهَا لاَ الظُّلْمُ يَصْحَبُهَا * لاَ الحِقْدُ يَعْرِفُهَا لاَ الحِرْصُ يُغْوِيهَا

فَلاَ الحسَابَةُ فِي حَقٍّ يُجَامِلُهَا * وَلاَ القَرَابَةُ فِي بُطْلٍ يُحَابِيهَا

وَتِلْكَ قُوَّةُ نَفْسٍ لَوْ أَرَادَ بِهَا * شُمَّ الجِبَالِ لَمَا قَرَّتْ رَوَاسِيهَا

[«ترطيب الأفواه» للعفَّاني (1/131)]

قواعـد وفوائـد


146- أنواع الإعراب

الإعراب ثلاثة أنواعٍ: إعرابٌ ظاهرٌ، وإعرابٌ تقديريٌّ، وإعرابٌ محلِّيٌّ.

النوع الأوَّل: الإعراب الظاهر هذا هو الأصل؛ حيث لا داعيَ للإعراب التقديريِّ ولا للمحلِّي، يعني: إذا لم يوجد سببٌ يكون الإعراب ظاهرًا، مثل لو قلت مثلاً: «الصدق نافعٌ» هذا إعرابٌ ظاهرٌ؛ لأنَّ (الصدق): مبتدأٌ مرفوعٌ بالضمَّة الظاهرة، و(نافعٌ): خبرٌ مرفوعٌ بالضمَّة الظاهرة. هذا يسمَّى إعرابًا ظاهرًا، والأصل في الإعراب أن يكون ظاهرًا.

النوع الثاني: يسمَّى الإعراب التقديريَّ، الإعراب التقديريُّ له أربعة مواضع: 1-الاسم المتَّصل بياء المتكلِّم مثل «هذا كتابي»، 2- والاسم المقصور، 3- والاسم المنقوص، 4- والفعل المعتلُّ إمَّ بالواو أو بالألف أو بالياء، وهذا الفعل المعتلُّ فيه استثناءاتٌ، مثل حالة النصب تظهر الفتحة مع المعتلِّ بالواو والمعتلِّ بالياء.

النوع الثالث: يسمَّى الإعراب المحلِّيَّ، الإعراب المحلِّيُّ له موضعان.

الموضع الأوَّل: في الأسماء المبنيَّة، كلُّ اسمٍ مبنيٌّ، فإعرابه في المحلِّ، والموضع الثاني: في الجمل التي لها محلٌّ من الإعراب.

والفرق بين الإعراب التقديريِّ والمحلِّيِّ أنهما يشتركان في كونهما ليس فيهما حركةٌ ظاهرةٌ، لكنَّ الإعراب التقديريَّ يكون على آخر حرفٍ في الكلمة مقدَّرةً عليه الحركةُ على آخرٍ، وهكذ بالنسبة للمنقوص، وهكذا بالنسبة للفعل المعتلِّ في بعض أحواله، وهكذا بالنسبة للاسم المتَّصل بياء المتكلِّم ولهذا يقال: إنَّ المعتلَّ مرفوعٌ بضمَّةٍ مقدَّرةٍ على ما قبل ياء المتكلِّم، يعني: على الحرف الأخير من الكلمة.

أمَّا الإعراب المحلِّيُّ: فليس هو على حرفٍ معيَّنٍ، بل على الكلمة بأكملها، فلو قلت مثلاً: «هذا مجدٌ»، (هاء): حرف تنبيهٍ، (ذا): اسم إشارةٍ مبنيٌّ على السكون في محلِّ رفعٍ، وهكذا بالنسبة للجمل، إذا قلت: والجملة في محلِّ رفعٍ، هل الرفع واقعٌ على حرفٍ معيَّنٍ؟ على الجملة بأكملها، والله أعلم.

[«شرح مختصر قواعد الإعراب» للفوزان (88)]

الملح والنوادر


145- حياء الطفيلي

صحب طفيليٌّ رجلاً في سفرٍ، فلمَّا نزلوا ببعض المنازل، قال له الرجل: «خذ درهمًا وامشِ فاشتر لنا لحمًا»، فقال له الطفيلي: «قم أنت، والله إني لتعبٌ، فاشتر أنت»، فمضى الرجل فاشتراه، ثمَّ قال له الرجل: «قم فاطبخه»، فقال: «لا أحسن»، فقام الرجل فطبخه، ثمَّ قال الرجل للطفيلي: «قم فاثرد»، فقال: «والله إني لكسلان»، فثرد الرجل، ثمَّ قال له: «قم فاغترف»، قال: «أخشى أن ينقلب على ثيابي»، فغرف الرجل حتى ارتوى الثريد، فقال له: «قم الآن فكل»، قال: «نعم، إلى متى هذا الخلاف! قد والله استحييتُ من كثرة خلافك»، وتقدَّم فأكل.

[«شرح مقامات الحريري» للشريشي (1/436)]

اللغة


144- الفرق بين التذكر والتفكر

قال ابن القيم رحمه الله مبينا الفرق بين التفكر والتذكر في معرض تفسيره لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [النحل: 12].

" وأما تخصيصه إيّاها بأهل التذكّر، فطريقة القرآن في ذلك أن يجعل آياته للتبصّر والتذكّر، كما قال تعالى في سورة "ق": ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ(8)﴾ [ق:7-8] فالتبصرة: التعقّل، والتذكرة: التذكر، والفكر باب ذلك ومدخلُه، فإذا فكّر تبصّر، وإذا تبصًَّر تذكَّر، فجاء التذكير في الآية لترتيبه على العقل المرتّب على الفكر، فقدّم الفكر إذ هو الباب والمدخل، ووسَّط العقل إذ هو ثمرة الفكر ونتيجته، وأخّر التذكّر إذ هو المطلوب من الفكر والعقل. فتأمّل ذلك حق التأمّل.

فإن قلت: فما الفرق بين التذكّر والتفكّر؟ فإذا تبيّن الفرق ظهرت الفائدة، قلت: التفكّر والتذكّر أصل الهدى والفلاح، وهم قطبا السعادة، ولهذا وسَّعْنا الكلام في التفكّر في هذا الوجه لعظم المنفعة وشدة الحاجة إليه، قال الحسن: «ما زال أهل العلم يعودون بالتذكّر على التفكّر، وبالتفكّر على التذكّر ويناطقون القلوب حتى نطقت، فإذا لها أسماع وأبصار».

فاعلم أن التفكّر: طلب القلب ما ليس بحاصل من العلوم من أمرٍ هو حاصل منها، هذا حقيقته فإنه لو لم يكن ثَمَّ مَوَادٌّ تكون موردا للفكر استحال الفكر، لأن الفكر بغير متعلق متفكر فيه محال، وتلك الموادُّ هي الأمور الحاصلة، ولو كان المطلوب به حاصلا عنده لم يتفكر فيه.

فإذا عُرِفَ هذا فالمتفكّر ينتقل من المقدمات والمبادئ التي عنده إلى المطلوب الذي يريده، فإذا ظفر به وتحصّل له تذكّر به، وأبصر مواقع الفعل والترك وما ينبغي إيثاره وما ينبغي اجتنابه فالتذكر هو مقصود التفكر وثمرته، فإذا تذكّر عاد بتذكره على تفكره فاستخرج ما لم يكن حاصلا عنده، فهو لا يزال يكرِّر بتفكّره على تذكره وبتذكّره على تفكّره ما دام عاقلا، لأن العلم والإرادة لا يقفان على حد، بل هو دائما سائر بن العلم والإرادة.

وإذا عرفت معنى كون آيات الرب تبارك وتعالى تبصرة وذكرى يُتَبًَصَّرُ بها من عمى القلب ويتذكر بها من غفلته، فإن المضاد للعلم إما عمى القلب، وزواله بالتبصّر، وإما غفلته وزواله بالتذكر.

والمقصود تنبيه القلب من رقدته بالإشارة إلى شيء من بعض آيات الله، ولو ذهبنا نتتبع ذلك لنفذ الزمان ولم نحط بتفصيل واحدة من آياته على التمام، ولكن مالا يدرك جملة لا يترك جملة.ك جملة.ك جملة.ك جملة.

وأحسن ما أنفقت فيه الأنفاس التفكر في آيات الله وعجائب صنعه والانتقال منها إلى تعلق القلب والهمة به دون شيء من مخلوقاته".

[مفتاح دار السعادة: 2/67]

الحكم والأمثال


143- المُنْبَتُّ لا أرضا قطع ولا ظهْرا أبقى

المُنْبَتُّ: المنقطعُ عن أصحابِه في السفر، والظَّهْر: الدابَّةُ.

وأصلُ هذا المثل حديثٌ قاله النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لِرَجلٍ اجتهد في العبادة حتى هَجَمَتْ عيناه: أي غارتا، فلمَّا رآه قال له: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، إِنَّ المُنْبَتَّ ل أَرْضًا قَطَعَ وَلاَ ظَهْرًا أَبْقَى»، أي: الذي يجدُّ في سيره حتَّى ينبتَّ أخيرًا، سمَّاه بما تؤول إليه عاقبتُه كقوله تعالى: ﴿‏إنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏﴾ [الزمر: 30].

يُضرب لمن يبالغ في طلب الشيء، ويُفْرِط حتَّى ربَّما يُفَوِّته على نفسِه.

[«مجمع الأمثال» للميداني (1/ 15)]

البيان في نصوص الوحي


142- فائدة في قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]

قال أبو القاسم السُّهَيْلِيُّ: «... وممَّا قُدِّم بالفضل قولُه: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]، لأنَّ السجود أفضل، «وَأَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ».

فإنْ قيل: فالركوعُ قبله بالطبع والزمان والعادة؛ لأنه انتقالٌ من علوٍّ إلى انخفاضٍ، والعلوُّ بالطبع قبل الانخفاض، فهلاَّ قُدِّم الركوعُ؟

الجوابُ أن يقال: انتبهْ لمعنى الآية من قوله: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، ولم يقلْ: «اسجدي مع الساجدين»، فإنما عبَّر بالسجود عن الصلاة وأراد صلاتَه في بيتها؛ لأنَّ صلاة المرأة في بيتها أفضلُ من صلاتِها مع قومها، ثمَّ قال لها: «اركعي مع الراكعين»، أي: «صلِّي مع المصلِّين في بيت المقدس»، ولم يُرِدْ أيضًا الركوعَ وحْدَه دون أجزاء الصلاة، ولكنَّه عبَّر بالركوع عن الصلاة كما تقول: «ركعتُ ركعتين وأربعَ ركعاتٍ»، يريد الصلاةَ لا الركوعَ بمجرَّده، فصارت الآيةُ متضمِّنةً لصلاتين: صلاتِها وحْدَها عبَّر عنه بالسجود؛ لأنَّ السجودَ أفضلُ حالات العبد، وكذلك صلاة المرأة في بيته أفضلُ لها، ثمَّ صلاتُها في المسجد عبَّر عنها بالركوع؛ لأنه في الفضل دون السجود، وكذلك صلاتُها مع المصلِّين دون صلاتها وحْدَها في بيته ومحرابها»، وهذا نظمٌ بديعٌ وفقهٌ دقيقٌ ...

[«بدائع الفوائد» لابن القيِّم (1/ 63)].

أزهار متناثرة


141- فضل العلم وصفة العالم الرّبّانيّ

قال كُمَيْلُ بنُ زيادٍ: أخذ عليُّ بنُ أبي طالبٍ بيدي، فأخرجني إلى ناحيةِ الجبّانِ، فلمّا أصحرنا، جلس، ثمّ تنفّس، ثمّ قال: يا كُمَيْلُ بنَ زيادٍ، القلوبُ أوعيةٌ، فخيرُها أوعاها للخيرِ، احفظْ ما أقول لك: النّاسُ ثلاثةٌ: فعالِمٌ ربّانيٌّ، ومتعلِّمٌ على سبيلِ نجاةٍ، وهمَجٌ رعاعٌ أتباعُ كلِّ ناعقٍ، يميلون مع كلِّ ريحٍ، لم يستضيئوا بنورِ العلمِ، ولم يلجئو إلى ركنٍ وثيقٍ.

العلمُ خيرٌ مِنَ المالِ، العلمُ يحرسك وأنت تحرس المالَ.

العلمُ يزكو على العملِ، والمالُ تنقصه النّفقةُ، ومحبّةُ العلمِ دينٌ يدانُ بها.

العلمُ يُكْسِبُ العالِمَ الطّاعةَ في حياتِه، وجميلَ الأحدوثةِ بعد موتِه، وصنيعةُ المالِ تزول بزوالِه.

مات خُزّانُ الأموالِ وهم أحياءٌ، والعلماءُ باقون ما بقي الدّهرُ، أعيانُهم مفقودةٌ، وأمثالُهم في القلوبِ موجودةٌ.

إنّ هاهنا - وأشار بيدِه إلى صدرِه - علمًا لو أصبتُ له حملةً! بلى، أصبتُه لقِنًا غيرَ مأمونٍ عليه يستعمل آلةَ الدّينِ للدّنيا، يستظهر بحُجَجِ اللهِ على كتابِه، وبنِعَمِه على عبادِه، أو منقادًا لأهلِ الحقِّ لا بصيرةَ له في إحيائِه، يقتدح الشّكُّ في قلبِه بأوّلِ عارضٍ مِن شبهةٍ، لا ذا ولا ذاك، أو منهومً باللّذاتِ، سَلِسَ القيادِ للشّهواتِ، أو مُغْرًى بجمعِ الأموالِ والادّخارِ، وليس مِن دعاةِ الدّينِ، أقربُ شبهًا بهما الأنعامُ السّائمةُ، كذلك يموت العلمُ بموتِ حامليه.

اللّهم بلى، لا تخلو الأرضُ مِن قائمٍ للهِ بحُجّةٍ، لئلاّ تبطل حُجَجُ اللهِ وبيِّناتُه، أولئك هم الأقلّون عددًا، الأعظمون عند اللهِ قدرًا، بهم يدفع اللهُ عن حُجَجِه حتى يؤدّوها إلى نظرائِهم، ويزرعوها في قلوب أشباهِهم، هجم بهم العلمُ على حقيقةِ الأمرِ، فاستلانوا ما استوعر منه المتفرِّقون، وأنِسُو بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدّنيا بأبدانٍ أرواحُها معلَّقةٌ بالمنظرِ الأعلى ، أولئك خلفاءُ اللهِ في بلادِه، ودعاتُه في دينِه. هاه هاه ! شوقًا إلى رؤيتِهم، وأستغفر اللهَ لي ولك... إذ شئتَ فقُمْ.

[أخرجها أبو نعيم في «الحلية» (1/79)، والخطيب في «الفقيه والمتفقّه» (1/49)]

مختارات شعرية


140- لله درك يا عمر (1)

عن أنس بن مالك أن الهرمزان رأى عمر بن الخطاب نائما في مسجد المدينة فقال: هذا والله هو الملك الهنيء. (تاريخ دمشق لابن عساكر).

ولله در حافظ إبراهيم حيث يقول:

قد راع صاحب كسرى أن رأى عمر * بيـن الرعية عُطلا وهْو راعــيها

وعهْده بملوك الفــرسِ أن لـه * سورا من الجند والأحراس يحميها

رآهُ مستــغرقا في نومه فـرأى * فيه الجلالة في أسمى معانيـها

فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتمل * بِبُردة كــاد طول العهد يُبلــيها

فهان في عينه ما كان يكبره * من الأكاسر والدنيا بأيـديـها

وقال قـولة حق أصبحـت مثل * وأصبح الجيل بعد الجيل يرويـها

أمِنتَ لما أقمتَ العدل بيـنهم * فنِمتَ نـوم قـرير العيــن هانيها

قد جاء في التبر المسبوك أن قيصر روما أرسل رسولا إلى عمر بن الخطاب لينظر أحواله ويشاهد أفعاله، فلما دخل المدينة سأل أهله وقال: أين ملككم؟ فقالوا: ما لنا ملك، بل لنا أمير قد خرج إلى ظاهر المدينة، فخرج الرسول في طلبه، فرآه نائما في الشمس على الأرض فوق الرمل الحار وقد وضع جبته كالوسادة والعرق يسقط من جبينه وقد بلَّ الأرض، فلما رآه على هذه الحال وقع الخشوع في قلبه وقال: رجل ل يقر للملوك قرار من هيبته وتكون هذه حاله! ولكنك يا عمر عدلت فأمنت فنمت، وملكنا يجور فلا جرم أنه لا يزال ساهرا خائفا، أشهد أن دينك الدين الحق ولولا أنني أتيت رسولا لأسلمت، ولكني أعود وأسلم.

[ترطيب الأفواه للعفاني: 1/127]

قواعـد وفوائـد


139- "أل" التعريفية

اختلف في المعرِّف بالأداة "أل" على أربعة أقوال:

1- المعرِّف هو "أل" والألف أصليةٌ، وهو قول الخليل.

2- المعرِّف هو "أل" والألف زائدةٌ، وهو قول سيبويه.

3- المعرِّف "اللام" وحدها، وهو قول كثيرٍ من النحاة.

4- المعرِّف هو "الألف" وحدها، واللام زائدةٌ للتفريق بين همزة الاستفهام والهمزة المعرِّفة، وهو قول المبرِّد.

و"أل" التعريف تنقسم إلى قسمين:

1- الجنسية: وهي ثلاثة أنواعٍ:

الأولى: لبيان الحقيقة: وذلك إذا لم يخلفها «كلُّ»، نحو: ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾.

الثاني: لشمول أفراد الجنس: وذلك إن خلفتها «كلُّ» حقيقةً، نحو: ﴿وخلق الإنسان ضعيف﴾.

الثالث: لشمول خصائص الجنس: وذلك إن خلفتها «كلُّ» مجازًا، نحو: «أنت الرجل علمًا».

2- العهدية: وهي ثلاثة أنواعٍ أيضًا:

الأوَّل: عهدٌ ذكريٌّ: نحو: ﴿فعصى فرعون الرسول﴾.

الثاني: عهدٌ علميٌّ: نحو: ﴿إذ هما في الغار﴾.

الثالث: عهدٌ حضوريٌّ: نحو: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾.

و (ال) المعرِّفة ثلاثة أنواعٍ:

1- لتعريف العهد: أي: تعريف ذي العهد. بمعنى: الشيء المعهود، وهي التي تدخل على النكرة فتفيدها درجةً من التعريف تجعل مدلولها فردًا معيَّنً بعد أن كان مبهمًا شائعًا، والعهد ثلاثة أنواعٍ:

(أ) عهد ذكري: وهو أن يكون مدخول (ال) تقدَّم له ذكرٌ في الكلام، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ﴾ [النور: 35]، فائدتها : التنبيه على أنَّ مصحوبها هو الأوَّل بعينه.

ب- عهد ذهني: وهو أن يكون مدخول (ال) معلومًا لدى المخاطب، نحو: جاء القاضي، إذا كان بينك وبين مخاطبك عهدٌ في قاضٍ خاصٍّ، قال تعالى: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾[التوبة: 40].

ج- عهد حضوري: وهو أن يكون مصحوب (ال) حاضرًا، كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِين﴾[المائدة: 3]. أي: اليوم الحاضر، وهو يوم عرفة؛ لأنَّ الآية نزلت فيه.

2- لتعريف الجنس: وهي التي تدخل على لفظ الجنس لبيان حقيقته الذاتية القائمة في الذهن دون التعرُّض لأفراده. نحو: أهلك الناس الدينار والدرهم أي: جنسهما، وليس المراد كلَّ فردٍ. فإنَّ من الدنانير والدراهم ما يكون زادًا لصاحبه إلى الجنَّة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30] أي: من هذه الحقيقة لا من كلِّ شيءٍ اسمه ماءٌ.

3- للاستغراق: وهي الداخلة على واحدٍ من الجنس لإفادة الاستغراق والشمول. وعلامتها صحَّة وقوع (كل) موقعها، وهي إمَّا لاستغراق الأفراد كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيف﴾[النساء: 28] أي: كلُّ فردٍ من أفراد الإنسان ضعيفٌ.

أو لاستغراق صفات الأفراد، نحو: خالدٌ الرجل. أي الجامع لصفات الرجال المحمودة. إذ لو قيل: خالدٌ كلُّ رجلٍ، على وجه المبالغة والمجاز لصحَّ، بمعنى أنه اجتمع فيه ما افترق في غيره من الرجال. ومنه قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ ل رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴾[البقرة: 2] أي الكتاب الكامل في الهداية الجامع لصفات جميع الكتب المنـزلة وخصائصها.

والفرق بين هذه الأقسام الثلاثة: أنَّ العهدية يراد بمدخوله فردٌ معيَّنٌ، والتي لتعريف الجنس يراد بمصحوبها نفس الحقيقة، لا ما تصدق عليه من الأفراد، والتي للاستغراق يراد بمصحوبه كلُّ الأفراد حقيقةً أو مجازًا.

[«أوضح المسالك» (1/189)، «شرح الأشموني» (1/167)، وغيرها من المراجع]راجع «شرح قطر الندى» للفوزان

الملح والنوادر


138- ليس من شرط الكفر جحود الله

قال أبو محمَّد ابن حزم في «الفصل»:

وقالوا: إنَّ إبليس لم يكفر بمعصيته اللهَ في ترك السجود لآدم، ولا بقوله عن آدم: أنا خيرٌ منه، وإنما كفر بجحدٍ لله تعالى كان في قلبه.

قال أبو محمَّدٍ: هذا خلافٌ للقرآن، وتكهُّنٌ لا يعرف صحَّته إلاَّ من حدَّثه به إبليس عن نفسه، على أنَّ الشيخ غير ثقةٍ فيما يحدِّث به.

[«الفصل في الملل والنحل» لابن حزم (4/156)]

اللغة


137- صفحة في اللغة

- يقولون: أمر هام، والصواب: أمر مهم.

- يقولون: منح إجازة اعتباراً من، والصواب: ابتداءً من.

- يقولون: جاء الطالب فورا، والصواب: جاء الطالب من فوره.

- يقولون:هذا أمر ملفت للنظر، والصواب: هذا أمر لافت للنظر.

- يقولون: جاء المشائخ، والصواب: جاء المشايخ.

- يقولون: مبررات العمل، والصواب: مسوغات العمل.

- يقولون: قمصان حمراء، والصواب: قمصان حمر.

[الكناش المفيد أحمد العساف:10]

الحكم والأمثال


136- إنما أُكِلْتُ يوم أُكِل الثور الأبيض

يُروى أنّ أميرَ المؤمنين عليًّا رضي الله عنه قال: «إنّما مثلي ومثلُ عثمانَ رضي الله عنه كمثلِ أثوارٍ ثلاثةٍ كُنَّ في أَجَمَةٍ: أبيضَ وأسودَ وأحمرَ، ومعهنّ فيها أسدٌ، فكان لا يقدر منهنّ على شيءٍ لاجتماعهنّ عليه، فقال للثّورِ الأسودِ والثّورِ الأحمرِ: «لا يُدِلُّ علينا في أجمتِنا إل الثّورُ الأبيضُ فإنّ لونَه مشهورٌ ولوني على لونِكما، فلو ترَكْتُماني آكُلُه صَفَتْ لنا الأجمةُ»، فقالا: «دونك فكُلْه، فأكله»، ثمّ قال للأحمرِ: لوني على لونِك، فَدَعْني آكُلِ الأسودَ لتصفُوَ لنا الأجمةُ»، فقال: «دونك فكُلْهُ»، فأكله، ثمّ قال للأحمرِ: «إنّي آكِلُك لا محالةَ»، فقال: «دَعْني أُنادي ثلاثًا»، فقال: «افعلْ»، فنادى: «ألا إنّي أُكِلْتُ يوم أُكِل الثّورُ الأبيضُ»، ثمّ قال عليٌّ رضي الله عنه: «ألا إنّي هُنْتُ –ويُروى: وَهَنْتُ- يومَ قُتل عثمانُ»، يرفع بها صوته.

وهذا المثلُ يُضرب للرّجلِ يُرْزَأ بأخيه.

[«مجمع الأمثال» للميدانيّ (1/40)]

البيان في نصوص الوحي


135- شفقة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم على أمَّته

عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: "مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبّهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون"[رواه مسلم في الفضائل2285]

ووجه الشبه هنا أن الجنادب والفراش تنساق إلى النار فرحة بضوئها، ولكنها تجهل عاقبة فعلها هذا، ولا تتعظ بمن هلك قبلها عندما اقتحمت النار، وكذلك الكفار والعصاة تغرهم الحياة الدنيا وزينتها فينساقون وراء شهواتهم، ويعرضون عن الاعتصام بالكتاب والسنة، وهم يرون نهاية كل حي في هذه الحياة، والرسول صلى الله عليه وسلم يبصّرهم بالعاقبة ويحذّرهم من الوقوع في نار جهنّم ويبذل الجهد في الإمساك بهم لإبعادهم عن خطر محقّق، ويأخذ بحجزهم(وهو معقد الإزار) كناية عن شدة إشفاقه عليهم ولكنهم يتفلّتون منه جهلا وغرور واستكبارا.

ويتبين بهذ المثل النبوي عاقبة من أعرض عن طاعة الله ورسوله، فمصيره إلى الهلاك المحقق، وأما من استجاب لله ورسوله واعتصم بشرع الله فقد حاز السلامة والنجاة.

["منهج الإسلام في تزكية النفس" لأنَس كرزون: 1/144]وانظر شرح النووي لمسلم

أزهار متناثرة


134- صدق العبودية

إنّ تاريخَ سلفِنا الصّالحِ حافلٌ بروائعِ الأمثلةِ الدّالةِ على صدقِ العبوديّةِ للهِ - سبحانه- وسُكونِ النّفْسِ عند المحنِ، وذلكم هو ما حلّ بشيخِ الإسلامِ ابنِ تيميّةَ - رحمه اللهُ - عندم سُجن في قلعةِ دمشقَ وحُبِس معه تلميذُه الإمامُ ابنُ القيّمِ - رحمه اللهُ - الذي يصف لنا حالَ شيخِه آنذاك فيقول: «وسمعتُ شيخَ الإسلامِ ابنَ تيميّةَ – قدّس اللهُ روحَه – يقول: «إنّ في الدّني جنّةً مَن لم يدخلْها لا يدخل جنّةَ الآخرةِ». وقال لي مرّةً: «م يصنع أعدائي بي؟ أنا جنّتي وبستاني في صدري، أين رُحْتُ فهي معي ل تفارقني، إنّ حبسي خلوةٌ، وقتلي شهادةٌ، وإخراجي مِن بلدي سياحةٌ». وكان يقول في محبسِه في القلعةِ: «لو بذلتُ مِلْءَ هذه القاعةِ ذهبًا ما عدل عندي شُكْرَ هذه النّعمةِ»، أو قال: «ما جزَيْتُهم على ما تسبّبوا لي فيه مِنَ الخير»، ونحو هذا. وكان يقول في سجودِه وهو محبوسٌ: «اللّهمَّ أعِنّي على ذكرِك وشكرِك وحُسْنِ عبادتِك»... وقال لي مرّةً: «المحبوسُ مَن حُبِسَ قلبُه عن ربِّه تعالى، والمأسورُ مَن أسره هواه»...

وعَلِمَ اللهُ، ما رأيتُ أحدًا أطيبَ عيشًا منه قطُّ، مع ما كان فيه مِن ضيقِ العيشِ وخلافِ الرّفاهيّةِ والنّعيمِ بل ضدِّه، ومع ما كان فيه مِنَ الحبسِ والتّهديدِ والإرهاقِ، وهو مع ذلك مِنْ أطيبِ النّاسِ عيشًا، وأشرحِهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرِّهم نفسًا، تلوح نضرةُ النّعيمِ على وجهِه.

وكنّا إذا اشتدّ بنا الخوفُ، وساءتْ منّا الظّنونُ، وضاقتْ بن الأرضُ، أتيناه فما هو إلاّ أنْ نراه ونسمعَ كلامَه، فيذهبُ عن ذلك كلُّه، وينقلبُ انشراحًا وقوّة ويقينًا وطمأنينةً».

[«الوابل الصيّب مِن الكلم الطيّب» لابن القيّم (66)]

مختارات شعرية


133- لله درك يا أبا بكر(2)

عن عائشة رضي الله عنها أن أباها قال لها: "أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارا ولا درهما ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسن من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ول كثير إلا هذا العبد الحبشي، وهذا البعير الناضح، وجرد هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر، وابرئي منهن، ففعلت.

فلما جاء الرسول عمر بكى حتى جعلت دموعه تسيل في الأرض ويقول: رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده، رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده"((أخرجه ابن سعد في الطبقات بإسناده حسن). حسن). حسن).

ولله درّ عبد الحليم المصري وهو يقول في قصيدته البكرية:

وقال وقد حان الفراق لأهله * إذا مت ردّوا عبدهم وردائـيا

وردوا عليهم حائطي في دارهم * تقاضيتها منهم وردّوا صحافـيا

فذِكرُكَ في الأحياء سال مدائح * وذِكرُك في الأموات حال مراثيا

فمَن لي بدمع المسلمين إذا جرى * وما سوف يغدو للأجنة جاريا

سنبذل من تلك العيون كرائم * ونُرْخِصُ مِن تلك الدموع غواليا

وفاء وتَحنانا إلى الزمن الذي * تضوّع عن عطر الخلافة ذاكـيا

ليالي كان الناس لا المال مالهم * وما هو إلا مال من جاء عافيا...

أربُّ أبي بكر سيخلق مثله * فيدرك من بنيانه متراميا

بقيـة إيمـان وآثار أمة * توارث عن الأبصار إلا بواقيا

ذكرت أبا بكر لقومي وليتني * بلغت به ما كنت في القول راجيا

لعل سراة الدهر تبلغ فجره * فأنّى أرى الإصباح تتلو الدياجيـا

[«ترطيب الأفواه» للعفاني (1/114)]

قواعـد وفوائـد


132- بعض أحكام الضمائر

من المعلوم لدى كثير من الطلاب أن الضمير منه بارز:وهو ما له صورة في اللفظ، ومستتر: وهو الذي ليس له صورة في اللفظ،والمستتر إما أن يكون مستترا وجوبا وهو ما لا يخلفه ظاهر ولا ضمير منفصل يرتفع العامل به، و إما مستترا جوازا وهو الذي يحل محل محله الاسم الظاهر، أو الضمير المنفصل، وهو المرفوع بفعل الغائب الغائبة، وهناك قاعدة جيدة وهي: أن الضمير إذا كان تقديره ( أنا أو نحن أو أنت ) فهو مستتر وجوبا، إذا جئت تقدر الضمير، تقول مثلا: الفاعل ضمير مستتر؛ هل تقول: وجوبا أو جوازا، إن كان الضمير الذي ستقدره تقديره ( أنا ) أو( نحن ) أو( أنت ) فهو مستتر وجوبا.

أما إذا كان الضمير الذي ستقدره تقديره ( هو ) أو( هي ) فهذا يكون مستترا جوازا إلا في مسائل يسيرة، يكون مستترا وجوبا مع أن تقديره ( هو ) أو( هي ) وهي ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: أفعال الاستثناء مثل ( ما خلا ) و( ما عدا ) و( ليس ) و( لا يكون ) فالضمائر مع هذه الأفعال كلها تقديرها هو لكنها مستترة وجوبا.

المسألة الثانية: مع فعل التعجب، الضمير مع فعل التعجب، إذا قلت: ( ما أجمل الصدق ) في (أجمل ) ضمير مستتر تقديره هو مستتر وجوبا.

المسألة الثالثة: فاعل نعم أو بئس، إذا كان مفسرا بالتمييز مثل ( نعم صديقا الكتاب ) ففاعل نعم هنا ضمير مستتر وجوبا تقديره هو يعود على التمييز.

هذا باختصار وإيجاز وإلا فثمَّ تفاصيل أخرى محلها كتب النحو المبسوطة.

[«شرح مختصر قواعد الإعراب» للفوزان (87)]

الملح والنوادر


131- كفران الصنيع

قال المدائني: خرج فتيانٌ في صيدٍ لهم فأثاروا ضبعةً فنفرت ومرَّت، فاتَّبعوها، فلجأت إلى بيت رجلٍ، فخرج إليهم بالسيف مسلولاً، فقالوا له: يا عبد الله، لِمَ تمنعنا من صيدنا؟ فقال: إنه استجارت بي، فخلَّوْا بينها وبينه، فنظر إليها فإذا هي مهزولةٌ مضرورةٌ، فجعل يسقيها اللبن صبوحًا ومقيلاً وغبوقًا، حتى سمنت وحسنت حالها، فبينما هو ذات يوم متجرِّدٌ عدت عليه فشقَّت بطنه وشربت دمه، فقال ابن عمٍّ له:

وَمَنْ يَصْنَعِ المَعْرُوفَ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ * يُلاَقِي الَّذِي لاَقَى مُجِيرُ امِّ عَامِرِ

أَعَدَّ لَهَا لَمَّا اسْتَجَارَتْ بِقُرْبِهِ * مَعَ الأَمْنِ أَلْبَانَ اللِّقَاحِ الـدَّرَائِرِ

فَأَشْبَعَهَا حَتَّى إِذَا مَا تَمَكَّنَتْ * فَرَتْهُ بِأَنْيَابٍ لَهَا وَأَظَافِرِ

فَقُلْ لِذَوِي المَعْرُوفِ هَذَا جَزَاءُ مَنْ * يُوَجِّهُ مَعْرُوفًا إِلَى غَيْرِ شَاكِرِ

[«شرح مقامات الحريري» (2/212)]

اللغة


130- في أشياء تختلف أسماؤها وأوصافها باختلاف أحْوالها

لا يُقالُ كأسٌ إلاَّ إذا كان فيها شَرَابٌ، وإلا فهي زُجَاجةٌ.

ولا يُقَالُ مائدةٌ إلاَّ إذا كان عليها طَعَامٌ، وإلاَّ فهي خِوَانٌ.

لا يُقالُ كُوزٌ إلاَّ إذا كانَتْ له عُرْوَةٌ، وإلا فهو كُوبٌ.

لا يُقالُ قلَمٌ إلاَّ إذا كانَ مبريًّا، وإلاَّ فهو أُنْبوبَةٌ.

ولا يُقالُ خاتَمٌ إلاَّ إذا كانَ فيه فَصٌّ، وإلاَّ فَهُوَ فَتْخَةٌ.

ولا يُقال رُمْحٌ إلاَّ إذا كانَ عَلَيهِ سِنَانٌ، وإلاَّ فهو قناةٌ.

لا يُقالُ نَفَقٌ إلاَّ إذا كان له مَنْفَذٌ، وإلاَّ فهو سَرَبٌ.

ولا يُقالُ خِدْرٌ إلاَّ إذا كانَ مُشَتَمِلاً على جارِيَةٍ مُخَدَّرَةٍ، وإلاَّ فهو سِتْرٌ.

ولا يُقالُ وَقُودٌ إلاَّ إذا اتَّقدَتْ فيهِ النارُ، وإل فهو حَطَبٌ.

ولا يُقالُ عَوِيلٌ إلاَّ إذا كانَ مَعَهُ رَفع صَوْتٍ، وإل فهو بُكَاءٌ.

ولا يُقالُ ثَرًى إلاَّ إذا كان نَدِيًّا، وإلاَّ فهو تُرابٌ.

لا يُقالُ لِماءِ الفَمِ رُضابٌ إلاَّ ما دامَ في الْفَمِ، فإذا فارقَهُ فهو بُزَاقٌ.

لا يُقالُ للشجاع كَمِيٌّ إلاَّ إذا كان شاكيَ السِّلاح، وإلاَّ فهو بَطَلٌ.

[«فقه اللغة» للثعالبي (29)]

الحكم والأمثال


129- حِكَم

قال سفيان الثوريُّ: «ما بقي لي مِن نعيمِ الدنيا إلاَّ ثلاثٌ: أخٌ ثقةٌ في اللهِ أكتسب في صحبتِه خيرًا، إن رآني زائغًا قوَّمني، أو مستقيمً رغَّبني، ورزقٌ واسعٌ حلالٌ ليست لله عليَّ فيه تَبِعةٌ ولا لمخلوقٍ عليَّ فيه منَّةٌ، وصلاةٌ في جماعةٍ أُكْفى سهوَها وأُرْزَق أجرها».

[«مفتاح سحر البيان» لعليِّ بن عائد (113)]

البيان في نصوص الوحي


128- الحرص والطمع على الدنيا

عن كعب بن مالكٍ الأنصاريِّ رضي الله عنه عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنمٍ بأفسدَ لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه» وفي رواية: «ما ذئبان ضاريان جائعان في غنم افترقت أحدهما في أولها والآخر في آخرها بأسرعَ فسادًا من امرئٍ في دينه يحبُّ شرف الدنيا ومالها» [رواه أحمد: (16198)، الترمذي: (255)، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع: (5620)].

هذا مثلٌ عظيمٌ ضربه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لبيان مدى الفساد الذي يلحق المسلمَ في دينه وإيمانه عندما يحرص على المال والشرف في الدنيا ويجعل من هذا الحرص هدفًا قائمًا بذاته يسعى لتحقيقه دون ضوابط ولا حدودٍ، وعنده سيلحق بدينه الهلاك المحقَّق وسيخسر آخرَته لينال عرضًا دنيويًّا زائلاً.

ولو تأمَّلْن دقَّة هذا المثل النبوي لعرفنا عظم المصيبة، فالذئبان الجائعان إذا أُرسل في قطيعٍ من الغنم وأحاطا به من جانبيه وقد غاب الراعي الحارس لذلك القطيع، فإنهما سيهلكانه ويفترسانه، ولن ينجوَ من الغنم إلاَّ القليل، وكذلك يعدُّ الحرص الفاجع من أصحاب الدنيا لبلوغ الشهوة وجمع الأموال دون رقابةٍ أو وازعٍ إيمانيٍّ أكثر إفسادًا لدين المسلم من إفساد الذئبين الجائعين.

وهكذا يظهر خطر انحراف الشهوات عن طريقها، وتحوُّلها إلى مرضٍ يفتك بالنفس ويحيل الإنسان إلى حيوانٍ كاسرٍ، شغله الشاغل أن يرضيَ أهواءه ولو على حساب إيذاء الآخرين وظلمهم.

ولا شكَّ أن الذي يجعل الآخرة نصب عينيه فإنه يسعى دائمًا لتسخير هذه الشهوات في مرضاة ربِّه عزَّ وجلَّ، وأمَّا من تعلَّقت نفسه بالدنيا وامتلأ قلبه بحبِّه فإنه سيجعل من شهواته هدفًا ومقصدًا حتى يكون عبدًا لها، وعندها سيحرص عليها، ويلهث وراءها بكلِّ ما أوتي من قوَّةٍ، ويبيع دينه بعرضٍ من أعراضه الزائلة.

[راجع: شرح حديث ما ذئبان جائعان لابن رجب الحنبلي]

أزهار متناثرة


127- سحبان وائل رضي الله عنه

هو سحبان بن زفر بن إياس الوائلي، وائل باهلة، فصيح العرب، وخطيبٌ يُضرب به المثل في البيان والفصاحة، فكانوا إذا أرادوا مدح إنسان بذلك قالوا: «هو أخطب أو أبلغ أو أفصح من سحبان وائل» أدرك الجاهلية، وأسلم، وهو أوَّل من قال: أمَّا بعد، وأوَّل من آمن بالبعث من الجاهلية، وأوَّل من توكَّأ على عصا، مات سنة أربعٍ وخمسين، وحكى الأصمعيُّ قال: كان إذا خطب يسيل عرقًا، ولا يعيد كلمةً، ولا يتوقَّف، ولا يقعد حتَّى يفرغ، وممَّا روي من خطبه البليغة قوله:

«إنَّ الدّنيا دار بلاغٍ، والآخرة دار قرارٍ، أيُّها الناس فخذو من دار ممرِّكم، لدار مقرِّكم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم، وأخرجوا من الدّنيا قلوبكم قبل أن تخرج منه أبدانكم، ففيها حييتم، ولغيرها خُلقتم، إنَّ الرجل إذا هلك قال الناس: ما ترك؟ وقالت الملائكة: ما قدَّم؟ قدِّموا بعضًا يكون لكم، ولا تخلِّفوا كلاًّ يكون عليكم».

«بلوغ الأرب» للألوسي (3/ 156) و«جمهرة خطب العرب» لأحمد زكي صفوت (2/ 482) و«جواهر الأدب» لأحمد الهاشمي ( 308 ) و«خزانة الأدب» لعبد القادر بن عمر البغدادي (10/ 397).

مختارات شعرية


126- لله درك يا أبا بكر(1)

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان أبو بكر رضي الله عنه يحلب للحي أغنامهم، فلما بويع بالخلافة، قالت جارية من الحي: الآن ل يحلب لنا منائحنا، فسمعها أبو بكر فقال: بلى، لعمري لأحلبنّها لكم، وإني لأرجو أن لا يغيِّرني ما دخلت فيه عن خلق كنت عليه، فكان يحلب لهم، فربما قال للجارية: أتحبين أن أرغي لك، أو أن أصرِّح؟ فربم قالت: أرغ، وربما قالت: صرِّح، فأيّ ذلك قالت،فعل.(إسناده حسن لغيره، أخرجه ابن سعد في طبقاته).

وعن أبي صالح الغفاري أن عمر بن الخطاب كان يتعهد عجوزا فكان إذ جاءها وجد غيره قد سبقه إليها، فأصلح ما أرادت، فجاءها غير مرة كيلا يسبق إليها، فرصده عمر فإذا هو أبو بكر الذي يجيئها، وهو يومئذ خليفة فقال عمر: أنت هو لعمري.

ويرحم الله عبد الحليم المصري حيث يقول في بكريته الرائعة:

رأى عمرُ يومًا عجوزًا بِداره * غدا الموتُ منهـا للبقية حاسِيا

فقال أُواسيها وأقضي أُموره * فقد عدِمَتْ في المسلمين مُواسِيا

مضى غاشيا في نهرة الصبح داره * فألفى لها في نهرة الصبح غاشيا

فقال لها مَن كان في الحي سابقي * ومن ذا الذي يبدو له ما بدا ليا

فقالتْ كريمٌ يعْتري الدار سحْرةً * فيجمع أشتاتي ويرحم ما بيـا

فقال سأحيي الليل أرعى طروقه * وأرصد سبّاقا إلى الخير ساعيا

فشقّ رِواق الليل عن رونق الضحى * ولكنه الصدِّيق مَن كان باديا

فألقى الكُى عن عاهلٍ عزّ قبله * وما حملته النفس إلا المعالـيا

وألقى العصا في جانب من خبائه * وهيّأ فيـه للقدور الأثافيا

فصاح به الفاروق ما كان سابقي * سواك أبا بكر ولا كنت راضيا

أفي كل دار من أبي بكر امرؤ * إذ أهلها نادَوا أجاب المُناديا

ألا عائل إلا تمثلت كافلا * ولا مُشتَكٍ إلا تمثلت آسِيـا

[«ترطيب الأفواه» للعفاني (1/114)]

قواعـد وفوائـد


125- من الجمل التي لها محل من الإعراب

من الجمل التي لها محل من الأعراب: الجملة المضافة: المضاف إليها، ومحلها الجر، والجملة التي محلها الجر لها ضابط عند النحويين وهو: كل جملة وقعت بعد "إذ" أو "إذا" أو "حيث" أو "بينما" أو" يوم"، فهي في محل جر، يعني: إذا جاءت "إذا" مثلا وبعدها جملة تعرب الجملة أنه في محل جر، أو بعد" يوم" أو بعد "حيث" وهكذا.

المثال الأول: قال الله تعالى: ﴿لينذر يوم التلاق*يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ﴾[غافر: 16]،

" يوم الثانية": بدل من " يوم الأولى" الذي قبلها، من (يوم) التي قبلها، وبدل المنصوب منصوب وعلامة نصبه الفتحة، "هم": مبتدأ، "بارزون": خبر مرفوع بالواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، والجملة من المبتدأ والخبر في محل جر بإضافة "يوم" إليها، ومعنى بإضافة ( يوم ) إليها يعني، كأنك قلت: "يوم" مضاف وجملة "هم بارزون" مضاف إليه، و القاعدة في النحو أن المضاف حكمه الجر، المضاف إليه مجرور دائما، فهذه جملة لها محل من الإعراب وهو الجر.

المثال الثاني: قال الله تعالى: ﴿ قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ﴾[المائدة: 119] يوم خبر "هذا": مبتدأ، و"يوم": خبر، و"هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم" في محل نصب مقول القول، وقد سبق معنا في هذه القواعد أن ما بعد" قال" أو "يقول" تكون الجملة في محل نصب، ماذا قال الله؟ "هذا يوم" إذن في محل نصب مفعول به، أو في محل نصب مقول القول، "هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم" جملة "ينفع الصادقين صدقهم"، " ينفع": فعل مضارع، و"الصادقين": مفعول مقدم منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، و"صدقهم": فاعل مؤخر، والجملة في محل جر بإضافة يوم إليها.

وعلى هذا فقس أيها اللبيب الأريب!!

[شرح مختصر قواعد الإعراب لعبد الله الفوزان: 14]

الملح والنوادر


124- أبو حنيفة والإسكاف

كان لأبي حنيفة رحمه الله جارٌ إسكافٌ بالكوفة، يعمل نهاره أجمع، فإذا أجنَّه الليل رجع إلى منزله بالخمر ولحمٍ أو سمكٍ، فيطبخ اللحم أو يشوي السمك، حتّى إذا دبّ الشراب فيه رفع عقيرته ينشد:

أضاعوني وأيَّ فتى أضاعو * ليوم كريهة وسِداد ثغرِ

فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت، حتى يغلبه النوم

وكان أبو حنيفة رحمه الله يصلي الليل، ويسمع جلبته وإنشاده، ففقد صوته ليالي، فسأل عنه فقيل له: أخذه العسس منذ ثلاث ليال، وهو محبوس، فصلّى الفجر وركب بغلته، ومشى فاستأذن على الأمير، فقال: ائذنوا له، وأقبِلوا به راكِبا، ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط، فَفُعِلَ به ذلك، فوسَّع له الأمير مجلِسَه، وقال له: ما حاجتك؟ فقال: لي جار إسكاف أخذه العسس منذ ثلاث ليال، فتأمر بتخليته، فقال: نعم، وكل من أخِذ تلك الليلة إلى يومنا هذا، ثم أمر بتخليتهم أجمعين، فركب أبو حنيفة وتبعه جاره الإسكاف، فلما أوصله داره، قال أبو حنيفة: أتُرانا يا فتى أضعناك؟ قال: لا بل حفظت ورعيت جزاك الله خيرا عن صحبة الجوار ورعاية الحق، وللهِ عليّ ألاّ أشرب الخمر أبدا، ولم يَعُدْ إلى ما كان عليه.

[«شرح مقامات الحريري» (3/31)]

اللغة


123- من عجائب لغتنا

النشوز: أصل النشوز الارتفاع إلى الشرور، ونشوز المرأة بغضه لزوجها، وارتفاع نفسها عليه تكبّرا، ويقال: علوت نشزا من الأرض ونشزا بسكون الشين وفتحها. ونشز الشيء عن مكانه ارتفع، ونشزت إليّ النفس: جاشت من الفزع، وامرأة ناشز. ومن غريب أمر النون والشين أنهما لا تقعان فاء وعينا للكلمة إلا دلتا على هذا المعنى، أو م يقاربه: ارتفاع عن الشيء، ومباينة لأصله، وعدم انسجام مع حقيقته، ومنه نشأ الإنسان،أي: ارتفع وظهر ﴿أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾، ومن أين نشأت؟﴿الجوار المنشآت﴾: السفن الماخرة عباب البحر، ونشب العظم في الحلق: علق وارتفع عليه، وتراموا بالنشاب، ونشبت الحرب، ونشج الباكي نشجا، وهو: ارتفاع البكاء وتردده في الصدر، وأنشد الشعر إنشادا حسنا، لأن المنشد يرفع صوته، إلى آخر ما اشتملت عليه هذه المادة، وهذا من عجائب ما تميزت به لغتنا الشريفة.

[«إعراب القرآن الكريم وبيانه» للدرويش (2/17)].

الحكم والأمثال


122- إياكم وخضراء الدمن

المثل: إيَّاكم وخضراءَ الدِّمَنِ

المفردات: الدِّمَن جمع دِمْنة وهي المزبلة‏، وخضراء الدِّمَنِ - هي ما تُدَمِّنُه الإبلُ والغنمُ من أبوالِها وأبعارِها - لأنه ربَّما نَبَتَ فيها النباتُ الحسنُ فيكون منظرُه حسنًا أنيقًا ومنبتُه فاسدًا.

يُضرب: للشيء الحسن الذي نبت في مكانٍ خبيثٍ أو الذي له أصولٌ غيرُ طيِّبةٍ.

أمَّا حديثُ «إِيَّاكُمْ وَخَضْرَاءَ الدِّمَنِ، فَقِيلَ: وَمَا خَضْرَاءُ الدِّمَنِ؟ قَالَ: المَرْأَةُ الحَسْنَاءُ فِي المَنْبَتِ السُّوءِ»، فقد قال الألباني في [«سلسلة الأحاديث الضعيفة» (1/ 69)]: «ضعيفٌ جدًّا»].

[«مجمع الأمثال» للميداني (1/51)]

البيان في نصوص الوحي


121- من أسرار فاتحة الكتاب (الرابع)

المسألة الثانية: وهي أنه قال: ﴿الذين أنعمت عليهم﴾ [ الفاتحة: 7 ] ولم يقل المنعم عليهم. كما قال : ﴿المغضوب عليهم﴾ فجوابها وجواب المسألة السادسة واحد وفيه فوائد عديدة .
أحدها: إن هذا جاء على الطريقة المعهودة في القرآن. وهي أن أفعال الإحسان والرحمة والجود تضاف إلى الله سبحانه وتعالى. فيذكر فاعلها منسوبة إليه، ولا يبني الفعل معها للمفعول، فإذا جيء بأفعال العدل والجزاء والعقوبة حذف الفاعل وبني الفعل معه للمفعول أدباً في الخطاب، وإضافته إلى الله أشرف فسمى أفعاله، فمنه هذه الآية فإنه ذكر النعمة فأضافها إليه، ولم يحذف فاعلها، ولما ذكر الغضب حذف الفاعل، وبني الفعل للمفعول فقال: ﴿المغضوب عليهم﴾ وقال في الإحسان: ﴿الذين أنعمت عليهم﴾، ونظيره قول إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه: ﴿الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين﴾[ الأحقاف: 8 ، 79 ، 80 ] فنسب الخلق والهداية والإحسان بالطعام، والسقي إلى الله تعالى، ولما جاء إلى ذكر المرض قال: ﴿وإذا مرضت﴾ ولم يقل أمرضني، وقال: ﴿فهو يشفين﴾، ومنه قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن ﴿وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا﴾[ الجن: 1 ] ، فنسبوا إرادة الرشد إلى الرب وحذفوا فاعل إرادة الشر وبنوا الفعل للمفعول، ومنه قول الخضر عليه الصلاة والسلام في السفينة ﴿فأردت أن أعيبها﴾ . فأضاف العيب إلى نفسه . وقال في الغلامين: ﴿فأراد ربك أن يبلغ أشدهما﴾[ الكهف: 82 ]، ومنه قوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ [ البقرة: 187 ] ، فحذف الفاعل وبناه للمفعول وقال: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ [ البقرة: 275 ]، لأن في ذكر الرفث ما يحسن منه أن لا يقترن بالتصريح بالفاعل ومنه ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾[ المائدة: 3 ]، وقوله: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا﴾[ الأنعام: 151 ] إلى آخرها . ومنه وهو ألطف من هذا وأدق معنى قوله: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم﴾[ النساء: 23 ] إلى آخرها، ثم قال: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾[النساء: 24 ]، وتأمل قوله: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾ كيف صرح بفاعل التحريم في هذا الموضع . وقال في حق المؤمنين: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾[ المائدة: 3 ] .

الفائدة الثانية: أن الإنعام بالهداية يستوجب شكر المنعم بها وأصل الشكر ذكر النعم والعمل بطاعته، وكان من شكره إبراز الضمير المتضمن لذكره تعالى الذي هو أساس الشكر وكان في قوله: ﴿أنعمت عليهم﴾[ الفاتحة: 7 ] من ذكر وإضافته النعمة إليه ما ليس في ذكر المنعم عليهم لو قاله فضمن هذا اللفظ الأصلين وهما الشكر والذكر المذكوران في قوله: ﴿فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون﴾[ البقرة: 152 ].

الفائدة الثالثة: أن النعمة بالهداية إلى الصراط لله وحده وهو المنعم بالهداية دون أن يشركه أحد في نعمته، فاقتضى اختصاصه بها أن يضاف إليه بوصف الإفراد فيقال: أنعمت عليهم أي أنت وحدك المنعم المحسن المتفضل بهذه النعمة، وأما الغضب فإن الله سبحانه غضب على من لم يكن من أهل الهداية إلى هذا الصراط وأمر عباده المؤمنين بمعاداتهم، وذلك يستلزم غضبهم عليهم موافقة لغضب ربهم عليهم فموافقته تعالى تقتضي أن يغضب على من غضب عليه ويرضى عمن رضي عنه فيغضب لغضبه ويرضى لرضاه، وهذا حقيقة العبودية واليهود قد غضب الله عليهم، فحقيق بالمؤمنين الغضب عليهم، فحذف فاعل الغضب وقال: ﴿المغضوب عليهم﴾ لم كان للمؤمنين نصيب من غضبهم على من غضب الله عليه بخلاف الإنعام فإنه لله وحده، فتأمل هذه النكتة البديعة. .

الفائدة الرابعة: أن المغضوب عليهم في مقام الإعراض عنهم وترك الالتفات إليهم والإشارة إلى نفس الصفة التي لهم والاقتصار عليها، وأما أهل النعمة فهم في مقام الإشارة إليهم وتعيينهم والإشارة بذكرهم وإذا ثبت هذا فالألف واللام في المغضوب وإن كانتا بمعنى الذين، فليست مثل الذين في التصريح والإشارة إلى تعيين ذات المسمى، فإن قولك الذين فعلوا معناه القوم الذين فعلوا، وقولك الضاربون والمضروبون ليس فيه ما في قولك الذين ضربوا أو ضربوا فتأمل ذلك، فالذين أنعمت عليهم إشارة إلى تعريفهم بأعيانهم وقصد ذواتهم بخلاف المغضوب عليهم، فالمقصود التحذير من صفتهم والإعراض عنهم وعدم الالتفات إليهم والمعول عليه من الأجوبة ما تقدَّم.

[بدائع الفوائد لابن القيم: 2/18]

أزهار متناثرة


120- وصِيّة

أوصى عبد الحميد الكاتبُ الكتَّابَ فقال:

«تنافسوا معشر الكتَّاب في صنوف العلم والأدب، وتفقَّهوا في الدين، وابدؤوا بعلم كتاب الله عزَّ وجلَّ والفرائض، ثمَّ العربية فإنه ثِقافُ ألسنتكم، وأَجِيدوا الخطَّ فإنه حلية كتبكم، وارووا الأشعار واعرفوا غريبها ومعانيَها، وأيَّام العرب والعجم أحاديثها وسيرها، فإنَّ ذلك معينٌ على ما تسعَوْن إليه بهممكم، ولا يضعفنَّ نظركم الحساب فإنه قوام كتاب الخراج منكم .....».

[«أدب الوصايا والمواعظ» للنحوي (216)]

مختارات شعرية


119- قلب الأم

قال إبراهيم المنذر- رحمه الله - :

أَغْرَى امْرُؤٌ يوما غلاما جاهـل * بنقوده كيْمَـا ينال بـه الوَطَرْ

قال ائتني بفؤاد أمِّك يـا فـتى * ولك الدراهمُ والجواهرُ والدُرَرْ

فمضى وأغمد خنجرا في صدره * والقلبُ أخرجه وعاد على الأثَرْ

لكنه من فـرطِ سُرعتِه هـوى * فتدحرج القلبُ المقطع إذ عَثَـرْ

ناداه قلب الأم وهـو معـفّرٌ * وَلَدِي حَبِيبِي هل أصابك مِن ضَرَرْ

فكأن هذا الصوت رغم حُنُـوِّهِ * غضبُ السماءِ على الغلام قد انْهَمَرْ

ورأى فظيـع جناية لم يأتِـهَ * أحدٌ سـواه منذُ تاريـخِ البـشَـرْ

وارتدّ نحو القلب يغسلـه بـما * فاضـت به عينـاه من سيل العِبَرْ

ويقول يا قلب انتقم مِنِّي ولا * تغفِرْ فـإن جـريمـتي لا تُغتـفَـرْْ

واستلَّ خنجره ليطعن صـدره * طعـنا فيبـقـى عبـرة لِمَنِ اعْتَبَرْ

ناداه قلبُ الأمِّ كُفَّ يَـدًا ول * تَذبـحْ فُؤادِي مـرَّتين على الأثَرْ

[صيد المواقع]

قواعـد وفوائـد


118- من فوائد حذف العامل

لحذف العامل في بسم الله فوائد عديدة:

1- منها أنه موطن لا ينبغي أن يتقدم فيه سوى ذكر الله فلو ذكرت الفعل وهو لا يستغني عن فاعله كان ذلك مناقضا للمقصود فكان في حذفه مشاكلة اللفظ للمعنى ليكون المبدأ به اسم الله كما تقول في الصلاة الله أكبر ومعناه من كل شيء ولكن لا نقول هذا المقدر ليكون اللفظ مطابقا لمقصود الجنان وهو أن لا يكون في القلب إلا الله وحده فكم تجرد ذكره في قلب المصلي تجرد ذكره في لسانه.

2- ومنها أن الفعل إذا حذف صح الابتداء بالتسمية في كل عمل وقول وحركة وليس فعل أولى بها من فعل فكان الحذف أعم من الذكر فإن أي فعل ذكرته كان المحذوف أعم منه.

3- ومنها أن الحذف أبلغ لأن المتكلم بهذه الكلمة كأنه يدعي الاستغناء بالمشاهدة عن النطق بالفعل فكأنه لا حاجة إلى النطق به لأن المشاهدة والحال دالة على أن هذا وكل فعلف إنما هو باسمه تبارك وتعالى والحوالة على شاهد الحال أبلغ من الحوالة على شاهد النطق كما قيل:

ومنْ عَجَبٍ قولُ العواذل مَنْ بهِ * وهل غير مَنْ أهوى يحب ويعشق

[«بدائع الفوائد» لابن القيِّم: (1/20)]

الملح والنوادر


117- إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن

كان رجلٌ يقال له أبو دلامة، فقيل للخليفة المنصور: إنَّ أبا دلامة لا يحضر الصلاة لأنه معتكفٌ على الخمر، وقد أفسد فتيان العسكر، فلو أمرته بالصلاة معك لأصلحته وغيره، فلمَّا دخل عليه قال: أبو دلامة الماجن! قال: يا أمير المؤمنين ما أنا والمجون، وقد ساورت باب قبري، فقال الأمير: عنِّي من استكانتك وتضرُّعك وإيَّاك أن تفوتك صلاة الظهر والعصر في مسجدي، فإن فاتتك لأُحسننَّ أدبك ولأطيلن حبسك، فوقع في شرِّ أمرٍ، فلزم المسجد أيَّاما ثمَّ كتب رقعةً ودفعها إلى المهديِّ، فأوصلها إلى أبيه وفيها:

ألمْ تعلما أنَّ الخليفة لزَّنــي * لِمسجدِه والقصْرِ مـا لي وللقصْـرِ

أصلِّي به الأولى جميعًا وعصرَه * فويلي من الأولى وويلي من العصـرِ

أصليِّهما بالكُره في غير مسجدي * فما لِيَ في الأولى وفي العصرِ من أجْرِ

يُكلِّفني من بعد ما شبتُ توبـةً * يحُطُّ بها عنِّي الثقـيل من الــوِزرِ

وواللهِ ما لي نيَّةٌ في صـلاته * ولا البرُّ والإحسانُ والخيرُ مِن أمري

لقد كان في قومي مساجدُ جمَّـةٌ * ولم ينشرحْ يومـا لغشيانها صدري

وما ضرَّه واللهُ يغفِـرُ ذنـبَه * لو أنْ ذنوبُ العالمين عــلى ظـهري

فقال الخليفة: صدق دعوه يُضلُّ من يشاء، وما يضرُّني ذلك! واللهِ لا يفلح هذا أبدًا، فدعوه يفعل ما يشاء.

قلت: وهذا فعلٌ غير صحيحٍ من الخليفة، إذ ينبغي على من ولاَّه الله أمْرَ المسلمين أن يأخذ على أيدي السفهاء والفسَّاق وأن لا يَدَعهم يفعلون ما يشاءون، حتى يستقيم المجتمع، وتنتشر الفضيلة، وينحسر شرُّ الأشرار.

[«شرح مقامات الحريري» (3/ 4)]

اللغة


116- أخطاء شائعة

1- قابلته مصادفةً.. لا صدفةً: من الشائع استعمال (صدفةً) على غير الفصيح، وهي ليست مصدرًا لـ: صدف التي مصدرها الصدف والصدوف، وهي بمعنى: انصرف ومال وأعرض وصدَّ. والمزيد: صادف يحمل معنى اللقاء على غير توقُّعٍ، ومصدره المصادفة. فالفصيح: قابلته مصادفةً ل صدفةً؛ لأنَّ (الصدفة) من الصدوف: الإعراض والانصراف عن الشيء. قال تعالى: ﴿سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانو يصدفون﴾[الآية 157 سورة الأنعام]. أي: يعرضون.

2- تخرَّج في الجامعة.. لا من الجامعة فالقول: تخرَّج فلان من جامعة كذا. خطأ. والصواب: تخرَّج في جامعة كذا؛ لأن تخرَّج تعني: تعلَّم وتدرَّب فهو: خِرِّيج وخَرِيج ومتخرِّج.

3- مَعْرِض.. لا معرَض. معرَض (بفتح الراء) خطأ، والصواب: معرِض (بكسر الراء) لأنَّ اسمي المكان والزمان يصاغان من الثلاثي على وزن (مَفْعِل) إذا كان الفعل صحيح الآخر مكسور العين في المضارع. عرَض يعرِض (من باب ضرب).

4- خطْبة.. لا خُطبة الخِطْبة (بكسر الخاء وسكون الطاء): طلب الزواج، ولا نقول للفتاة المخطوبة: خَطيبة، ولا للشاب خَطيبًا بل ننادي كلاًّ منهما: خِطْبًا. فهي: خِطْبه وخِطْبته.. أمَّ الخُطْبة (بضمِّ الخاء وسكن الطاء): فهي: ما يلقى على المنابر، وخُطبة الكتاب: مقدِّمته.

5- يقولون: إسهامًا منها في تشجيع القدرات، والصواب: مساهمة منها في تشجيع القدرات إسهاماً هو مصدر الفعل أسهم، وهذه تعني كما يقول ابن فارس في مقاييس اللغة: (أسهم الرجلان إذا اقترعا) وذلك من السّهمة والنصيب. وهذه تختلف عن «مساهمة» المشتقَّة من الفعل ساهم الذي يعني شارك، فالمساهمة: هي المشاركة، والإسهام: يعني الاقتراع. ومن هنا نلاحظ أنَّ أيَّة زيادةٍ في المبني تؤدِّي إلى تغيير المعنى.

6- يقولون: حرمه من الإرث، فيعدُّون الفعل "حرم" إلى المفعول الثاني بحرف الجرِّ " من" ، والصواب: حرمه الإرثَ بنصب مفعولين، أي: الفعل "حرم" يتعدى إلى مفعولين تعدِّيًا مباشرًا، وقد أجاز بعض اللغويين "أحرمه الشيء" أي: حرمه إيَّاه، ومن ذلك ما ورد في قول ابن النحَّاس في قصيدته العينية المشهورة:

وآلى على أن لا أقيم بأرضه * يوم الفراق وداعه أحرمني

7- يقولون: تحرَّى عن الأمر، فيُعدُّون الفعل "تحرَّى" بحرف الجرِّ "عن"، والصواب: تحرَّى فلانٌ الأمرَ، أي: توخَّاه وطلبه، ويقال: فلان حَرِيٌّ بكذا، أي: خليق وجدير وحقيق وَ" أحْرِ به" أي: أَجْدِرْ به قال الشاعر:

فإن كنت توعدنا بالهجاء * فأحر بمن رامنا أن يخيبا

وقد اشتقَّ التحرِّي من "أحرِ به"، وهو يعني: توخِّي الأوْلى وقصد الأحقِّ، كما تدلُّ على ذلك طائفةٌ من النصوص اللغوية نذكر من بينها قول الله تعالى: ﴿فمن أسلم فأولئك تحرَّوا رشد﴾.

[جولة في المواقع والكتب]

الحكم والأمثال


115- كلُّ فتاة بأبيها معجبة

المثل: «كلُّ فَتَاةٍ بأبِيْهَا مُعْجَبَةٌ»

يُضرب: في عُجْب الرجل برهطه وعشيرته.

قصَّتُه: وأوَّل من قال ذلك العَجْفَاءُ بنتُ عَلْقَمةَ السعدي، وذلك أنها وثَلاثَ نسوةٍ من قومها خَرَجْنَ فاتَّعَدْنَ بروضةٍ يتحدَّثْن فيها، فوافَيْنَ به ليلاً في قمرٍ زاهرٍ، وليلةٍ طَلْقَةٍ ساكنةٍ، وروضةٍ مُعْشِبةٍ خصْبةٍ، فلمَّا جلسْن قُلن‏:‏ «ما رأينا كالليلة ليلةً، ولا كهذه الروضةِ روضةً، أطيبَ ريحًا ولا أنْضَرَ، ثمَّ أفَضْنَ في الحديثِ فقُلن‏:‏ «أيُّ النساء أفضلُ‏؟‏»، قالت إحداهنَّ: «الخَرُود الوَدُود الوَلُود»، قالت الأخرى‏:‏ «خَيْرُهن ذات الغناء وطيبِ الثناء وشدَّة الحياء»، قالت الثالثة‏:‏ «خيرُهن السَّمُوعُ الجَمُوعُ النَّفُوعُ غيرُ المنوع»، قالت الرابعة: «خيرُهن الجامعةُ لأهلها، الوادعةُ الرافعةُ، لا الواضعةُ»، قُلن: «فأيُّ الرجالِ أفضلُ‏؟»،‏ قالت إحداهنَّ: «خيرُهم الحَظِيُّ الرضِيُّ غيرُ الحظَّالِ ‏(‏الحظَّال‏:‏ المقتِّر المحاسب لأهله على ما ينفعه عليهم‏‏)، ولا التبَّال»، قالت الثانيةُ‏:‏ «خيرُهم السيِّدُ الكريمُ، ذو الحسَبِ العميم، والمجد القديم»، قالت الثالثة: «خيرُهم السخِيُّ الوفيُّ الذي ل يُغِيرُ الحرَّةُ، ولا يتَّخذ الضرَّةَ»، قالت الرابعة: «وأبيكنَّ إنَّ في أبي لنَعْتَكُنَّ: كرمَ الأخلاقِ، والصدقَ عند التلاقِ، والفَلَجَ عند السباق، ويحمده أهل الرفاق، قالت العَجْفَاءُ عند ذلك‏:‏ «كلُّ فتاةٍ بأبيها مُعْجَبةٌ».

وفي بعض الروايات أنَّ إحداهنَّ قالت: «إنَّ أبي يُكْرِمُ الجارَ، ويُعْظِم النارَ، ويَنْحَر العِشَارَ بعد الحُوارِ، ويحلُّ الأمورَ الكبارَ»، فقالت الثانيةُ‏:‏ «إنَّ أبي عظيمُ الخَطرِ، منيعُ الوَزَرِ، عزيزُ النفَرِ، يُحْمَدُ منه الوِرْدُ والصَّدَر»، فقالت الثالثة: «إنَّ أبي صدوقُ اللسان، كثيرُ الأعوان، يُرَوِّي السِّنَانَ عند الطِّعان، قالت الرابعة‏:‏ «إنَّ أبي كريمُ النِّزَال، منيفُ المقال، كثيرُ النوال، قليلُ السؤال، كريمُ الفعال»، ثمَّ تنافَرْنَ إلى كاهنةٍ معهنَّ في الحيِّ فقُلن لها‏:‏ «اسمعي ما قلنا، واحكمي بيننا، واعدلي»، ثمَّ أَعَدْنَ عليها قولَهن، فقالت لهنَّ‏:‏ «كلُّ واحدةٍ منكنَّ ماردةٌ، على الإحسان جاهدةٌ، لصواحباتِه حاسدةٌ، ولكنِ اسْمَعنَ قولي‏:‏ خيرُ النساء المبقيةُ على بعلها، الصابرةُ على الضرَّاء مخافةَ أن ترجع إلى أهلها مطلَّقةً، فهي تُؤْثِر حظَّ زوجِه على حظِّ نفسِها، فتلك الكريمةُ الكاملةُ، وخيرُ الرجال الجَوادُ البَطَلُ، القليلُ الفشلِ، إذا سأله الرجلُ ألفاه قليلَ العِلَلِ، كثير النَّفَلِ»، ثمَّ قَالتْ: «كلُّ واحدةٍ منكنَّ بأبيها مُعْجَبةٌ»‏.

[«مجمع الأمثال» للميداني (2/ 38)]

البيان في نصوص الوحي


114- من أسرار فاتحة الكتاب (الثالث)

قال الله تعالى: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَل الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]

المسألة الأولى: ما الحكمة في إضافة الصراط إلى قوله تعالى : ﴿الذين أنعمت عليهم﴾ [الفاتحة: 7] بهذا اللفظ ولم يذكرهم بخصوصهم فيقول صراط النبيِّين والصدِّيقين فلِمَ عدل إلى لفظ المبهم دون المفسَّر؟

ففيه ثلاث فوائد:
إحداها: إحضار العلم وإشعار الذهن عند سماع هذا، فإنَّ استحقاق كونهم من المنعم عليهم هو بهدايتهم إلى الصراط فيه صاروا من أهل النعمة، وهذا كما يعلِّق الحكم بالصلة دون الاسم الجامد لِم فيه من الإنعام باستحقاق ما عُلِّق عليها من الحكم بها. وهذا كقوله تعالى: ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًّ وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم﴾[ البقرة: 274 ]، ﴿والذي جاء بالصدق وصدَّق به أولئك هم المتَّقون﴾ [الزمر: 33 ]، ﴿إن الذين قالوا ربُّنا الله ، ثمَّ استقاموا فلا خوفٌ عليهم﴾ [الأحقاف: 13]، وهذا الباب مطَّردٌ فالإتيان بالاسم موصولاً على هذا المعنى من ذكر الاسم الخاصِّ.
الفائدة الثانية: فيه إشارةٌ إلى أنَّ نفي التقليد عن القلب واستشعارَ العلم بأنَّ من هُدي إلى هذا الصراط فقد أنعم عليه، فالسائل مستشعرٌ سؤال الهداية وطلب الإنعام من الله عليه، والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أنَّ الأوَّل يتضمَّن الإخبار بأنَّ أهل النعمة هم أهل الهداية إليه، والثاني يتضمَّن الطلب والإرادة وأن تكون منه.
الفائدة الثالثة: أنَّ الآية عامَّةٌ في جميع طبقات المنعم عليهم، ولو أتى باسمٍ خاصٍّ لكان لم يكن فيه سؤال الهداية إلى صراط جميع المنعم عليهم، فكان في الإتيان بالاسم العامِّ من الفائدة أنَّ المسؤول الهدي إلى جميع تفاصيل الطريق التي سلكها كلُّ من أُنعم عليهم من النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، وهذا أجلُّ مطلوبٍ وأعظمُ مسؤولٍ، ولو عرف الداعي قدر هذا السؤال لجعله هجِّيراه وقرَنَه بأنفاسه، فإنه لم يدع شيئًا من خير الدنيا والآخرة إلاَّ تضمَّنه، ولمَّ كان بهذه المثابة فرضه الله على جميع عباده فرضًا متكرِّرًا في اليوم والليلة لا يقوم غيره مقامه، ومن ثمَّ يُعلم تعيُّن الفاتحة في الصلاة وأنها ليس منها عوضٌ يقوم مقامها.

[«بدائع الفوائد» لابن القيِّم: (2/18)]

أزهار متناثرة


113- لذَّة العلم

قال الخطيب البغدادي: حدَّثني أبو النجيب عبد الغفَّار بن عبد الواحد الأرموي مُذاكرةً، قال: سمعت الحسن بن عليٍّ المقرئ، يقول: سمعت أبا الحسين بن فارسٍ اللغوي يقول: سمعت الأستاذ ابن العميد يقول: ما كنت أظنُّ أنَّ في الدنيا حلاوةً ألذَّ من الرئاسة والوزارة التي أنا فيها حتى شاهدتُ مذاكرةَ سليمان بن أحمد الطبراني وأبي بكرٍ الجعابي بحضرتي، فكان الطبراني يغلب الجعابي بكثرة حفظه، وكان الجعابي يغلب الطبراني بفطنته وذكاء أهل بغداد، حتى ارتفعت أصواتهما ولا يكاد أحدهما يغلب صاحبه، فقال الجعابي: عندي حديثٌ ليس في الدنيا إلا عندي، فقال: هاته، فقال: نا أبو خليفة نا سليمان بن أيوب ..، وحدَّث بالحديث فقال الطبراني: أنا سليمان بن أيوب!، ومني سمع أبو خليفة، فاسمع مني حتى يعلوَ إسنادك فإنك تروي عن أبي خليفة عني! فخجل الجعابي وغلبه الطبراني، قال ابن العميد: فوددت في مكاني أنَّ الوزارة والرئاسة ليتها لم تكن لي وكنت الطبراني، وفرحت مثل الفرح الذي فرح به الطبراني لأجل الحديث، أو كما قال.. اﻫ

[«الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» (2/ 412)]

صدق، والله هذه اللذة، لا لذَّة الشهوات والمناصب الزائلة.

وقال الإمام إبراهيم بن أدهم: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه ما نحن فيه من السرور والنعيم إذًا لجالدونا عليه بالسيوف.

[«حلية الأولياء» (7/ 370)].

وقال ابن القيِّم: حدَّثني شيخنا [ابن تيمية] قال: ابتدأني مرضٌ فقال لي الطبيب: إنَّ مطالعتك، وكلامك في العلم يزيد المرض! فقلت له: لا أصبر على ذلك، وأنا أحاكمك إلى علمك! أليست النفس إذا فرحت وسُرَّت قويت الطبيعة فدفعت المرض؟ فقال: بلى. فقلت له: فإنَّ نفسي تُسرُّ بالعلم؛ فتقوى به الطبيعة، فأجد راحةً.

فقال : هذا خارجٌ عن علاجنا، أو كما قال.

[«روضة المحبِّين» (70)، و«مفتاح دار السعادة» (1/ 250)]

مختارات شعرية


112- عنوان الحِكَمِ

قال الشاعر الأديب أبو الفتح البستي:

زيادة المرء في دنياه نقصان * وربحه غيرَ محضِ الخير خُسرانُ

وكلّ وِجدانِ حظٍّ لا ثبات له * فإنَّ معناه في التحقيق فِقدانُ

يا عامرًا لِخرابِ الدارِ مجتهد * بالله هل لخراب العُمْرِ عُمرانُ

ويا حريصًا على الأموال تجمعه * أُنْسيتَ أنَّ سرور المال أحزانُ

زَعِ الفؤادَ عن الدنيا وزينته * فصفوها كدرٌ والوصل هِجرانُ

وأَرْعِ سمعك أمثالا أفصِّله * كما يُفصَّل ياقوتٌ ومَرجـانُ

يا خادم الجسمِ كم تشقى بخدمته * أتطلبُ الرِّبحَ فيما فيه خسرانُ

أقبِلْ على النفس واستكمل فضائله * فأنت بالنفسِ لا بالجسم إنسانُ

وإن أساء مُسيءٌ فلْيكن لك في * عُروضِ زلَّته صفحٌ وغُفرانُ

وكن على الدهر مِعوانا لِذي أملٍ * يرجو نداك فإنَّ الحُرَّ مِعوانُ

واشددْ يديك بحبل الله مُعتصمً * فإنه الركنُ إن خانتك أركانُ

* * *

من يتق الله يُحْمدْ في عواقبه * ويُكْفه شرَّ مَن عزُّوا ومن هانوا

من استعان بغير الله في طلبٍ * فإنَّ ناصِره عَجْزٌ وخِذلانُ

مَن كان للخير منَّاعًا فليس له * على الحقيقة إخوانٌ وأخدانُ

مَن جاد بالمالِ مالَ الناس قاطبةً * إليه والمال للإنسان فتَّانُ

[بهجة المجالس لأبي عبد الله الأثري: 52]

قواعـد وفوائـد


111- حذف كان الناقصة

قالوا: "المرء مجزيٌّ بعمله، إن خيرا فخيرٌ، وإن شرا فشرٌ"، وهذه المسألة أودعها سيبويه كتابه وجوّز في إعرابها أربعة أوجه:

أحدها: وهو أجودها، أن تنصب " خيرا " الأول وترفع الثاني، وتنصب "شرا" الأول وترفع الثاني، ويكون تقديره: إن كان عمله خيرا فجزاؤه خير، وإن كان عمله شرا فجزاؤه شر، فتنصب الأول على أنه خبر كان، وترفع الثاني على أنه خبر مبتدأ محذوف، وقد حذفت في هذا الوجه "كان" واسمها لدلالة حرف الشرط الذي هو "إن" على تقديرها، وحذف أيض المبتدأ لدلالة الفاء التي هي جواب الشرط عليه، لأنه كثيرا ما يقع بعدها.

ثانيها: أن تنصبهما جميعا، ويكون تقدير الكلام: إن كان عمله خيرا فهو يُجزى خيرا، وإن كان عمله شرا فهو يُجزى شرا، فينتصب الأول على أنه خبر "كان" وينتصب الثاني انتصاب المفعول به.

ثالثها: أن ترفعهما جميعا، ويكون تقدير الكلام: إن كان في عمله خير فجزاؤه خير، فيرتفع "خير" الأول على أنه اسم "كان" ويرتفع "خير" الثاني على ما بُيِّن في شرح الوجه الأول.

وقد يجوز أن يرتفع "خير" الأول على أنه فاعل "كان" وتجعل "كان" المقدرة هاهنا هي التامة التي تأتي بمعنى حدث ووقع، فلا تحتاج إلى خبر كقوله تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ﴾[البقرة: 280]، ويكون التقدير في المسألة: إن كان خير فجزاؤه خير، أي: إن حدث خير فجزاؤه خير.

رابعها: وهو أضعفها، أن ترفع الأول على ما تقدم شرحه في الوجه الثالث، وتنصب الثاني على ما بُيِّن في الوجه الثاني، ويكون التقدير: إن كان في عمله خير فهو يجزى خيرا، وعلى حسب هذه التقديرات والمقدرات المحذوفات فيه يجري فيه البيت الذي غُنِّيَ به، ومما ينتظم في هذ السلك قولهم: المرء مقتول بما قتل به، إن سيفا فسيف، وإن خنجر فخنجر.

[أوضح المسالك لابن هشام: 1/235]

الملح والنوادر


110- قالوا على لسان البهائم

قالوا: صاد رجل قُبَّرةً، فقالت: ما تريد أن تصنع بي، قال: أذبحك وآكلك، فقالت، والله ما أُشْبِع من جوعٍ وخيرٌ لك من أكلي أن أعلِّمك ثلاث خصالٍ: واحدةً وأنا في يدك، والثانية وأنا على الشجرة، والثالثة وأنا على الجبل، قال: هاتي، قالت: لا تلهفنَّ على ما فات، فخلَّى سبيلها، فلمَّا صارت على الشجرة قالت: لا تصدِّقنَّ بما لا يكون أنه سيكون، فلمَّا صارت على الجبل قالت له: يا شقيُّ لو ذبحتني أخرجت من حوصلتي درَّتين كلُّ واحدةٍ عشرون مثقالاً، قال: فعضَّ الرجل على شفتيه تلهُّفًا، ثمَّ قال: هاتي الثالثة، فقالت: أنت قد نسيت ثنتين فكيف أخبرك بالثالثة! ألم أقل لك: لا تلهفنَّ على ما فات، ولا تصدِّقنَّ بما لا يكون أنه سيكون! أنا ولحمي ودمي وريشي لا يكون فيَّ عشرون مثقالاً، فكيف يكون في حوصلتي درَّتان كلُّ واحدةٍ عشرون مثقالاً! ثمَّ طارت وذهبت.

[«شرح مقامات» الحريري (35)].

اللغة


109- أخطاء شائعة

1- أعلِّمه الرماية كلَّ يومٍ * فلمَّا اشتدَّ ساعده رماني

الخطأ (اشتدَّ)، والصواب: استدَّ من التسدُّد على الرمي وهو الاستقامة.

2- جمع مدير على مدراء، والصواب: أن يجمع جمع مذكرٍ سالمًا مديرون. الشائع جمع: مدير، على: مدراء. وهذا خطأ؛ لأنَّ من شروط جمع الصفة على (فعلاء) أن تكون للمذكَّر العاقل وبشروطٍ:

- على وزن (فعيل) للمبالغة بمعنى (فاعل).

- أن تكون الصفة صحيحة اللام: (كرم) لامه صحيحة، لا حرف علَّة (يعني الحرف الثاني: الراء) ومنه: كريم. -ألاَّ يكون لام الفعل مضاعفًا.

- أن تدلَّ الصفة (فعيل) على سجيَّةٍ ما، مدح أو ذم.

فإذا اجتمعت هذه الشروط في الصفة كانت على وزن (فعلاء) مثل: كريم كرماء، لئيم لؤماء. أمَّا (مدير) فهي اسم فاعل على وزن (مُفْعِل) وفعلها: أدار: يدير فهو مديرٌ وفي الجمع مديرون، ومثلها: مقيم مقيمون، مريد مريدون، وما شاكلهما من الصفات التي لا تحمل الشروط الأربعة التي وردت سابقًا.

3- مسودَّة بتشديد الدال خطأ، والصواب: بتشديد الواو وتخفيف الدال مسوَّدة من سوَّد.

4- عُبُوَّة بضمتين وتشديد الواو، والصواب: الذي يوافق البنية الصرفية: عَبْوة بفتح فسكون، اسم مرة من عَبَا.

5- في الحديث: «من ظلم قِيدَ شبرٍ طُوِّقه من سبع أرضين» الخطأ في فتح القاف من (قيد)، والصواب: كسرها بمعنى قدر.

6- الزَّخَم: إذا أريد به قوَّة الدفع وشدَّته فهو بتسكين الخاء الزخم ويخطئ من يفتحها؛ إذ يصير المعنى إلى تغيُّر رائحة الشيء.

7- يقولون : ... حَسَب التوقيت المحلي، والصواب: بتسكين السين حَسْب بمعنى : على مقدار.

8- حرِص بكسر الراء خطأ، والصواب: فتحها، قال -تعالى- : ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرَصتم﴾.

9- يقال: سيُعَدُّ العقد لاغيًا. والصواب: ملغىً من ألغى. أمَّا الأوَّل: فمن اللغو.

10- يقولون: ملفت للنظر. والصواب : لافتٌ للنظر.
كثيرًا ما نسمع قول بعضهم : هذا المنظر أو الحادث ملفت للنظر. وهذ الاستعمال خطأ. ووجه الصواب أن نقول: لافتٌ؛ لأنَّ فعله لفت، ل ألفت، إذ لا يوجد في العربية فعل هو ( ألفت )، واسم الفاعل من الثلاثي عادةً على وزن ( فاعل ) فنقول: لافت .أمَّا ( ملفت ) فهو اسم الفاعل الرباعي ( ألفت ) مثل (مكرم) و(محسن) من أكرم وأحسن، ولا يوجد في العربية ( ألفت ) كما قلنا. ومعنى لفت الشيء يلفته لفتا: لواه على غير وجهه، بياءٍ مفتوحة، لا مضمومة. ولفته عن الشيء: صرفه. قال تعالى: ﴿قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا﴾ بفتح الياء.

[جولة في المواقع والكتب]

الحكم والأمثال


108- من حكم الشافعي رحمه الله

قال الشّافعيُّ رحمه الله تعالى: «رضى الناس غاية لا تُدْرَك- ورضى الله غاية لا تُترك-، فعليك بالأمر الذي يُصلحك فالْزمْه، ودعْ ما سواه، فل تُعَانِه، فإرضاء الخلق لا مقدورٌ ولا مأمورٌ، وإرضاء الخالق مقدورٌ ومأمورٌ».

[«شرح العقيدة الطحاوية» (2/349)]

البيان في نصوص الوحي


107- من أسرار فاتحة الكتاب(الثاني)

﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]

المسألة الثالثة: وهي ما فائدة زيادة لا بين المعطوف والمعطوف عليه ففي ذلك ثلاث فوائد:

أحدها: أنَّ ذكرها تأكيدٌ للنفي الذي تضمَّنه "غير" فلولا ما فيها من معنى النفي لما عُطف عليها ﺑ "لا" مع الواو، فهو في قوة لا المغضوب عليهم ولا الضالين، أو غير المغضوب عليهم ولا الضالِّين.

الفائدة الثانية: أنَّ المراد المغايرة الواقعة بين النوعين وبين كلِّ نوعٍ بمفرده، فلو لم يذكر لا وقيل: غير المغضوب عليهم والضالِّين؛ أوهم أنَّ المراد ما غاير المجموع المركَّب من النوعين لا ما غاير كلَّ نوعٍ بمفرده. فإذا قيل: ول الضالِّين كان صريحًا أو أنَّ المراد صراط غير هؤلاء وغير هؤلاء. وبيان ذلك أنك إذا قلت: ما قام زيدٌ وعمر فإنما نفيت القيام عنهما، ولا يلزم من ذلك نفيه عن كلِّ واحدٍ منهما بمفرده.

الفائدة الثالثة: رفعُ توهُّم أنَّ الضالِّين وصفٌ للمغضوب عليهم وأنهما صنفٌ واحدٌ وُصفو بالغضب والضلال ودخل العطف بينهما، كما يدخل في عطف الصفات بعضها على بعض نحو قوله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون﴾ [المؤمنون: 1-3 ]، إلى آخرها فإنَّ هذه صفاتٌ للمؤمنين، ومثل قوله: ﴿سبِّح اسم ربك الأعلى ، الذي خلق فسوَّى ، والذي قدَّر فهدى﴾ [الأعلى: 1-3]، ونظائره فلمَّا دخلت "لا" عُلم أنهما صنفان متغايران مقصودان بالذكر وكانت "لا" أَوْلى بهذا المعنى من "غير" لوجوهٍ:

أحدها: أنها أقلُّ حروفًا.

الثاني: التفادي من تكرار اللفظ.

الثالث: الثقل الحاصل بالنطق ﺑ«غير» مرَّتين من غير فصلٍ إلا بكلمةٍ مفردةٍ، ول ريب أنه ثقيلٌ على اللسان.

الرابع: أنَّ «لا» إنما يُعطف بها بعد النفي، فالإتيان بها مؤذنٌ بنفي الغضب عن أصحاب الصراط المستقيم كما نفى عنهم الضلال وغيره. وإن أفهمت هذا فلا أدخل في النفي منها.

[«بدائع الفوائد» لابن القيم (2/33)]

أزهار متناثرة


106- كم من مريد للخير لن يصيبه

روى الدارمي في سننه قال: أخبرنا الحكم بن مباركٍ أخبرنا عمرو بن يحيى قال: سمعت أبي يحدِّث عن أبيه قال: كنَّا نجلس على باب عبد الله بن مسعودٍ قبل صلاة الغداة فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرج فلمَّا خرج قمنا إليه جميعًا، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفًا أمرًا أنكرته ولم أر والحمد لله إلا خيرًا. قال: فما هو؟. فقال: إن عشت فستراه. قال: رأيت في المسجد قومًا حِلَقًا جلوسً ينتظرون الصلاة في كلِّ حلقةٍ رجلٌ وفي أيديهم حصًى فيقول: كبِّرو مائةً فيكبِّرون مائةً، فيقول هلِّلوا مائةً فيهلِّلون مائةً، يقول سبِّحوا مائةً فيسبِّحون مائةً. قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئًا انتظار رأيك وانتظار أمرك. قال: أفلا أمرتهم أن يعدُّو سيِّئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم، ثمَّ مضى ومضينا معه حتى أتى حلقةً من تلك الحِلَق فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن، حصًى نعدُّ به التكبير والتهليل والتسبيح. قال: فعُدُّوا سيِّئاتكم فأنا ضامن لكم أن لا يضيع من حسناتكم شيءٌ. ويحكم يا أمَّة محمد، ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيِّكم صلَّى الله عليه وسلَّم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملَّةٍ هي أهدى من ملَّة محمَّدٍ أو مفتتحو باب ضلالةٍ؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن، م أردنا إلا الخير. قال: وكم من مريدٍ للخير لن يصيبه، إنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حدَّثنا أنَّ قومًا يقرءون القرآن ل يجاوز تراقِيَهم، وايم الله ما أدري لعلَّ أكثرهم منكم، ثمَّ تولَّى عنهم. فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامَّة أولئك الحِلَق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج.

[«مقدمة سنن الدارمي» (210)]

مختارات شعرية


105- رثاء الأندلس

قال أبو البقاء صالح بن شريف الرندي:

لكل شيءٍ إذا مــا تمَّ نقـصـانُ * فلا يُغَرَّ بطيب العيش إنسـانُ

هي الأمـور كما شاهـدتهـا دُوَل * مَن سرَّه زمـن ساءته أزمـانُ

وهذهِ الـدارُ لا تُبقِي عـلى أحَـدٍ * ولا يدوم على حال له شـانُ

أين المُلـُوكُ ذوو التُيجـانِ مِن يمنٍ * وأين منهـم أكـاليلٌ وتيجانُ

وأيـن مـا شـادهُ شـدادُ في إرمٍ * وأين ما ساسهُ في الفُرسِ ساسانُ

وأيـن مـا حـازه قارون من نهبٍن نهبٍ * وأيـن عـادٌ وشـدادٌ وقحطانُ

أتى علـى الكـل أمـرٍ لا مـرد لهُ د لهُ د لهُ * حـتى قضوا فكأن القوم ما كانُوا

وصار ما كان من ملك و من ملكٍ * كما حكى عن خيال الطيف وسنانُ

كأنما الصعب لم يسهل لـه سببٌه سببٌه سببٌه سببٌ * يومـاً ولا مـلك الدنيا سليمانُ

فجـائـع الدنيا أنـواعٌ منـوعةٌ * وللزمـان مسـراتٌ وأحـزانُ

وللحـوادث سـلـوانُ يسهـلـه * وما لما حل بالإسلام سلـوانُ

ههــى الجـزيرة أمـرٌ لا عزاء له * هــوى له أحدٌ وانهد شهلانُ

أصابها العينُ في الإسـلام فارتـزأتُ * حتى خلت منه أقطارٌ وبلـدانُ

فاسأل بلنسية ما شـأن مـرسية* وأيـن شاطبـة أم أيـن جيانُ

وأين قرطبةُ دار العلـوم فــكـم * من عـالم قد سما فيها له شأنُ شأنُ

وأيـن حمـصُ وما تحويه من نزهٍ * ونهرهـا العـذب فيـاض وملآنُ

قواعد كن أركان البـلاد فـم * عسى البقاء إذا لم تبـق أركانُ

تبكي على الحنيفية البيضاء من أسف * كما بكى لفراق الإلف هيمانُ

على ديار من الإسـلام خاليــة * قد أقفرت ولها بالكفر غمـرانُ

حيث المساجد قد صارت كنائس م * فيهن إلا نواقيس وصلـبـانُـبـانُ

حتى المحاريب تبكي وهي جامـدة * حتى المنابر ترثي وهي عيـدانُيـدانُ

يا غافلا وله في الدهر موعـظـة * إن كنت في سنةٍ فالدهر يقظان

وماشياً مرحاً يلهيـه مـوطنــهُ * أبعد حِمصٍ تغرُّ المرءُ أوطانُ

تلك المُصيبـةُ أنسـت ماتقدمها * ومالها من طوالِ الدهرِ نسيانُ

ياراكبين عتـاق الخيـل ضامـرة * كأنها في مجال السبقِ عقبـانُ

وحاملين سيـوف الهند مرهـفـةً * كأنها في ظلام النقع نيـرانُيـرانُ

وَرَاتِعِين وراء البـحـر في دَعَـةٍ * لَهُم بأوطانهم عزٌ وسلـطـانُ

أعندكم نبأٌ من أهـلِ أنـدلُـسٍ * فقد سرى بحديثِ القومِ ركبانُ

كم يستغيثُ بنا المُستضعفُونَ وهم * قتلى وأسرى فما يهتزَّ إنسـانُ

بالأمس كانوا ملوكا في منازلهم * واليوم هم في بلاد الكفر عبدان

لمثل هذا يموت القلب من كمد * إن كان في القـلب إسلام وإيمانُ

[«بهجة المجالس» لأبي عبد الله الأثري: (32)]

قواعـد وفوائـد


104- من أسرار التضمين والحروف في اللغة العربية

قال الله تعالى: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]
وأما تعدية الفعل هنا بنفسه دون حرف إلى فجوابها: أن فعل الهداية يتعدى بنفسه تارة، وبحرف إلى تارة وباللام تارة، والثلاثة في القرآن فمن المعدّى بنفسه هذه الآية وقوله: ﴿ويهديك صراطاً مستقيماً﴾[الفتح: 2]، ومن المعدّى بإلى قوله: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ [الشورى: 52]، وقوله تعالى: ﴿قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم﴾ [الأنعام: 161]، ومن المعدّى باللام قوله قول أهل الجنة: ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا﴾ [الأعراف: 43] ، وقوله تعالى : ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ [الإسراء: 9]، والفروق لهذه المواضع تدق جداً عن أفهام العلماء، ولكن نذكر قاعدة تشير إلى الفرق وهي: أن الفعل المعدّى بالحروف المتعددة لا بد أن يكون له مع كل حرف معنى زائد على معنى الحرف الآخر وهذا بحسب اختلاف معاني الحروف، فإن ظهر اختلاف الحرفين ظهر الفرق نحو رغبت عنه ورغبت فيه، وعدلت إليه وعدلت عنه، وملت إليه وعنه، وسعيت إليه وبه، وإن تفاوت معنى الأدوات عسر الفرق نحو: قصدت إليه وقصدت له، وهديته إلى كذا وهديته لكذا، وظاهرية النحاة يجعلون أحد الحرفين بمعنى الآخر، وأما فقهاء أهل العربية فلا يرتضون هذه الطريقة، بل يجعلون للفعل معنى مع الحرف، ومعنى مع غيره فينظرون إلى الحرف وما يستدعي من الأفعال، فيُشرِبُونَ الفعل المتعدي به معناه هذه طريقة إمام الصناعة سيبويه رحمه الله تعالى وطريقة حذّاق أصحابه يضمّنون الفعل معنى الفعل لا يقيمون الحرف مقام الحرف، وهذه قاعدة شريفة جليلة المقدار تستدعي فطنة ولطافة في الذهن، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿عيناً يشرب بها عباد الله﴾ [الإنسان: 6]، فإنهم يضمنون بـ "شرب" معنى "يروي" فيعدونه ب "الباء" التي تطلبها فيكون في ذلك دليل على الفعلين أحدهم بالتصريح به، والثاني بالتضمن والإشارة إليه بالحرف الذي يقتضيه مع غاية الاختصار وهذا من بديع اللغة ومحاسنها وكمالها، ومنه قوله في السحاب: "شربن بماء البحر حتى روين، ثم ترفعن وصعدن"، وهذا أحسن من أن يقال يشرب منها، فإنه لا دلالة فيه على الريّ وأن يقال: يروي بها لأنه لا يدل على الشرب بصريحه، بل باللزوم، فإذا قال: يشرب به دل على الشرب بصريحه وعلى الريّ بخلاف الباء فتأمله، ومن هذ قوله تعالى: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه﴾[الحج: 25]، وفعل الإرادة لا يتعدى بالباء، ولكن ضمّن معنى يهم فيه بكذا وهو أبلغ من الإرادة، فكان في ذكر الباء إشارة إلى استحقاق العذاب عند الإرادة وإن لم تكن جازمة، وهذا باب واسع لو تتبعناه لطال الكلام فيه ويكفي المثالان المذكوران، فإذا عرفت هذا ففعل الهداية متى عُدِّيَ بـ "إلى" تضمّن الإيصال إلى الغاية المطلوبة فأتى بحرف الغاية، ومتى عُدِّيَ باللام تضمّن التخصيص بالشيء المطلوب فأتى باللام الدالة على الاختصاص والتعيين، فإذا قلت: هديته لكذا، فهم معنى ذكرته له وجعلته له وهيأته ونحو هذا، وإذا تعّدى بنفسه تضمّن المعنى، الجامع لذلك كله وهو التعريف والبيان والإلهام، فالقائل إذا قال: اهدن الصراط المستقيم هو طالب من الله أن يعرفه إياه ويبينه له ويلهمه إياه ويقدره عليه، فيجعل في قلبه علمه وإرادته والقدرة عليه فجرّد الفعل من الحرف وأتى به مجرّداً معدًّى بنفسه ليتضمّن هذه المراتب كلها، ولو عُدِّيَ بحرف تعيّن معناه وتخصّص بحسب معنى الحرف، فتأمّله فإنه من دقائق اللغة وأسرارها.

[بدائع الفوائد لابن القيم: 2/20]

الملح والنوادر


103- ملحة نحوية

لقد اختلف علماء النحو في التركيب الذي لا يفيد فائدة جديدة هل يعد كلاما أم لا؟ على قولين المختار منهما أنه كلام، ولا يُنظر إلى تجدُّد الفائدة وإنما يُنظر إلى التركيب فإن توفرت فيه شروط الكلام عُدَّ كلاما وإلا فلا، وفي هذا يقول أبو سودون مازحا وذاكرا في أبيات أشياء تُعَدُّ من الكلام مع كونها معلومةً بداهة لكلِّ واحدٍ فقال وأحسن:

إذا ما الفتى بالعقل قد سم * تيقن أن الأرض من فوقها السَّمَاسَّمَا

وأن السَّما مِن تحتها الأرض لم تزل * وبينهما أشيا متى ظهرت تُرى

وأني سأبدي بعض ما قد علمته * ليُعلم أني من ذوي العقل والحِجَالحِجَالحِجَا

فمِن ذاك أن الناس من نسل آدم * ومنهم أبو سودون أيضا ولو قضى

وأن أبي زوج لأمي وأنني * أنا ابنهما والناس قد يعلمون ذامون ذا

وقال آخر:

كأننا والناس من حولن * قوم جلوس حولهم ماء

[«شرح المكودي لألفية ابن مالك» (12)]

اللغة


102- باب فعِلت وفعَلت باختلاف المعنى

قد وردت كلمات على وزن فعِل وفعَل ولكنها مختلفة في المعنى، وهذا من أسرار هذه اللغة الكريمة التي اختارها الله تعالى لكتابه، ومن هذه الكلمات ما يلي:

1- نقِهَ وفقََهَ، نقِهَ: فهِم، نقَهَ: برِأ،قال الناظم:

قد نقِه الحديثَ مثل فهمه * ونقَه المريضُ مما أسقمهْ

2- قنِع وقنَع، قنِع: رضيَ، قنَع: سأل، قال الناظم:

وقد قنِعتَ يا فتى قناعه * أي قد رضيت حبذا البضاعة

وقنَع الإنسان يعني سأل * وهو القنوع بئس هذا عملا

3- حلَى وحلِِي، حلى الشيء: عذب في الفم، وحلي الشيء: حسن في عيني، قال الناظم:

وقد حلى الشيء وشيء حلوُ * في الفم أي يعذب وهو الأصل

وحلِي الشيء بعيني يحلى * أي حسن الشيء وأنت أحلى

تقول في مصادر الفعلين * حلاوة أي في فم أو عينِ

4- لبِس ولبَس، لبِس: ارتدى الثوب ، لبس: التبس واختلط، قال الناظم:

وقد لبِست البرد والعمامة * والنعل والسلاح ثم اللامة

ألبس لبسا وهو اللبوس * واللابس الشخص عداك البوس

وقد لبَست الأمر متى التبس * خلطته كما تقول لبَّسا

[نظم ابن المرحل: 11]

الحكم والأمثال


101- معظم النار من مستصغر الشرر

أورد البخاريُّ في صحيحِه في «الفتن» «باب الْفِتْنَةِ الَّتِى تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ» ما يلي: وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَتَمَثَّلُوا بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ عِنْدَ الْفِتَنِ: قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:

الْحَرْبُ -أَوَّلَ مَا تَكُونُ- فَتِيَّةٌ * تَسْعَى بِزِينَتِهَ لِكُلِّ جَهُولِ

حَتَّى إِذَا اشْتَعَلَتْ وَشَبَّ ضِرَامُهَ * وَلَّتْ عَجُوزًا غَيْرَ ذَاتِ حَلِيلِ

شَمْطَاءَ يُنْكَرُ لَوْنُهَا وَتَغَيَّرَتْ * مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ وَالتَّقْبِيلِ

البيان في نصوص الوحي


100- من أسرار فاتحة الكتاب(الأول)

﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴾[الفاتحة: 7]

وأمَّا المسألة الثالثة عشرة: وهو تقديم المغضوب عليهم على الضالِّين فلوجوهٍ:

أحدها: أنهم متقدِّمون عليهم بالزمان.

الثاني: أنهم كانوا هم الذين يَلُون النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم من أهل الكتابين، فإنهم كانوا جيرانه في المدينة، والنصارى كانت ديارهم نائيةً عنه، ولهذا تجد خطابَ اليهود والكلام معهم في القرآن الكريم أكثر من خطاب النصارى، كما في سورة البقرة والمائدة وآل عمران وغيرها من السور.

الثالث: أنَّ اليهود أغلظ كفرًا من النصارى، ولهذا كان الغضب أخصَّ بهم واللعنة والعقوبة، فإنَّ كفرهم عن عنادٍ وبغيٍ كما تقدَّم، فالتحذير من سبيلهم والبعد منها أحقُّ وأهمُّ بالتقديم، وليس عقوبة مَن جَهِل كعقوبة مَن عَلِم.
الرابع: -وهو أحسنها- أنه تقدَّم ذكرُ المنعَم عليهم، والغضبُ ضدُّ الإنعام، والسورة هي السبع المثاني التي يُذكر فيها الشيء ومقابله، فذكرُ المغضوب عليهم مع المنعَم عليه فيه من الازدواج والمقابلة ما ليس في تقديم الضالِّين، فقولك: الناس منعَمٌ عليه ومغضوبٌ عليه، فكن من المنعَم عليهم أحسن من قولك: منعمٌ عليه وضالٌّ.

وأمَّا المسألة الرابعة عشرة: وهي أنه أتى في أهل الغضب باسم المفعول وفي الضالِّين باسم الفاعل فجوابهم ظاهرٌ، فإنَّ أهل الغضب من غَضِب الله عليهم وأصابهم غضبه فهُمْ مغضوبٌ عليهم، وأمَّا أهل الضلال فإنهم هم الذين ضلُّوا وآثروا الضلالَ واكتسبوه، ولهذا استحقوا العقوبةَ عليه، ولا يليق أن يقال: «ولا المضَلِّين» مبنيًّ للمفعول لِمَا في رائحته من إقامة عُذرهم وأنهم لم يكتسبوا الضلالَ من أنفُسهم بل فُعل فيهم، ولا حجَّةَ في هذا للقدرية، فإنَّا نقول: إنهم هم الذين ضلُّوا وإن كان الله أضلَّهم، بل فيه ردٌّ على الجبرية الذين ل ينسبون إلى العبد فعلاً إلاَّ على جهة المجاز لا الحقيقة، فتضمَّنتِ الآية الردَّ عليهم، كما تضمَّن قوله: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ الردَّ على القدرية، ففي الآية إبطالُ قول الطائفتين والشهادةُ لأهل الحقِّ أنهم هم المصيبون وهم المثبتون للقدر توحيدًا وخلقًا، والقدرةِ لإضافة أفعال العباد إليهم عملاً وكسبًا وهو متعلَّق الأمر والعمل، كما أنَّ الأول متعلَّق الخلق والقدرة، فاقتضت الآية إثباتَ الشرع والقدر والمعاد والنبوَّة، فإنَّ النعمة والغضب هو ثوابه وعقابه، فالمنعَم عليهم رسلُه وأتباعُهم ليس إلاَّ، وهُدى أتباعِهم إنم يكون على أيديهم، فاقتضى إثباتَ النبوَّة بأقرب طريقٍ وأبينِها وأدلِّه على عموم الحاجة وشدَّة الضرورة إليها، وأنه لا سبيلَ للعبد أن يكون من المنعَم عليهم إلاَّ بهداية الله له، ولا تُنال هذه الهداية إلاَّ على أيدي الرسل، وأنَّ هذه الهداية لها ثمرةٌ وهي النعمة التامَّة المطلقة في دار النعيم، ولخلافها ثمرةٌ وهي الغضب المقتضي للشقاء الأبدي، فتأمَّلْ كيف اشتملتْ هذه الآية مع وجازتها واختصارها على أهمِّ مَطَالِبِ الدين وأجلِّها، والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو أعلم.

[«بدائع الفوائد» لابن القيم (2/ 33)]

أزهار متناثرة


99- من حنفاء الجاهلية «زيد بن عمرو بن نفيل»

روى ابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في زيد بن عمرو: «دخلت الجنة فرأيت لزيد بن عمرو بن نفيل درجتين» (حديث حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة: 1456، وصحيح الجامع: 3367)

وذكر البخاري في صحيحه: « أن زيدا خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتّبعه فلقي عَالِمًا مِنَ الْيَهُودِ، فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِمْ، فَقَالَ إني لَعَلِّي أَنْ أَدِينَ دِينَكُمْ، فأخبرني. فَقَالَ لاَ تَكُونُ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ. قَالَ زَيْدٌ: مَا أَفِرُّ إِلاَّ مِنْ غَضَبِ اللَّه، وَلاَ أَحْمِلُ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ شَيْئً أَبَدًا، وَأَنَّى أَسْتَطِيعُهُ فَهَلْ تدلني عَلَى غَيْرِهِ، قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا. قَالَ زَيْدٌ: وَمَا الْحَنِيفُ، قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلاَ يَعْبُدُ إِلاَّ اللَّه، فَخَرَجَ زَيْدٌ فلقي عَالِمًا مِنَ النَّصَارَى، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَقَالَ: لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ. قَالَ مَا أَفِرُّ إِلاَّ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ، وَلاَ أَحْمِلُ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ وَل مِنْ غَضَبِهِ شَيْئًا أَبَدًا، وَأَنَّى أَسْتَطِيعُ، فَهَلْ تَدُلُّنِى عَلَى غَيْرِهِ قَالَ مَا أَعْلَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا. قَالَ: وَمَا الْحَنِيفُ، قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَل يَعْبُدُ إِلاَّ اللَّهَ. فَلَمَّا رَأَى زَيْدٌ قَوْلَهُمْ فِى إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - خَرَجَ، فَلَمَّا بَرَزَ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إني أَشْهَدُ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ ». (رواه البخاري في مناقب الأنصار: 3827 من حديث عبدا لله بن عمر رضي الله عنه)

وكان زيد لا يذبح للأنصاب، ولا يأكل الميتة والدم، وكان ينكر على قريش أفعالهم الشركية، وله شعر تظهر عليه صبغة التوحيد والإيمان نختار منه المقتطفات التالية:

وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له الأرض تحمل صخرا ثقالا

دحاها فلما رآهـا استوت * على الماء أرسى عليها الجبالا

وأسلمتُ وجهي لمن أسلمتْ * له المزن تحمل عذبـا زلالا زلالا

إذا هي سيقت إلى بلــدة * أطاعت فصبّت عليها سجالا

وقال أيضا:

أربًّـا واحـدا أم ألف ربٍّ * أدين إذا تقسّمــتِ الأمورُ

عزلت اللاّت والعزّى جميع * كذلك يفعـل الجلد الصَّبورُ

ولكن أعبد الرحمــان ربي * ليغفـر ذنبي الرب الغفـورُ

فتقوى الله ربكم احفظـوه * متى ما تحفظـوها لا تبـورُ

ترى الأبرار دارهم جنان * وللكفار حامية ســـــعيرُ

وقد قتل وهو قادم إلى مكة باحثا عن الدين الحق، فرثاه ورقة بن نوفل بقوله:

رَشَدتَ وأنعمت ابن عمرو وإنم * تَجَنّبْتَ تنّـُورا مـن النـار حـاميا

بدينك ربا ليـس ربّ كمثلـه * وتركك أوثان الطــواغي كما هيا

وإدراكك الدين الذي قد طلبته * ولم تـك عن تـوحيد ربك سـاهيا

فأصبحتَ في دارٍ كريمٍ مقامُـه * تعلـّل فيهــا بالكـرامـة لاهيا

تـلاقي خليل الله فيها ولـم تكن * من الناس جبارا إلى النار هـاويا

وقد تـدرك الإنسانَ رحمةُ ربـِّه * ولو كان تحت الأرض سبعين واديا

[«بلوغ الأرب» لمحمود الألوسي (2/ 249)]

مختارات شعرية


98- العمل بالعلم

قال أبو الأسود الدؤلي رحمه الله:

يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ المُعَلِّمُ غَيْرَهُ * هَل لِنَفْسِكَ كَانَ ذَا التَّعْلِيمُ

تَصِفُ الدَّوَاءَ لِذِي السِّقَامِ وَذِي الضَّنَى * كَيْمَ يَصِحُّ بِهِ وَأَنْتَ سَقِيمُ

وَأَرَاكَ تُصْلِحُ بِالرَّشَادِ عُقُولَنَ * أَبَدًا وَأَنْتَ مِنَ الرَّشَادِ عَقِيمُ

لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ * عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ

ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَ * فَإِذَ انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ

فَهُنَاكَ يُقْبَلُ مَا تَقُولُ وَيُقْتَدَى * بِالعِلْمِ مِنْكَ وَيَنْفَعُ التَّعْلِيمُ

[«جواهر الأدب» للهاشمي(481)]

قواعـد وفوائـد


97- من ضوابط معرفة العجمة

جميع أسماء الأنبياء ممنوعة من الصرف، ما عدا ستة- وقيل أربعة فقط يجمعها قولك: «شهصم»-، يجمعها قولك: «صن شمله» وهي: صالح ونوح وشعيب ومحمد ولوط وهود، وتمنع من الصرف للعلمية والعجمة، والمراد بالعجمي: ما نقل عن لسان غير العرب بأي لغة كانت، وتعرف عجمة الاسم بوجوه:

1- نقل الأئمـة.

2- خروج الاسم عن أوزان الأسماء العربية كإبراهيم.

3- أن يكون رباعيا أو خماسيا خاليا من حروف الذلاقة، وحروف الذلاقة ستة: وهي الميم والراء والباء والنون والفاء واللام ويجمعها: « مر بنفل ».

4- أن يجتمع فيه من الحروف ما لا يجتمع في كلام العرب، كالجيم والقاف بفاصل نحو: جرموق، وبغير فاصل نحو: قج وجقة، والصاد والجيم نحو: الصولجان، والكاف والجيم نحو: السكرجة، والراء بعد النون في أول الكلمة نحو نرجس، والزاي بعد الدال في آخر الكلمة نحو: مهندز.

[«إعراب القرآن وبيانه» للدرويش (2/ 156)]

الملح والنوادر


96- رزقك يتبعك كما يتبعك الموت

قال عروة بن أذينة في ذم الطمع:

لقد علمت وخير القول أصدقـه * بأن رزقي وإن لم آت يأتينـي

أسعـى لـه فيعنيني تطلّبــه * وإن قعدت أتـاني لا يعنينــي

لا خير في طمع يدني إلى طبـع * وعقة من قوام العيش تكفينـي

وللبيت الأول حكاية تحث على استشعار اليقين، وإعلاق الأمل بالخالق دون المخلوقين، وهي أن عروة هذا وفد على هشام بن عبد الملك في جماعة من الشعراء، فلما دخل عليه عروة قال له: ألست القائل:

لقد علمت وخير القول أصدقه...الأبياتلأبيات لأبيات

وأراك قد جئت تضرب من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق! فقال له: لقد وعظت يا أمير المؤمنين فبالغت في الوعظ، وأذكرت ما أنسانيه الدهر، وخرج من فوره إلى راحلته فركبها، ثم نصّها نحو الحجاز.

فمكث هشام يومه غافلا عنه، فلما كان من الليل تعارَّ على فراشه، فذكره فقال: رجل من قريش قال حكمة، ووفد إليَّ اليوم، فجبّهته ورددته عن حاجته! وهو مع هذا شاعر، لا آمن ما يقول، فلما أصبح سأل عنه، فأخبر بانصرافه، قال: لا جرم، ليعلم أن الرزق سيأتيه، ثم دع بمولى له، فأعطاه ألفي دينار، وقال: الحق بهذا، أين أدركته فأعطه إياها.إياها.إياها.إياها.إياها.إياها.

قال فلم يدركه إلا وقد دخل بيته، فقال: أبلغ أمير المؤمنين السلام وقل له: كيف رأيت.

[«شرح مقامات الحريري» للشريشي (1/ 463)]

اللغة


95- أصوات متنوعة

الكرير: صوت الصدر.

الكشيش: صوت جلد الأفعى.

الرغاء: صوت الإبل.

الخشخشة: صوت النعال، وصوت السلاح.

الثغاء: صوت الشاة.

النشنشة: صوت الثوب الجديد، وصوت الدرع.

الشحيج: صوت البغال.

الجعجعة والعجعجة: الصوت العالي والصياح.

القوقأة: صوت الدجاج.

الصفير: صوت النسور.

الفحيح: صوت الأفاعي.

النعيب: صوت البوم.

البغام: صوت الظبي.

الصرصرة: صوت البازي.

الصرير: صوت الباب.

الخرير: صوت الماء.

الهديل: صوت الحمام.

الخفخفة: صوت الضبع، وصوت الكاغد والثوب الجديد.

الحبحبة: جري الماء.

الطبطبة: صوت السيل.

المعمعة: صوت النار.

الحفحفة: صوت الجناحين.

[«مبادئ اللغة» للإسكافي وغيره (200)]

الحكم والأمثال


94- طلب أثرا بعد عين

المثل: «طَلَبَ أَثَرًا بَعْدَ عَيْنٍ»

العَيْن‏:‏ المعاينة‏

يُضرب: لمن ترك شيئًا يراه ثمّ تبع أثرَه بعد فوتِ عينِه‏، كأنّ رجل تمكّن مِن عدوِّه أو مِن صيدٍ ليرميَه، فتراخى عنه حتّى فاته، ثمّ شدّ في طلبِه بعد الفوْتِ.

قال الباهليُّ‏:‏ أوّلُ من قال ذلك مالكُ بنُ عمرٍو العامليُّ، قال‏:‏ وذلك أنَّ بعضَ ملوكِ غَسَّانَ كان يطلب في عاملَةَ ذَحْلاً، فأخذ منهم رجلين يقال لهما: مالكٌ وسِمَاكٌ ابنا عمرٍو، فاحتبسهم عنده زمانا، ثم دعاهما فقال لهما‏:‏ «إني قاتلٌ أحَدَكما فأيَّكم أقتل، فجعل كلُّ واحدٍ منهما يقول‏:‏ «اقتلْني مكانَ أخي»، فلمَّ رأى ذلك قتل سماكًا وخلَّى سبيلَ مالكٍ، فقال سِماكٌ حين ظنَّ أنه مقتولٌ‏:‏

أَلاَ مَنْ شَجَتْ لَيْلَةٌ عامدَهْ * كَمَا أَبَدًا لَيْلَةٌ وَاحِدَهْ

فَأَبْلِغْ قُضَاعَةَ إِنْ جِئْتَهُمْ * وَخُصَّ سَرَاةَ بَنِي سَاعِدَهْ

وَأَبْلِغْ نِزَارًا عَلَى نَأْيِهَا * بِأَنَّ الرِّمَاحَ هِيَ الْعَائِدَهْ

وَأُقْسِمُ لَوْ قَتَلُوا مَالِكًا * لَكُنْتُ لَهُمْ حَيَّةً رَاصِدَهْ

بِرَأْسِ سَبِيلٍ عَلَى مَرْقَبٍ * وَيَوْمًا عَلَى طُرُقٍ وَارِدَهْ

أَأُمَّ سِمَاكٍ فَلاَ تَجْزَعِي * فَلِلْمَوْتِ مَا تَلِدُ الوَالِدَهْ

وانصرف مالكٌ إلى قومِه، فلبث فيهم زمانًا، ثم إنَّ رَكْبًا مرّو وأحدُهم يتغنّى بهذا البيت:

وَأُقْسِمُ لَوْ قَتَلُوا مَالِكًا * لَكُنْتُ لَهُمْ حَيَّةً رَاصِدَهْ

فسمعتْ بذلك أمُّ سماكٍ فقالتْ‏:‏ يا مالكُ، قبَّح اللهُ الحياةَ بعد سماكٍ، اخْرُجْ في الطلبِ بأخيك، فخرج في الطلبِ، فلقي قاتِلَ أخيه يسيرُ في ناسٍ مِن قومِه، فقال‏:‏ «مَنْ أحسَّ لي الجملَ الأحمرَ»، فقالوا له وعرَّفوه‏:‏ «يا مالكُ لك مائةٌ مِنَ الإبلِ فكُفَّ، فقال‏:‏ «لاَ أَطْلُبُ أَثَرًا بَعْدَ عَيْنٍ»، فذهبت مثلاً، ثمّ حمل على قاتلِ أخيه فقتله، وقال في ذلك‏:‏

يَا رَاكِِبًا بَلِّغَنْ وَلاَ تَدَعَنْ * بَنِي قُمَيْرٍ وإنْ هُمُ جَزِعُوا

فَلْيَجِدُوا مِثْلَ مَا وَجَدْتُ فَقَدْ * كُنْتُ حَزِينًا قَدْ مَسَّنِي وَجَعُ

لاَ أَسْمَعُ اللَّهْوَ فِي الحَدِيثِ وَلاَ * يَنْفَعُنِي فِي الفِرَاشِ مُضْطَجَعُ

لاَ وَجْدُ ثَكْلَى كَمَا وَجَدْتُ وَلاَ * وَجْدُ عَجُولٍ أَضَلَّهَا رُبَعُ

[«مجمع الأمثال» للميداني (1/ 191)]

البيان في نصوص الوحي


93- بلاغة القرآن في آيات من سورة الأنبياء

قال الله تعالى: ﴿ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّ ظَالِمِينَ (15)وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَ لاَعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لاّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّ تَصِفُونَ (18)وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ ل يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ (19)﴾ [ الأنبياء: 15- 19]

اشتملت هذه الآيات على فنون عديدة من البلاغة نوجزها فيما يلي:

1- الاستعارة في قولهم: "يا ويلنا" فقد خاطبوا الويل، وهو الهلاك، كأنه شخص حي يدعونه لينقذهم مما هم فيه.

2- التشبيه البليغ في قوله: "جعلناهم حصيدا خامدين" فقد شبههم بعد حلول العذاب بهم بالحصيد أولا ، وهو الزرع المحصود، ووجه الشبه بين المشبه والمشبه به هو الاستئصال من المنابت، ثم شبههم ثانيا بالنار المنطفئة، ولم يبق منها إلا جمر منطفئ، لا نفع فيه، ولا قابلية لشيء من النفع منه، فلا ترى إلا أشلاء متناثرة، وأجزاء متفرقة قد تمدّدت، وقد ران عليها البلى.

3- الاستعارة المكنية في قوله: "بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق"، فقد شبّه الحق والباطل، وهما معنويان بشيئين ماديين محسوسين، يقذفان ويدفعان، ثم حذف هذين الشيئين، واستعار ما هو من لوازمهما، وهما: القذف، والدمغ، لتجسيد الإطاحة بالباطل، واعتلاء الحق عليه، وتصوير إبطاله، وإهداره، ومحقه، كأنه جرم صلب كصخرة، أو ما يماثلها في القوة والصلابة، قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه، وهي من استعارة المحسوس للمعقول.

4- قوة اللفظ لقوة المعنى، ونعني به: نقل اللفظ من وزن إلى وزن آخر أكثر منه ليتضمن من المعنى الدال عليه أكثر مما تضمنه أولا، لأن الألفاظ أدلة على المعاني، وأمثلة للإبانة عنها، فإذا زيد في الألفاظ أوجبت القسمة زيادة المعنى، وهذا الضرب ل يستعمل إلا في مقام المبالغة، وهو هنا في قوله تعالى: "ولا يستحسرون" فقد عدل عن الثلاثي-وهو حسر- إلى السداسي-وهو استحسر- وقد كان ظاهر الكلام أن يقال: يحسرون، أي: يكِلّوُن ويتعبون، لأن أقل ملل منهم، أو كلال إزاء الملائكة، وإزاء عبادتهم لله تعالى لا يُتصّوَّر منهم، ولكنه عدل عن ذلك لِسِرٍّ يخفى على النظرة السطحية الأولى، وهو: أن ما هم فيه من انهماك بالعبادة وانصراف بالكلية لها يوجب غاية الحسور وأقصاه.

[«إعراب القرآن وبيانه» للدرويش (5/ 19)]

أزهار متناثرة


92- العلم

قال بديع الزمان الهمذاني في وصف العلم:

« العلم شيء بعيد المرام، لا يصاد بالسهام، ولا يقسم بالأزلام، ول يرى في المنام، ولا يضبط باللجام، ولا يكتب للثام، ولا يورث عن الآباء والأعمام وزرع لا يزكو إلا متى صادف من الحزم ثرى طيبا، ومن التوفيق مطر صيبا، ومن الطبع جوا صافيا، ومن الجهد روحا دائما، ومن الصبر سقي نافعا وغرض لا يصاب إلا بافتراش المدر، واستناد الحجر، وردّ الضجر، وركوب الخطر، وإدمان السهر، واصطحاب السفر، وكثرة النظر، وإعمال الفكر»

[«جواهر الأدب» للهاشمي (194)]

مختارات شعرية


91- نصائح ووصايا لطالب العلم

قال العلامة حافظ بن أحمد حكمي – رحمه الله تعالى - :

يا طالِبَ العِلمِ لا تَبْـغِي به بَـدَلا * فقَدْ ظَفَرْتَ ورَبِّ اللَّـوْحِ والْقَلَمِ
وقَدِّسِ العِلمَ واعْرِفْ قَدْرَ حُرْمَتِهِ * فِي القَوْلِ والفِعْلِ والآدابَ فَالْتَزِمِ
واجْهَدْ بِعَزْمٍ قَوِيٍّ ل انْثِنَـاءَ لَـهُ * لَوْ يَعْلَمُ الْمَرْءُ قَدْرَ العِلْـمِ لَمْ يَنَمِ
والنُّصْحُ فابْذُلْهُ لِلطُّلابِ مُحْتَسِـبً * في السِّرِّ والْجَهْرِ والأُسْتاذَ فَاحْتَرِمِ
ومَرْحَبً قُلْ لِمَنْ يَأتِيـكَ يَطْلُبُهُ * وفِيهِمِ احْفَظْ وَصايَ الْمُصْطَفَى بِهِمِ
والنِّيَّةَ اجْعَلْ لِوَجْهِ اللهِ خالصَةً * إنَّ البِنـاءَ بـدونِ الأصْلِ لَمْ يَقُمِ
ومَن يَكُنْ لِيَقُولَ الناسُ يَطْلُبُـهُ * أخْسِرْ بِصَفْقَتِهِ فِي مَوْقِـفِ النَّدَمِ

ومَنْ بـه يَبْتَـغِي الدُّنْي فَلَيْسَ بِهِ * يَومَ القِيامَةِ مِن حَـظٍّ ول قَسَـمِ

كَفَى بِهِ (مَن كانَ) فِي شورَى وهُودٍ وفِي الْ * إسْراءِ مَوْعِظَةً لِلحَاذِقِ الفَهِمِ

إيَّاكَ واحْــذَرْ مُمارَاةَ السَّفِيهِ بِهِ * كَـذ مُبـاهاةَ أهْـلِ العِلْمِ ل تَرُمِ

فإنَّ أبْغَضَ كلِّ الخَلْقِ أجْمَعِهـِمْ * إلى الإلَـهِ ألَدُّ النـاسِ فِـي الخِصَمِ
والعُجْبَ فاحْذَرْهُ إنَّ العُجْبَ مُجْتَرِفٌ * أعْمالَ صاحِبِهِ في سَيْلِهِ العَـرِمِ
وبِالْمُـهِمِّ الْمُـهِمِّ ابْدَ لِتُـدْرِكَهُ * وَقَـدِّمِ النّـَصَّ والآرَاءَ فَاتَّهِمِ
قَدِّمْ وُجوبً عُلـومَ الدِّينِ إنَّ بِه * يَبِينُ نَهـجُ الهُدَى مِن مُوجِبِ النِّقَمِ
وكلُّ كَسْرِ الفَتَى فالدِّينُ جابِرُهُ * وَالكَسْرُ فِي الدِّينِ صَعْبٌ غَيْرُ مُلْتَئِمِ
دَعْ عَنْكَ م قالَهُ العَصْرِيُّ مُنْتَحِل * وبالعَتِيقِ تَمَسَّكْ قـطُّ واعْتَصِمِ
م العِلْــمُ إل كِتابُ اللهِ أو أثَـرٌ * يَجْلو بِنُـورِ هُـداهُ كلُّ مُنْبَهِمِ
مَ ثَمَّ عِلْمٌ سِوى الوَحْيِ المُبينِ ومَ * مِنْهُ اسْتُمِـدَّ أل طُوبَى لِمُغْتَنِمِ
والكَتْمُ لِلعِلْــمِ فاحْذَرْ إنَّ كاتِمَهُ * فِي لَعْنَةِ اللهِ والأقْـوامِ كلِّهِمِ
ومِن عُقوبَتِهِ أنْ فِي الْمَعــادِ لَهُ * مِنَ الجَحيمِ لِجَامً لَيْسَ كَاللُّجُمِ
وصائِنُ العِلْمِ عمَّنْ لَيْسَ يَحْمِـلُهُ * م ذ بِكِتْمانِ بلْ صَوْنٌ فَل تَلُـمِ
وإنَّمَ الكَتْمُ مَنْـعُ العِلْـمِ طالِبـَهُ * مِن مُسْتَحِقٍّ لَهُ فَافْهَمْ ول تَهِـمِ
وأتْبِعِ العِلمَ بالأعْمـالِ وادْعُ إلَى * سَبيـلِ ربِّكَ بالتِّبْيانِ والْحِـكَـمِ
واصْبِرْ عَلى لاحِقٍ مِنْ فِتْنَةٍ وأذَى * فِيهِ وفِي الرُّسْلِ ذكرى فاقْتَدِهْ بِهِمِ
لَواحِدٌ بـِكَ يَهْدِيهِ الإلَهُ لَـذَ * خَيْرٌ غَدً لكَ مِنْ حُمْرٍ مِن النَّعَـمِ
واسْلُكْ سَواءَ الصِّراطِ المسْتَقِيمِ ول * تَعْدِلْ وقُلْ ربِّيَ الرحمْـنُ واسْتَقِمِ

[«حاشية روضة العقلاء» لابن حبان (48)]

قواعد وفوائد


90- الحفاظ على الأوجه الراجحة في العربية عند الكلام

هل يُقال: عساكم طيبون، أوعساكم طيبين؟ الدارج على ألسنة الناس قولهم: عساكم طيبين، وهذا وجه مرجوح في العربية، والأصل أن الإنسان لا يتكلم بالأوجه المرجوحة في العربية وخاصة طالب العلم ومن يُقتدى به، وعلى هذا نقول الأحسن أن تقول: عساكم طيبون، وهذا رأي شيخ النحويين سيبويه، ذكره في كتابه ونقله عنه ابن هشام في مغني اللبيب.

و"عسى" أصلها تعمل عمل كان ترفع الاسم وتنصب الخبر، كما قال ابن مالك:

ككان كاد وعسى..............البيت

لكن يقول سيبويه: إذا اتصل بـ"عسى" ضمير عوملت معاملة "لعل"، ما هو الفرق بين "لعل" عن "كان"؟ الفرق بينهما أنها تعمل عكسها، إذن الذي يقول: "عساكم طيبين" ألحقها بـ"عسى" في الأصل لأنه نصب الخبر مثل ما ينصب خبر عسى وكاد وكان، لكن لعل لو قلنا: "لعلكم طيبون" أو طيبين؟ نقول: طيبون، إذن سيبويه يقول: إن "عسى" إذا اتصل بها ضمير تصير مثل "لعل" تنصب الاسم وترفع الخبر، وعلى هذا عساكم طيبون أحسن من عساكم طيبين.

وهناك مرجح آخر وهو أن الكاف هل هي من ضمائر الرفع؟ أو من ضمائر النصب؟ أو من ضمائر الجر؟ الكاف لا تكون من ضمائر الرفع أبدا، الكاف إما أن تكون من ضمائر النصب، وإما أن تكون من ضمائر الجر، إذًا لو قلنا: "عساكم طيبين" ماذا ستكون الكاف هنا؟ تكون اسم "عسى" واسم "عسى" يكون مرفوعا؟ يعني لو قلنا: "طيبين"، والكاف هنا اسم "عسى"، نكون قد جعلناه في محل رفع، والكاف لا تكون في محل الرفع، لكن إذا قلنا: "عساكم طيبون" فقلنا: إن "عسى" حرف ترجٍ بمعنى "لعل"، والكاف اسمها منصوب، نكون قد مشينا على القاعدة، و"طيبون" خبر عسى، التي هي بمعنى لعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.

[«شرح مختصر قواعد الإعراب» لعبد الله الفوزان بتصرف (16)]

الملح والنوادر


89- الكُسَعِيّ وقوْسُه

الكُسَعِيُّ رجل منسوب إلى كسع، قبيلة باليمن، واسمه محارب بن قيس، وبندامته يُضرَب المثل، يُقال: أندم من الكسعي.

ومن حديثه أنه كان يرعى إبِلا بوادٍ كثير العشب والخمْط، فبينما هو يرعاها بَصُرَ بِنَبْعَةٍ على صخرة، فقال: ينبغي أن تكون هذه قوسا، فجعل يتعهّدها ويُقوِّمها حتى أدركت، فقطعها، فلما جفّت اتّخذ منه قوسا، وأنشأ يقول:

يا ربِّ وفِّقنـي لنَحْتِ قوسي * فإنهـا مِـن لذّتي لنفسـي

وانفعْ بِقوسي وَلَدي وعِرْسـي * أنْحِتها صفراءَ مثل الورسِ

* صلْداءَ ليستْ كقسيِّ النُّكْسِ *

ثم دهنها وخطمها بوتر، واتَّخذ مِنْ بُرايتها خمسة أسهم، وجعل يقلِّبها في كفِّه ويُنشد:

هُنَّ وربِّي أسْهُمٌ حِسانُ * يلذ للرَّامِي بها البـَنـانُ

كأنّما قوَّمها ميـزانُ * فأبشرو بالخصب يا صِبيانُ

* إن لم يعقني الشؤمُ والحِرمانُ *

ثم أتى قُتَرَة على موارد حُمُر، فكَمَنَ فيها، فمرَّ به قطيع، فرمى عَيْرًا منها بسهم، فأنفذه وجازه وأصاب الجبل، فأَوْرَى (أشعل) نارا، فظن أنه أخطأه، فأنشد يقول:

أعوذ بالله العزيز الرحـمـانْ * مِن نكَد الجد معا والحِـرمانْ

ما لي رأيت السهم بين الصوّانْ * يُورِي شَرارا مثل لوْن العِقيان

* فأخلف اليوم رجاء الصبيان *

ثم مر به قطيع آخر، فرمى عَيْرا فأنفذه السهم فصنع صنيعه الأول، فأنشأ يقول:

لا بارك الرحمان في رمي القتر * أعوذ بالخالق من شر القدرْ

أأمخط السهم لإرهاق الضرر * أم ذاك من سوء احتيال ونظرْ

* أم ليس يغني حذر عنه قدر *

ثم مر به قطيع آخر فرمى عيرا، فأمخطه السهم، فصنع صنيعه الأول فأنشأ يقول:

ما بال سهمي يوقد الحُباحِب * قد كنت أرجو أن يكون صائبا

فأخطأ العيْـرَ وولَّى جانب * فصـار رأيي فيه رأيا ختائبـا

ثم مر به قطيع آخر فرمى عيرا بسهم فأمخطه السهم وصنع ما صنع أول فأنشأ يقول:

يا أسفـا والجـد النكـد * في قوس صدق لم تزين بأود

أخلف ما أرجو لأهل وولد * فيها ولم يغن الحذار والجلد

* فخاب ظن الأهل جمعا والولد *

ثم مر قطيع آخر فرمى عيرا بسهم فأمخطه السهم وصنع كما صنع أول فأنشأ يقول:

أبَعد خمسٍ قد حفظت عدَّه * أحمِل قوسي وأريد ردَّها

أخزى الإله لينها وشـدَّه * والله لا تسلم منّي بعـدها

* ولا أرجِّي ما حيِيتُ رِفْدَها *

ثم أخذ القوس فكسرها على حجر وبات، فلما أصبح أبصر الأعيار الخمسة مطروحة حوله، فأسف وندم على كسر القوس، وعضّ على إبهامه فقطعه تلهّفًا، وأنشأ يقول:

ندمت ندامة لو أن نفسي * تطاوعني إذا لـقـطعت خمسي

تبيّن لي سفاه الرأي مني * لعمر أبيك حين كسرت قوسي

وبالكسعي يتمثل الفرزدق حين يقول:

ندِمت ندامة الكسعي لم * غدتْ منِّي مطلّقة نوارُ

وكانت جنتي فخرجت منه * كآدمَ حين أخرجه الضِّـرارُ

ولو أني ملكت يدي ونفسي * لأصبح لي على القدر اختيارُ

وكنت كفاقئ عينيه عمد * فأصبح م يضيء له نهارُ

[شرح مقامات الحريري للشريشي (1/258)]

اللغة


88- في تسمية المتضادين باسم واحد

- وراء: تكون قداماً تكون خلفاً.

- جليل: عظيم وحقير، ومثله جَلَل.

- عسعس: أقبل وأدبر.

- الهاجد: القائم المصلي بالليل، والنائم أيضاً.

- غابر: الماضي من الأيام وما يستقبل منها.

- المولى: المالك والمملوك.

- السدفة: الظلمة والضوء.

- الناهل: العطشان، والريان.

- الحشمة: الغضب، والحياء.

- الطرب: خفة تصيب الإنسان لشدة السرور أو لشدة الجزع.

- المأتم: النساء المجتمعات في غم وحزن ومناحة، وكذلك النساء المجتمعات في فرح وسرور.

- الصريخ: المغيث، والمستغيث.

- الجَوْنُ: للأبيض والأسْوَد.

- والقُروء: للأطهار والحَيض.

- والصَّريم: للَّيل والصُّبح.

- والخَيلولة: للشَّكِّ واليَقين. قال أبو ذؤيب:

فَبَقيتُ بَعْدَهُمُ بِعَيْشٍ ناصِبٍ * وَإِخالُ أنِّي لاحِقٌ مُسْتَتْبَع

أي وأتيَقَّن.

- والنَّدُّ: المِثلُ والضِّدُّ. وفي القرآن: "وتَجْعَلونَ للهِ أنْداداً" على المعنيين.

- والزَّوج: الذَّكر والأنثى.

- والقانِعُ: السَّائل والذي لا يسأل.

[ «فقه اللغة» للثعالبي وغيره (375) ]

الحكم والأمثال


87- الطيور على أشكالها تقع

المثل: «وَافَقَ شَنٌّ طَبَقَةَ»

يُضرب: يُضرب للمتوافقَيْنِ‏ اللّذَيْنِ يكون كلّ واحدٍ منهما كفءً لصاحبِه.

قصّته: قال الشّرقيُّ بنُ القطاميِّ‏:‏ كان رجلٌ من دُهاةِ العربِ وعقلائِهم يقال له شَنٌّ، فقال‏:‏ واللهِ لأَطُوفَنَّ حتّى أجِدَ امرأةً مثلي أتزوّجها، فبينما هو في بعضِ مسيرِه إذ وافقه رجلٌ فِي الطّريقِ، فسأله شَنٌّ‏:‏ «أين تريد‏؟‏»، فقال‏:‏ «موضعَ كذا»، يريد القريةَ التي يَقْصِدها شَنٌّ، فوافقه، حتّى ‏إذا‏ أخذا في مسيرِهما قال له شَنٌّ‏:‏ «أَتَحْمِلُنِي أم أحْمِلُكَ؟»،‏ فقال له الرّجلُ‏:‏ «يا جاهلُ، أنا راكبٌ وأنت راكبٌ، فكيف أحملك أو تحملني‏؟‏»، فسكتَ عنه شَنّ،ٌ وسارا حتّى إذا قَرُبا مِنَ القريةِ إذا بزَرْعٍ قد استَحْصَد، فَقَالَ شَنٌّ‏:‏ «أتُرى هذا الزّرعَ أُكِلَ أم لا‏؟»،‏ فقال له الرّجلُ: «يا جاهلُ، ترى نَبْتً مُسْتَحْصِدًا فتقولُ: أُكِلَ أم لاَ؟»،‏ فسكت عنه شنٌّ حتّى إذ دخلاَ القريةَ لَقِيَتْهما جنازةٌ فقال شنٌّ: «أتُرى صاحبَ هذ النّعْشِ حيًّا أو ميّتًا‏؟‏ فقال له الرّجلُ: «ما رأيتُ أجْهَلَ منك، ترى جنازةً تسأل عنها أميّتٌ صاحبُها أم حيٌّ؟»، فسكت عنه شَنٌّ، وأراد مُفارقتَه، فأبى الرّجلُ أن يتركَه حتّى يصيرَ به إلى منزلِه فمضى معه، فكان للرّجلِ بنتٌ يقال لها: طَبقةُ، فلما دخل عليها أبوها سألتْه عن ضيفِه، فأخبرها بمرافقتِه إيّاه، وشكا إليه جهْلَه، وحدّثها بحديثِه، فقالت‏:‏ «يا أبتِ، ما هذا بجاهلٍ، أمّ قولُه: «أتحملني أم أحملك»‏، فأراد أتحدّثني أم أحدّثك حتى نقطع طريقنا»، وأمّا قولُه: «‏أتُرى هذا الزّرعَ أُكِلَ أم لا»،‏ فأراد هَلْ باعه أهلُه فأكلوا ثمنَه أم لا، وأمّا قولُه في الجنازةِ، فأراد: هل ترك عَقِبًا يَحْيا بهم ذكرُه أم لا، فخرج الرّجلُ فقعد مع شَنٍّ فحادثه ساعةً، ثمّ قال: «أتحبُّ أن أفسِّرَ لك م سألْتَني عنه‏؟»،‏ قال: «نعم فَسِّرَهُ»، ففَسَّرَه، قال شنٌّ: «م هذا مِن كلامِك فأخبِرْني عن صاحبِه»، قال‏:‏ «ابنةٌ لي»، فخطبه إليه، فزوّجه إيّاها، وحملها إلى أهلِه، فلما رأَوْها قالوا‏:‏ «وَافَقَ شَنٌّ طَبَقَةَ»، فذهبتْ مثلاً‏.

وهناك قصصٌ أخرى للمثلِ‏ غير ما ذكرتُ وفيه كفايةٌ وغنيةٌ.

[«مجمع الأمثال» للميدانيّ (2/417)]

البيان في نصوص الوحي


86- بلاغة النداء في قوله تعالى:﴿يأيها الذيـن آمنوا﴾

هي جملة إنشائية طلبية، نداء يفيد تنبيه المنادَى إلى أمر عظيم يجدر به أن يكون على وعي به، وأخذ بما فيه من معاني الهدى، وقد كثر النداء في القرآن الكريم، وهو نداء من الخالق إلى خلقه، وهذا وحده فيه فيض من التكريم، والتنبيه إلى أنهم في علمه قائمون، وفي رحمته غارقون، وتحت قهره نازلون، ومن أقام هذه المعاني في قلبه لا يكاد يغفُل عن ذكر ربه تعالى.

والسنة البيانة للقرآن الكريم في نداء " أمة الإجابة" أنه ينادى عليهم بقوله" يأيها الذين آمنوا" تذكيرًا لهم بالعهد الذي عاهدوا الله عز وجل عليه، وهو الإيمان بما أمرهم بالإيمان به. به.

وكأنه يحثهم بهذا الوصف على أن يقبلوا على ما يأمرهم به فيأخذوه وعلى م ينهاهم عنه فيجتنبوه.

وقد قال ابن مسعود -رضي الله عنه- إذا ما سمعت الله عز وجل يقول : "يأيها الذين آمنوا" فأرِعْه سمعك فإنَّ ما بعده خيرًا يأمر به، أوْ شـــرًا ينهى عنه"

وفي اختيار "يا" للنداء، وهي عند بعض أهل العلم لنداء البعيد للدلالة على أن المنادى فيه شيء من البعد بالمعصية والذنوب عن المنادِي جلّ جلاله، فعليه أن يصغي لما ينادي عليه به ليزداد بهذه الطاعة قربا.

وجاء تعريف المنادَى باسم الموصول دلالة على أنه المعروف بالصلة التي هي الإيمان وكأنَّ هذا الإيمان هو أجل ما يعرف به ذلك المنادَى، فهو شرفه الذي عليه أن يستمسك به، وأن يفخر بنعته به وأن يسعى إلى زيادته وتثبيته بالإكثار من الطاعات، والفرار من السيئات، فعليه العناية بفقه ما هو آت من بعد ذلك النداء من أمر بمعروف ونهي عن منكر.

ولم يأت في القرآن الكريم نداء "المؤمنين" إلا في آية واحدة في سورة "النور" حيث يقول الله تعالى : ﴿ وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون ﴾

فأنت تلاحظ هنا أمورًا مهمة:

1- تلاحظ أنه أخَّر النداء عن الأمر، فقال أولا: " توبوا" ثم قال: " أيّه المؤمنون" لأن النداء في أصله لتنبيه الغافل أو البعيد، وهؤلاء ليسوا بالغافلين ولا بالمحل البعيد، ذلك أنهم مؤمنون، أيْ صارَ الإيمان نعتا لهم، فهم معروفون بالصفة لا بالصلة أي أن الإيمان في قلوبهم صار ملازما لهم ملازمة النعت لمنعوته، فهو فيهم كالطول في الطويل، والقصر في القصير لا يكاد يتخلى عنه، وقد جاء البيان بكلمة "المؤمنون" في سياقات التشريف والتكريم والثناء منها:

﴿ إِنَّما المؤمِنُون الَّذينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...﴾[الأنفال:2]

﴿ والْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنات بَعْضهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ﴾[التوبة:71]

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون َ﴾ [المؤمنون:1]

﴿ وكانَ حَقًا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ﴾ [الروم:47]

﴿إِنَّمَ الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةً﴾ [الحجرات:10 ]

﴿ وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾[المنافقون: 8]

أمّا "الذين آمنوا" فإن الإيمان ما يزال فعلا من أفعالهم، فيحتمل أن يزول وأن يحول، فكانوا بحاجة إلى الإكثار من أمرهم ومن نهيهم.

[«شذرات الذهب دراسة في البلاغة القرآنية» محمود توفيق (36)]

أزهار متناثرة


85- رواية عربية

أخرج ابن عساكر في «تاريخه» بسند متصل عن ابن الأعرابي فقال : بلغني أنه كان رجل من بني حنيفة يقال له: جحدر بن مالك فَتَّاكًا شجاعًا قد أغار على أهل حجر وناحيتها، فبلغ ذلك الحجاج بن يوسف فكتب إلى عامله باليمامة يوبّخه بتلاعب جحدر به ويأمره بالاجتهاد في طلبه، فلما وصل إليه الكتاب أرسل إلى فتية من بني يربوع فجعل لهم جُعْلاً عظيمًا إن هم قتلوا جحدرًا، أو أتوا به أسيرًا، فانطلقوا حتى إذا كانوا قريبًا منه أرسلوا إليه أنهم يريدون الانقطاع إليه والتحرز به فاطمأنّ إليهم ووثق بهم، فلمّا أصابوا منه غرّة شدّوه كتافًا وقدموا به على العامل،

فوجّه به معهم إلى الحجّاج فلما أُدخل على الحجّاج قال له: من أنت؟ قال: أنا جحدر بن مالك. قال: ما حملك على ما كان منك؟ قال: جرأة الجَنان وجفاء السلطان وكَلَب الزمان. قال: وما الذي بلغ منك فجرّأ جَنانَك؟ قال: لو بلاني الأمير أكرمه الله لوجدني من صالح الأعوان، وبهمّ الفرسان، ولوجدني من أنصح رعيّته، وذلك أنّي ما لقيت فارسًا قط إلاّ وكنتُ عليه في نفسي مقتدرًا. قال له الحجّاج: إنّا قاذفون بك في حائرٍ فيه أسدٌ عاقرٌ ضارٍ فإن هو قتلك كفانا مؤنتك، وإن أنت قتلْتَه خلّينا سبيلك قال: أصلح الله الأمير عظمت المنة وقويت المحنة. قال الحجّاج: فإنّا لسنا تاركيك لتقاتله إل وأنت مكبّل بالحديد. فأمر الحجاج فغُلّت يمينه إلى عنقه وأرسل به إلى السجن، فقال جحدر لبعض من يخرج إلى اليمامة: تحمل عني شعرًا. وأنشأ يقول:

تأوَّبني فبــت لـهـا كنيعً * هـموم لا تفارقـني حوانِ[1]

هي العـوَّاد لا عـوَّاد قــومي * أطلــن عيادتي في ذا المكان

إذا ما قلت قـد أجليـن عــني * ثنـى ريعانـهن عـليَّ ثان[2]

فإن مـقــرّ منزلهن قلـــبي * فقــد أنفهنه فالقلـب آنِ[3]

أليـس الله يعلم أن قــلبــي * يحبك أيها البـرق اليمـاني

وأهوى أن أعيد إليــك طــرفي * على عدواء من شغل وشانِ[4]

ألا قد هاجني فازددت شــوقً * بكاء حمامتيـن تجـاوبـان

تجاوبتا بلحــن أعـجـمـيّ * على غصنين من غَرَب وبان

فقلت لصـاحبَيَّ وكنت أحذو * ببعض الطيـر ماذا تحـذوان

فقـالا الدار جامـعـة قريبً * فقلت بلَ انتمـا متمـنّيان

فكان البـان إن بانـت سليمى * وفي الغرب اغترابٌ غير دان

أليس الليل يجمـع أم عـمرو * وإيـانـا فـذاك بـنا تداني

بلى وترى الهـلال كـما أراه * ويعلـوها النهار كما علاني

فما بين التفـرّق غـير سبــع * بقـين من المحرّم أو ثمان

فيا أخويّ من جُشَـمِ بن سعـد * أقِلاَّ اللـوم إن لم تنفعاني

إذا جاوزتـما سعفـات حجر * وأوديـة اليمـاني فانعياني

إلى قوم إذا سـمـعـوا بنعيي * بكى شبّانهم وبكى الغواني

وقولا جحدر أمسى رهــينً * يحـاذر وقْـع مصقول يماني

يحـاذر صولة الحجّاج ظلـمً * وما الحجّـاج ظلامًا لجـانِ

ألم ترني عُـدِدْتُ أخا حـروبٍ * إذا لم أجن كنت مِجنّ جانِ

فإن أهلك فربّ فـتى سيبكي * علَيَّ مهذّبٍ رخصِ البنـان

ولم أك ما قضيت ذنوب نفسي * ولا حـقّ المهنّـد والسنان

قال: وكتب الحجّاج إلى عامله بكسكر أن يوجّه إليه بأسدٍ ضارٍ عاتٍ يجرّ على عجل، فأرسل به فلما ورد الأسد على الحجاج أمر به، فجعل في حائرٍ[5] وأُجيع ثلاثة أيام، وأرسل إلى جحدر، فأُتي به من السجن ويده اليمنى مغلولة إلى عنقه، وأُعطي سيفًا، والحجّاج وجلساؤه في منظرة لهم، فلمّا نظر جحدر إلى الأسد أنشأ يقول:

ليْثٌ وليْثٌ في مجَال ضنْك * كلاهما ذو أنف ومحك

وشدَّة في نفسِه وفتْكِ * إنْ يَكْشفِ اللهُ قِناعَ الشكِّ

* فهو أحق منزل بترك *

فلما نظره الأسد زأر زأرةً شديدةً، وتمطى، وأقبل نحوه، فلما صار منه على قيد رمح وثب وثبةً شديدةً، فتلقّاه جحدر بالسيف فضربه ضربةً حتى خالط ذباب السيف لهواته، فخرَّ الأسد كأنه خيمة قد صرعتها الريح ، وسقط جحدر على ظهره من شدة وثبة الأسد وموضع الكبول، فكبَّر الحجاج والناس جميعًا وأكرم جحدرً وأحسن جائزته.

________________________

(1) تأوّبني: أتاني ليلاً، وكنيعًا: من كنع إذا خضع ولان، والحواني: فُسّر بأنه من الحَيْن بالفتح،

وهو الهلاك فهو إذن مقلوب أصله حوائن جمع حائنة، وهي النازلة المهلكة.

(2) ريعان كل شيء: أوله.

(3) أنفهه: أتعبه وأعياه، والآني: المتناهي الحرارة.

(4) العُدَواء بضم ففتح: المكان الذي لا يطمئن من قعد عليه، وعدواء الشغل: موانعه.

(5) الحائر: شبه حوض يجمع فيه ماء المطر.

[«مجلة المنار» (المجلد 4، الجزء 1، ص 13)]

مختارات شعرية


84- شرف العلم وشمائل العلماء

- قال القاضي عبد العزيز الجرجاني في قصيدة الشهيرة في شرف العلم وأخلاق العلماء وشمائلهم:

يقولون لي فـيك انقبـاض وإنم * رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما

أرى الناس من داناهم هان عـندهم * ومن أكرمته عزة النفس أكـرما

ولم أَقْضِ حق العلم إن كـان كلّم * بَـدَا طمَـعٌ صيَّـرته لي سُلَّما

وما زلت منحازًا بعِرضـي جـانب * من الذل أَعْتَدُّ الصيــَانة مغنما

إذا قيل هذا منهـل قلت قـد أَرَى * ولكنّ نفس الحرِّ تحتمـل الظما

أنزّهها عن بعض مــا لا يَشينـه * مخافة أقوال العِدَا فيـمَ أو لِـمَا

فأُصبـحُ عن عيْب اللئيم مُسلَّم * وقد رحت في نفس الكريم معظّما

وإني إذا ما فاتني الأمــر لم أبـِتْ * أُقلِّـب فكـري إثره متندِّمـا

ولكنـه إن جـاء عفـوًا قبِـلتـه * وإن مال لم أتبعه هـل وليتمـا

وأقبض خطوي عن حظوظ كثيـرة * إذا لم أنلها وافر العِرض مكـرما

وأُكرم نفسي أن أضـاحـك عابسً * وأن أتلقَّى بالمـديـح مذمّمـا

وكــم طالبٍ رقّي بنعماه لم يصل * إليه وإن كــان الرئيس المعظما

وكـم نعمة كانت على الحُرّ نقمـة * وكـم مغنـم يعتده الحر مغرما

ولم أبتذل في خدمة العلم مهجــتي * لأخـدم من لاقيت لكن لأُخدما

أأشـقى به غـرسًا وأجنيه ذلــة * إذا فاتِّباع الجهـل قد كان أحزما

ولو أن أهل العلم صانوه صـانهـم * ولو عظـمـوه في النفوس لعظَّما

ولكـن أهـانوه فهـان ودنَّسـو * محيـاه بالأطمـاع حـتى تجهَّما

ومـا كل بـرق لاح لي يستفزُّني * ولا كلُّ مَن في الأرض أرضاه مُنْعِما

ولكن إذا ما اضطرني الضر لم أبت * أقلب فكـري منجـدًا ثم مُتْهـما

إلى أن أرى مـا لا أغـصُّ بذكره * إذا قلـت قد أسـدى إليَّ وأنعم

[«مجلة المنار» ( المجلد"‌18" الجزء"10" ص ‌789)]

قواعد وفوائد


83- زيادة «كان الناقصة»

تختص كان الناقصة عن أخواتها بأمور منها:

الأول: جواز زيادتها بشرطين:

1- كونها بلفظ الماضي، وشذ قول أم عقيل بن أبي طالب:

أنت تكون ماجد نبيل * إذا تهب شمأل بليل

-الشاهد: قولها: «أنت تكون ماجد» حيث زادت المضارع من «كان» بين المبتدأ وخبره، والثابت زيادته إنما هو الماضي دون المضارع، لأن الماضي لما كان مبنيا أشبه الحروف، وقد علمنا ، الحروف تقع زائدة، كالباء في المبتدأ في نحو: «بحسبك درهم»، وفي خبر ليس نحو قوله تعالى: ﴿أليس الله بكاف عبده﴾ونحو ذلك، فأم المضارع فهو معرب، فلم يشبه الحرف، بل أشبه الاسم، فتحصن بذلك عن أن يزاد، كما أن الأسماء لا تزاد إلا شذوذا، والقول بزيادة «تكون» شذوذا في هذا البيت هو قول ابن الناظم وابن هشام، وتبعهما من جاء بعدهما من شراح الألفية، وهما تابعان في ذلك لابن السيد وأبي البقاء.

وقيل «تكون» ليست زائدة، بل هي عاملة، واسمها ضمير مستتر فيه وجوب «أنت»، وخبرها محذوف، والجملة لا محل لها معترضة بين المبتدأ وخبره والتقدير: أنت ماجد نبيل تكونه: أي تكون أنت إياه.

2- كونها بين شيئين متلازمين ليسا جارا ومجرورا، نحو: «م كان أحسنَ زيد»، وقول بعضهم: «لم يوجد كان مثلهم»، وتكثر زيادة «كان» بين ما التعجبية وفعل التعجب، نحو قول الشاعر:

لله در أنو شروان من رجل * ما كان أعرفه بالدون والسفلِِ

ونحو قول امرىء القيس:

أرى أم عمرو دمعها قد تحدّر * بكاء على عمرو وما كان أصبرا

وشذ قوله:

جياد أبي بكر تسامى * على كان المسومة العراب

الشاهد: «على كان المسومة» حيث زاد «كان» بين الجار والمجرور، ودليل زيادتها أن حذفها لا يخل بالمعنى.

[«أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك» لابن هشام (1/ 230)]

الملح والنوادر


82- سخافة مدّعي النّبوّة

«ذكروا أنّ عمرو بن العاص وفد على مسيلمة الكذّاب لعنه الله، وذلك بعد ما بُعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقبل أن يُسلِمَ عمرو، فقال له مسيلمة: ماذا أُنزل على صاحبكم في هذه المدّة؟ فقال: لقد أُنزل عليه سورة وجيزةٌ بليغةٌ فقال: وما هي؟ فقال: ﴿وَالْعَصْرِ(1) إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)﴾ [العصر:1-3]، ففكّر مسيلمة هنيهة ثمّ قال: وقد أُنزِلَ عليَّ مثلُها، فقال له عمرو: وما هو؟ فقال: يا وبر يا وبر، إنّما أنت أذنان وصدر، وسائرك حفزُ نقزٍ، ثمّ قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنّك لتعلم أنّي أعلم أنّك تكذب»

والوبر دويبة تشبه الهرّ، أعظم شيءٍ فيه أذناه وصدره، وباقيه دميم.

قال ابن كثير: «فأراد مسيلمة أن يُركِّب من هذا الهذيان ما يُعارِض به القرآن فلم يَرُجْ على عابد الأوثان في ذلك الزّمان».

[«تفسير ابن كثير» (4/ 683)]

ملاحظة : وفي صحة هذه القصة نظر؛ فإن إسلام عمرو بن العاص متقدم على تنبُّؤ مسيلمة، فإنّ مسيلمة الكذّاب تنبّأ سنة عشر من الهجرة، وكان قد وفد على النّبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم مع قومه سنة عشرة من الهجرة، كما في «السّيرة النّبويّة» لابن هشام (3/ 74). وعمرو بن العاص أسلم سنة ثمان على الأصحّ كما في «الإصابة» للحافظ ابن حجر (3/ 2) . ثم وقفت على ما نقله الحافظ ابن حجر في «الإصابة» (3/ 225): أن عمرو بن العاص أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البحرين وتوفّي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو هناك، وأنّه مرّ على مسيلمة وأنّه أعطاه الأمان ثمّ قال له: إنّ محمّدًا أُرسل في جسيم الأمر وأُرسلت في المحقّرات.. فذكر نحو القصّة، وعزاه لابن شاهين في الصّحابة، فعلى هذا يكون ما جاء هنا بعد إسلام عمرو بن العاص وليس قبل إسلامه، والله أعلم.

اللغـة


81- الفرق بين التذكر والتفكر

قال ابن القيم -رحمه الله- مبينا الفرق بين التفكر والتذكر في معرض تفسيره لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: 12].

«وأما تخصيصه إيّاها بأهل التذكّر، فطريقة القرآن في ذلك أن يجعل آياته للتبصّر والتذكّر، كما قال تعالى في سورة (ق): ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ (8)﴾[ق:7-8] فالتبصرة: التعقّل، والتذكرة: التذكر، والفكر باب ذلك ومدخلُه، فإذا فكّر تبصّر، وإذا تبصًَّر تذكَّر، فجاء التذكير في الآية لترتيبه على العقل المرتّب على الفكر، فقدّم الفكر إذ هو الباب والمدخل، ووسَّط العقل إذ هو ثمرة الفكر ونتيجته، وأخّر التذكّر إذ هو المطلوب من الفكر والعقل. فتأمّل ذلك حق التأمّل.

فإن قلت: فما الفرق بين التذكّر والتفكّر؟ فإذا تبيّن الفرق ظهرت الفائدة، قلت: التفكّر والتذكّر أصل الهدى والفلاح، وهما قطبا السعادة، ولهذا وسَّعْنا الكلام في التفكّر في هذا الوجه لعظم المنفعة وشدة الحاجة إليه، قال الحسن: «ما زال أهل العلم يعودون بالتذكّر على التفكّر، وبالتفكّر على التذكّر ويناطقون القلوب حتى نطقت، فإذا لها أسماع وأبصار».

فاعلم أن التفكّر: طلب القلب ما ليس بحاصل من العلوم من أمرٍ هو حاصل منها، هذا حقيقته فإنه لو لم يكن ثَمَّ مَوَادٌّ تكون موردا للفكر استحال الفكر، لأن الفكر بغير متعلق متفكر فيه محال، وتلك الموادُّ هي الأمور الحاصلة، ولو كان المطلوب بها حاصلا عنده لم يتفكر فيه.

فإذا عُرِفَ هذا فالمتفكّر ينتقل من المقدمات والمبادئ التي عنده إلى المطلوب الذي يريده، فإذا ظفر به وتحصّل له تذكّر به، وأبصر مواقع الفعل والترك وما ينبغي إيثاره وما ينبغي اجتنابه فالتذكر هو مقصود التفكر وثمرته، فإذا تذكّر عاد بتذكره على تفكره فاستخرج ما لم يكن حاصلا عنده، فهو لا يزال يكرِّر بتفكّره على تذكره وبتذكّره على تفكّره ما دام عاقلا، لأن العلم والإرادة لا يقفان على حد، بل هو دائما سائر بن العلم والإرادة.

وإذا عرفت معنى كون آيات الرب تبارك وتعالى تبصرة وذكرى يُتَبًَصَّرُ بها من عمى القلب ويتذكر بها من غفلته، فإن المضاد للعلم إما عمى القلب، وزواله بالتبصّر، وإم غفلته وزواله بالتذكر.

والمقصود تنبيه القلب من رقدته بالإشارة إلى شيء من بعض آيات الله، ولو ذهبنا نتتبع ذلك لنفذ الزمان ولم نحط بتفصيل واحدة من آياته على التمام، ولكن مالا يدرك جملة لا يترك جملة.

وأحسن ما أنفقت فيه الأنفاس التفكر في آيات الله وعجائب صنعه والانتقال منها إلى تعلق القلب والهمة به دون شيء من مخلوقاته».

[«مفتاح دار السعادة» ابن قيم الجوزية (2/ 67)]

الحكم والأمثال


80- عَادَتْ لِعِتْرِهَا لَمِيسُ

- المثل: «عَادَتْ لِعِتْرِهَا لَمِيسُ»

- المفردات: العِتْرُ: الأصل، ولميسُ: اسمُ امرأةٍ.

- مورده: أو قصته: هي امرأةٌ كانتْ لها عوائدُ شرٍّ تعتادها، وأخلاقُ سوءٍ تفارقها ثمّ تقارفها، لغلبةِ الفسادِ فيها وصيرورتِه أصلاً في طباعِها فسيّرتِ العربُ فيها هذا المثلَ.

- مضربه: يُضرب لِمَن يرجع إلى عادةِ سوءٍ تركها، و«اللاّم» في «لعترها» بمعنى: «إلى»، يقال: عُدت إليه، وله، قال الله تعالى:﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام : 28].

[«الآثار» للإمام محمد البشير الإبراهيمي (3/ 341)]

البيان في نصوص الوحي


79- الدرر في بيان سورة الكوثر

قال الله تعالى: ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ(1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ(2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ(3)﴾ [الكوثر :1-3]

لقد اشتملت هذه السورة على درر من البلاغة والبيان نوجزه فيما يلي:

1- سورة‏، ما أجلها من سورة‏ !‏ وأغزر فوائدها -على اختصارها- وحقيقة معناها تعلم من آخرها، فإنه -سبحانه وتعالى- بتر شانئ رسوله من كل خير، فيبتر ذكره وأهله وماله فيخسر ذلك في الآخرة، ويبتر حياته فلا ينتفع بها، ولا يتزود فيها صالحًا لمعاده، ويبتر قلبه فلا يَعِي الخير، ولا يؤهله لمعرفته ومحبته، والإيمان برسله‏،‏ ويبتر أعماله فلا يستعمله في طاعة، ويبتره من الأنصار فلا يجد له ناصرًا، ولا عونًا‏،‏ ويبتره من جميع القُرب والأعمال الصالحة، فلا يذوق لها طعمًا، ولا يجد لها حلاوة - وإن باشرها بظاهره- فقلبه شارد عنها‏.

2-‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏﴿‏إِنَّ أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ‏﴾‏ ‏[‏الكوثر‏:‏ 1‏]‏، تدل هذه الآية على عطية كثيرة صادرة عن معطٍ كبير غني واسع‏.‏ وأنه تعالى وملائكته وجنده معه.

-‏ و صدر الآية «بإنَّ» ‏الدالة على التأكيد، وتحقيق الخبر.

- وجاء الفعل بلفظ الماضي الدال عن التحقيق، وأنه أمر ثابت واقع، ولا يدفعه ما فيه من الإيذان، بأن إعطاء الكوثر سابق في القدر الأول حين قُدِّرت مقادير الخلائق، قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة.

- وحذف موصوف الكوثر ليكون أبلغ في العموم؛ لما فيه من عدم التعيين، وأتي بالصفة، أي‏:‏ أنه سبحانه وتعالى قال‏: ‏‏﴿‏إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ‏﴾‏، فوصفه بالكوثر، والكوثر المعروف إنما هو نهر في الجنة، كما قد وردت به الأحاديث الصحيحة الصريحة‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ الكوثر‏:‏إنما هو من الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه، وإذا كان أقل أهل الجنة من له فيها مثل الدنيا عشر مرات، فما الظن بما لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما أعده الله له فيها‏؟‏‏!‏ فالكوثر علامة وأمارة على تعدد ما أعده الله له من الخيرات، واتصالها وزيادتها، وسمو المنزلة وارتفاعها‏.‏ وإن ذلك النهر وهو الكوثرـ أعظم أنهار الجنة وأطيبها ماء، وأعذبها وأحلاها وأعلاها‏.‏
- وذلك أنه أتى فيه بلام التعريف الدالة على كمال المسمي وتمامه‏.‏ كقوله‏:‏ زيد العَالِم، زيد الشجاع، أي‏:‏ لا أعلم منه ولا أشجع منه، وكذلك قوله‏:‏ ‏﴿‏إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ‏﴾‏، دل على أنه أعطاه الخير كله كاملا موفرًا، وإن نال منه بعض أمته شيئًا، كان ذلك الذي ناله ببركة اتباعه، والاقتداء به، مع أن له صلى الله عليه وسلم مثل أجره من غير أن ينقص من أجر المتبع له شيء ففيه الإشارة إلى أن الله تعالى يعطيه في الجنة بقدر أجور أمته‏.‏ كلهم من غير أن ينتقص من أجورهم، فإنه هو السبب في هدايتهم، ونجاتهم، فينبغي -بل يجب- على العبد اتباعه والاقتداء به، وأن يمتثل ما أمره به، ويكثر من العمل الصالح صومًا وصلاة وصدقة وطهارة؛ ليكون له مثل أجره .

3- وفي قوله‏:‏ ‏﴿‏إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ‏﴾، أنواع من التأكيد‏:‏ أحدها‏:‏ تصدير الجملة بإن‏.‏ الثاني‏:‏ الإتيان بضمير الفصل الدال على قوة الإسناد والاختصاص‏.‏ الثالث‏:‏ مجيء الخبر على أفعل التفضيل، دون اسم المفعول‏.‏ الرابع‏:‏ تعريفه باللام الدالة على حصول هذا الموصوف له بتمامه، وأنه أحق به من غيره، ونظير هذا في التأكيد قوله‏:‏ ‏﴿‏لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى‏﴾‏ ‏[‏طه‏:‏ 68‏]‏‏.‏

4- وفي قوله‏:‏ ‏﴿‏إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ‏﴾ إشارة إلى أنك لا تتأسف على شيء من الدنيا وغيرهما، وفيها الإشارة إلى ترك الالتفات إلى الناس، وما ينالك منهم، بل صل لربك وانحر‏.‏ وفيها التعريض بحال الأبتر الشانئ، الذي صلاته ونسكه لغير الله‏.‏
ومن فوائدها اللطيفة‏:‏ الالتفات في قوله‏:‏ ‏﴿‏فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ‏﴾‏ الدالة على أن ربك مستحق لذلك، وأنت جدير بأن تعبده، وتنحر له‏.‏ والله أعلم‏.

5- وقوله‏:‏ ‏﴿‏فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ‏﴾‏، أمره الله أن يجمع بين هاتين العبادتين العظيمتين، وهما الصلاة والنسك الدالتان على القرب والتواضع والافتقار وحسن الظن، وقوة اليقين، وطمأنينة القلب إلى الله أتي فيهما بالفاء الدالة على السبب؛ لأن فعل ذلك -وهو الصلاة والنحر- سبب للقيام بشكر ما أعطاه الله إياه من الكوثر، والخير الكثير، فشكر المنعم عليه وعبادته أعظمها هاتان العبادتان، بل الصلاة نهاية العبادات، وغاية الغايات، كأنه يقول‏:‏ ‏﴿‏إِنَّ أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ‏﴾‏، الخير الكثير، وأنعمنا عليك بذلك لأجل قيامك لنا بهاتين العبادتين، شكرًا لإنعامنا عليك، وهما السبب لإنعامنا عليك بذلك‏.‏ فقم لنا بهما، فإن الصلاة والنحر محفوفان بإنعام قبلهما، وإنعام بعدهما، وأجل العبادات المالية النحر، وأجل العبادات البدنية الصلاة، وما يجتمع له في نحره من إيثار الله، وحسن الظن به وقوة اليقين، والوثوق بما في يد الله أمر عجيب، إذا قارن ذلك الإيمان والإخلاص‏.

[«مجموع الفتاوى» ابن تيمية (16/ 529)]

أزهار متناثرة


78- خطبة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه

قام رضي الله عنه خطيبا بعدما وُلّيَ الخلافة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

«أَمَّ بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ وُلِّيتُ أَمْرَكُمْ، وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، وَلَكِنْ نَزَلَ القُرْآنُ، وَسَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَّمَنَا فَعَلِمْنَا.

وَاعْلَمُوا أَنَّ أَكْيَسَ الكَيْسِ التُّقَى، وَأَنَّ أَحْمَقَ الحُمْقِ الفُجُورُ، وَأَنَّ أَقْوَاكُمْ عِنْدِي الضَّعِيفُ، حَتَّى آخُذَ لَهُ بِحَقِّهِ، وَأَنَّ أَضْعَفَكُمْ عِنْدِي القَوِيُّ، حَتَّى آخُذَ مِنْهُ الحَقَّ.

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنَ مُتَّبِعٌ، وَلَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ، فَإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ زِغْتُ فَقَوِّمُونِي».

[«إعجاز القرآن» الباقلانيّ (155) ]

مختارات شعرية


77- حِكمٌ وعِظات

قال عديّ بن زيد:

وَعَاذِلةٍ هَبَّتْ بِلَيْـلٍ تَلُومُنِـي * فَلَمَّا غَلَتْ فِي اللَّوْمِ قُلْتُ لَهَا اقْصِـدِي

أَعَاذِلُ إِنَّ اللَّوْمَ فِي غَيْرِ كُنْهِهِ * عَلَيَّ ثِنًى مِـنْ غَيِّـكِ المُتَرَدِّدِ

أَعَاذِلُ إِنَّ الجَهْلَ مِنْ لَذَّةِ الفَتَى * وَإِنَّ المَنَايَا لِلرِّجَالِ بِمَرْصَدِ

أَعَاذِلُ مَا أَدْنَى الرَّشَادَ مِنَ الفَتَى * وَأَبْعَدَه مِنْهُ إِذَا لَمْ يُسَدَّدِ

أَعَاذِلُ مَنْ تُكْتَبْ لَهُ النَّارُ يَلْقَهَ * كِفَاحً وَمَنْ يُكْتَبْ لَهُ الفَوْزُ يَسْعَدِ

أَعَاذِلُ مَا يُدْرِيكِ أَنَّ مَنِيَّتِي * إِلَى سَاعَةٍ فِي اليَوْمِ أَوْ فِي ضُحَى غَدِ

أَعَاذِلُ مَنْ لاَ يَزجُرِ النَّفْسَ خَالِيً * عَنِ الغَيِّ لاَ يَرْشُدْ لِقَوْلِ المُفَنِّدِ

كَفَى زَاجِرًا لِلْمَرْءِ أَيَّامُ دَهْرِهِ * تَرُوحُ لَهُ بِالوَاعِظَاتِ وَتَغْتَدِي

فَنَفْسَكَ فَاحْفَظْهَا عَنِ الغَيِّ وَالرَّدَى * مَتَى تُغْوِهَا يَغْوَ الَّذِي بِكَ يَقْتَدِي

وَإِنْ كَانَتِ النَّعْمَاءُ عِنْدَكَ لاِمْرِئٍ * فَمِثْل بِها فَاجْزِ المُطَالِبَ وَازْدَدِ

عَنِ المَرْءِ لاَ تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ * فَإِنَّ القَرِينَ بِالمُقَارَنِ يَقْتَدِي

سَتُدْرِكُ مِنْ ذِي الفُحْشِ حَقَّكَ كُلَّهُ * بِحِلْمِكَ فِي رِفْقٍ وَلَمَّا تَشَدَّدِ

إِذَا مَا رَأَيْتَ الشَّرَّ يَبْعَثُ أَهْلَهُ * وَقَامَ جُنَاةُ الغَيِّ لِلْغَيِّ فَاقْعُدِ

وَظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَةً * عَلَى النَّفْسِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّدِ

[«جمهرة أشعار العرب» لأبي زيد القرشي: 391]

قواعد وفوائد


76- بيان الراجح في ضبط لفظ حديث

نسمع في أيام العشر (عشر ذي الحجة) قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حج فلم يرفث ولم يفسق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه» والخطباء بعضهم يقول: كـ «يومَ» بفتح الميم، وبعضهم يقول: كـ «يومِ» بكسر الميم، فما الأرجح من هذين الإعرابين؟.

الأرجح كـ «يومَ» بفتح الميم، تكون الكاف حرف جر، ويوم: ظرف مبني على الفتح في محل جر، أما كـ «يومِ» بكسر الميم، الكاف: حرف جر، ويوم: اسم مجرور بالكاف وعلامة جره الكسرة. لكن الإعراب الأول أحسن، لماذا؟ الفعل بعد يوم ما هو؟ (ولدَ) ولد: فعل ماض، والفعل الماضي حكمه أنه مبني، فكونك تبني الظرف يتناسب مع بناء الفعل، هذ أحسن، لكن لو كسرت الظرف صار معربا؛ لأنه مجرور، وبعده فعل مبني ل يصير فيه تناسب، إذن الأحسن أن الخطيب يقول: رجع من ذنوبه كيومَ ولدته أمه، نعم الإعراب الأول تقول: (يوم) ظرف مبني على الفتح في محل جر، هذا هو الأرجح. يقول ابن مالك في هذه المسألة:

وابْنِ أوِ اعْرِب ما كإذ قد أُجْرِي * واختَرْ بنا متلو فعلٍ بُنِي

[«شرح مختصر قواعد الإعراب» لعبد الله الفوزان (61)]

الملح والنوادر


75- بين الشيخ والكتاب

قال أبو حيان النحوي في أثناء كلام له:

...وأما إن كان صاحب تصانيف، وينظر في علوم كثيرة، فهذا لا يمكن أن يبلغ الإمامة في شيء منها، وقد قال العقلاء: ازدحام العلوم مضلة للفهوم، ولذلك تجد من بلغ الإمامة من المتقدمين في علم من العلوم لا يكاد يشتغل بغيره، ولا ينسب إلى غيره، وقد نظمت أبياتا في شأن من ينهز بنفسه، ويأخذ العلم من الصحف بفهمه:

يظنُّ الغُمْرُ أنَّ الكتبَ تهْــدِي * أخَا فهْـمٍ لإدراكِ العُـلــومِ

وما يدري الجهـولُ بأنّ فيه * غوامضَ حيَّـرتْ عقلَ الفهيمِ

إذا رُمتَ العلومَ بـغيـرِ شيـْخٍ * ضَللتَ عنِ الصراطِ المستقيـمِ

وتلتبسُ العلومُ عليك حــتى * تصيرَ أضلَّ من تَومـا الحكيـم ِ

أشرت إلى قول بعضهم :

قال حمار الحكيم توم * لو أنصفوني لكنت أركب

لأننـي جاهل بسيط * وصاحبي جاهـل مركب

ترجمة توما في «الدرر الكامنة» (2/ 75) قيل: هو المعني في الأبيات.

[«الآداب الشرعية» لابن مفلح (2/ 152)]

اللغـة


74- صفحة في اللغة

- يقولون: أمر هام، والصواب: أمر مهم.

- يقولون: منح إجازة اعتباراً من، والصواب: ابتداءً من.

- يقولون: جاء الطالب فورا، والصواب: جاء الطالب من فوره.

- يقولون: هذا أمر ملفت للنظر، والصواب: هذا أمر لافت للنظر.

- يقولون: جاء المشائخ، والصواب: جاء المشايخ.

- يقولون: مبررات العمل، والصواب: مسوغات العمل.

- يقولون: قمصان حمراء، والصواب: قمصان حمر.

[«الكناش المفيد» أحمد العساف (10)]

الحكم والأمثال


73- عاقبة التقصير

المثل: «أَوْرَدَهَا سَعْدٌ وَسَعْدٌ مُشْتَمِلْ»

[ مضربه ] : يُضرب لمن أراد المرادَ بل تعبٍ، والصّوابُ أن يقالَ: يُضرب لمن قصّر في الأمرِ.

[ مورده ] : سعدٌ هو ابنُ زيدِ مناةَ أخو مالكِ بنِ زيدِ مناةَ الذي يقال له: «آبَلُ مِنْ مَالِكٍ»، ومالكٌ هذا هو سبطُ بنُ تميمِ بنِ مُرّةَ، وكان يُحَمَّق إلاّ أنّه كان آبَلَ زمانِه، ثمّ إنّه تزوّج وبنى بامرأتِه، فأورد الإبلَ أخوه سعدٌ، ولم يحسنِ القيامَ عليها والرّفقَ بها، فقال مالكٌ:

أَوْرَدَهَا سَعْدٌ وَسَعْدٌ مُشْتَمِلْ * مَا هَكَذَا يَا سَعْدُ تُورَدُ الإِبِلْ

فقال سعد مجيبا له:

يَظَلُّ يَوْمَ وِرْدِهَا مُزَعْفَرَا * وَهْيَ حَنَاظِيلُ تَجُوسُ الخَضِرَا

[«مجمع الأمثال» للميدانيّ (2/ 426)]

البيان في نصوص الوحي


72- من الأمثال النبوية

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منه نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقُه في دين الله ونفعه م بعثني الله به، فعلِم وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به»

[ رواه البخاري (79) ومسلم (2282)]

هذا الحديث النبوي دليل على منزلة العلم النافع، وقد شبه فيه الرسول صلى الله عليه وسلم ما جاء به من الدين كالغيث الذي يمطر الناس وهم في أشد الحاجة إليه، ثم شبه السامعين له بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث، فمنهم العالم بعلمه المعلم لغيره، فهو بمنزلة الأرض الطيبة، شربت فانتفعت في نفسها، وأنبتت فنفعت غيرها.

ومنهم الجامع للعلم المستغرق فيه غير أنه لم يتأدب بآدابه ولم يعمل به إل قليلا، فلم يثمر علمه الثمرة المطلوبة في تزكية النفس واستقامة السلوك، فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء لينتفع الناس به في السقاية والري، دون أن تستفيد تلك الأرض من مائها المخزون فيها لكي تنبت وتخضر،بل بقيت جرداء قاحلة، أو أنبتت نباتا قليلا تتفاوت نسبته بحسب استفادة الأرض من مائها.

فقد مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي الذي جاء به بالغيث، وقسم الناس في قبولهم له وانتفاعهم به إلى ثلاثة أقسام:

- قسم قبلوه وانتفعوا به في نفوسهم علما وعملا وحفظا وفهما وتعليما فكان في ذلك حياة قلوبهم وانتفاع غيرهم، فهؤلاء كالأرض الطيبة التي تقبل الماء فتنبت الكلأ والعشب.

- وقسم قبلوه وحفظوه وأدوه إلى غيرهم، فهؤلاء لهم قلوب حافظة لكن ليست لهم أفهام ثاقبة لاستنباط المعاني والأحكام وليس عندهم اجتهاد في الطاعة والعمل به فهم يحفظونه حتى يأتي طالب متعطش فينتفع بما عندهم، فهؤلاء كالأرض الأجادب (التي لا تنبت)لكنها تمسك الماء فينتفع بها الناس والحيوان.

- وقسم لم يقبل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يحفظه أو ينتفع، وإنما أعرض عن الكتاب والسنة جهلا أو استكبارا، فهو كالأرض القيعان(الملساء التي لا نبات فيها)فلا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، وهذا الصنف لا يعبأ بهدي ول علم مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لحياة القلوب، وإنما يصر على الإعراض وعدم الاستجابة، ولا يرفع رأسا للإصغاء أو القبول فيحجب نفسه عن الخير، ويحيا قاسي القلب كالصخرة الصماء الصلبة، لا خير يرتجى منه.

وهكذا يوضح الرسول صلى الله عليه وسلم بالأمثلة الحسية المأخوذة من واقع الحياة ضرورة الاعتصام بالكتاب والسنة والتمسك بهما وخطر الأعراض عنهم واتباع الهوى.

[«منهج الإسلام في تزكية النفوس» لأنس كرزون (1/ 145 )]

أزهار متناثرة


71- من شعر الصحابة

عن سَلَمَةَ بنِ الأكوعِ رضي الله عنه قال: «خرجْنا مع رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم إلى خيبرَ، فسِرْنا ليلاً،فقال رجلٌ مِن القومِ لعامرِ بنِ الأكوعِ، ألا تُسمعنا مِن هُنَيْهَاتِك؟ قال: وكان عامرٌ رجلاً شاعرًا، فنزل يحدو بالقوم يقول:

اللّهُمَّ لَوْلاَ أَنْتَ مَ اهْتَدَيْنَا * وَلاَ تَصَدَّقْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا

فَاغْفِرْ فِدَاءً لَكَ مَ اقْتَفَيْنَا * وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاَقَيْنَا

وَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا

إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا * وَبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا

فقال رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم: «مَنْ هَذَا السَّائِقُ؟»، قالوا : عامرُ بنُ الأكوعِ، فقال: «يَرْحَمُهُ اللهُ».

وفي روايةٍ قال: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَرَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَسْمِعْنَا يَ عَامِرُ مِنْ هُنَيْهَاتِكَ. فَحَدَا بِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ السَّائِقُ؟»، قَالُوا: عَامِرٌ، فَقَالَ: «رَحِمَهُ اللهُ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ هَل أَمْتَعْتَنَا بِه، فَأُصِيبَ صَبِيحَةَ لَيْلَتِهِ، فَقَالَ الْقَوْمُ: حَبِطَ عَمَلُهُ، قَتَلَ نَفْسَهُ. فَلَمَّا رَجَعْتُ وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا نبيَّ اللهِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَقَالَ: «كَذَبَ مَنْ قَالَهَا، إِنَّ لَهُ لأَجْرَيْنِ اثْنَيْنِ، إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، وَأَيُّ قَتْلٍ يَزِيدُهُ عَلَيْهِ».

[رواه البخاريّ (6891)]

مختارات شعرية


70- حقارة الدنيا وسرعة فنائها

قال أبو الحسن التهامي:

حُكْمُ المنية في البريّـةِ جــارِ * ما هذهِ الدنيـا بدارِ قـرارِ

بينا يُرى الإنسانُ فيها مُخبـِر * حتى يُرى خَبَرا من الأخْبارِ

طُبِعَتْ على كَدَرٍ وأنتَ تُرِيدُه * صَفْوًا مِن الأقذارِ والأكدارِ

ومُكَلِّفُ الأيَّامِ ضـِدَّ طِباعـه * مُتَطَلِّبٌ في الماء جذْوةَ نَـارِ

وإذا رَجوتَ المُستحيل فإنـّم * تَبْني الرجاءَ على شَفيرٍ هـارِ

فالعيشُ نـومٌ و المنيّـة يَقْظةٌ * و المرءُ بينهما خيـالٌ سـٌ سـارِ

فاقضوا مآرِبَكم عِجالا إنّم * أعْمارُكُم سَـفرٌ من الأسفـار

و تراكضوا خيل الشبابِ وبادِرو * أنْ تُسْتَــردّ فإنهنّ عَوَارِ

[ «جواهر الأدب» للهاشمي: (444)]

قواعد وفوائد


69- حذف حرف العلة

القاعدة: أنّ حرف العلّة في الفعل المضارع لا يحذف إلا لدخول جازم. كقولنا مثلا: محمّد لم يدعُ، ولم يرضَ، ولم يرمِ. كيف تكتب لم يدع؟ عين فقط وعليها ضمّة، ولهذ تقول في الإعراب: (يدعُ): فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف الواو، والضمة قبلها دليل عليها، ومثله لم يرضَ، ولم يرمِ.

ولكن قد يحذف حرف العلة لغير جازم، إمّا لقصد التّخفيف، أو لرعاية الفواصل، وهذا وُجد في القرآن في مواضعَ، منها:

1- قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: 105] لو فتحت المصحف تجد (يأتِ) تاء فقط وتحته كسرة، أين حرف العلّة؟ حُذف. هل فيه جازم هنا؟ ما فيه جازم. فيعلّل العلماء بأن الحذف هنا للتخفيف. لكن كيف أعرب يأت؟ فعل مضارع مرفوع بضمة مقدّرة على الياء المحذوفة رسما للتّخفيف.

2- ومنه أيضا قول الله -تعالى-: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾ [الكهف: 64] أصله (نبغي)، مع أنّه ما فيه جازم هنا، إذن: نبغِ: فعل مضارع مرفوع بضمّة مقدّرة على الياء المحذوفة للتّخفيف.

3- قول الله -تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: 4]، وقفا ووصلا تُقرأ (يَسْرِ)، ما فيها ياءٌ في المصحف، مع أنّ أصلها (يسري)، ولا جازم هنا، فأين ذهبتِ الياء؟ يقولون: هنا حُذفت الياء رعاية للفواصل، ﴿وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ(2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ(3) ﴾ [الفجر:1-3] إلى آخره، كلُّها آخرُها كسر، فحُذفت الياء رعاية للفواصل.

[شرح مختصر قواعد الإعراب لعبد الله الفوزان: 60]

الملح والنوادر


68- فراسة الشافعي

قال أبو نعيم: حدّثن عبد الرحمن بن محمّد بن حمدان، ثنا أبو محمّد بن أبي حاتم، ثن أحمد بن سلمة بن عبد الله النّيسابوريّ قال: قال أبو بكر ورّاقُ الحميديّ: سمعت الحميديّ يقول: قال: محمّد بن إدريس الشّافعيّ: خرجتُ إلى اليمن في طلب كتب الفراسة، حتى كتبتها وجمعتها، ثمّ لمّ حان انصرافي مررتُ على رجل في الطّريق، وهو محتب بفناء داره، أزرق العين ناتئ الجبهة سناط، فقلتُ له: هل من منزل؟ فقال: نعم. قال الشّافعيّ: وهذا النّعت أخبث ما يكون في الفراسة، فأنزلني، فرأيتُه أكرم ما يكون من رجل، بعث إليّ بعَشاءٍ وطيبٍ وعلفٍ لدابّتي وفراشٍ ولحافٍ، فجعلتُ أتقلّب اللّيلَ أجمعَ ما أصنع بهذه الكتب إذا رأيتُ النّعت في هذا الرّجل، فرأيتُ أكرم رجلٍ، فقلتُ: أرمي بهذه الكتب، فلمّا أصبحت قلتُ للغلام: أسرِجْ، فأسرَجَ، فركبتُ ومررتُ عليه، وقلتُ له: إذا قدمتَ مكّةَ، ومررتَ بذي طوى، فاسألْ عن محمّد بنِ إدريسَ الشّافعيِّ، فقال لي الرّجل: أمولى لأبيك أنا؟ قال: قلت: لا. قال: فهل كانت لك عندي نعمة؟ فقلت: لا، فقال: أين ما تكلّفتُه لك البارحة؟ قلت: وما هو؟ قال: اشتريتُ لك طعامًا بدرهمين، وإدامً بكذا وكذا، وعطرا بثلاثة دراهم، وعلفا لدابّتك بدرهمين، وكراءُ الفرش واللّحاف درهمان! قال: قلتُ: يا غلام أعطِه، فهل بقي من شيء؟ قال: كراء البيت فإنّي قد وسّعتُ عليك وضيّقتُ على نفسي.

قال الشّافعي: فغبطتُ بتلك الكتب، فقلتُ له بعد ذلك: هل بقي لك من شيء؟

قال: امضِ أخزاك الله، فما رأيتُ قطّ شرًّا منك!.

[«الحلية» لأبي نعيم: (9/ 143)]

اللغة


67- في أشياء تختلف أسماؤها وأوصافها باختلاف أحْوالها

لا يُقالُ كأسٌ إلاّ إذا كان فيها شَرَاب، وإلا فهي زُجَاجة.

ولا يُقَالُ مائدةٌ إلاّ إذا كان عليها طَعَامٌ، وإلاّ فهي خِوَان.

لا يُقالُ كُوزٌ إلا إذا كانَتْ له عُرْوَة، وإلا فهو كُوب.

لا يُقالُ قلَمٌ إلاّ إذا كانَ مبريًّا، وإلاّ فهو أُنْبوبَة.

ولا يُقالُ خاتَمٌ إلاّ إذا كانَ فيه فَصّ، وإلاّ فَهُوَ فَتْخَةٌ.

ولا يُقال رُمْح إلاّ إذا كانَ عَلَيهِ سِنَانٌ، وإلا فهو قناة.

لا يُقالُ نَفَقٌ إلاّ إذا كان له مَنْفَذ، وإلاّ فهو سَرَبٌ.

ولا يُقالُ خِدْرٌ إلاّ إذا كانَ مُشَتَمِلاً على جارِيَةٍ مُخَدَرَةٍ، وإلاّ فهو سِتْر.

ولا يُقالُ وَقُود إلاّ إذا اتَّقدَتْ فيهِ النارُ، وإلاّ فهو حَطَب.

ولا يُقالُ عَوِيلٌ إلاّ إذا كانَ مَعَهُ رَفع صَوْتٍ، وإلاّ فهو بُكَاء.

ولا يُقالُ ثَرًى إلاّ إذا كان نَدِيًّا، وإلاّ فهو تُراب.

لا يُقالُ لِماءِ الفَمِ رُضاب إلاّ ما دامَ في الْفَمِ، فإذ فارقَهُ فهو بُزَاق.

لا يُقالُ للّشجاع كَمِيّ إلا إذا كان شاكيَ السِّلاحِ، وإلاّ فهو بَطَل.

[«فقه اللغة» للثعالبي: (29)]

الحكم والأمثال


66- ولات حين مناص

المثل هو: حال الجريض دون القريض

المفردات: الجريض: الغصّة، من الجَرَض وهو الريق يغص به، يقال: جرض بريقه تجرض، وهو أن يبتلع ريقه على همّ وحزن، يقال مات فلان جريض أي مغموما، والقريض: الشعر، وحال: منع.

[ مضربه ] : يُضرب: للأمر المُعضل يَعرض فيُشغل عن غيره من الأمور، وقيل يضرب للأمر يقدر عليه أخيرا حين لا ينفع.

[ مورده ] : قصّته: أنّ رجلا كان له ابن نبغ في الشعر، فنهاه أبوه عن ذلك، فجاش به صدره، ومرض حتى أشرف على الهلاك، فإذن له أبوه في قول الشعر فقال هذا القول.

وقيل : إنّ عبيد بن الأبرص وفد على النعمان الأكبر، وهو بن الشقيقة وباني الخورنق، فامتدحه فوصله وأكرمه، وكان للنعمان يوم بؤس ويوم نعيم في السنة، فكان في يوم بؤسه يركب فيقتل من لقيه، فورد عليه عبيد بن الأبرص في يوم بؤسه، فقال له: ما أخرجك، ثكلتك أمك! فقال: حضور أجلي، وانقطاع أملي، وكان من لقيه يوم بؤسه لم يخلصه من الموت شيء، فاستنشده:

أقفر من أهله ملحوب.......

فقال له : حال الجريض دون القريض، فعزم عليه أن ينشد، فأنشده:

أقفر من أهيله عبيدُ * فاليوم ل يبدي ولا يعيد

ثم قال له: اختر، إن شئت أخرجت نفسك من الأكحل، وإن شئت من الأبجل، وإن شئت من الوريد، فقال عبيد:

خيّرتني بين سحابات عاد * فرِدت من بؤسك شر المراد

وكان قتل النعمان لعبيد سبب قطعه يوم بؤسه، فلم يفعله بعد.

[«شرح مقامات الحريري» للشريشي:(1/ 388)]‏.

البيان في نصوص الوحي


65- القلوب أمام الفتن

عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَىُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَ دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّ كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرً إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ " قَالَ أَبُو خَالِدٍ فَقُلْتُ لِسَعْدٍ يَا أَبَا مَالِكٍ مَا أَسْوَدُ مُرْبَادًّا قَالَ شِدَّةُ الْبَيَاضِ فِى سَوَادٍ. قَالَ قُلْتُ فَمَا الْكُوزُ مُجَخِّيًا قَالَ مَنْكُوسًا.

ما أبدع هذه البلاغة النبوية في وصف تأثير الفتن والشهوات على القلوب حتى تشوِّه صفاءها وتسوِّد نقاءها وتؤدي إلى انتكاسها.سها.سها.

فالفتن والشهوات تنسلُّ إلى القلب متتابعة واحدة بعد الأخرى كما ينسج الحصير عودا عودا، فأما قلب المؤمن العامر بحب الله ورسوله فإنه كالصفا أي: كالحجر الأملس في صلابته وتماسكه ونقاوته وعدم علوق شيء به، فلا تضره قتنة ولا تستهويه معصية ولا يرضى بديلا عما ظفر به من حلاوة الإيمان في قلبه.

وأما غيره ممن لم يتمكن حب الله ورسوله في قلوبهم فإن سهام الفتن وشهوات الدنيا تؤثر تدريجيا في ذلك القلب وتشوه صفاءه حتى يكون " مُربادّا " وهو بياض يسير مع السواد، فإذا انساق العبد أكثر فأكثر وراء أهوائه اختفى أثر البياض الباقي واسودَّ القلب وأظلم.

ولات حين مناصهو الكوز المُجَخِّي أي: المائل المنكوس، وهذا الميل كان في بدايته قليلا بحسب ما تسرب إليه من الفتن، ثم ازداد ميلا حتى انقلب وانتكس، ولا يخفى أن الكوز كلما مال عن استقامته انسكب منه ما كان فيه بمقدار الميل، حتى إذا انتكس انسكب كل ما فيه ولم يعد قابلا لأن يمتلىء بشيء على الإطلاق حتى يعود إلى عدالته، فما فائدة الكأس إذا انسكب منه الماء الزلال ولم يبق فيه إلا الهواء؟

وهنا تتجلى البلاغة النبوية في أبهى صورها، بحيث تترسخ في النفس صورة الكأس المقلوب الذي لا ينتفع منه بشيء، فهو كالعدم وإن كان موجودا، والهواء الذي فيه تمثيل للهوى المستقر في القلب المنكوس الذي لا يعرف معروفا ول ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه!!

وهذا شر القلوب وأخبثها فإنه يعتقد الباطل حقا والحق باطلا.

[«منهاج الإسلام في تزكية النفس» لأنس كرزون: (2/ 523)]

أزهار متناثرة


64- فضل العلم وصفة العالم الرّبّانيّ

قال كُمَيْلُ بنُ زيادٍ: أخذ عليُّ بنُ أبي طالبٍ بيدي، فأخرجني إلى ناحيةِ الجبّانِ، فلمّا أصحرنا، جلس، ثمّ تنفّس، ثمّ قال:
يا كُمَيْلُ بنَ زيادٍ، القلوبُ أوعيةٌ، فخيرُها أوعاها للخيرِ، احفظْ م أقول لك: النّاسُ ثلاثةٌ: فعالِمٌ ربّانيٌّ، ومتعلِّمٌ على سبيلِ نجاةٍ، وهمَجٌ رعاعٌ أتباعُ كلِّ ناعقٍ، يميلون مع كلِّ ريحٍ، لم يستضيئوا بنورِ العلمِ، ولم يلجئوا إلى ركنٍ وثيقٍ.

العلمُ خيرٌ مِنَ المالِ، العلمُ يحرسك وأنت تحرس المالَ.

العلمُ يزكو على العملِ، والمالُ تنقصه النّفقةُ، ومحبّةُ العلمِ دينٌ يدانُ بها.

العلمُ يُكْسِبُ العالِمَ الطّاعةَ في حياتِه، وجميلَ الأحدوثةِ بعد موتِه، وصنيعةُ المالِ تزول بزوالِه.

مات خُزّانُ الأموالِ وهم أحياءٌ، والعلماءُ باقون ما بقي الدّهرُ، أعيانُهم مفقودةٌ، وأمثالُهم في القلوبِ موجودةٌ.

إنّ هاهنا - وأشار بيدِه إلى صدرِه - علمًا لو أصبتُ له حملةً! بلى، أصبتُه لقِنًا غيرَ مأمونٍ عليه يستعمل آلةَ الدّينِ للدّنيا، يستظهر بحُجَجِ اللهِ على كتابِه، وبنِعَمِه على عبادِه، أو منقادًا لأهلِ الحقِّ لا بصيرةَ له في إحيائِه، يقتدح الشّكُّ في قلبِه بأوّلِ عارضٍ مِن شبهةٍ، لا ذا ولا ذاك، أو منهومًا باللّذاتِ، سَلِسَ القيادِ للشّهواتِ، أو مُغْرًى بجمعِ الأموالِ والادّخارِ، وليس مِن دعاةِ الدّينِ، أقربُ شبهً بهما الأنعامُ السّائمةُ، كذلك يموت العلمُ بموتِ حامليه.

اللّهم بلى، لا تخلو الأرضُ مِن قائمٍ للهِ بحُجّةٍ، لئلاّ تبطل حُجَجُ اللهِ وبيِّناتُه، أولئك هم الأقلّون عددًا، الأعظمون عند اللهِ قدرًا، بهم يدفع اللهُ عن حُجَجِه حتى يؤدّوها إلى نظرائِهم، ويزرعوها في قلوب أشباهِهم، هجم بهم العلمُ على حقيقةِ الأمرِ، فاستلانوا ما استوعر منه المتفرِّقون، وأنِسُوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدّنيا بأبدانٍ أرواحُها معلَّقةٌ بالمنظرِ الأعلى ، أولئك خلفاءُ اللهِ في بلادِه، ودعاتُه في دينِه. هاه هاه ! شوقًا إلى رؤيتِهم، وأستغفر اللهَ لي ولك... إذا شئتَ فقُمْ.

[أخرجها أبو نعيم في «الحلية» (1/79)، والخطيب في «الفقيه والمتفقّه» (1/49)]

مختارات شعرية


63- مكارم الأخلاق

قال حافظ إبراهيم رحمه الله مبينا قيمة الأخلاق:

إنّي لَتُطْربني الخِـــلالُ كــريمةً * طَــرَبَ الغريبِ بِأوْبةٍ و تلاقِقِ

و يَهُـزُّني ذِكْرُ المُروءةِ و النــدى * بين الشمائـلِ هزّةَ المُشْتــاقِقِ

ما البابليّة في صفــاءِ مزاجه * و الشرب بين تنافسٍ و سبـاقِ

و الشمسُ تبدو في الكؤوسِ و تختفي * و البدرُ يُشرِقُ مِن جبينِ الساقي

بألذَّ مِن خُلُـــقٍ كريمٍ طاهــرٍ * قـد مـازَجَتْهُ سلامةُ الأذواقِ

فإذا رُزِقتَ خليــقـةً محمــودة * فقـدِ اصْطفاكَ مُقسِّمُ الأرزاقِ

فالنــاسُ هـذا حـظُّه مالٌ ، و ذ * عِلْـمٌ و ذاك مكارمُ الأخلاقِ

و المــالُ إن لم تدّخِــرْهُ مُحصَّن * بالعـلمِ كـان نهايـةَ الإِملاقِ

و العلــمُ إن لم تَكتَنِفْهُ شمائـــل * تُعْليـهِ كان مطيّـة الإخـفاقِ

لا تَحسَبَــنّ العلــمَ ينفـعُ وحده * مـا لم يُتـَوَّجْ ربُّــه بخلاقِ

الأمُّ مــدرســة إذا أعـــددته * أعددتَ شعبا طيِّبَ الأَعْـرَاقِ

[«جواهر الأدب» للهاشمي: (354)]

قواعـد وفـوائد


62- الجملة الواقعة مفعولا به

من المعلوم لدى المشتغلين بالنحو أن هناك جملا لها محل من الإعراب، وجملا ليس لها محل من الإعراب، ومن الجمل التي لها محل من الإعراب الجملة الواقعة مفعولا به، ولكن ما هي المواضع التي تكون فيه الجملة في محل نصب مفعول به؟ والجواب كالآتي: الأصل في المفعول به أن يكون مفردا، هذا هو الأصل تقول مثلا: كتب خالد الدرسَ، الدرسَ : مفعول به منصوب، لكن الجملة تأتي مفعولا به كذلك، ويكون ذلك في أربعة مواضع:

الأول: الواقعة بعد القول: كقوله تعالى: ﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ً﴾ [مريم: 30] "قال": فعل ماضٍ مبني على الفتح، "إني": إن حرف توكيد مشبه بالفعل ينصب الاسم ويرفع الخبر، وياء المتكلم: ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب اسم إن، و"عبد": خبر إن مرفوع ومضاف، ولفظ "الله": مضاف إليه، والجملة من "إن " واسمها وخبرها في محل نصب مفعولا به "قال"، وإن شئت قلت : في محل نصب مقول القول، مقول القول والمفعول بمعنى واحد.

وعلى هذا خذ قاعدة: إذا جاء الفعل "قال" أو "يقول" فالجملة التي بعده تكون في محل نصب مفعول به.

الثاني: التالية للمفعول الأول في باب " ظن"، مثل: ظننت زيدا يعرف النحو، "ظن": فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بتاء الفاعل، والتاء: ضمير مبني على الضم في محل رفع فاعلا، "زيدا": مفعول أول للفعل "ظن"، "يعرف": فعل مضارع مرفوع والفاعل ضمير مستتر جواز تقديره هو، "النحو":مفعول به، وجملة"يعرف النحو" مفعول ثانٍ للفعل ظن.

إذن فـ "زيدا" مفعول أول لظن؛ لأنها تنصب مفعولين، وجملة "يعرف النحو" من الفعل والفاعل المستتر والمفعول في محل نصب مفعول ثانيا؛ لأن " ظن " تنصب مفعولين، فصار المفعول الثاني هنا جملة؛ ولهذا يقولون: النوع الثاني : الجملة التالية للمفعول الأول بعد " ظن"، أو في باب "ظن".

الثالث: الجملة التالية للمفعول الثاني في باب "علم"، تقول: أعلمت زيدا عمروا أبوه قائم، "أعلمت": فعل وفاعل، "زيدا": مفعول أول، و"عمروا" مفعول ثان، "أبوه": مبتدأ، "وقائم": خبر، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب مفعول ثالثا.

الرابع: الجملة الواقعة بعد فعل معلّق عن العمل، كما في قول الله -تعالى-:﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً ﴾ [الكهف: 12] يطول الكلام هنا، لكن بما أننا ذكرناه تتميما للفائدة نشير إليه، الفعل "علم" هنا أصله ينصب مفعولين، لكن هنا لن ينصب مفعولين بسبب "اللام" في قوله: "لنعلم"؛ فـ "اللام" معلقة للفعل عن العمل في اللفظ لا في المحل؛ ولهذا ما عندنا مفعول أول هنا لـ "علم"، ول مفعول ثانٍ لـ "علم"، لكن عندنا جملة واحدة سدت مسد المفعولين، فالفعل "نعلم" هنا يسمى عند النحويين معلقا عن العمل، يعني ممنوع من العمل في اللفظ، لكن في المحل له عمل؛ ولهذا نقول "أي": مبتدأ، "الحزبين": مضاف إليه، "أحصى": خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب سدت مسد مفعولي "علم".

هذه مواضع أربعة تكون الجملة فيها مفعولا به.

[«شرح مختصر قواعد الإعراب» لعبد الله الفوزان: (12)]

الملح والنوادر


61- النجاة من العطب بقليل من الأدب

خرج الإمامُ ابنُ العربيِّ في صغرِه إلى المشرقِ مع أبيه، وكاد البحرُ يومًا يغرقهم، وكاد الجوعُ والبردُ بعد خروجِهم مِنَ البحرِ أن يُهلكَهم لولا أنّ اللهَ تعالى بسببٍ طريفٍ أنقذهم. وقد قصّ الإمامُ ذلك في كتابِه «ترتيب الرحلة» ونقله عنه المقري في «نفح الطيب»، ونقلناه عنه لما فيه من عجيبِ لطفِ اللهِ ونفعِ المعرفةِ على كلِّ حالٍ في جميعِ المواطنِ، قال الإمامُ:

«وقد سبق في علمِ اللهِ أنْ يَعْظُمَ علينا البحرُ بِزَوْلِهِ (بعَجَبه)، ويُغرقَن بهَوْلِه، فخرجْنا خروجَ الميِّتِ مِنَ القبرِ، وانتهيْنا بعد خطبٍ طويلٍ إلى بيوتِ بني كعبِ بنِ سليمٍ ونحن مِنَ السَّغَبِ على عطبٍ، ومِنَ العريِ في أقبحِ زيٍّ، قد قذف البحرُ زقاقَ زيتٍ مزّقتِ الحجارة منيئتها (الجلد أول ما يدبغ)، ودسّمَتِ الأدهانُ وبرَها وجلدتَها، فاحتزمْناها أُزُرًا، واشتملْناها ألفافًا، تمجّن الأنظارُ، وتخذلنا الأنصارُ، فعطف أميرُهم علينا فأوَيْنا إليه فآوانا، وأطعمن اللهُ على يدَيْه وسقانا، وأكرم مثوانا وكسانا، بأمرٍ حقيرٍ ضعيفٍ، فنٍّ مِنَ العلمِ ظريفٍ، وشرحُه: أنّا لمّا وقفنا على بابه ألفيْناه يُدير أعوادَ الشاهِ (الشّطرنج)، فِعْلَ السّامدِ اللاّهِ، فدنوتُ منه في تلك الأطمارِ، وسمح لي بيادقتُه إذ كنتُ مِنَ الصّغرِ في حدًّ يُسمح فيه للأغمارِ، ووقفتُ بإزائِهم، أنظر إلى تصرُّفهم مِنْ ورائِهم، إذ كان عَلِقَ بنفسي بعضُ ذلك مِنْ بعضِ القرابةِ، في خلسِ البطالةِ، مع غلبةِ الصّبوةِ والجهالةِ، فقلتُ للبيادقةِ: «الأميرُ أعلمُ مِنْ صاحبِه»، فلمحوني شزرًا، وعَظُمْتُ في أعينِهم بعد أن كنتُ نزرًا، وتقدّم إلى الأميرِ مَن نقل إليه الكلامَ فاستدناني فدنوتُ منه وسألني: هل لي بما هم فيه خبرٌ، فقلتُ: «لي فيه بعضُ نظرٍ، سيبدو لك ويظهر، حرِّكْ تلك القطعةَ»، ففعل كما أشرتُ، وعارضه صاحبُه كذلك، فأمرتُه أن يحرّكَ الأخرى، وما زالت الحركاتُ بينهم كذلك تترى، حتى هزمهم الأميرُ، فقالوا: «ما أنت بصغيرٍ»، وكان في أثناءِ تلك الحركاتِ قد ترنّم ابنُ عمِّ الأميرِ مُنْشِدًا:

وَأَحْلَى الهَوَى مَا شَكَّ فِي الوَصْلِ رَبُّهُ * وَفِي الهَجْرِِ فَهْوَ الدَّهْرَ يَرْجُو وَيَتَّقِي

فقال: «لعن اللهُ أبا الطّيبِ أوَيشكّ الرّبُّ»، فقلتُ له في الحالِ: «ليس كما ظنّ صاحبُك أيها الأمير، إنّما أراد بالرّبِّ هاهنا الصّاحبَ، يقول: ألذُّ الهوى ما كان المحبُّ فيه مِنَ الوصالِ وبلوغِ الغرضِ مِنَ الآمالِ على ريبٍ، فهو في وقتِه كلِّه على رجاءٍ لما يؤمِّله، وتقاةٍ لما يقطع به، كما قال:

إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الحُبِّ سُخْطٌ وَلاَ رِضً * فَأَيْنَ حَلاَوَاتُ الرَّسَائِلِ وَالكُتْبِ

وأخذْنا نُضيف إلى ذلك مِنَ الأغراضِ في طرفَيْ إبرامٍ وانتقاضٍ ما حرّك منهم إلى جهتي دواعِيَ الانتهاضِ، وأقبلوا يتعجّبون منّي، ويسألونني كم سنِّي، ويستكشفوني عنِّي، فبَقَرْتُ (فتحْتُ) لهم حديثي، وذكرت لهم نجيثي (ما بطن مِنْ أمري)، وأعلمْتُ الأميرَ أنّ أبي معي فاستدعاه، وأقمنا الثّلاثةَ إلى مثواه، فخلع علينا خِلَعَه، وأسبل علينا أدمُعَه، وجاء كلُّ خوانٍ بأفنانٍ وألوانٍ، فانظر إلى هذا العِلْمِ (الشّطرنجِ) الذي هو إلى الجهلِ أقربُ، مع تلك الصُّبابةِ اليسيرةِ مِنَ الأدبِ، كيف أنقذا مِنَ العطبِ، وهذا الذّكرُ يرشدكم -إن عقلتم- إلى المطلب. (وهو الرّغبة في العلم والحرص عليه)».

[«آثار عبد الحميد بن باديس»: 3/177]

اللغة


60- من عجائب لغتن

النشوز: أصل النشوز الارتفاع إلى الشرور، ونشوز المرأة بغضها لزوجها، وارتفاع نفسها عليه تكبّرا، ويقال: علوت نشزا من الأرض ونشزا بسكون الشين وفتحها. ونشز الشيء عن مكانه ارتفع، ونشزت إليّ النفس: جاشت من الفزع، وامرأة ناشز. ومن غريب أمر النون والشين أنهما لا تقعان فاء وعينا للكلمة إلا دلتا على هذا المعنى، أو م يقاربه: ارتفاع عن الشيء، ومباينة لأصله، وعدم انسجام مع حقيقته، ومنه نش الإنسان،أي: ارتفع وظهر ﴿أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾، ومن أين نشأت؟﴿الجوار المنشآت﴾: السفن الماخرة عباب البحر، ونشب العظم في الحلق: علق وارتفع عليه، وتراموا بالنشاب، ونشبت الحرب، ونشج الباكي نشجا، وهو: ارتفاع البكاء وتردده في الصدر، وأنشد الشعر إنشادا حسنا، لأن المنشد يرفع صوته، إلى آخر ما اشتملت عليه هذه المادة، وهذا من عجائب ما تميزت به لغتنا الشريفة.

[«إعراب القرآن الكريم وبيانه» للدرويش: (2/ 17)]

الحكم والأمثال


59- التعريض

المثل هو: إياكِ أعني واسمعي يا جارهْ

مَضْرِبُه : يُضرب هذا المثل : لمن يتكلم بكلام ويريد به شيئا غيره.

مَوْرِدُه : ( قصّته ) : أول من قال ذلك سَهْل بن مالك الفزاري، و ذلك أنه خرج يريد النعمان، فمرّ ببعض أحياء طيء، فسأل عن سيد الحي، فقيل له: حارثة بن لأم، فأمَّ رحله فلم يُصِبه شاهد فقالت له أخته: انْزِلْ في الرّحب و السّعة، فنزل فأكرمته و لاطفته، ثم خرجت من خِبائها فرأى أجمل أهل دهرها و أكملهم، و كانت عقيلة قومها و سيدة نسائها، فوقع في نفسه منها شيء، فجعل لا يدري كيف يرسل إليها و لا ما يوافقها من ذلك، فجلس بفناء الخِباء يوما و هي تسمع كلامه، فجعل ينشد و يقول:

ي أخت خير البدو و الحضـاره *** كيـف تـريـن في فتـى فـزارهْ

أصبح يهوى حُـرّة مِعـطاره *** إيّـاك أعـني و اسمعـي يا جـارهْ

فلما سمعت قوله عرفت أنه إياها يعني، فقالت: ما ذا بقولِ ذي عقلٍ أريب، و لا رأيٍ مُصيب، و لا أنف نجيب، فأقِمْ ما أقمتَ مُكرَّما ثم ارتحِلْ متى شِئت مُسلّما، و يُقال أجابته نظما فقالت:

إنّي أقـول يا فـتى فـزارهْ *** لا أبتغي الزوْجَ و لا الدّعارهْ

و لا فِراق أهل هذي الحارهْ *** فارحل إلى أهلك باستخـارهْ

فاستحيا الفتى و قال: ما أردتُ منكرا واسوأتاه، قالت: صدقتَ، فكأنها استحيت من تسرّعها إلى تهمته، فارتحل، فأتى النعمان فحباه و أكرمه، فلما رجع نزل على أخيها، فبينا هو مقيم عندهم تطلّعت إليه نفسُها، و كان جميلا، فأرسلت إليه أنِ اخطُبني إنْ كان لك إليَّ حاجة يوما من الدهر فإني سريعة إلى ما تريد، فخطبها و تزوجها و سار بها إلى قومه.

[مجمع الأمثال للميداني:1/76]

البيان في نصوص الوحي


58- البراءة من المشركين

(الجزء الثالث)

﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3)وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّ عَبَدتُّمْ (4) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ(5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)﴾

ومن أوجه البلاغة والبيان أيضا:

المسألة السابعة: وهي ما هي الفائدة في قوله: ﴿لكم دينكم ولي دين﴾[ الكافرون: 6 ]، وهل أفاد هذا معنى زائداً على ما تقدم ؟ فيقال في ذلك من الحكمة والله أعلم . إن النفي الأول أفاد البراءة وإنه لا يتصور منه ، ولا ينبغي له أن يعبد معبوديهم وهم أيضاً لا يكونون عابدين لمعبوده، وأفاد آخر السورة إثبات م تضمنه النفي من جهتهم من الشرك ، والكفر الذي هو حظهم ، وقسمهم ونصيبهم فجرى ذلك مجرى من اقتسم هو وغيره أرضاً . فقال له : لا تدخل في حدي، ولا أدخل في حدك ، لك أرضك ولي أرضي . فتضمنت الآية أن هذه البراءة اقتضت إنا اقتسمنا خطتنا بينن فأصابنا التوحيد والإيمان فهو نصيبنا ، وقسمنا الذي نختص به لا تشركونا فيه، وأصابكم الشرك بالله والكفر به ، فهو نصيبكم وقسمكم الذي تختصون به لا نشرككم به فتبارك من أحيا قلوب من شاء من عباده بفهم كلامه . وهذه المعاني ونحوها ، إذا تجلت للقلوب رافلة في حللها فإنها تسبي القلوب وتأخذ بمجامعها ، ومن لم يصادف من قلبه حياة فهي خود تزف إلى ضرير مقعد ، فالحمد لله على مواهبه التي لا منتهى لها ونسأله إتمام نعمته .
المسألةالثامنة: وهي تقديم قسمهم ونصيبهم على قسمه ونصيبه وفي أول السورة قدم ما يختص به على ما يختص بهم . فهذا من أسرار الكلام ، وبديع الخطاب الذي لا يدركه إلا فحول البلاغة وفرسانها . فإن السورة لما اقتضت البراءة واقتسام ديني التوحيد والشرك بينه وبينهم ورضي كل بقسمه وكان المحق هو صاحب القسمة ، وقد برز النصيبين وميزا القسمين ، وعلم أنهم راضون بقسمهم الدون الذي ل أردى منه وإنه هو قد استولى على القسم الأشرف . والحظ الأعظم بمنزلة من اقتسم هو وغيره سماً وشفاء فرضي مقاسمه بالسم . فإنه يقول له : لا تشاركني في قسمي ، ول أشاركك في قسمك . لك قسمك ولي قسمي ، فتقديم ذكر قسمه ههنا أحسن وأبلغ . كأنه يقول : هذا هو قسمك الذي آثرته بالتقديم ، وزعمت أنه أشرف القسمين وأحقهما بالتقديم . فكان في تقديم ذكر قسمه من اللهم به ، والنداء على سوء اختياره ، وقبح ما رضيه لنفسه من الحسن . والبيان ما لا يوجد في ذكر تقديم قسم نفسه ، والحاكم في هذا هو الذوق والفطن يكتفي بأدنى إشارة ، وأما غليظ الفهم فلا ينجع فيه كثرة البيان . ووجه ثان وهو أن مقصود السورة براءته صلى الله عليه وسلم من دينهم ومعبودهم ، هذا هو لبها ومغزاها . وجاء ذكر براءتهم من دينه ومعبوده بالقصد الثاني مكملاً لبراءته ، ومحققاً لها فلما كان المقصود براءته من دينهم ، بدأ به في أول السورة ثم جاء قوله : ﴿لكم دينكم ﴾[ الكافرون: 6 ] مطابقاً لهذ المعنى أي لا أشارككم في دينكم ، ولا أوافقكم عليه ، بل هو دين تختصون أنتم به ل أشرككم فيه أبداً . فطابق آخر السورة أولها فتأمله .
المسألةالتاسعة: وهي أن هذا الإخبار بأن لهم دينهم وله دينه. هل هو إقرار فيكون منسوخاً، أو مخصوصاً، أو لا نسخ في الآية ول تخصيص. فهذه مسألة شريفة ومن أهم المسائل المذكورة ، وقد غلط في السورة خلائق ، وظنوا أنها منسوخة بآية السيف لاعتقادهم أن هذه الآية اقتضت التقرير لهم على دينهم ، وظن آخرون أنها مخصوصة بمن يقرون على دينهم وهم أهل الكتاب وكلا القولين غلط محض فلا نسخ في السورة ، ولا تخصيص بل هي محكمة عمومها نص محفوظ وهي من السور التي يستحيل دخول النسخ في مضمونها ، فإن أحكام التوحيد التي اتفقت عليه دعوة الرسل يستحيل دخول النسخ ، وهذه السورة أخلصت التوحيد . ولهذا تسمى سورة الإخلاص كما تقدم ، ومنشأ الغلط ظنهم أن الآية اقتضت إقرارهم على دينهم ، ثم رأوا أن هذا الإقرار زال بالسيف فقالوا: منسوخ وقالت طائفة: زال عن بعض الكفار وهم من لا كتاب لهم ، فقالوا: هذا مخصوص ومعاذ الله أن تكون الآية اقتضت تقريراً لهم ، أو إقرار على دينهم أبداً . بل لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الأمر وأشده عليه وعلى أصحابه أشد على الإنكار عليهم، وعيب دينهم وتقبيحه، والنهي عنه والتهديد والوعيد كل وقت، وفي كل ناد. وقد سألوه أن يكف عن ذكر آلهتهم وعيب دينهم ويتركونه وشأنه فأبى إلا مضياً على الإنكار عليهم ، وعيب دينهم فكيف يقال: إن الآية اقتضت تقريره لهم معاذ الله من هذا الزعم الباطل وإنما الآية اقتضت البراءة المحضة كم تقدم. وأن ما هم عليه من الدين لا نوافقكم عليه أبداً فإنه دين باطل فهو مختص بكم لا نشرككم فيه، ولا أنتم تشركوننا في ديننا الحق، فهذا غاية البراءة والتنصل من موافقتهم في دينهم ، فأين الإقرار حتى يدعي النسخ أو التخصيص . أفترى إذا جوهدو بالسيف ، كما جوهدوا بالحجة . لا يصح أن يقال: لكم دينكم ولي دين، بل هذه آية قائمة محكمة ثابتة بين المؤمنين والكافرين. إلى أن يطهر الله منهم عباده وبلاده، وكذلك حكم هذه البراءة بين أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم أهل سنته، وبين أهل البدع المخالفين لما جاء به الداعين إلى غير سنته . إذا قال لهم خلفاء الرسول وورثته : لكم دينكم ولنا ديننا. لا يقتضي هذا إقرارهم على بدعتهم ، بل يقولون لهم : هذه براءة منها ، وهم مع هذا منتصبون للرد عليهم ولجهادهم بحسب الإمكان . فهذا ما فتح الله العظيم به من هذه الكلمات اليسيرة ، والنبذة المشيرة إلى عظمة هذه السورة وجلالتها ومقصودها ، وبديع نظمها من غير استعانة بتفسير، ولا تتبع لهذه الكلمات من مظان توجد فيه. بل هي استملاء مما علمه الله وألهمه بفضله وكرمه. والله يعلم أني لو وجدتها في كتاب لأضفتها إلى قائلها، ولبالغت في استحسانها وعسى الله المان بفضله الواسع العطاء الذي عطاؤه على غير قياس المخلوقين أن يعين على تعليق تفسير هذ النمط، وهذا الأسلوب.

[«بدائع الفوائد» لابن القيم (2/ 112)]

أزهار متناثرة


57- صدق العبودية

إنّ تاريخَ سلفِنا الصّالحِ حافلٌ بروائعِ الأمثلةِ الدّالةِ على صدقِ العبوديّةِ للهِ - سبحانه- وسُكونِ النّفْسِ عند المحنِ، وذلكم هو ما حلّ بشيخِ الإسلامِ ابنِ تيميّةَ - رحمه اللهُ - عندما سُجن في قلعةِ دمشقَ وحُبِس معه تلميذُه الإمامُ ابنُ القيّمِ - رحمه اللهُ - الذي يصف لنا حالَ شيخِه آنذاك فيقول: «وسمعتُ شيخَ الإسلامِ ابنَ تيميّةَ – قدّس اللهُ روحَه – يقول: «إنّ في الدّنيا جنّةً مَن لم يدخلْها لا يدخل جنّةَ الآخرةِ». وقال لي مرّةً: «ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنّتي وبستاني في صدري، أين رُحْتُ فهي معي لا تفارقني، إنّ حبسي خلوةٌ، وقتلي شهادةٌ، وإخراجي مِن بلدي سياحةٌ». وكان يقول في محبسِه في القلعةِ: «لو بذلتُ مِلْءَ هذه القاعةِ ذهبًا ما عدل عندي شُكْرَ هذه النّعمةِ»، أو قال: «ما جزَيْتُهم على م تسبّبوا لي فيه مِنَ الخير»، ونحو هذا. وكان يقول في سجودِه وهو محبوسٌ: «اللّهمَّ أعِنّي على ذكرِك وشكرِك وحُسْنِ عبادتِك»... وقال لي مرّةً: «المحبوسُ مَن حُبِسَ قلبُه عن ربِّه تعالى، والمأسورُ مَن أسره هواه»...

وعَلِمَ اللهُ، ما رأيتُ أحدًا أطيبَ عيشًا منه قطُّ، مع ما كان فيه مِن ضيقِ العيشِ وخلافِ الرّفاهيّةِ والنّعيمِ بل ل ضدِّهاها، ومع ما كان فيه مِنَ الحبسِ والتّهديدِ والإرهاقِ، وهو مع ذلك مِنْ أطيبِ النّاسِ عيشًا، وأشرحِهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرِّهم نفسًا، تلوح نضرةُ النّعيمِ على وجهِه.

وكنّا إذا اشتدّ بنا الخوفُ، وساءتْ منّا الظّنونُ، وضاقتْ بنا الأرضُ، أتيناه فم هو إلاّ أنْ نراه ونسمعَ كلامَه، فيذهبُ عنا ذلك كلُّه، وينقلبُ انشراحًا وقوّة ويقينًا وطمأنينةً».

[«الوابل الصيّب مِن الكلم الطيّب» لابن القيّم (66)]

الملح والنوادر


56- بين القياس والسماع

قال سهلُ بنُ محمّدٍ السّجستانيُّ: قرأ عليَّ أعرابيٌّ: «طِيبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ»، فقلتُ: ﴿طُوبَى﴾، فقال: «طِيبَى»، فقلتُ ثانيًا: ﴿طُوبَى﴾، فقال: «طِيبَى»، فلمَّا طال عليَّ قلتُ: «طُو طُو»، فقال الأعرابيُّ: «طِي طِي»، أما ترى إلى هذه النّحيزةِ ما أبقاها وأشدَّ محافظةَ هذا البدويِّ عليها حتى أنّه استُكره على تركِها فأبى إلاّ إخلادًا إليها! ونحو ذلك قال عمرٌو الكلبيُّ وقد أنشدَ بعضَ أهلِ الأدبِ:

بَانَتْ نُعَيْمَةُ وَالدُّنْيَا مُفَرِّقَةٌ * وَحَالُ مَنْ دُونَهَا غَيْرَانُ مَزْعُوجُ

فَقِيلَ له: لا يُقال له: مزعوجٌ، إنّما يُقال: مُزعَجٌ، فجفا ذلك عليهنّ وقال يهجو النّحويّين:

مَاذَا لَقِينَا مِـنَ المُسْتَعْرِبِينَ وَمِـنْ * قِيَاسِ نَحْـوِهِمُ هَذَ الَّذِي ابْتَدَعُـوا

إِنْ قُلْتُ قَافِيَةً بِكْـرًا يَكُـونُ بِهَ * بَيْتٌ خِلاَفَ الَّذِي قَاسُوهُ أَوْ ذَرَعُوا

قَالُوا لَحَنْتَ وَهَذَا لَيْسَ مُنْتَصِب * وَذَاكَ خَفْـضٌ وَهَذَا لَيْـسَ يَرْتَفِعُ

وَحَرَّضُوا بَيْنَ عَبْدِ اللهِ مِنْ حُمُـقٍ * وَبَيْنَ زَيْدٍ فَطَالَ الضَّـرْبُ وَالْوَجَـعُ

كَمْ بَيْنَ قَوْمٍ قَدِ احْتَالُـوا لِمَنْطِقِهِمْ * وَبَيْنَ قَوْمٍ عَلَى إِعْرَابِهِـمْ طُبِـعُـوا

مَ كُلُّ قَوْلِيَ مَشْرُوحًا لَكُمْ فَخُذُو * مَا تَـعْرِفُونَ وَمَـا لَمْ تَعْرِفُوا فَدَعُوا

لأَنَّ أَرْضِيَ أَرْضٌ لاَ تُشَـبُّ بِهَ * نَارُ الْمَجُـوسِ وَلاَ تُبْـنَى بِهَـا الْبِيَعُ

[«شرح ديوان المتنبي» للبرقوقي: (1/84)]

اللغة


55- مِن فقه اللغة

1- عَلَوتُ في الجبل عُلُوًّا، وعَلِيتُ في المكارم علاء.

2- حَلِيَت في عيني وفي صدري تَحْلى حلاءً، وحَلاَ في فمي الشراب يَحْلو حلاوة.

3- كَبِرَ الرجُل إذا أسَنّ، وكَبُرَ الأمر إذا عَظُمَ.

4- بَدُنَ الرجُلُ يَبْدُنُ بُدْنا وبَدَانةً، وهو بادِنٌ، إذا ضَخُمَ، وبَدَّنَ الرجُلُ إذا أَسَنَّ تَبْدِينًا، وهو رجلٌ بَدَنٌ، ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: " إنّي قد بَدَّنت فلا تسبقوني بالركوع والسجود" [أخرجه أبو داود وغيره، وصححه الألباني ].

5- تَهَجَّدْتُ سَهِرْتُ، وهَجَدْتُ نِمْتُ.

6- عَرِجَ الرجُلُ يَعرَجُ إذا صار أعْرَج، وعَرَجَ يَعْرُجُ إذا أصابه شيء فَخَمَعَ-صار شبيها بالأعرج- وليس ذلك بِخِلْقةٍ.

7- تَرِبَت يداك: افتقرتَ، وأترَبَتْ: اسْتَغْنَيْتَ.

8-أفْرَطَ في الشيءِ: جاوز القَدْر، وفرَّطَ: قَصَّرَ.

9- أمْرَضْتُ الرجلَ: فعلتُ به فعلا يمرض عنه، ومرَّضْتُه: قُمْتُ عليه في مرضه.

10- قَسَطَ في الجَوْرِ(الظلم) فهو قاسط، وأقْسَطَ في العَدْل فهو مُقسِطٌ.

[«أدب الكاتب» لابن قتيبة: (270)]

الحكم والأمثال


54- اغتنام الأوقات و الفرص

- المثل هو: «الصّيفَ ضيَّعْتِ اللّبن» والتاء مِن ضيّعت مكسور في كل حال إذا خوطب به المذكر والمؤنث والاثنان والجمع، لأنّ المثل في الأصل خوطبت به امرأة، ولكن الأمثال تُحكى كما جاءت لا تُغيّر.

يُضْرَب: لِمن يطلب شيئا فوّته على نفسِه أي: مَن ضيّع أمره ثم تعرّض لاستدراكه بعد فوته.

قصّته: قاله عمرو بن عدس التميمي، وكان تزوّج دختَنوس بنت لقيط بن زرارة – وكان شيخ كبيرًا ذا مال كثير- فأبغضتْه بسبب كبره وسألته طلاقها، فطلّقها ثم تزوّجها فتى جميل الوجه وهو عمير بن معبد بن زرارة – وكان شابا مُعدما – فبينما هو معها جالس إذ مرّت بهما إبل عمرو بن عدس كالليل لكثرتها وكانت قد أجدبت، فقال لها عمير: ابعثي إلى عمرو يعطيك لبنا أو حلوبة، فأرسلت إليه رسولا بذلك، فقال لرسولها قل لها: الصَّيفَ ضيّعتِ اللّبنَ، فلما بلغها ذلك ضربتْ على كتف ابن عمها، وقالت: "هذ ومذقه خير"، تعني أن هذا الزوج مع عدم اللبن خير من عمرو، فذهبت كلماتها مثلا لمن يقنع باليسير إذا لم يجد الخطير، فيريد أنه طلقها في الصيف فضاع لبنُها في ذلك الوقت، وخصّ الصيفَ بالذكر لأنها كانت سألته الطلاق فيه، فكأنها يومئذ ضيّعَتِ اللبن.

[«شرح مقامات الحريري» للشريشي: (3/ 313)]

البيان في نصوص الوحي


53- البراءة من المشركين (الثاني)

﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَل أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ (4) وَل أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)﴾

اشتملت هذه السّورة على فنونٍ عديدةٍ من البلاغة والبيان منها:

1- «وهي أنّ النّفي في هذه السّورة أتى بأداة "لا" دون "لن"، فلِمَا تقدّم تحقيقه عن قرب أنّ النّفي ب "لا" أبلغ منه بـ "لن"، وأنّها أدلّ على دوام النّفي وطوله من "لن"، وأنّها للطّول والمدّ الّذي في لفظها طال النّفي بها وامتدّ، وأنّ هذا ضدّ ما فهمته الجهميّة والمعتزلة وأنّ "لن" إنّما تنفي المستقبل، ولا تنفي الحال المستمرّ النّفي في الاستقبال، وقد تقدّم تقرير ذلك بما لا تكاد تجده في غير هذا التّعليق. فالإتيان ب "لا" متعيّن هنا والله أعلم ...
2- اشتمال هذه السّورة على النّفي المحض، فهذا هو خاصّة هذه السّورة العظيمة، فإنّها سورة براءة من الشّرك كما جاء في وصفها "أنّها براءة من الشّرك"، فمقصوده الأعظم هو البراءة المطلوبة بين الموحّدين والمشركين، ولهذا أتي بالنّفي في الجانبين تحقيقًا للبراءة المطلوبة، مع أنّها متضمّنة للإثبات صريحًا فقوله: ﴿لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ براءة محضة ﴿وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ إثبات أنّ له معبودًا يعبده وأنّهم بريئون من عبادته، فتضمّنت النّفي والإثبات، وطابقت قول إمام الحنفاء: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّ تَعْبُدُونَ. إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: 26 - 27] ، وطابقت قول الفتية الموحّدين: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَ يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ﴾ [الكهف: 16]، فانتظمت حقيقةَ "لا إله إلا الله"، ولهذا كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقرأ بها وبـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ في سنّة الفجر وسنّة المغرب، فإنّ هاتين السّورتين سورتا الإخلاص، وقد اشتملتا على نوعي التّوحيد الذي لا نجاة للعبد ولا فلاح إل بهما، وهما توحيد العلم والاعتقاد المتضمّن تنزيهَ الله عما لا يليق به من الشّرك والكفر والولد والوالد، وأنّه إله أحد صمد، لم يلد فيكون له فرع، ولم يولد فيكون له أصل، ولم يكن له كفوًا أحد فيكون له نظير، ومع هذا فهو الصّمد الذي اجتمعت له صفات الكمال كلها، فتضمّنت السورة إثبات ما يليق بجلاله من صفات الكمال، ونفي ما لا يليق به من الشّريك أصلاً وفرعًا ونظيرًا، فهذا توحيد العلم والاعتقاد.

والثّاني: توحيد القصد والإرادة، وهو أن لا يعبد إلا إيّاه فلا يشرك به في عبادته سواه، بل يكون وحده هو المعبود، وسورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾[الكافرون: 1] مشتملة على هذا التّوحيد، فانتظمت السّورتان نَوْعَي التّوحيد، وأُخْلِصَتَا له، فكان صلّى الله عليه وسلّم يفتتح بهما النّهار في سنّة الفجر ويختم بهما في سنّة المغرب، وفي "السّنن" أنه كان يوتر بهما فيكونان خاتمة عمل اللّيل، كما كانا خاتمة عمل النهار.
ومن هنا تخريج جواب المسألة ... وهي: تقديم براءته من معبودهم، ثم أتبعها ببراءتهم من معبوده، فتأمَّلْه فإنّه واضح ...
3- إثباته هنا بلفظ "يا أيّها الكافرون"، دون "يا أيّها الذين كفروا" ، فَسِرُّه -والله أعلم-: إرادة الدّلالة على أنّ من كان الكفر وصفًا ثابتًا له لازمًا ل يفارقه، فهو حقيق أن يتبرّأ الله منه، ويكون هو أيضًا بريئًا من الله. فحقيق بالموحّد البراءة منه، فكان ذكره في معرض البراءة التي هي غاية البعد والمجانبة بحقيقة حاله التي هي غاية الكفر وهو الكفر الثّابت اللاّزم في غاية المناسبة، فكأنه يقول: كما أنّ الكفر لازم لكم ثابت لا تنتقلون عنه فمجانبتكم والبراءة منكم ثابتة دائما أبدًا. ولهذا أتى فيها بالنّفي الدّال على الاستمرار مقابلة الكفر الثّابت المستمرّ، وهذا واضح.

[«بدائع الفوائد» لابن القيّم (2/ 112)].

أزهار متناثرة


52- سحبان وائل رضي الله عنه

هو سحبان بن زفر بن إياس الوائلي، وائل باهلة، فصيح العرب، وخطيب يضرب به المثل في البيان والفصاحة، فكانو إذا أرادوا مدح إنسان بذلك قالوا: «هو أخطب أو أبلغ أو أفصح من سحبان وائل» أدرك الجاهلية، وأسلم، وهو أوّل من قال: أمّا بعد، وأوّل من آمن بالبعث من الجاهلية، وأوّل من توكّأ على عصا، مات سنة أربع وخمسين، وحكى الأصمعيّ قال: كان إذا خطب يسيل عرقا، ول يعيد كلمة، ولا يتوقّف، ولا يقعد حتّى يفرغ، وممّا روي من خطبه البليغة قوله:

«إنّ الدّنيا دار بلاغ، والآخرة دار قرار، أيّها النّاس فخذوا من دار ممرّكم، لدار مقرّكم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم، وأخرجوا من الدّنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم، ففيها حييتم، و لغيره خلقتم، إنّ الرجل إذا هلك، قال الناس: ما ترك؟ وقالت الملائكة: ما قدّم؟ قدّموا بعضًا يكون لكم ، ولا تخلفوا كلاًّ يكون عليكم»

«بلوغ الأرب» للألوسي (3/ 156) و«جمهرة خطب العرب» لأحمد زكي صفوت (2/ 482) و«جواهر الأدب» لأحمد الهاشمي (308) و«خزانة الأدب» لعبد القادر بن عمر البغدادي (10/ 397).

قواعد وفوائد


51- الحرف «نَعَمْ» ومعانيه

«نَعَمْ»: حرف تصديقٍ ووعدٍ وإعلام.

«نَعَمْ»: لها في اللغة ثلاثة معان:

الأول : أن تكون حرف تصديق، وذلك بعد الخبر.

الثاني: أن تكون حرف وعد، وذلك بعد الطلب.

الثالث: أن تكون حرف إعلام، وذلك بعد الاستفهام.

الأول: إنْ جاءت "نعم" بعد الخبر فهي للتصديق مثل: لو قال لك إنسان: "جاء محمد"، فقلت: نعم، ماذا تريد بقولك: نعم؟ تريد تصديق خبره، يعني: بدل أن تقول: صدقت في قولك: "جاء زيد" اكتفيت بقولك: نعم، فنعم بعد الإخبار تكون للتصديق."نعم": حرف تصديق لا محل له من الإعراب.

الثاني: أن تكون بعد الطلب، إذا جاءت بعد الطلب فهي حرف وَعْد، إذا قيل: "حَافِظْ على الصلاة" فقلت: "نعم"، فمعنى نعم، يعني تعده بأنك ستنفذ هذا الأمر وتحافظ على الصلاة، ، أو قال لك أبوك مثلا: "اذْهَبْ إلى السوق" فقلت:" نعم"ماذا يفهم منك؟ أنك ستنفذ هذا الأمر، إذن هي بعد الطلب للوعد.

الثالث: بعد الاستفهام للإعلام،تقول: هل حضر أخوك؟ فتقول: نعم. ما الذي حصل بـ( نعم )؟ الإعلام بالثبوت، أعلمته بثبوت حضور أخيه أو أخيك، فهي إذن بعد الاستفهام للإعلام، ولهذا تجد أن البلاغيين يُعرّفون الاستفهام بأنه: طلب العلم بشيء لم يكن معلوما من قبل. فأنت إذا قلت له: ( نعم ) أعلمته بشيء لم يكن يعرفه من قبل.

[«شرح مختصر قواعد الإعراب» لعبد الله الفوزان (95) -بتصرف -]

الملح والنوادر


50- من غريب اللغة

- قال أبو الحسن: كان غلام يقعّر في كلامه فأتى أبا الأسود الدؤلي يلتمس بعض ما عنده فقال له أبو الأسود: ما فعل أبوك، قال: أخَذتْهُ الحُمَّى فطبَخَتْه طبْخًا، و فتَخَتْه فتخا، وفضخته فضخا، فتَرَكَتْه فرخا، فقال أبو الأسود: فما فعلت امرأته التي كانت تُشَارُّهُ وتُمارُّهُ وتُهارُّهُ وتُزارُّهُ، قال: طلّقها وتزوَّجتْ غيرَه فرَضِيَتْ وحَظِيَتْ وبَظِيَتْ، قال أبو الأسود: قد علمنا رضيت وحظيت فما بظيت، قال: بظيت حَرْفٌ من الغريب لم يَبْلُغْكَ، قال أبو الأسود: يا بُنيَّ كلُّ كلمة لا يعرفها عمُّك فاسترها كما تستر السِّنَّوْر خَرْءَهَا.

- قال أبو الحسن: مرَّ أبو علقمة النحوي ببعض طرق البصرة وهاجت به مرة، فوثب عليه قوم منهم فأقبلوا يعضّون إبهامه ويؤذنون في أذنه، فأفلت من أيديهم فقال مالكم تَتَكَأْكَأُونَ عليَّ كأنَّكم تتكأكأون على ذي جِنَّة افْرَنْقِعُو عنِّي، قالوا: دعوه فإن شيطانه يتكلم بالهندية.

- وقال أبو الحسن: هاج بأبي علقمة الدم، فأُتِيَ بحجام فقال للحجام: اشدُدْ قصب الملازم وأَرْهِفْ ظباتِ المشارط، وأسرِعِ الوضع، وعجِّلِ النزع، وليكن شرطك وخزا، ومصك نهزا، ولا تكرهن أبيّا، ولا تردن أتيّا، فوضع الحجام محاجمه في جونته وانصرف.

[«البيان والتبيين» للجاحظ: (1/ 38)]

اللـغة


49- القول: مشتقاته ومعانيه

قال أبو الفتح عثمان بن جِنِّي: «إنّ معنى (قول) أين وُجِدت وكيف وقعت من تقدُّم بعض حروفها على بعض وتأخُّره عنه إنما هو للخفوف والحركة، وجهات تراكيبها الست مستعملة كلها لم يهمل شيء منها وهي: « ق و ل»، «ق ل و»، «و ق ل»، «و ل ق»، «ل ق و»،« ل و ق».

- الأصل الأول: «ق و ل» وهو القول، وذلك أن الفم واللسان يخفان له ويقلقان، ويمذلان به، وهو بضد السكوت الذي هو داعية إلى السكون، ألا ترى أن الابتداء لمّا كان أخذا في القول لم يكن الحرف المبدوء به إلا متحركا ولمّا كان الانتهاء به أخذا في السكوت لم يكن الحرف الموقوف عليه إلا ساكنا.

- الأصل الثاني: «ق ل و»، منه القِلْوُ حمار الوحش وذلك لخفته وإسراعه... ومنه قولهم: قلَوْت البُسر والسويق فهما مقلوَّان وذلك لأن الشيء إذا قلي جفّ وخفّ فكان أسرع إلى الحركة وألطف...

- [الأصل] الثالث: «و ق ل»، منه الوَقِل للوَعِل وذلك لحركته، وقالوا توقّل في الجبل إذا صعد فيه وذلك لا يكون إلا مع الحركة والاعتِمال...

- [الأصل] الرابع: «و ل ق»، قالوا وَلَقَ يلِق إذا أسرع، قال الشماخ: جاءت به عنس من الشأم تلِقْ، أي تخف وتُسرع، وقُرئ : ﴿إ إِذْ تَلِقُونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ[النور : 15] أي تخِفّون وتُسرعون...

- [الأصل] الخامس: ‏«ل و ق»، «وجاء في الحديث لا آكل من الطعام إلا ما لوق لي» أي ما خدِم وأعمِلت اليد في تحريكه وتلبيقه حتى يطمئن وتتضام جهاته، ومنه اللٌّوقة للزبدة وذلك لخفتها وإسراع حركتها وأنها ليست لها مُسكة الجُبْن...

- [الأصل] السادس: «ل ق و» ، منه اللَّقْوَة للعُقاب، قيل لها ذلك لخفتها وسرعة طيرانها...، واللَّقوة الناقة السريعة اللَّقاح وذلك لأنها أسرعت إلى ماء الفحل فقَبِلته ولم تَنْبُ عنه...»

[«الخصائص» لابن جِنِّي (5 فم بعدها) مع شيء من الحذف]

الحكم والأمثال


48- الصبر

المثل هو: عند الصّباحِ يَحْمَد القومُ السُّرى

معناه: إذ سَرَى (مشى) القوم بالليل قطعوا أرضا كثيرة و الأرض تُطْوَى بالليل لمن يمشيها فإذ أصبحوا حَمِدوا سَيْرَهُم.

و يُضرَبُ: في الحثّ على احتمال المشاق و الصّبرِ عليها رجاءَ الرّاحة.

قصّته: هذا المثل بيت من رجز وقع في شعر الشمّاخ، و ذلك أنه سافر في قوم من بني ثعلبة، فمشوا حتى إذا كانوا قريبا من تيماء، قال الشماخ لابن أخيه: اِنزل فَاحْدُ بنا، فنزل فحدا بهم ثم نزل القوم للحداء واحدا بعد واحد، فوقعت أراجيزهم في ديوان الشماخ، فَنُسِبَت إليه، و أوّل الرجز:

طافَ خيالٌ مِـن سُلَيمى فاعـتـرىرى

بِنَجْدٍ أو تيماء أو وادي القُـــرَى

فمنــعَ النـــومَ و مـنَّى بالمُنى

و في آخره:

عِندَ الصّباحِ يَحْمدُ القومُ السُّرى

و تَنجَلِـي عنهم غيابات الكَرى

[«معجم كنوز الأمثال» لكمال خلايلي: (100)]

البيان في نصوص الوحي


47- البراءة من المشركين

(الجزء الأول)

﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَ تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ(5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)

وسيكون الحديث عن هذه الآية وبلاغتها في الأوجه الآتية:

المسألة الأولى: وهي فائدة تكرار الأفعال فقيل فيه وجوه أحدها إن قوله : ﴿ل أعبد ما تعبدون﴾ [ الكافرون: 2 ]، نفي للحال والمستقبل وقوله : ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾[ الكافرون : 3 ]، مقابله أي لا تفعلون ذلك . وقوله: ﴿ولا أنا عابد ما عبدتم﴾[ الكافرون: 4 ]، أي لم يكن مني ذلك قط قبل نزول الوحي. ولهذا أتى في عبادتهم بلفظ الماضي فقال: ما عبدتم فكأنه قال: لم أعبد قط ما عبدتم. وقوله: ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ [ الكافرون: 5 ]، مقابله أي لم تعبدوا قط في الماضي ما أعبده أنا دائماً . وعلى هذا فلا تكرار أصلاً، وقد استوفت الآيات أقسام النفي ماضياً وحالاً ومستقبلاً عن عبادته وعبادتهم بأوجز لفظ وأخصره وأبينه . وهذا إن شاء الله أحسن ما قيل فيها فلنقتصر عليه، ولا نتعداه إلى غيره، فإن الوجوه التي قيلت في مواضعها فعليك بها.
المسألةالثانية: وهي تكريره الأفعال بلفظ المستقبل حين أخبر عن نفسه وبلفظ الماضي حين أخبر عنهم ففي ذلك سر، وهو الإشارة والإيماء إلى عصمة الله له عن الزيغ والانحراف عن عبادة معبوده، والاستبدال به غيره، وأن معبوده واحد في الحال والمآل على الدوام لا يرضى به بدلاً ولا يبغي عنه حولاً بخلاف الكافرين فإنهم يعبدون أهواءهم، ويتبعون شهواتهم في الدين وأغراضهم . فهم بصدد أن يعبدوا اليوم معبوداً وغداً غيره فقال : ﴿ل أعبد ما تعبدون﴾[ الكافرون: 2 ] يعني الآن ﴿ول أنتم عابدون ما أعبد﴾[ الكافرون: 3 ]، أنا الآن أيضاً ، ثم قال: ﴿ولا أنا عابد ما عبدتم﴾ [ الكافرون: 4 ] يعني ولا أنا فيما يستقبل يصدر مني عبادة لما عبدتم أيها الكافرون، وأشبهت ما هنا رائحة الشرط، فلذلك وقع بعدها الفعل بلفظ الماضي وهو مستقبل في المعنى . كما يجيء ذلك بعد حرف الشرط، كأنه يقول: مهما عبدتم من شيء فل أعبده أنا.

وأم المسألة الثالثة: وهي أنه لم يأت النفي في حقهم إلا باسم الفاعل وفي جهته جاء بالفعل المستقبل تارة، وباسم الفاعل أخرى، فذلك والله أعلم لحكمة بديعة وهي أن المقصود الأعظم براءته من معبوديهم بكل وجه وفي كل وقت، فأتى أولاً بصيغة الفعل الدالة على الحدوث والتجدد، ثم أتى في هذا النفي بعينه بصيغة اسم الفاعل الدالة على الوصف والثبوت، فأفاد في النفي الأول أن هذا لا يقع مني، وأفاد في الثاني أن هذ ليس وصفي ولا شأني فكأنه قال: عبادة غير الله لا تكون فعلاً لي، ولا وصفاً، فأتى بنفيين لمنفيين مقصودين بالنفي، وأما في حقهم ، فإنما أتى بالاسم الدال على الوصف والثبوب دون الفعل، أي إن الوصف الثابت اللازم العائد لله منتف عنكم، فليس هذ الوصف ثابتاً لكم، وإنما ثبت لمن خص الله وحده بالعبادة لم يشرك معه فيها أحداً، وأنتم لما عبدتم غيره فلستم من عابديه وإن عبدوه في بعض الأحيان فإن المشرك يعبد الله ويعبد معه غيره، كما قال أهل الكهف: ﴿وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله﴾ [ الكهف: 16 ] أي اعتزلتم معبودهم إلا الله فإنكم لم تعتزلوه، وكذا قال المشركون عن معبودهم: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [ الزمر: 3 ] فهم كانوا يعبدون الله ويعبدون معه غيره ، فلم ينتف عنهم الفعل لوقوعه منهم ونفي الوصف، لأن من عبد غير الله لم يكن ثابتاً على عبادة الله موصوفاً بها، فتأمل هذه النكتة البديعة كيف تجد في طيّها أنه لا يوصف بأنه عابد الله، وعبده المستقيم على عبادته إلا من انقطع إليه بكليته، وتبتل إليه تبتيلاً لم يلتفت إلى غيره ، ولم يشرك به أحداً في عبادته وإنه وإن عبده وأشرك به غيره ، فليس عابداً لله ولا عبداً له . وهذا من أسرار هذه السورة العظيمة الجليلة التي هي إحدى سورتي الإخلاص. وهذا لا يفهمه كل أحد، ولا يدركه إلا من منحه الله فهماً من عنده فله الحمد والمنة....يتبع

[«بدائع الفوائد» لابن القيم:(2/ 112)]

أزهار متناثرة


46- وصِيّة

أوصى عبد الحميد الكاتب الكتّاب فقال:

« تنافسوا معشر الكتّاب في صنوف العلم والأدب، وتفقّهوا في الدين، وابدؤوا بعلم كتاب الله عز وجل والفرائض، ثم العربية فإنها ثِقافُ ألسنتكم، وأَجِيدوا الخطَّ فإنه حلية كتبكم، و ارووا الأشعار و اعرفوا غريبها و معانيها، و أيام العرب والعجم أحاديثها وسيرها، فإن ذلك معين على ما تسعون إليه بهممكم، ولا يضعفنّ نظركم الحساب فإنه قوام كتاب الخراج منكم »

[«أدب الوصايا والمواعظ» للنحوي: (216)]

قواعد وفوائد


45- دلالة الفعل الماضي على المستقبل

الأصل في الفعل الماضي أنه يدل على حدث وقع وانقطع، ومضى وانقضى، ولكن قد يخرج عن هذا الأصل ويصير دالا على المستقبل وذلك في الأحوال الآتية:

- إذا كان للدعاء نحو: أبقاك الله، ل أفلح الظالم، بارك الله فيك، رحمه الله.

- إذا تضمَّن معنى الشرط نحو: إن رَحََلتَ في طلب العلم فالزَمْ علماءَ السنةِ.

- بعض الصيغ الواردة في الحِكم والأمثال نحو: مَنْ صبر ظفر، مَنْ تأنَّى نال ما تمنّى.

- إذا كانت دلالة الفعل لا تتوقف، ول تنقطع نحو: قوله تعالى:﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ ، نهى الإسلام عن كل منكر.

- إذا تلا ما المصدرية الزمانية نحو: سأظل بارّا بوالديَّ ما بقيت حيّا.

- إذا أُريدَ التأكيد بأن ما يقع في المستقبل واقع لا محالة نحو: قوله تعالى:﴿ اقتربت الساعة﴾، وقوله: ﴿أتى أمر الله﴾.

[«الجليس في القواعد» لبوزواوي: (355)]

الملح والنوادر


44- هذه بتلك

كان عمران بن حِطّان شاعرا شديدا في مذهب الصُّفرية -وهي فرقة من فرق الخوارج-، وبلغ من خبثه في بغض علي رضي الله عنه أنه رثى عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي رضي الله عنه، فقال في ضربه عليا:

يا ضربة من منيب ما أراد به إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إني لأذكره يوما فأحســبه أوفى الـبرية عند الله ميــزانا

قال عبد القاهر: قد أجبناه عن شعره هذا بقولنا:

يا ضربة من كفور ما استفاد به إلا الجـزاء بما يصـليه نيرانا

إني لألعـنه دينـا وألعـن مـن يرجو له أبدا عفوا وغـفرانا

ذاك الشقي لأشقى الناس كلهم أخفّهم عند ربّ الناس ميزانا

و قال آخر في الرد عليه: وهو بكر بن حسان الباهري:

قل لابن ملجم والأقدار غالبـة هدمت للدين والإسلام أركانا
فلا عفا الله عنه سوء فعـلتـه ولا سقى قبر عمران بن حطانا
يا ضربة من شقي ما أراد به إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
بل ضربة من غوي أوردته لظى وسوف يلقي بها الرحمن غضبانا

قال عبد الله بن المبارك معارضا الخارجي عمران بن حطان:

إني امرؤ ليس لي في ديـني لغامـزة لين ولست على الأسلاف طعّانا

وفي ذنوبي إذا فكرت مشتــغـل وفي معــادي إن لم ألق غفرانا

عن ذكر قوم مضوا كانوا لنا سلف وللنبي علـى الإسـلام أعـوانا

ول أزال لهـم مستغــفرا أبـد كمـا أمــرت به سرّا وإعلانا

فم الدخول عليهم في الذي عملو بالطعـن مني وقد فرّطت عصيانا

فل أسب أبا بكــر ولا عمــر ولا أسـب معــاذ الله عثمانا

ول ابن عمّ رســول الله أشتـمه حتى ألبّس تحت التــرب أكفانا

ول الزبير حواريّ الرســـول ول أهدي لطلحة شتمـا عزَّ أو هانا

ول أقـــول لأم المؤمنين كــم قال الغـــواة لها زورا وبهتانا

ول أقول عليّ في السحــاب لقـد والله قلت إذًا جـَورا وعـدوانا

لو كان في المزن ألقتــه وما حملت مزن السحاب من الأحياء إنسانا

إني أحـب عليّا حــب مقتـصد ولا أرى دونه في الفضـل عثمانا

أمــا عليّ فقد كانـت له قــدم في السابقين لها في الناس قد بانا

وكان عثمان ذا صـــدق وذا ورع مراقبــا وجـزاه الله غفرانا

م يعلم الله من قلــــبي مشايعة للمبغضــين عليّـا وابن عفّانا

إني لأمنـحهم بغضـي علانيــة ولست أكتمهم في الصدر كتمانا

.............

إن الجمـــاعة حبل الله فاعتصمو بها هي العـروة الوثقى لمن دانا

الله يدفع بالســلطان معضـــلة عن ديننا رحمـة منه ورضوانا

لولا الأئمة لم يأمـن لنــا سبــل وكان أضعفـنا نهبـا لأقوانا

[«ديوان عبد الله بن المبارك»: (28)]

[«الفرق بين الفرق» للبغدادي: (73)]

اللـغة


43- بين العَدْل والعادِل

قال الشيخ عطية سالم رحمه الله: « الذي يظهر لي أن بينهما فرقا في الأصل، وأن بينهم عموما وخصوصا

- فالعادل من العدل الذي هو ضد الظلم كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾[النساء : 58]، واسم الفاعل منه عادل على وزن فاعل.

- والعدل من العدالة التي هي ضد الفسق، كما في قوله تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ﴾ [الطلاق: 2].

والأول مبحثه في الحقوق والأحكام، وقد يكون الحاكم عادلا وهو كافر، وعليه المثل من قول عمر رضي الله عنه لعامله على مصر«نحن أحق بالعدل من كسرى»، وقوله في حق النجاشي: « فإن فيها ملكا عادل» وكان ذلك قبل أن يسلم فوصفه صلى الله عليه وسلم بأنه ملك عادل، وقال: «ل يُظلم أحد بجواره»

وعلى هذا فوصف الإمام بالعدل في هذا الحديث -حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله- أخص لأن العادل قد يكون مع الكفر سياسة للملك، أما العدل فلا يكون إلا مع الإسلام، فكل عدل عادل وليس كل عادل عدل»

[«ترطيب الأفواه» للعفاني: (1/ 82)]

الحكم والأمثال


42- الخَيْبة

المثل هو: رجع بخُفّيْ حُنَيْن

ويُضرَب هذا المثل: للخائب الخاسر، أي: الذي يرجع من حاجته خائبا.

قصّته: اختلف في قصّته على النحو الآتي:

- قيل: كان حنين صانع للأحذية (إسكافيا) فساومه أعرابي في خُفّين وماكسه حتى أخرجه، وانصرف ولم يشترهما، فلما ارتحل الأعرابي أخذ حنين إحدى الخفين فوضعها في أول طريقه، ثم مشى وألقى الأخرى في آخره، فلما مرّ الأعرابي بالخفّ قال: ما أشبه هذه بخفِّ حُنين، و لو كان معها الأخرى لأخذتها، فلما انتهى إلى الأخرى، ندم على ترك الأولى، فأناخ راحلته، و أخذها ورجع إلى الأولى، فلما غاب عمَد حنين إلى راحلته بما عليها فركبها، ومضى بها، ورجع الأعرابي إلى قومه بخفّين، فكان إذا سُئِل عن حاله قال: رجعتُ بِخُفّيْ حُنَينٍ فصار مثلا.

- وقيل كان حنين لصّا حقيرا فأُخذ وصُلِب، فجاءته أمُّه وعليه خُفّانِِ فانتزعتهم ورجعت، فقيل: رجعتْ بِخُفّيْ حُنَينٍ، أي رضِيتُ منه بذلك.

[«شرح مقامات الحريري» للشريشي: (1/ 309)]

البيان في نصوص الوحي


41- سبعة يظلهم الله في ظله

(الجزء الثاني)

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله م تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه »

بتأمل هذا الترتيب، نجد تلك الأصناف بعضها مع بعض، بمثابة المقدمات والنتائج والأسباب ومسبباتها، والآثار ومؤثراتها، فما يشهد حقا بأن كل متعددات في الحديث النبوي مترابطة المعاني وإن اختلفت المباني.

- فالإمام العادل سيقيم مجتمعا فاضلا ولاسيما وهو في ذاته عدل أي: مستقيم، آمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر مقيم للصلاة ومؤتٍ للزكاة، ومن الأمر بالمعروف: إقامة محاسن التشريع، ومن النهي عن المنكر: إقامة الحدود، سيكون مجتمعه حقا فاضلا تنشأ فيه النشأة، ويشب فيه الشباب على هذا المنهج في عبادة الله.

- ومِن أخص تلك النشأة ارتياد المساجد، حفاظا على الصلوات في الجماعة، ومن كان هذ حاله من أول نشأته، لا شك أنه سيتعلق قلبه بالمساجد، ومن تعلق قلبه بالمساجد داوم على ارتيادها، وكان من لوازم ذلك التعارف على المصلين ومحبتهم والشعور بالإخاء معهم، فينتج قطعا التحابّ في الله، لأنهم جميعا مثله ما جاؤوا إلى المساجد إلا لِم جاء هو إليه، وهو ابتغاء وجه الله، وإلى هنا قوي وجه الارتباط، وظهر مدى هذ التأثير في تكوين أفراد المجتمع.

- وأما من دعته امرأة فتعفف عنها، فإن عفته عنها لم تأت عفوا بل بعد مغالبة الغريزة والفطرة ولا يغلب الغرائز إلا ما كان أقوى منها، ولا يكون إلا الإيمان بالله، والخوف من الله، ولا يورّث هذا إلا تلك الصلوات في تلك المساجد، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ ﴾[العنكبوت : 45].

- وكذلك إخراج المال في غير معاوضة، وتخطي غريزة الشح، وجِبلة حبّ الثناء كان من تلك المؤثرات، ومن قدر على مغالبة الغريزة الجنسية فهو على غيرها أقوى، وهل من يستطيع ذلك كله يكون غافلا عن ذكر الله في السر والعلانية؟ لا، وكلا، وهكذا فكل صفة في صنف تؤثر في الصنف الذي يليها.

[«ترطيب الأفواه» للعفاني: (1/ 48)]

أزهار متناثرة


40- لذة العلم

قال الخطيب البغدادي في «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» [2/ 412]: «حدثني أبو النجيب عبد الغفار بن عبد الواحد الأرموي مُذاكرةً، قال: سمعت الحسن بن علي المقرئ، يقول: سمعت أبا الحسين بن فارس اللغوي يقول: سمعت الأستاذ ابن العميد يقول: ما كنت أظن أن في الدنيا حلاوة ألذّ من الرئاسة، والوزارة التي أنا فيها حتى شاهدتُ مذاكرةَ سليمان بن أحمد الطبراني ، وأبي بكر الجعابي بحضرتي، فكان الطبراني يغلب الجعابي بكثرة حفظه، وكان الجعابي يغلب الطبراني بفطنته، وذكاء أهل بغداد، حتى ارتفعت أصواتهما، ولا يكاد أحدهما يغلب صاحبه، فقال الجعابي: عندي حديث ليس في الدنيا إلا عندي، فقال: هاته، فقال: نا أبو خليفة نا سليمان بن أيوب ..، -وحدث بالحديث- فقال الطبراني: أن سليمان بن أيوب!، ومني سمع أبو خليفة، فاسمع مني حتى يعلو إسنادك فإنك تروي عن أبي خليفة عني!

فخجل الجعابي، وغلبه الطبراني، قال ابن العميد: فوددت في مكاني أن الوزارة، والرئاسة ليتها لم تكن لي، وكنت الطبراني، وفرحت مثل الفرح الذي فرح به الطبراني لأجل الحديث، أو كما قال.. اﻫ

صدق، والله هذه اللذة، لا لذة الشهوات والمناصب الزائلة، قال الإمام إبراهيم بن أدهم: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف».

[«حلية الأولياء»: (7/ 370)].

مختارات شعرية


39- المنافحة عن النبي صلى الله عليه وسلم

ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اهجو قريشا فإنه أشدّ عليهم من رشق النبل»...ثم أرسل إلى حسان بن ثابت فلما دخل عليه قال حسّان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه ثم أدلع لسانه فجعل يحركه فقال: و الذي بعثك بالحق لأفرِينّهم بلساني فرْيَ الأديم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ل تعجل فإن أبا بكر أعلم قريشٍ بأنسابها، و إن لي فيهم نسبا حتى يلخص لك نسبي»... قال حسان: و الذي بعثك بالحق لأسلنّك منهم كما تُسلُّ الشعرة من العجين.قالت عائشة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: «إن روح القدس لا يزال يؤيّدك ما نافحت عن الله ورسوله»، و قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول:« هجاهم حسان فشفى و اشتفى»

قال حسان رضي الله عنه:

هجَوتَ محمدا فأجبْتُ عنه و عندَ اللهِ في ذاكَ الجزاءُ

هجَوتَ محمـدا برّا حنيف رسولَ اللهِ شيمَتهُ الوفاءُ

فإنّ أبي و والِدَهُ و عِرْضي لِعِرضِ محمدٍ منكمْ وِقاءُ

ثكِلْتُ بُنَيّتي إن لم ترَوه تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفَيْ كَداء

يُبارِينَ الأعنَّةَ مُصْعداتٍ على أكتافها الأسَلُ الظِّماءُ

تظلُّ جِيادُنا مُتمَطّراتٍ تُلطِّمُهن بالخُمُـرِ النِّساءُ

فإنْ أَعْرضتُمو عنّا اعتَمَرْن وكان الفتْحُ و انكشفَ الغِطاءُ

و إلاّ فاصبروا لِضِرابِ يومٍ يُعِزُّ اللهُ فيهِ منْ يشاءُ

و قال الله قد أرسَلتُ عبد يقولُ الحقَّ ليسَ بهِ خَفاءُ

و قال الله قد يسَّرْتُ جُند همُ الأنصارُ عُرضَتُها اللِّقاءُ

لنا في كلِّ يـومٍ من معَدٍّ سِبابٌ أو قِتالٌ أو هِجـاءُ

فمَن يَهجو رسولَ اللهِ منكم و يَمْدَحُه و يَنصُرُه سَواءُ

و جِبْريلُ رسولُ اللهِ فين وروحُ القُدْسِ ليسَ له كِفاءُ

[«صحيح مسلم» : (2490)]

قواعد وفوائد


38- الفرق بين لام كي ولام العاقبة

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

إن «لام العاقبة» التي لم يقصد فيها الفعل لأجل العاقبة إنما تكون من جاهل أو عاجز:

1-فالجاهل: كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ [القصص: 8]، لم يعلم فرعون بهذه العاقبة، أي أنه لم يكن يدري ما ينتهي إليه أمر موسى عليه السلام.

2-والعاجز أي العاجز عن رد عاقبة فعله كقولهم:

لِدُوا للموتِ وابْنُوا للخرابِ فكلُّكم يصير إلى تبابِ

فإنّهم يعلمون هذه العاقبة لكنهم عاجزون عن دفعها(انظر مجموع الفتاوى 8/ 44).

أي: أن بني آدم عاجزون عن دفع الموت عن أنفسهم والخراب عن ديارهم.

والجهمية الغلاة أنكروا حكمة الله ورحمته وقالوا: لم يخلق لحكمة ولم يأمر بحكمة وليس في القرآن لام كي، لا في خلقه، ولا في أمره، وزعموا أن قوله تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ﴾[الجاثية : 13] ﴿ خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ﴾[البقرة : 29] ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ﴾[النجم : 31]﴿ لِئَل يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾[النساء : 165] وأمثال ذلك إنما اللام فيه لام العاقبة كقوله تعالى السابق: ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ ولم يعلموا، لام العاقبة إنما تصح ممن يكون جاهلا بعاقبة فعله، أو ممن يكون عاجزا عن رد عاقبة فعله على النحو الذي سبق ذكره أولا، وأما من هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وهو مريد لكل ما خلق فيمتنع في حقه لام العاقبة التي تتضمن نفي العلم أو نفي القدرة.

قال ابن القيم رحمه الله:

وأما لام العاقبة ويسمونها لام الصيرورة في نحو قوله تعالى :﴿ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا [ القصص: 8 ] فهي في الحقيقة لام كي، ولكنها لم تتعلق بالخبر لقصد المخبر عنه وإرادته، ولكنها تعلقت بإرادة فاعل الفعل على الحقيقة وهو الله سبحانه أي فعل الله ليكون كذا وكذا وكذلك قولهم: أعتق ليموت لم يعتق لقصد الموت، ولم يتعلق «اللام» بالفعل، وإنما المعنى قدّر الله أنه يعتق ليموت فهي متعلقة بالمقدور وفعل الله، ونظيره (إني أنسى لأسن)[ولكنه حديث ضعيف] ومن رواه أنسّى بالتشديد فقد كشف قناع المعنى، وسمعت شيخنا أبا العباس بن تيمية يقول: يستحيل دخول لام العاقبة في فعل الله، فإنها حيث وردت في الكلام فهي لجهل الفاعل لعاقبة فعله، كالتقاط آل فرعون لموسى فإنهم لم يعلموا عاقبته، أو لعجز الفاعل عن دفع العاقبة نحو لدوا للموت وابنوا للخراب، فأما في فعل من لا يعزب عنه مثقال ذرة، ومن هو على كل شيء قدير، فلا يكون قط إلا لام كي وهي لام التعليل، ولمثل هذه الفوائد التي لا تكاد توجد في الكتب يحتاج إلى مجالسة الشيوخ والعلماء (بدائع الفوائد: 1/100)

[«اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية في النحو والصرف» لناصر الفهد: (218)]

الملح والنوادر


37- الأسماء لا تغيِّر الحقائق

لقي الشاعر ثابت بن جعفر المعروف ﺑ:«تأبّط شرا» ذات يوم رجلا من ثقيف يُقال له أبو وهب -وكان جبانا- وعليه حلّة جيدة، فقال أبو وهب لتأبّط شرا: بم تغلب الرجال ي ثابت، وأنت كما ترى ذميم ضئيل؟ قال: باسمي، إنما أقول ساعة ألقى الرجل: أنا تأبّط شرا، فينخلع قلبه حتى أنال منه ما أردت، فقال له الثقفي: أبهذا فقط؟ قال: فقط، قال: فهل لك أن تبيعني اسمك؟ قال: نعم، فبم تبتاعه؟ قال: بهذه الحلّة وبكنيتك قال له: أفعل، ففعلا، وقال له تأبط شرا: لك اسمي ولي كنيتك؟ وأخذ حلّته وأعطاه طمريه، ثم انصرف، وقال في ذلك يخاطب زوجة الثقفي:

ألا هل أتى الحسناء أنّ حليله تأبّط شرًّا واكتـنيتُ أبـا وَهْبِ

فَهَبْه تسمَّى اسمي وسمّاني اسمه فأين له صبري على مُعظم الخطبِ

وأين له بأسٌ كبأسي وسوْرتي وأين له في كـل فادحةٍ قلبِــي

[«الأغاني» للأصفهاني: (8/ 211)]

اللغة


36- بين المَلِكِ والمَالِكِ

المُلك: معروف وهو يذكر ويؤنث كالسلطان، وملك الله تعالى وملكوته سلطانه وعظمته وعزته.

قال ابن سيده: المَلْك والمُلك والمِلك: احتواء الشيء والقدرة على الاستبداد به.

و الملِك هو: المتصرف في الأشياء حسب إرادته، ومشيئته، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه

قال الراغب: الملك هو: المتصرف بالأمر والنهي

وقال الزجاج: قال أصحاب المعاني: الملِك: النافذ الأمر في ملكه، إذ ليس كل مالك ينفذ أمره وتصرفه فيما يملكه، فالملك أعم من المالك، والله -تعالى- مالك المالكين كلهم، إنما استفادوا التصرف في أملاكهم من جهته -تعالى-

وقال الطبري: «ولا خلاف بين جميع أهل المعرفة بلغات العرب أن الملِك من الملك مشتق؛ وأن المالك من الملك مأخوذ، فتأويل قراءة من قرأ «مالك يوم الدين» أن لله الملك يوم الدين خالصاً؛ دون جميع خلقه الذين كانوا قبل ذلك في الدنيا ملوكاً جبابرة، ينازعونه الملك، ويدافعونه الانفراد بالكبرياء والعظمة والسلطان والجبرية، فأيقنو بلقاء الله يوم الدين أنهم الصغرة الأذلة، وأن له - دونهم ودون غيرهم - الملك والكبرياء، والعزة والبهاء، كما قال- جل ذكره وتقدست أسماؤه -: ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ل يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، فأخبر - تعالى ذكره- أنه المنفرد يومئذ بالملك، دون ملوك الدنيا، الذين صاروا يوم الدين من ملكهم إلى ذلة وصغار، ومن دنياهم في معادهم إلى خسار»

قال الدرويش: «وبينهما فرق دقيق وهو أن المالك هو ذو المِلك بكسر الميم ، والمَلِك: ذو المُلْك بضمّها، قال أهل النحو : إن مَلِكا أمدح من مالك، وذلك أن المالك قد يكون غير ملِك، ولا يكون الملِك إلا مالكا، وجمْع الملك أملاك وملوك، وجمْع المالك ملاك ومالكون»

قال الشوكاني: «وقد اختلف العلماء أيهما أبلغ ملِك أو مالك؟ فقيل: إن ملك أعم وأبلغ، إذ كل ملِك مالك، وليس كل مالك ملكا، ولأن أمر الملِك نافذ على المالك في مُلْكِه حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملِك قاله أبو عبيد والمبرد ورجحه الزمخشري، وقيل مالك أبلغ لأنه يكون مالكا للناس وغيرهم، فالمالك أبلغ في مدح الخالق من ملِك، وملِك أبلغ في مدح المخلوقين من مالك لأن المالك من المخلوقين قد يكون غير ملِك، وإذا كان الله تعالى مالكا كان ملِكا، واختار هذا القاضي أبو بكر بن العربي.»

ثم قال الشوكاني: « والحق أن لكل واحد من الوصفين نوع أخصية لا يوجد في الآخر، فالمالك يقدر على ما لا يقدر عليه الملِك من التصرفات بما هو مالك له بالبيع والهبة والعتق ونحوها، والملِك يقدر على ما لا يقدر عليه المالك من التصرفات العائدة إلى تدبير الملك وحياطته ورعاية مصالح الرعية، فالمالك أقوى من الملِك في بعض الأمور، والملك أقوى من المالك في بعض الأمور، والفرق بين الوصفين بالنسبة إلى الرب سبحانه أن الملك صفة لذاته والمالك صفة لفعله»

[«النهج الأسمى» لمحمود النجدي: (1/ 97)]

الحكم والأمثال


35- صون النفس

المثل هو: تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييه

معناه: أنّ الحرة تُؤْثِر ُأنْ تجوع و لا تكون مُرْضعا لغير أولادها لِقاء أجرٍ تأخذه فيلحقها عيب، أي: لا ترضع لبنها بالأجرة ثم تأكلها.

يُضرَب: لمن يصون نفسه في الضرّاء عن المكاسب الدنيّة، أي لا يمنعه من صيانة نفسه شدّة فقره.

قصّة المثل: هذا المثل للحارث بن سليل الأسدي، و كان خطب إلى علقمة بن خصفة الطائي – وكان شيخا – فقال علقمة لامرأته: اختبري ما عند ابنتك، فقالت: أي بنيّة، أي الرجال أحبّ إليك؟ الكهل الجحجاح الواصل الميّاح، أم الفتى الوضّاح، الذهول الطمّاح؟ قالت: بل الفتى، قالت: إنّ الفتى يُغيرك، وإنّ الشيخ يعيرك، قالت: يا أمّاه إنّ الفتى شديد الحجاب، كثير العتاب، يا أمّاه أخشى من الشيخ أن يدنّس ثيابي، و يُبْلي شبابي، و يُشمت بي أترابي، فلم تزل أمّها بها حتى غلبتها على رأيها، فتزوّجه الحارث، ثم ارتحل بها إلى أهله، و إنه لجالس ذات يوم بفِناء قبّته، و هي إلى جانبه إذ أقبل شباب من بني أسد يعتجلون، فتنفّست الصعداء ثم بكتْ، فقال لها: ما يُبكيك؟ قالت ما لي وللشيوخ، الناهضين كالفروخ... ، فقال: ثكلتك أمّك! تجوع الحرّة و ل تأكل بثدييها، ثم قال:... لرُبَّ غارةٍ شهدتها،... الْحقي بأهلك، فلا حاجة لي فيك.

[«شرح مقامات الحريري» للشريشي: (1/ 419)]

البيان في نصوص الوحي


34- سبعة يظلهم الله في ظله

(الجزء الأول)

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله م تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ".

قال الشيخ عطية محمد سالم: " مِن مبادئ البلاغة والعادة: أنه لا تورد متعددات إلا مع التجانس، لحسن النسق وجمال التنسيق، كلبنات الجوار، وحبات العقد، وكذلك الكلام والبلاغة النبوية: هي الذروة والقمة، وقد أعطِيَ صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، وكذلك مجامع الحكم، فكما أن أسلوب الحديث النبوي مبرّأ من تنافر الكلمات، ونشاز العبارات، فكذلك في المعاني، فإيراد هذه الأصناف السبعة في أسلوب واحد، مع تفاوتها في مواضيعها، وبعد ما بين بعضها البعض، لا بد أن فيها م يربط بعضها ببعض من معنى شامل يسوغ نظمها في إيرادها لما تقتضيه البلاغة النبوية العالية، ويستوجبه خلو الحديث النبوي من النشز والتنافر، وقد أعطي في ذلك ما لم يعطه أحد، وهو صلى الله عليه أفصح العرب والعجم، مما يدعونا إلى تأملها بعين تتطلع إلى ما يقال له: فائدة الخبر ولازم الفائدة، وهو أبعد غايات البلاغة "

1- الرغبة والرهبة في الله ومن الله.

2- مراقبة الله والإخفاء عن الناس.

3- ارتباط هذه الأجناس بعضها ببعض، وتأثير بعضها في بعض.

4- اشتراكهم في مخالفة هواهم.

وقال ابن القيم: " إنك إذا تأملت السبعة الذين يظلهم الله عز وجل في ظل عرشه يوم ل ظل إلا ظله، وجدتهم إنما نالوا ذلك الظل بمخالفة الهوى:

- فإن الإمام المسلّط القادر لا يتمكن من العدل إلا بمخالفة هواه.

- والشاب المؤثر لعبادة الله على داعي شبابه لولا مخالفة هواه لم يقدر على ذلك.

- والرجل الذي قلبه معلق بالمساجد إنما حمله على ذلك مخالفة الهوى الداعي له إلى أماكن اللذات.

- والمتصدق المخفي لصدقته عن شماله لولا قهره لهواه لم يقدر على ذلك.

- والذي دعته المرأة الجميلة الشريفة فخاف الله عز وجل وخالف هواه.

- والذي ذكر الله عز وجل خاليا ففاضت عيناه من خشيته إنما أوصله إلى ذلك مخالفة هواه، فلم يكن لحر الموقف وعرقه وشدته سبيل عليهم يوم القيامة.

[«ترطيب الأفواه» للعفاني: (1/ 45-49) بتصرف]

أزهار متناثرة


33- كم من مريد للخير لن يصيبه

روى الدارمي في «سننه» قال: «أخبرن الحكم بن مبارك أخبرنا عمرو بن يحيى قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معن حتى خرج فلما خرج قمنا إليه جميعا، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفا أمرا أنكرته ولم أر والحمد لله إلا خيرا. قال: فما هو؟. فقال: إن عشت فستراه. قال: رأيت في المسجد قوم حلقا جلوسا ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول كبروا مائة فيكبرون مائة، فيقول هللوا مائة فيهللون مائة، يقول سبحو مائة فيسبحون مائة. قال: فماذ قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئا انتظار رأيك أوانتظار أمرك. قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم، ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن، حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. قال: فعدو سيئاتكم فأنا ضامن لكم أن ل يضيع من حسناتكم شيء. ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه وسلم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحو باب ضلالة؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن، م أردنا إلا الخير. قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن قوما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وايم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم. فقال عمرو بن سلمة: رأين عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج».

[«مقدمة سنن الدارمي»: (210)]

مختارات شعرية


32- من الشعر الحكيم

قال زهير بن أبي سُلْمى في معلّقته المشهورة:

ومنْ لم يُصانعْ في أمورٍ كثيـرةٍ يُضَرَّسْ بأَنيابٍ و يوطأْ بِمَنْسَمِ

ومنْ يَجعلِ المعروفَ مِنْ دونِ عِرضِهِ يَفِرهُ ومن لا يتَّقِ الشتمَ يُشْتَمِ

ومَن لم يَذُدْ عن حوضهِ بسلاحه يُهَدَّمْ ومن لا يَظلمِ الناسَ يُظْلَمِ

ومن يَغتَرِبْ يحسب عدوًّا صديقهُ و من لا يُكرِّمْ نفسَهُ لا يُكرَّمِ

ومن يَكُ ذا فَضلٍ فيَبْخلْ بِفضْلِهِ على قوْمِهِ يُسْتَغْنَ عنهُ و يُذْممِ

ومن يوف لا يُذممْ و من يُهد قلبه إلى مطمئنِّ البرِّ لا يتجمجَمِ

ومن هاب أسباب المنايا ينَلْنَـه و إن يرق أسباب السماء بسلّمِ

ومن يجعلِ المعروف في غير أهله يكن حمدُه ذمّا عليه و يندمِ

ومهْما تَكُنْ عند امرئٍ مِن خليقةٍ و إنْ خالها تخفى على الناسِ تُعلمِ

[«بلوغ الأرب» للألوسي: (3/ 98)]

قواعد وفوائد


31- الجمل بعد المعارف والنكرات

قال ابن هشام: «الجملة الخبرية بعد النكرات المحضة صفات، وبعد المعارف المحضة أحوال، وبعد غير المحض منهما محتمِل لهما».

هذه قاعدة من قواعد النحو، لكن القاعدة تُشاب أحيانًا بنوع من التساهل فيقال: الجمل بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال، وهذه الجملة ليست دقيقة، إنما الدقيقة مثل م قال ابن هشام: الجملة بعد النكرة المحضة صفة، والجملة بعد المعرفة المحضة حال، وبعد المفرد الذي ليس هو محضًا تحتمل الحالية والوصفية.

إن من بين الجمل التي لها محل من الإعراب الجملة الواقعة صفة، وشرط الجملة الواقعة صفة أن يكون الموصوف نكرة، وهذا شرط أساسي، الجملة التي تكون صفة لا بد يكون الموصوف نكرة ومحضة أيضًا، فمثلا لو قلت: مررتُ برجلٍ يكتبُ، "رجل": نكرة، ومعنى نكرة يعني ما فيها أي شيء يقربها من المعرفة، هذا معنى محضة يعني بعيدة جدًّا من التعريف، إذن نقول: إن جملة "يكتب": صفة؛ لأنها وقعت بعد نكرة محضة. إذا قلت: (مررتُ برجلٍ جالسٍ يكتبُ)، الآن كلمة (رجل) قربت قليلا من المعرفة، لماذا؟ بوصفها ﺑ(جالس)[لأن الوصف يقلل من شيوع النكرة فتقرب من المعرفة]، إذن هل نقول: إن كلمة (رجل) هنا نكرة محضة أو فيها شائبة ورائحة تعريف؟ فيها، هذا معنى قول ابن هشام: الجمل بعد النكرات المحضة صفات، ما معنى المحضة؟ المحضة: هي النكرة التي ليس فيها شيء يقرّبها من المعرفة، ما مثال الذي يقربها من المعرفة؟ الصفة.

ومن الأمثلة: قول الله تعالى: ﴿أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة : 254] من: حرف جر، و( قبل ): اسم مجرور ﺑ( من )، والجار والمجرور متعلق بالفعل بأول الآية "أن": حرف مصدري ونصب، و( يأتي ): فعل مضارع منصوب وعلامة نصبه الفتحة، ( يوم ): فاعل مرفوع بالضمة، أي يأتي يومٌ، ( لا ): نافية عاملة عمل ليس ترفع الاسم وتنصب الخبر، ( بيع ): اسم لا، ( فيه )، خبر ( لا )، والجملة من لا واسمها وخبرها في محل رفع صفة لـ(يوم).

ومنه قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾[البقرة : 281] "ترجعون" في محل جر صفة لـ( يوم )، وهو من قبيل النكرة المحضة.

ومنه قوله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ ﴾ [آل عمران: 25]، فجملة لا ريب فيه في محل جر صفة لـ"يوم"

وقوله تعالى:﴿ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ ﴾[الإسراء: 93] (حتى): حرف غاية ونصب، و(تُنَزِّلَ): فعل مضارع منصوب وعلامة نصبه الفتحة، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت، و(علينا): جار ومجرور متعلق بـ(تنزّل )، (كتابًا): مفعول به منصوب، (نقرؤه): فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والهاء مفعول، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره نحن، والجملة في محل نصب صفة ل (كتابًا).

قال: وبعد المعارف أحوال يعني بعد المعارف المحضة، ما المراد بالمعرفة المحضة؟ اعكس الكلام الأول، ما قلته لك النكرة المحضة التي ليس فيها رائحة تعريف، المعرفة المحضة التي ليس فيها رائحة تنكير، مثل العلم، لو قلت: (رأيتُ زيدًا يكتبُ)، جملة حال من زيد، وزيد معرفة محضة.

قال: وبعد غير المحض منهما محتمل لهما، الضمير الأول منهما يعود على المعرفة والنكرة وقوله: محتمل لهما، يعني للحالية والوصفية، مثاله: (مررتُ برجلٍ صالحٍ يصلي)، ( يصلي ) الجملة هل هي صفة أو حال؟ محتمل؛ لأنك إن نظرت لكلمة (رجل) أصله فهي نكرة والجمل بعد النكرات صفات، وإن نظرت إلى الصفة التي بعدها، وأنها قربت من المعرفة فجملة (يصلي) حال؛ ولهذا من يعربها صفة إعرابه صحيح، ومن يعربها حال إعرابه صحيح،لأن لكل منهما وجهة نظر،هذا مثال للنكرة غير المحضة.

المعرفة غير المحضة كما في قول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُو التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾[الجمعة: 5] كلمة (الحمار) "أل" في أصلها تفيد التعريف، إذن تصير جملة (يحمل) حالا؛ لأنه دخلت عليه (أل) قرب من المعرفة، لكن إن نظرنا إلى أن ( الحمار ) لا يُراد به حمارً معينًا؛ فهو إذن نكرة فتصير جملة (يحمل) صفة.

﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾[يس: 37] جملة ( نسلخ ) إما صفة للّيل أو حال، لماذا؟ الليل إن نظرت إلى أل الداخلة عليه يمكن أن تقول: إنه معرفة الآن؛ لأن الأصل في "أل" أنها للتعريف، فتصير جملة ( نسلخ ) وقعت بعد معرفة، والجمل بعد المعارف أحوال، لكن هل هي معرفة محضة؟ غير محضة لماذا؟ لأنه قد يقول قائل "أل" هنا ما أفادت كلمة الليل تعريفًا، يسمونها (ال) الجنسية و(ال) الجنسية لا تفيد التعريف، فيبقى ( الليل ) على تنكيره.

وعلى هذا نقول: الجملة إن وقعت بعد معرفة غير محضة أو بعد نكرة غير محضة، فلك أن تعربها حالا ولك أن تعربها صفة؛ لأنك إن أعربتها حالا فباعتبار، وإن أعربتها صفة فباعتبار آخر، والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد.

[«شرح مختصر قواعد الإعراب» لعبد الله الفوزان: (37)]

الملح والنوادر


30- زر غِبّا تزدَدْ حُبّا

تردد ثقيل على ظريف وأطال ترداده عليه حتى سئم منه ، فقال له الثقيل : من تراه أشعر الشعراء؟ فأجاب الظريف:هو ابن الوردي بقوله:

غِبْ و زُرْ غبًّا تزِدْ حبّا فَمَنْ أَكثرَ التَرْدادَ أضْناهُ المللْ

فقال الثقيل: أخطأتَ ،فإن النجاريَ أشعرُ منه بقوله:

إذا حقـّقتَ مِـنْ خِلٍّ ودادً فزُرْهُ ولا تَخفْ منهُ ملالاَ

وَ كُنْ كالشَمسِ تطلعُ كلَّ يومٍ ولا تكن في زيارته هلالا

فأجاب الظريف: إن الحريري أشعر منه بقوله:

ولا تزُرْ مَنْ تحبُّ في كل شهرٍ غيرَ يومٍ ولا تزدهُ عليه

وإن لم تصدِّقْني فقد وهبتك الدار بما فيها، وخرج وهو يقول:

إذا حلَّ الثقيل بأرضِ قومٍ فما للساكنينَ سوى الرَّحيل

[«العقد الفريد» لابن عبد ربه: (1/ 39)]

اللـغة


29-كلّيات لغوية

- كلُّ ما عَلاك فأظلَّك فهو سماء.

- كلُّ أرض مُسْتَوِيَةٍ فهي صَعيد.

- كل بِناءَ مُرَبَّع فهوَ كَعْبَة.

- كلُّ بِنَاءٍ عال فهوَ صَرْحٌ.

- كلُ شيءٍ دَبَّ على وَجْهِ الأرْضِ فهو دَابَّةٌ.

- كلُّ ما غَابَ عن العُيونِ وكانَ مُحصَّلا في القُلوبِ فهو غَيْب.

- كلُّ ما يُسْتحيا من كَشْفِهِ منْ أعضاءِ الإِنسانِ فهوَ عَوْرة.

- كلُّ شيءٍ منْ مَتَاعِ الدُّنْيا فهو عَرَض.

- كلُّ أمْرٍ لا يكون مُوَافِقاً للحقِّ فهو فاحِشة.

- كلُّ شيءٍ تَصيرُ عاقِبتُهُ إلى الهلاكِ فهو تَهْلُكة.

- كلُّ نازِلةٍ شَديدةٍ بالإِنسانِ فهي قارِعَة.

- كلُّ ما كانَ على ساقٍ من نَباتِ الأرْضِ فهو شَجَرٌ.

- كُلُّ كرِيمَةٍ منَ النساءِ والإبلِ والخَيْل وَغَيْرِها فهي عَقِيلة.

- كلُّ ما لَه ناب ويَعْدُو على النّاسِ والدَّوابِّ فَيفْتَرِسُها فهو سَبع.

[«فقه اللغة» للثعالبي: (36)]

الحكم والأمثال


28-الحقُّ أَبْلَجُ وَالبَاطِلُ لَجْلَجٌ‏.‏

يعني أن الحق واضح، يقال‏:‏ صُبْح أَبْلَج، أي مُشْرِق ومنكشف، ومنه قوله‏:‏

حَتَّى بَدَتْ أَعْنَاقُ صُبْح أَبْلَجَا ‏.‏

والباطل لجلج‏:‏ أي مُلْتَبِس ومختلط، قال المبرد‏:‏ قوله لجلج أي يَتَرَدَّد فيه صاحبُه ولا يصيب منه مخرجاً‏.‏

ومن الحكم والأمثال في الحق والباطل ما يلي:

- جولة الباطل ساعة، وجولة الحق إلى قيام الساعة.

- للحق دولة وللباطل صولة.

- للباطل جولة ثم يضمحل.

- الحق يعلو ولا يعلى عليه.

فاصبر أخي على الحق حتى تلقى الأحبة محمدا وصحبه.

[«مجمع الأمثال» للميداني: (1/ 321)]

البيان في نصوص الوحي


27- هول يوم القيامة

قال الله تعالى: ﴿يَ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ(2) ﴾ [الحج:1- 2]

اشتملت هاتان الآيتان على أنواع من البلاغة والبيان، نجملها فيما يلي:

1- في قوله تعالى: " وترى الناس سكارى وما هم بسكارى" تشبيه بليغ،فقد شبه الناس في ذلك اليوم العصيب بحالة السكارى الذين فقدوا التمييز، وأضاعوا الرشد، والعلماء يقولون: من أدلة المجاز صدق نقيضه، كقولك: زيد حمار إذا وصفته بالبلادة والغباء، ثم يصدق أن تقول وما هو بحمار فتنفي عنه الحقيقة، فكذلك الآية بعد أن أثبتت السكر المجازي نفت الحقيقة أبلغ نفي مؤكد بالباء، والسر في تأكيد التنبيه على أن السكر الذي هو بهم في تلك الحالة ليس من المعهود في شيء، وإنما هو أمر لم يعهدوا قبله مثله، والاستدراك بقوله: "ولكن عذاب الله شديد " راجع إلى قوله: " وما هم بسكارى" وكأنه تعليل لإثبات السكر المجازي، كأنه قيل: إذا لم يكونوا سكارى من الخمر، وهو السكر المعهود، فم هذا السكر الغريب؟ وما سببه؟ فقيل: شدة عذاب الله تعالى.

2- وفي عدوله عن مرضع إلى مرضعة سر قل من يتفطن له، وهو: أن المرضعة هي التي باشرت الإرضاع فعلا، فنزعها الثدي من فم طفلها عند حدوث الهول، ووقوع الارتباك أدلُّ على الدهشة، وأكثر تجسيدا لمواطن الذهول، الذي استولى عليها، وهناك فرق آخر، وهو: أن وروده على النسب أي: مرضع لا يلاحظ فيه حدوث الصفة المشتق منها، ولكن مقتضاه أنه موصوف بها، وعلى غير النسب أي: مرضعة يلاحظ فيه حدوث الفعل وخروج الصفة عليه، وهذ من أسرار لغتنا التي تندر في اللغات.

3- قال ابن القيم رحمه الله: المرضع من لها ولد ترضعه، والمرضعة من ألقمت الثدي للرضيع، وعلى ذا فقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ﴾ أبلغ من مرضع في هذا المقام، فإن المرأة قد تذهل عن الرضيع إذا كان غير مباشر للرضاعة، فإذا التقم الثدي واشتغلت برضاعه لم تذهل عنه إلا لأمر هو أعظم عندها من اشتغالها بالرضاع.

وتأمل رحمك الله تعالى السر البديع في عدوله سبحانه عن كل حامل إلى قوله: ﴿ ذَاتِ حَمْلٍ﴾ فإن الحامل قد تطلق على المهيئة للحمل، وعلى من هي في أول حملها ومباديه، فإذا قيل: ذات حمل، لم يكن إلا لمن قد ظهر حملها وصلح للوضع كاملا أو سقطا، كما يقال: ذات ولد، فأتى في المرضعة بالتاء التي تحقق فعل الرضاعة دون التهيؤ لها، وأتى في الحامل بالسبب الذي يحقق وجود الحمل وقبوله للوضع والله سبحانه وتعالى أعلم.(بدائع الفوائد: 2/213)

4- هذ من أسرار البيان في القرآن الكريم ففرق بين المرضعة التي هي متلبسة في الفعل، وبين من لها طفل ترضعه وهو غير مباشر للرضاعة، قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" (11/174): وألحق الهاء في مرضع لأنه أراد فاعلات ذلك اليوم، فأجراه على الفعل، وأم إذا أخبرت عن المرأة بأن لها طفلا ترضعه فإنما تقول: مرضع مثل حامل"

ومثله يقال في الفرق بين حامل وذات حمل، قال الزمخشري: لم قيل مرضعة دون مرضع؟ قلت: المرضعة التي هي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبي، والمرضع: التي شأنها أن ترضع، وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به، فقيل مرضعة، ليدل على أن ذلك الهول، إذ فوجئت به هذه وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الدهشة.

[«إعراب القرآن وبيانه» للدرويش: (5/ 97)]

أزهار متناثرة


26- من حنفاء الجاهلية

كان جمع من عقلاء العرب وحكمائها غير موافقين لعمرو بن لحي فيما ابتدع من الدين ولا متبعين ما شرع من عبادة الأصنام، بل كانوا مخالفين له، وتعبّدوا بما ترتضيه العقول وتظاهره الشرائع المقررة وهم أفراد من القبائل المتفرقة، ومن هؤلاء قسّ بن ساعِدة الإِيادي، أحكم حكماء العرب، وأول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية، وأول من كتب من فلان إلى فلان، وأوّل من قال أمّا بعد، وأوّل من خطب متوكئا على عصا، وبه يضرب المثل في الخطابة و البلاغة، ومن مشهور خطبه :" أيّها الناس اسمعوا وعُوا، فإذا وعيتُم فانتفعوا، إنه مَن عاشَ مات، ومَن مات فات، وكلُّ ما هو آتٍ آت.
أمّا بعد: فإنّ في السماء لخَبَرا، وإن في الأرض لعبَرا، مِهادٌ موضوع، وسَقْفٌ مرفوع، ونجوم تَمُور، وبِحارٌ لا تَغُور، وليل داج، وسماء ذات أبراج، أقسم بالله قُسٌّ قَسَمًا حتْما، لا كاذبا فيه ولا آثِما، لئِن كان في الأرض رِضًا ليَكونَنَّ بعده سخط، وإن لله عزت قدرته دينا هو أحبُّ إليه مِنْ دينكم الذي أنتم عليه، وقد أتاكم أوانه، ولحقتكم مدته، ما لي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون؟ أَرَضُوا بالمُقام فأقاموا، أَمْ تُرِكوا فناموا؟ ثم أنشد:


في الذاهِبِينَ مِنَ الأوَّلي نَ مِنَ القُرونِ لنا بصائرْ
لمَّــا رأيتُ مَــوَارِدً للمـوتِ ليس لها مَصَادِرْ
ورأيتُ قومِـيَ نحوَه يَسْعى الأصَاغرُ والأكابِرْ
لا يَرجـع المـاضي إلَيَّ ولا مـنَ الباقين غابـِرْ
أيقَنـْتُ أنِّـي لا مح لَةَ حيثُ صار القومُ صائِر.

[«بلوغ الأرب» لمحمود شكري الألوسي: (2/ 245)]

مختارات شعرية


25- فضل العلم والحث عليه

قال العلاّمة الحافظ الحكمي -رحمه الله- :

العِلمُ أغلى و أحلـى مـا له استمَـعتْ أُذْنٌ و أعْـربَ عنـه ناطقٌ بِفمِ

العلمُ غايتُه القصْوى و رتبـته العليــاء فاسْـعَوْا إليه يا أولي الهِمَــمِ

العلم أشـرفُ مطلـوبٍ و طالبـُــه للهِ أكرمُ مَنْ يَمْشِي عَـلى قـدَمِ

العلـمُ نــورٌ مبينٌ يسـتضـيء به أهلُ السعادة و الجهّال في الظُلَـمِ

العلـم أعْلَى حياةً للعباد كــم أهـلُ الجهـالةِ أمـواتٌ بجهلهمِ

لاسَمْع ل عَقْل بل ل يُبْصِرونَ وفِي السْ سَعِيـرِ مُعْتَـرِفٌ كُلٌّ بِذَنْبِهِمِ

فالجَهْلُ أَصْــلُ ضَلَالِ الخَلْـقِ قاطِبـَةً وأصْـلُ شَقْوَتِهِمْ طُرًّ وظلمهم

والعِلْمُ أصْــلُ هُداهُـمْ مَعْ سَعـادَتِهِمْ فل يَضِلُّ ول يَشْقى ذَوُو الحِكَمِ
والخَوفُ بالجهْـلِ والحُـزْنُ الطـويلُ بِهِ وعَن أُولِي العِلْمِ مَنْفِيَّانِ فَاعْتَصِمِ

الـعِلْــمُ واللهِ مِــيـراثُ النُّبُـوَّةِ ل ميراثَ يُشْبِهُهُ طوبَى لِمُقْتـَسِمِ
لأنَّهُ إرْثُ حَـــقٍّ دائِــم أبَــدً وم سِــواهُ إلى الإِفْنَاءِ والعَـدَمِ

العلم يا صَـاحِ يَسْتغفِـرْ لصـاحبِـه أهلُ السماواتِ و الأرْضِين من لَمَمِ

كذاك تَستَـغفـرُ الحيتــانُ في لجَُـجٍ من البحـارِ له في الضوءِ و الظُلمِ

و إنَّ أجنـحـةَ الأمْـلاَكِ تبسُطـه لِطالبيــه رضًـا منهم بِصُنعهمِ

و السالكــون طريقَ العلمِ يَسلُكُهُـم إلى الجِـنَـانِ بَـارِئُ النّـسَـمِ

والسَّامِعُ العِلْمَ والوَاعِـي لِيَحْفَـظَـهُ مؤدِّي ناشِـرً إيَّـاهُ في الأمَمِ
في نَضَـارَتَهُ إذْ كــاَنَ مُتَّصِفً بِذ بِدَعْــوَةِ خَيْـرِ الخَلْقِ كُلِّهِمِ
كفاكَ في فضْـلِ العِلْـمِ أنْ رُفِعـو مِـنْ أجْلِهِ درجـاتٍ فـوْقَ غيْـرِهِمِ

و كان فضْل أبِينَا في القديمِ عَلَى ال أمـلاكِ بالعِـلْم مِـنْ تَعْلِيـمِ ربّهـمِ

كذاكَ يوسُفُ لَمْ تَظْهَرْ فَضِيلَتُهُ لِلعالَمينَ بِغَيْرِ العِلْمِ والْحِكَمِ
وم اتِّباعُ كَليمِ اللهِ لِلْخَضِرِ الْ مَعْروفِ إل لعِلْمٍ عَنْهُ مُنْبَهِمِ
مَعْ فَضْلِهِ بِرِسالاتِ الإلَهِ لَهُ وَمَوْعِدٍ وسَماعٍ مِنْهُ لِلْكَلِمِ
وقَدَّمَ المصْطفى بالعِلْمِ حامِلَهُ أعْظِمْ بِذلِكَ تَقْدِيمً لِذِي قِدَمِ
كفَاهُمُو أنْ غَدَوْ لِلْوَحْيِ أوْعِيَةً وأضْحَتِ الآيُ مِنْهُ فِي صُدورِهِمِ
وخصَّهُمْ ربُّن بَصَرً بِخَشْيَتِهِ وعَقْلُ أمْثالِهِ فِي أصْدَقِ الكَلِمِ
ومَعْ شَهادَتِهِ جاءَتْ شَهادَتُهُمْ حَيْثُ اسْتَجابُو وأهْلُ الجَهْلِ في صَمَمِ
ويَشْهدُونَ عَلى أهْلِ الجَهالَةِ بالْ مَوْلَى إذ اجتَمَعُو فِي يَوْمِ حَشْرِهِمِ
والعَالِمُونَ عَلى العِبادِ فَضْلُهُمُو كالبَدْرِ فَضْل عَلى الدُّرِّيِّ فَاغْتَنِمِ
هُمُ الهُداةُ إلى أهْدَى السَّبيلِ وأهْ لُ الجَهْلِ عنْ هَدْيِهِمْ ضَلُّو لِجَهْلِهِمِ
وفَضْلُهُمْ جاءَ في نصِّ الكِتابِ وفِي الْ حَديثِ أشْهَرُ مِنْ نارٍ عَلى عَلَمِ

[«حاشية روضة العقلاء» لابن حبان: (47)]

قواعد وفوائد


24- قاعدة في كتابة الألف

وهي التي تسمّى: "الألف اللّيّنة" الساكنة المفتوح ما قبلها، وهي لا تقبل الحركات، ولا تأتي في أول الكلمة، لأنها لا تكون إلا ساكنة، وأول الكلمة ل يكون إلا متحركا، والعرب لا تبدأ بساكن، ولا تقف على متحرك.

لهذه الألف موضعان:

أحدها: أن تكون في وسط الكلمة، فتُكْتَب بصورة الألف بكل حالٍ، مثل: قال، باع.

الثاني: أن تكون في آخر الكلمة، فتارة تُكتب بصورة الألف، وتارة بصورة الياء(اصطلح أهل الإملاء على تسمية الألف الممدودة "ا" ألفا، والألف المقصورة "ى" ياء.

أولا: فتكتب بصورة الألف في خمسة مواضع:

1- أن تكون الكلمة حرفا، مثل: كلاّ، ولولا، ويستثنى من ذلك: بلى، وعلى، وحتّى، ما لم تتصل بـ"ما" الاستفهامية، فإن اتصلت بها كتبت بصورة الألف مع حذف ألف "ما"، مثل: إلامَ، علامَ، حتَّامَ.

2- أن تكون الكلمة اسما مبنيا، مثل: قمنا(الشاهد في الضمير المتصل)، ذا (اسم إشارة مبني)، ويستثنى من ذلك: أنّى، ومتى، وأُولى: اسم إشارة للجمع(مثل: أُولاءِ)، والأُلَى:اسم موصول بمعنى الذين، فتكتب بالياء. ولَدَى(من زيادة المحقق).

3- أن تكون الكلمة اسما أعجميا (سواء كان الاسم الأعجمي ثلاثياكـ: لوقا، وأغا، أو كان غير ثلاثي)، مثل: أمريكا، ويستثنى من ذلك: موسى، وعيسى، وكِسرى، وبُخارى، فتكتب بالياء.(وأيضا: متَّى: أبو يونس عليه السلام، وكُمَّثرى: اسم فاكهة أعجمي).ويقال: موسيقا.. لا موسيقى لأن جميع الكلمات الأعجمية المنتهية بألف تكتب بالألف الطويلة ما عدا أربع كلمات: عيسى (العبرية)، موسى (العبرية)، كسرى (الفارسية)، بخارى (الفارسية). فتكتب بالألف المقصورة. وعليه: فموسيقا بالألف الطويلة لا الألف المقصورة.

4- أن تكون الكلمة (سواء كانت اسما أو فعلا) ثلاثية وأصل الألف الواو، مثل: دعا، العصا.(ذهب الكوفيون إلى أن ما جاء على وزن فُعَل، أو فِعَل أنه يكتب بالياء، سواء كان واوي أو يائيا، فمثلا:العُلا، والرِّبا، تكتب عندهم هكذا: العُلَى، الرِّبى).

5- أن تكون الألف مسبوقة بالياء، مثل: دنيا، سجايا، ويستثنى من ذلك: الأعلام، فتكتب على ياء، مثل: يحيى، وإنما كتبت ألف الأعلام بالياء، تمييزا للعلم عن الفعل نحو (يحيا للفعل، ويحيى للاسم) والصفة.

ثانيا: وتكتب الألف بصورة الياء في ثلاثة مواضع:

1- ما استثني مما سبق في التي تكتب بصورة الألف، وهو: بلى، إلى، على، حتّى، أنّى، متى، لدى، أُولى(الإشارية)، الأُلى(الموصولة)، موسى، عيسى، كِسرى، بُخارى، متَّى(أبو يونس عليه السلام)، كُمَّثرى، والعلم المختوم بألف مسبوقة بالياء.

2- إذا كانت في الأفعال والأسماء المُعربة رابعة فأكثر، مثل: أعطى، اِصطفى، المُعطى، المُصطفى.

3- إذا كانت في فعل أو اسم معرب ثالثة منقلبة عن ياء، الفتى، سعى.

[«قواعد في الإملاء» لابن عثيمين: (19)]

الملح والنوادر


23- من جالس جانس، والصاحب ساحب

إذا كانت إضافة المنكَّر إلى المعرّف تكسبه تعريفا، وإضافة المذكر إلى المؤنث تكسبه تأنيثا، فاحرص على صحبة العلماء ومجاورة الفضلاء ومرافقة الصلحاء، وإياك أن تضيف نفسك إلى قرين سوء فيكسبك السوء، وقد أحسن شرف الدين المحلي حيث قال:

عَلَيْكَ بأَرْبَابِ الصُّدورِ فَمَنْ غَـدَ مُضافا لأربابِ الصدور تَصدَّرَا

وإيَّاك أنْ تَرْضَى بِصُحبةِ نَاقصٍ فتَنْحَطّ قَدْرا مِنْ عُلاكَ وتحْقَــرَا

فرَفْعُ أبُو مَنْ ثُمَّ خَفْضُ مُزَمِّلٍ يُحَقِّقُ قـَوْلي مُغْرِيً ومُـحَــذِّرَا

قوله: «فرفع أبو من» أشار به إلى نحو: علمت زيدا أبو مَنْ هو، فـ «أبو» لولا إضافته إلى «من» الاستفهامية التي لها صدر الكلام لكان منصوبا على أنه مفعول به ثان ل «علمت»، ولكنه لما أضيفت إلى ما له صدر الكلام استحق هو الصدارة، وصار مبتدأ وعلق العامل فيه عن العمل لفظا.

وقوله: «ثم خفض مزمل» يشير به إلى قول امرىء القيس:

كأنَّ ثَبِيرًا في عَرَانِِينِِ وبْلِهِ كبيرُ أناسٍ في بِجَادٍ مُزَمّلِ

فمزمّل كان حقّه أن يكون مرفوعا لأنه صفة لمرفوع وهو «كبير أناس» ولكنه خفض بسبب مجاورة مجرور.

[«شرح نظم عبيد ربه في النحو»: (70)]

اللغـة


22- من المثلّثات

لقد وردت كلمات في العربية مثلّثة الشكل ويختلف معناها باختلاف شكلها ومن ذلك كلمة "الغمر" فحرف الغين جاء بالفتح والضم والكسر ولكلٍّ معنى على النحو الآتي:

غَمْر-بالفتح-:الماء الكثير، ورجل غَمر الخُلُق أي: واسعه

غُمْر-بالضم-:الرجل الجاهل الذي لم يجرِّب الأمور

غِمر-بالكسر-:الحِقد

وقد جمع بعضهم هذه الكلمات في بيتين فقال :

إنّ دمـوعيَ غَمْــرُ وليس عنديَ غِمْرُ

يـا أيها ذا الغُمْرُ أَقْصِرْ عنِ التعَتُّبِ

وشرح آخَرُ هذين البيتين فقال:

يُقال للماءِ الكـثيرِ غَمْـرُ والحِقْدُ في الصَدرِ فذاك غِمْرُ

و الرجلُ الجاهِلُ فهْو غُمْرُ فـلا تكنْ منْ جملة الجهّـالِ.

[«أدب الكاتب» لابن قتيبة الدينوري: (250)]

الحكم والأمثال


21- في اللسان

قالوا في اللسان: (عَثرة القَََدَم أَسْلمُ مِنْ عثرة اللسان)، لأنه كما قيل في المثل الآخر (عثرة الرجل عظْم يُجْبَر، وعثرة اللسان لا تُبْقي ولا تذر)، ولذلك قالوا أيضا (كَلْمُ اللِّسان أنكى من كَلْمِ الحُسَام)،[نَكَى ونَكَ الجُرْحَ:قَشَرَهُ قبل أن يبرأ، ومعناه أن الجرح الذي يحدثه اللسان أشد إيلاما من جرح السيف].

هذا، وقد رمق شعراؤنا سماء هذه الأمثال فنظموها في أبيات من الشعر فقالوا عن الأوّل والثاني:

يموت الفتى من عثرةٍ بلســانه وليس يموت المرء من عثرة الرِّجْلِِ

فعثرته مِنْ فـيه ترمي برأسـه وعثرته بالرِّجــلِ تَبْرَا على مَهْلِ

وقالوا عن الثالث:

جراحات السِّـنانِ لها الْتِئَـامٌ ولا يلْتـَامُ ما جرح اللسانُ

وقد يُرجى لجرح السيف برؤٌ وجرْحُ الدهر ما جرَح اللسانُ

وقد حذر الشافعي رحمه الله من خطر اللسان فقال :

احفظ لسانك أيها الإنسانُ لا يلدغنّك إنـــه ثعبـــانُ

كم في المقابر من قتيل لسانه كانت تهاب لقاءَهُ الأقــــرانُ

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبيَّن ما فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب» (رواه مسلم:7673 )

[«مجمع كنوز الأمثال» لكمال خلايلي: (232)]

البيان في نصوص الوحي


20- فضل العلم والعلماء

عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « من سلك طريقا يطلب فيه علما، سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يوَرِّثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر»

[رواه أبو داود: 3641، والترمذي:2682، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود":3641]

وفي هذا الحديث النبوي بيان للتكريم العظيم والمنزلة الكبيرة التي يحظى بها العالم والمتعلم، وإشارة إلى أهمية العلم، لأنه الطريق الموصل إلى الجنة، وهو ميراث الأنبياء، وبه حياة القلوب وسعادة النفوس.

ولا شك أن تشبيه العلماء بالقمر ليلة البدر يعد من البلاغة النبوية، فالقمر يضيء الآفاق ويمتد نوره، أما الكواكب الأخرى فنورها ضئيل، وإذا كان الجهل كالليل في ظلمته، فإن العلماء بمنزلة القمر ليلة البدر الذي يبدد الظلام ويزين السماء.

وهناك لطيفة أخرى في هذا التشبيه النبوي، فالقمر يضعف نوره ثم يزداد، وتراه كاملا ثم يتضاءل وينقص، وكذلك العلماء تتفاوت مراتبهم في العمل الصالح و الدعوة إلى دين الله.

وفي قوله (إن العلماء ورثة الأنبياء) تنبيه للعلماء أن يسلكوا هدي الأنبياء وطريقتهم في الدعوة وتزكية النفوس وتربية الأمة، وبذلك يحصل لهم نصيبهم من هذا الميراث العظيم.

وإذا كان قِوام حياة البدن وأمور المعيشة عن طريق المال، فإن حياة القلب وغذاءه وشفاءه من أسقامه ل يكون إلا بالعلم النافع الذي يورث العمل الصالح، ومن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر.

[«منهج الإسلام في تزكية النفوس» لأنس أحمد كرزون: (1/ 187 )]

أزهار متناثرة


19- نصيحةُ أمّ لابنتها

قالت أمامة بنت الحارث لابنتها حين أرادوا أن يحملوها إلى زوجها: أيْ بُنيّة إنّ الوصية لو تُرِكت لِفَضل أدبٍ تُرِكتْ لذلك منكِ، ولكنها تذكرة للغافل، و معولة للعاقل، ولو أن امرأة استغنت عن الزوج لغِنى أبويها، و شدة حاجتهما إليها، كنتِ أغنى الناسِ عنه، ولكن النساء للرجال خُلِقْنَ، ولهن خُلِق الرجال، أيْ بُنَيّة إنكِ فارقتِ الجوَّ الذي منه خرجتِ، وخلَّفتِ العُشَّ الذي فيه درَجتَِ، إلى وَكْرٍ لم تعرفيه، وقرينٍ لم تألفيه، فأصبَحَ بملكه عليكِ رقيباً ومليكاً، فكوني له أَمَةً يكنْ لكِ عبدا وشيكا، يا بُنَيّة احْمِلي عنِّي عشر خِصال يَكُنَّ لكِ ذخْر وذِكرا: الصحبة بالقناعة، و المعاشرة بِحُسن السمع والطاعة، و التعهد لموقع عينيه، و التفقد لموضع أنفه، فلا تقع عيناه منك على قبيح، ولا يشَم منك إلا أطيب ريح، والكحل أحسن الحسن، والماء أطيب الطيب المفقود، والتعهد لوقت طعامه، والهدوء عنه حين منامه، فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مبْغضة، والاحتفاظ ببيته وماله، والإرعاء على نفسه وحشمه وعياله، فإن الاحتفاظ بالمال حسن التقدير، والإرعاء (الإبقاء) على العيال والحشم حسن التدبير، ولا تفشي له سرا، ولا تعصي له أمرا، فإنكِ إن أفشيتِ سره لم تأمني غدره، وإن عصيتِ أمره أَوْغَرْتِ صدره، ثم اتّقي مع ذلك الفرح إن كان تَرِحاَ، والاكتئاب عنده إن كان فَرِحاَ، فإن الخصلة الأولى من التقصير، والثانية من التكدير، وكوني أشد ما تكونين له إعظاما، يكن أشد ما يكون لك إكراما، وأشد ما تكونين له موافقة، أطول ما تكونين له مرافقة، واعلمي أنك ل تَصِلِين إلى ما تُحبين حتى تُؤْثِرِي رِضاه على رِضاك، وهواه على هواك، فيم أحببتِ وكرِهتِ والله يخير لك... فَحُمِلتْ إليه فَعَظُمَ موقعها منه وولدت له الملوك السبعة الذين ملكوا بعده اليمن.

[«بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب المؤلف» للألوسي: (2/ 19)]

مختارات شعرية


18- نصائح غاليات

قال طرفة بن العبد:

ستُبْدي لك الأيامُ ما كنتَ جاهِل

ويأتيكَ بالأنباءِ منْ لـمْ تبِعْ لــهُ

لعمرُكَ مـا الأيامُ إلا مُعـــارَة

ولا خيرَ في خيرٍ ترى الشـرَّ دونه

عنِ المرءِ لا تســألْ وأبْصِرْ قرينهُ

لعمــركَ ما أدري وإنّـي لواجِل

فإنْ تكُ خَلفي لا يَفُتها ســوادِيا

ويأْتيكَ بالأخبـــار مَنْ لمْ تُزوِّدِ

بَتاتا ولم تضـرِبْ له وقتَ مَوْعِدِ

فما اسْطعْتَ مِن معـروفها فتزَوَّدِ

ولا نائلٌ يأتيك بـــعد التلذذ

فإنَّ القرينَ بالمقــارَنِ مُقتــَدِ

أفي اليــومِ إِقدامُ المنيـةِ أمْ غدِ

وإنْ تكُ قُـدَّامي أَجِدْها بِمَرْصَدِ

وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتمثل بعجز البيت الأول من هذه القصيدة فعن عائشة رضي الله عنها قالت: « كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا اسْترَاثَ (استبطأ) الخبر تمثل فيه ببيت طرفة ويأتيك بالأخبار من لم تزود » (أخرجه أحمد:24751، وصححه الألباني في الصحيحة: 2057)

[«جمهرة أشعار العرب» للقريشي: (160)]

قواعـد وفوائـد


17- أقسام الفعل من حيث التوكيد

تنقسم الأفعال من حيث التوكيد وعدمه إلى ثلاثة أقسام:

الأول: ما لا يجوز توكيده أصلا: وهو الفعل الماضي فلا يؤكّد أبدا، لأن معناه الماضي لا يتفق مع ما تدل عليه النون من الاستقبال، وأما قول القائل:

دامنَّ سعدُكِ لو رحمت متيّم لولاك لم يك للصبابة جانحا

فضرورة شاذة، سهّلها ما في الفعل من معنى الطلب، فعومل معاملة الأمر، كم شذَّ توكيد الاسم في قول رؤبة ابن العجاج : أقائلنّ أحضِروا الشهودا

فيمتنع إذا أن تقول: كتبَنَّ، وذهبَنَّ...

الثاني: ما يجوز توكيده دائما: وهو فعل الأمر، وذلك لأنه للاستقبال دائما، فيجوز توكيده مطلقا وبدون شروط نحو: اكتبَنَّ، اجتهدَنَّ...

الثالث: ما يجوز توكيده أحيانا ولا يجوز توكيده أحيانا أخرى: وهو الفعل المضارع وله أحكام يفصِّلها الصرفيون على النحو الآتي:

1- أن يكون توكيده واجب: بشروط هي:

- كونه مثبتا

- كونه دالا على الاستقبال

- كونه جوابا لقسم

- كونه غير مفصول من لام القسم بفاصل.

مثاله: قول الله تعالى: ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم ، فإذا فقد شرط من هذه الشروط امتنع توكيده.

2- أن يكون توكيده ممتنعا: إذا فقد شرطا من الشروط المبينة في الحالة السابقة أي: إذا انتفت شروط الواجب ولم يكن من الحالات الآتية. وذلك فيما يلي:

- كونه منفيا في جواب قسم كقوله تعالى : ﴿ تالله تفتؤ تذكر يوسف﴾ ولو كان النفي مقدّرا.

- كونه دالا على الزمن الحاضر(الحال) نحو قولك: والله لأقرأ الآن.

- كونه مفصولا من لام جواب القسم بفاصل، نحو: قد، والسين، وسوف نحو: والله لقد يسهو العالم.

- كونه مفصولا من لام جواب القسم بمعمول الفعل نحو: والله للنجاحَ تبلغ بالعمل الجاد.

3- أن يكون توكيده قريبا من الواجب: وذلك إذا كان شرطا لـ "إنْ" المؤكّدة بـ "ما" الزائدة أي: يقع فعل الشرط في جملة تكون كلمة الشرط فيها هي الحرف "إن" ومعه "ما" الزائدة المدغمة فيها نحو قوله تعالى: ﴿إمّ تخافنَّ من قوم خيانة﴾

4- أن يكون كثيرا: إذا وقع بعد أداة طلب: أمر، أو نهي، أو دعاء، أو عرض، أو تمن، أو استفهام نحو:

-الأمر: ليقومنّ زيد.

- النهي: لا تهملنّ واجبك

- الدعاء: قول خرنق بنت هفان:

لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزرِ

- العرض:

هلاّ تمنَّن بوعد غير مخلفة كما عهدتك في أيام ذي سلم

- التمني:

فليتك يوم الملتقى ترينَّني لكي تعلمي أني امرؤ بك هائمُ

- الاستفهام:

أفبعد كندة تمدحنّ قبيلا...

5- أن يكون قليلا: إذا وقع بعد "لا" النافية، أو "ما" الزائدة التي لم تسبق بـ"إن" الشرطية كقوله تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا﴾

6- أن يكون أقل: أي أن يكون توكيده جائزا ولكنه قليل الاستعمال ونادر، وذلك إذا كان الفعل بعد "لم"، وبعد أداة جزاء غير "إمّا" أو "إن" شرطا كان المؤكَّد أو جزاء كقول القائل في وصف جبل:

يحسبه الجاهل ما لم يعلم شيخا على كرسيّه معمّما

أي: يعلمن، وتقول: لم يحضرنّ علي، والأحسن أن تقول: يحضر.

ملاحظة: هناك من أدرج بعض الأقسام في بعض والخطب سهل إن شاء الله تعالى.

[«الجمع اللطيف في فن التصريف» لأبي معاذ عبدالله: (220) ،وراجع «أوضح المسالك» لابن هشام]

الملح والنوادر


16- شتان ما بينهما

يروى عن الأصمعي أنه قال: هجم عليّ شهر رمضان وأنا بمكة، فخرجت إلى الطائف لأصوم بها هربا من حرِّ مكة، فلقيني أعرابي، فقلت له: أين تريد؟ قال: أريد هذا البلد المبارك لأصوم هذا الشهر المبارك فيه، فقلت: أما تخاف الحر؟ فقال: مِنَ الحَرِّ أفرُّ.

[«الكامل» للمبرد: (262)]

اللـغة


15- فروق لغوية

(تابع)

1- الفرق بين المدح والثناء: أن الثناء مدح مكرر من قولك: تثنيت الخيط إذا جعلته طاقين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنْ الْمَثَانِي﴾ يعني سورة الحمد لأنه تكرر في كل ركعة، والثناء يكون في الخير والشر يقال: أثنى عليه بخير وأثنى عليه بشر بخلاف المدح فلا يكون إلا في الخير.

2- الفرق بين القراءة والتلاوة: أن التلاوة لا تكون إلاّ لكلمتين فصاعدا، والقراءة تكون للكلمة الواحدة أو أكثر. والتلاوة تختص باتباع كتب الله المنزلة تارة بالقراء‌ة وتارة بالارتسام، لما فيها من أمر ونهي وترغيب وترهيب، أو م يتوهم فيه ذلك، وهي أخص من القراء‌ة، فكل تلاوة قراء‌ة، وليس كل قراء‌ة تلاوة.

3- الفرق بين السرعة والعجلة: أن السرعة: التقدم فيما ينبغي أن يُتقدَّم فيه، وهي محمودة ونقيضها مذموم، وهو الإبطاء، والعجلة: التقدم فيما لا ينبغي أن يُتقدَّم فيه، وهي مذمومة، ونقيضها محمود، وهو الأناة، و أما قوله تعالى: ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّي لِتَرْضَى ﴾ فإن ذلك بمعنى أسرعت.

4- الفرق بين الناس والورى: أن الناس تقع على الأحياء والأموات، والورى: الأحياء منهم دون الأموات، و أصله مِنْ وَرِيَ الزِنْد يَرِي إذا أظهر النار، فسمي الورى ورى لظهوره على وجه الأرض، ويقال الناس الماضون ولا يقال الورى الماضون.

[«معجم الفروق اللغوية» للعسكري: (من صفحات متعددة)]

الحكم والأمثال


14- على أهلها تجني براقش

المثل : عَلَى أََهْلِهاَ تَجْنىِ بَرَاقِشُ

يضرب : لمن يعمل عملا يرجع ضرره إليه.

قصته : كانت بَرَاقشُ كلبةً لقومٍ من العرب، فأغير عليهم، فهَرَبُوا ومعهم بَرَاقش، فاتَّبع القومُ آثارَهُم بنُبَاح بَرَاقش، فهجموا عليهم فاصطلموهم، قَال حمزة بن بيض‏:‏

لم تكن عن جناية لَحِقَتْنِي لا يَساري ولا يَمينِي رَمَتْنِي

بل جَنَاه أخٌ عليَّ كريمٌ وعلى أهلها بَرَاقِشُ تَجْـنِي

وروى يونس بن حبيب عن أبي عمرو بن العلاء قَال‏:‏ إن براقش امرَأة كانت لبعض الملوك، فسافر الملك واستخلفها، وكان لهم موضع إذا فَزِعوا دخَّنُو فيه، فإذا أبصره الجند اجتمعوا، وإن جواريها عبثن ليلة فَدخَّنَّ فجاء الجند، فلما اجتمعوا قَال لها نصحاؤها‏:‏ إنك إن رَدّدْتهم ولم تستعمليهم في شَيء ودخّنتهم مرة أخرى لم يأتِكِ منهم أحد، فأمرتهم فبنوا بناء دون دارها، فلما جاء الملك، سَألَ عنْ البِناءَ فأخبروه بالقصة، ‏‏ فَقَال‏:‏ على أهْلهِ تَجنِي بَرَاقش، فصارت مَثَلاً.

[«مجمع الأمثال» للميداني: (1/ 686)]

البيان في نصوص الوحي


13- من الأمثال النبوية

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه قَالَ قَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم: « مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَ جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّ الْمُنْفِقُ فَلاَ يُنْفِقُ إِلاَّ سَبَغَتْ - أَوْ وَفَرَتْ - عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِىَ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمَّ الْبَخِيلُ فَلاَ يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلاَّ لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلاَ تَتَّسِعُ ».

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "ضرب رسول الله مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد أو جنتان من حديد، قد اضطرت أيديهما إلى ثدييهما وتراقيهما، فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشى أنامله وتعفو أثره وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة مكانه قال أبو هريرة فأنا رأيت رسول الله يقول بإصبعه هكذا في جبته فرأيته يوسعه ولا تتسع ".[البخاري: 1443، مسلم: 2406]

لما كان البخيل محبوسا عن الإحسان ممنوعا عن البر والخير، كان جزاؤه من جنس عمله فهو ضيق الصدر، ممنوع من الانشراح، ضيق العطن، صغير النفس، قليل الفرح، كثير الهم، والغم، والحزن، لا يكاد تقضى له حاجة، ولا يعان على مطلوب، فهو كرجل عليه جبّة من حديد قد جمعت يداه إلى عنقه بحيث لا يتمكن من إخراجها، ولا حركتها، وكلما أراد إخراجها أو توسيع تلك الجبّة لزمت كل حلقة من حلقها موضعها، وهكذا البخيل كلّما أراد أن يتصدّق منعه بخله فبقي قلبه في سجنه كما هو. هو.

والمتصدِّق كلما تصدق بصدقة انشرح لها قلبه، وانفسح بها صدره، فهو بمنزلة اتساع تلك الجبة عليه فكلما تصدق اتسع وانفسح، وانشرح وقوي فرحه، وعظم سروره، ولو لم يكن في الصدقة إلا هذه الفائدة وحدها لكان العبد حقيق بالاستكثار منها والمبادرة إليها، وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر : 9].

والفرق بين الشح والبخل، أن الشح هو شدة الحرص على الشيء والإحفاء في طلبه والاستقصاء في تحصيله وجشع النفس عليه، والبخل منع إنفاقه بعد حصوله، وحبه وإمساكه، فهو شحيح قبل حصوله بخيل بعد حصوله، فالبخل ثمرة الشح، والشح يدعو إلى البخل والشح كامن في النفس، فمن بخل فقد أطاع شحه، ومن لم يبخل فقد عصى شحه، ووقى شره وذلك هو المفلح، ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، والسخيّ قريب من الله تعالى ومن خلقه ومن أهله وقريب من الجنّة وبعيد من النار، والبخيل بعيد من خلقه بعيد من الجنة قريب من النار فجود الرجل يحببه إلى أضداده، وبخله يبغضه إلى أولاده.

ويُظهِرُ عيبَ المرء في الناس بُخلُه ويَسْتُره عنهم جميعـًا سَخاؤُهُ

تَغطَّ بأثوَابِ السَّخاءِ فإنَّني أرَى كلَّ عيب فالسخاء غِطَاؤُهُ

وقـَارِنْ إذا قارَنْتَ حرًّا فإنَّم يَزِينُ ويُزرِي بالفَتى قُرَنَاؤُهُ

وأقلِلْ إذا ما استطعْتَ قوْلاَ فإنّه إذا قلَّ قوْلُ المرْءِ قلَّ خَطاؤُهُ

إذا قلَّ مَال المرْءِ قلَّ صَدِيقـُهُ وضاقت عليه أرضُه وسمَاؤُهُ

وأصْبَحَ لا يدري وإنْ كان حَازِمً أَقدَّامُه خيرٌ له أمْ وَرَاؤُهُ

إذا المرءُ لمْ يختَرْ صَدِيقًا لنَفْسِه فناد به في الناس هذ جَزَاؤُهُ

وحدُّ السخاء: بذل ما يحتاج إليه عند الحاجة وأن يوصل ذلك إلى مستحقه بقدر الطاقة، وليس كما قال البعض: من نقص عمله حد الجود بذل الموجود. ولو كان كما قال هذا القائل لارتفع اسم السرف والتبذير، وقد ورد الكتاب بذمهم وجاءت السنة بالنهي عنهما، وإذا كان السخاء محمودا فمن وقف على حدّه سمي كريما، وكان للحمد مستوجبا ومن قصر عنه كان بخيلا وكان للذم مستوجبا، والسخاء نوعان: فأشرفهما سخاؤك عما بيد غيرك، والثاني سخاؤك ببذل ما في يدك فقد يكون الرجل من أسخي الناس وهو لا يعطيهم شيئا لأنه سخا عما في أيديهم وهذا معنى قول بعضهم: السخاء أن تكون بمالك متبرعا وعن مال غيرك متورعا.

[«الروح» لابن القيم: (408)]

أزهار متناثرة


12- براعة الاستهلال

إنّ كثير من الكتاب لا يحسن وضع مقدمة مناسبة لما هو بصدد الكتابة عنه، وهو ما يعرف عند علماء المعاني ببراعة الاستهلال، وخطبة الكتاب إذا كانت مناسبة لموضوع الكتاب فإن ذلك يهيء الناظر فيه معرفة ما فيه، ويصور له بعبارة موجزة زبدة الموضوع أو الرسالة، وتكمن براعة الكاتب في القدرة على الدخول في موضوع الرسالة أو البحث دون أن يشعر القارئ بذلك، ولعل خطبة الإمام أحمد في كتابه «الرد على الزنادقة والجهمية» فيها بيان لبراعة الاستهلال وحسن البيان، وكان حقها أن تكتب بماء الذهب.

قال رحمه الله تعالى: ( الحمد لله الذي جعل في كلّ زمان فترة من الرسل بقاي من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم! ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عقال الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين..)

[«صيد الكتب» لفؤاد الشلهوب: (3)]

مختارات شعرية


11- الرضى بقضاء الله وقدره

دَعِ الأيّــامَ تـفعـلُ ما تشاءُ

ولا تَجْزَعْ لحـادِِثــةِ اللَّيالي

وكُنْ رَجُلاً على الأهْوَالِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِ جَلْدً

و إنْ كَثُرَتْ عيوبُك في البَراي

تستّــَرْ بالسخاءِ فكلُّ عَيْبٍ

ولا تُـرِي للأعادي قَـطُّ ذُل

ولا تَرْجُ السماحةََ مِنْ بَخيلٍ

ورِزْقُكَ ليسَ يُنْقِصُهُ التَأنّي

ولا حُزْنٌ يدومُ ولا سرورٌ

إذا ما كنتَ ذا قلْبٍ قََََََنُوعٍ

ومَنْ نزَلَتْ بساحته المناي

و أَرْضُ اللهِ واسعةٌ ولكن

دَعِ الأيَّامَ تَغْدِرُ كلَّ حينٍ

وطِبْ نفسًا إذا حَكَمَ القضَاءُ

فم لحوَادِثِ الدنيا بَقـــاءُ

وشِيمَتُكَ السَّماحةُ والوفـاءُ

وسرَّك أنْ يكونَ لها غِطــاءُ

يُغطِّيهِ كما قــيلَ السخـاءُ

فإنّ شـماتةَ الأَعْدَا بَــلاءُ

فما في النارِ للظَمْآنِ مـــاءُ

وليس يزيدُ في الرِزْقِِ الَعَنَــاءُ

ولا بُؤْسٌ عليــك ولا رخـاءُ

فأنتَ ومالِكُ الدنيا ســـواءُ

فلا أرْضٌ تَقِيهِ ولا سمــــاءُ

إذا نزلَ القََضَا ضَاق الفَضَــاءُ

فما يُغْنـــي عنِ الموتِ الدَوَاءُ

[«ديوان الشافعي»: (12)]

الملح والنوادر


10- بداهة الحريري

كان الحريري من ذوي الجاه واليسار يملك بالمشان أكثر من ثمانية عشر ألف نخلة يغلها، وكان له منزل بالبصرة يقصده الأدباء والعلماء يقرؤون عليه أو يفيدون من علمه، وخصوصا بعد أن ألف المقامات وذاع أمرها بين الناس، وكان مرهف الشعور صادق الحس والتخمين.

وكان الحريري ضئيل الجسم زري المنظر عصبي المزاج، ينتف شعرات لحيته إذ اشتغل بالتفكير والكتابة، ولكنه مع هذا كان موضع تقدير الناس وإكبارهم، ويُحكى أن شخصا زاره، وأراد أن يتلقى عليه شيئا من العلم لذيوع شهرته، فلما رآه استزرى منظره، فأدرك الحريري ما دار في نفسه، ولما طلب هذا الشخص إلى الحريري أن يملي عليه شيئا من الأدب قال له: اكتب! وأملاه هذين البيتين:
مـا أنت أول سارٍ غرَّه قمـر ورائــدٌ أعجبـته خضـرة الدِمنِ

فاختر لنفسك غيري إنني رجل مثل المعيدي فاستمـع بي ولا تََرَنِي

فخجل الرجل وانصرف عنه.

[«مقدمة شرح مقامات الحريري»: (6)]

اللـغة


9- فروق لغوية

1- الفرق بين السؤال والاستفهام

أن الاستفهام: لا يكون إلا لما يجهله المستفهم فيه أو يشك فيه، أما السؤال: فيجوز فيه أن يكون السائل يسأل عما يعلم وعما لا يعلم، فالفرق بينها ظاهر.

2- الفرق بين الاختصار والإيجاز

أن الاختصار: هو إلقاؤك فضول الألفاظ من كلام المؤلف من غير إخلال بمعانيه، أما الإيجاز: هو أن يُبنى الكلام على قلة اللفظ وكثرة المعاني، فإن استعمل أحدهما موضع الآخر فلتقارب معنييهما.

3- الفرق بين النبأ والخبر

أن النبأ لا يكون إلا للإخبار بما لا يعلمه المخبَر، أما الخبر: فيجوز أن يكون بما يعلمه وبما لا يعلمه، ولهذا يقال تخبرني عن نفسي ولا يقال تنبئني عن نفسي.

4- الفرق بين الخطأ والغلط

أن الغلط هو وضع الشيء في غير موضعه، ويجوز أن يكون صواباً في نفسه، وأم الخطأ: لا يكون صواباً على وجه أبدًا، وقال بعضهم: الغلط: أن يسهى عن ترتيب الشيء وإحكامه، والخطأ: أن يسهى عن فعله أو أن يوقعه من غير قصد له ولكن لغيره.

[«معجم الفروق اللغوية» لأبي هلال العسكري: (25 فما فوق)]

الحكم والأمثال


8- نَفْسُ عِصَامٍ سَوَّدَتْ عِصَاماً

قيل‏:‏ إنه عصام بن شهبر حاجبُ النعمان بن المنذر الذي قَالَ له النابغة الذبياني حين حَجَبَهُ عن عيادة النعمان من قصيدة له:

فإنِّي لاَ ألُومُكَ في دُخُول وَلَكِنْ مَا وَرَاءَكَ ي عِصَامُ‏؟‏

يضرب في نَبَاهة الرجل من غير قديم، وهو الذي تسميه العرب ‏"‏الخارجي‏"‏ يعنى أنه خرج بنفسه من غير أولية كانت له قَالَ كثير‏:‏

أبَا مَرْوَانَ لَسْتَ بِخَارِجِيٍّ وَلَيْسَ قَدِيمُ مَجْدِكَ بِانْتِحَالِ

وفي المثل ‏"‏كن عصامياً، ولاَ تكن عظامياً‏"‏ وقيل‏:‏

نَفَسُ عِصَامٍ سَودَتْ عصَامَ وَعَلَّمَتْهُ الكَرََّرَّ وَالإقْدَامَا

وَصَيَّرَتْهُ مَلِكاً هُمَامَاامَا

يُقَال‏:‏ إنه وُصف عند الحجاج رجلٌ بالجهل، وكانت له إليه حاجة، فَقَالَ في نفسه‏:‏ لأخْتَبِرَنَّهُ، ثم قَالَ له حين دخل عليه‏:‏ أعصامياً أنت أم عِظَامياً‏؟‏ يريد أشَرُفْتَ أنتَ بنفسك أم تفخر بآبائك الذين صاروا عظاما‏؟‏ فَقَالَ الرجل‏:‏ أنا عصامي وعظامي، فَقَالَ الحجاج‏:‏ هذا أفضل الناس، وقضى حاجته، وزاده، ومكث عنده مدة، ثم فاتشه فوجَدَه أجْهَلَ الناسِ، فَقَالَ له‏:‏ تصدُقُنِي وإلاَ قَتلتك، قَالَ له‏:‏ قل ما بدا لك وأصدقك، قَالَ‏:‏ كيف أجَبْتَنِي بم أجَبْتَ لم سألتك عما سألتك‏؟‏ قَالَ له‏:‏ والله لم أعلم أعصامي خير أم عظامي، فخشيت أن أقول أحدهما فأخطئ، فقلت‏:‏ أقول كليهما، فإن ضرني أحدهما نفعني الآخر.

وكان الحجاج ظَنَّ أنه أراد أفْتَخِرُ بنفسي لِفَضْلِي وبآبائي لشرفهم، فَقَالَ الحجاج عند ذلك‏:‏ المقاديرُ تًصَيِّرُ العِيَّ خطيباً، فذهبت مثلاً‏.‏

[«مجمع الأمثال» للميداني : (2/371)]

البيان في نصوص الوحي


7- آداب الضيافة

قال الله تعالى:﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27)[الذاريات: 24-27]

قال الأديب السلفي محمود شكري الألوسي معلِّقا على هذه الآية، ومبرز أوجه البلاغة فيها: "ففي هذا من الثناء على إبراهيم عليه السلام وجوه متعددة:ددة:ددة:

منه: أنه وصف إكرام ضيفه بأنهم مكرمون أي إن إبراهيم أكرمهم.

ومنه: قوله تعالى (إذ دخلوا عليه) فلم يذكر استئذانهم، ففي هذا دليل على أنه صلى الله عليه وسلم قد عُرِفَ بإكرام الضيفان واعتياد قِراهم فبَقِيَ منزل مضيفه مطروقا لمن ورده لا يحتاج إلى استئذان، بل استئذان الدخول دخوله وهذ غاية ما يكون من الكرم.

ومنها: قوله(سلامٌ) بالرفع وهم سلّموا عليه بالنصب، والسلام بالرفع أكمل، فإنه يدل على الجملة الاسمية الدالّة على الثبوت والدوام، والمنصوب يدل على الفعلية الدالّة على الحدوث والتجدّد، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام حيّاهم بتحية أحسن من تحيتهم فإن قولهم سلاما يدل على سلمنا سلاما وقوله سلام أي سلام عليكم.

ومنه:أنه حذف المبتدأ من قوله (قوم منكرون)، فإنه لمّا أنكرهم ولم يعرفهم احتشم من مواجهتهم بلفظ يُنَفِّرُ الضيف لو قال أنتم قوم منكرون، فحذف المبتدأ هن من ألطف الكلام.

ومنه: أنه راغ إلى أهله ليجيئهم بنُزُلِهم والروغان هو الذهاب في اختفاء بحيث ل يكاد يشعر به وهذا من كرم المضيف.

ومنه: أنه ذهب إلى أهله فجاء بالضيافة، فدل على أن ذلك كان مُعَدًًّا عندهم مهيَّأًً للضيفان ولم يحتج أن يذهب إلى غيرهم من جيرانه أو غيرهم فيشتريه أو يستقرضه.

ومنه: قوله(فجاء بعجل سمين) دلّ على خدمته للضيف بنفسه ولم يقل فأمر لهم بل هو الذي ذهب وجاء به بنفسه ولم يبعثه مع خادمه وهذا أبلغ في إكرام الضيف.

ومنه: أنه جاء بعجل كامل ولم يأت ببضعة منه وهذا من تمام كرمه.

ومنه: أنه سمين لا هزيل، ومعلوم أن ذلك من أفخر أموالهم، ومثله يُتَّخَذُ للاقتناء والتربية فآثر به ضيفانه.

ومنه: أنه قرّبه إليهم بنفسه ولم يأمر خادمه بذلك.

ومنه: أنه قرّبه إليهم ولم يقرِّبهم إليه، وهذا أبلغ في الكرامة، أن تُجلِسَ الضيف ثم تقرِّب الطعام إليه وتحمله إلى حضرته ولا تضع الطعام في ناحية ثم تأمر ضيفك بأن يتقرب إليه.

ومنه: أنه قال لهم (ألا تأكلون)، وهذا عرض وتلطّف في القول وهو أحسن من قوله كُلُوا أو مُدُّوا أيديكم ونحوها مما يعلم الناس بعقولهم حسنه ولطفه.

ومنه: أنه إنما عرض عليهم الأكل لأنه رآهم لا يأكلون، ولم يكن ضيوفه يحتاجون معه إلى الإذن في الأكل بل كان إذا قدّم لهم الطعام أكَلوا، وهؤلاء الضيوف لمّ امتنعوا من الأكل قال لهم ألا تأكلون، ولهذا أَوْجَسَ منهم خيفة أي: أحسَّها وأضمرها في نفسه ولم يبدها لهم.

فقد جمعت هذه الآية آداب الضيافة التي هي أشرف الآداب وكفى بها شرف وفخرا.

[«بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب» للألوسي: (1/ 375)]

مختارات شعرية


6- الافتقار إلى الله

أرسل ابن تيمية رحمه الله في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه إلى تلميذه ابن القيم رحمه الله وعلى ظهرها أبيات بخطّه من نظمه يقول فيها:

أنا الفقـيرُ إلى ربِّ البَرِيـَّـاتِ أنا المسكينُ في مَجْمُـوعِ حـالاتِـي

أنا الظََلُومُ لنفسـي وهي ظالمتِي والخيرُ إن يَأْتِنـا مِنْ عِنْـدِهِ يَـاتِـي

لا أستطيع لنفسي جَلْبَ مَنْفـعةٍ ولا عَـنِ النفسِ لي دفع المضــرَّاتَِاتِ

وليس لي دونه مولى يدبِّرُنِـي ولا شـفـيعٌ إذا حــاطتْ خطيئـاتي

و الفقرُ وصْـفُ ذاتٍ لازمٌ أبد كمـا الغنـى أبَـدا وصفٌ له ذاتـي

[«مدارج السالكين» لابن القيم: (1/ 524)]

قواعد وفوائد


5- أسلوب الإغراء

الإغراء: هو ترغيب المخاطب في أمر محمود يَجْدُرُ به لُزومُه، أو القيام به، أو تَشْوِيقُه إلى فعله، وذلك بنصب الاسم بِفِعْلِ الإِغْراء المحذوف مقدّر بما يناسب المقام: كالزم، واطلب، وافعل، نحو: العِلْمَ، أي: الْزَمِ العِلْمَ، واكتسبه.

ويَتَكوَّن أسلوب الإغراء مِنْ ثلاثة أمور:مور:

ـ المُغْرِي: وهو المتكلِّم الذي يوجِّه التنبيه.

ـ المُغْرَى: وهو الذي يتَّجِه إليه التنبيه.

ـ المُغْرَى به: وهو الأمر المحمود.

ويكون الإغراء كما يلي:

1 بذكر اسمٍ من منصوب معرّف ب "ال" نحو: المروءةَ.

تنبيه: يجوز ذكر العامل وحذفه في هذه الحالة.

2 أو بتكرير اسم منصوب معرّف ب "ال" نحو : الاجتهادَ الاجتهادَ أيُّه الطلبة، ونحو: النجدةَ النجدةَ، ومنه قول الشاعر:

أخاك أخاك إنّ من لا أخــا له كساعٍ إلى الهيْجا بغيرِ سِلاحِ

وإنَّ ابْنَ عمِّ المرءِ فاعْلَمْ، جنَاحُه وهلْ ينهضُ البَازِي بغير جناحِ

ومـا طالب الحاجات إلا مغرّر وما نال شيئاً طـالبٌ كنجاحِ

تنبيه: يجب حذف العامل في هذه الحالة.

3 أو بعطف اسم منصوب معرَّف ب "ال" على اسم آخر، ويكون هذا العطف بالواو نحو : الثباتَ، و الصبرَ، ونحو:الصِّدْقَ، وكرمَ الخُلُقِ، المروءة، والنجدةَ.

تنبيه: يجب حذف العامل في هذه الحالة.

[«جامع الدروس العربية» للغلاييني: (3/ 17)]

الملح والنوادر


4- الشغف بالكتاب

كتاب الجمهرة لابن دريد مرجع من مراجع أهل الأدب، أملاه بحلب تلميذه أبو عبد الله الحسين بن أحمد ابن خالويه المتوفى في سنة 370ﻫ على جهابذة مشاهير منهم أحمد بن عبد الرحمن بن قابوس، وكانت عند تلميذه أبي علي القالي بمنزلة الروح من الجسد، حتى إنه أعطِيَ فيها ثلاثمائة مثقال ذهبا فأبى! فلمَّ اشتدت حاجته إلى الإنفاق على عياله باعها بأربعين مثقالا!!!

وكتب عليها هذه الأبيات:

أنِسْتُ بها عِشرينَ عامًا وبِعْتُهَ وقد طَال وُجْدِي بَعْدَه وحَنِينِي

وما كان ظنِّي أنَّني سأبيعُه ولو خلَّدْتنِي في السُّجونِ ديونييوني

ولكن لِعَجزٍ وافتِقـارٍ وصِبيةٍ صِغـارٍ عليهـم تستهلُّ شؤوني

فقُلْتُ ولم أَمْلِكْ سوابِقَ عَبْرَتِي مَقالةَ مَكْوِيِّ الفـؤادِ حَـزينِ

وقد تُخرجُ الحاجاتُ يا أمَّ مالِكٍ كرائِـمَ مِنْ ربٍّ بهنَّ ضَنِيـنِ

فلما رأى الذي اشتراها هذه الأبيات كاد يذوب أسًى وعطْفًا على صاحبها، ثم أرسلها إليه ومعها أربعون مثقالا ذهبا أخرى، فلما وصلته كان كأنما رُدَّتْ إليه روحه.

[«شرح مقصورة بن دريد» لعبد الوصيف محمد: (9)]

اللـغة


3- في سياقة الأوائل

- الاسْتِهْلالُ: أوَّلُ صيَاحِ المولودِ إذا وُلِد.

- البَاكُورَةُ: أوَّلُ الفَاكِهَة.

- البِكْرُ: أوَّلُ الْوَلَدِ.

- تَبَاشِيرُ الصُّبْح: أَوائِلُهُ.

- حِدْثانُ الأمْرِ: أَوَّلُه.

- السُّلافُ: أوَّلُ العَصِيرِ.

- شَرْخُ الشَّبابِ ورَيْعَانُه وعُنْفُوانُهُ وغُلَوَاؤُهُ: أوَّلُهُ.

- الصُّبْحُ: أوَّلُ النَّهارِ.

- صَدْرُ كلِّ شيءٍ وغُرَّتُهُ: أوَّلُهُ.

- الطَّلِيعَة:ُ أوَّلُ الجَيْشِ.

- الغَسَقُ: أوَّلُ اللَّيْلِ.

- فاتِحَةُ الكِتاب: أوَّلُهُ.

- قَرْنُ الشَّمْسِ: أوَّلُها.

- النَّبَطُ: أوَّلُ ما يَظْهَرُ مِنْ ماءِ البئْرِ إذا حُفِرَتْ.

- النَّشْوَةُ: أوَّلُ السُّكْرِ.

- النُّعَاسُ: أوَّلُ النَّوْم.

- النّهَلُ: أوَّلُ الشُرْب.

- الوَخْطُ: أوَّلُ الشَّيْبِ.

- الْوَسْمِيُّ: أوَّلُ المَطرِ.

[«فقه اللغة وسر العربية» للثعالبي: (45)]

الحكم والأمثال


2- عند جهينة الخبر اليقين

أصل هذا المثل أن رجلا اسمه حصين بن عمرو خرج يطلب فُرْصة فاجتمع برجل من جهينة يُقال له الأخنس ابن كعب، فتعاقدا ألاَّ يلقيا أحدا إلا سلباه، وكلاهما فاتك يحذر صاحبه، فطلبا يوما اللخمي فوجداه نازلا في ظل شجرة فعرض عليهما الطعام فنزلا وأكلا وشربا ثم إنّ الأخنس ذهب لبعض شأنه فلما رجع وجد سيف صاحبه مسلولا، و اللخمي يَتشحَّط في دمه فسلّ سيفه، وقال: ويحك!قتلتَ رجلا تحرّمنا بطعامه وشرابه!فقال: اقعد يا أخا جهينة، فلهذا وشبهه خرجنا، ثم إن الجهني شغل صاحبه بشيء، ثم وثب عليه فقتله، وأخذ متاعه ومتاع اللخمي، ثم انصرف إلى قومه راجعا بماله، وكانت لحصين أخت تسمّى صخرة، فكانت تبكيه في المواسم وتسأل عنه فلا تجد من يخبرها بخبره، فقال الأخنس حين أبصرها:

وكَمْ مِنْ فارسٍ لا تَزْدََرِيـهِ

عَلَوتُ بياضَ مفرقهِ بِعَضْبٍ

يَذِلُّ له العزيزُ وكلُّ لَـيْثٍ

فأضحتْ عِرْسُهُ ولها عليهِ

كَصَخرةَ إذ تسائِلُ في مراحٍ

تُسائِلُ عن حصينِ كلَّ رَكْبٍ

فمَنْ يَكُ سائلا عنه فعـندي

إذ شخصتْ لرؤْيتهِ العيونُ

فأَضْحى في الفلاةِ له سكونُ

مِنَ العِقْبانِ مسْكنُه العـَرِين

بُعَيْدَ هُدوءِ رَقدتـِـها أَنينُ

وفي جرمٍ و عِلْمُهُما ظنونُ

وعند جُهَيْنةَ الخبَرُ اليَقِينُ

لسائِلِهِ الحديثُ المستَبِينُ

مراح وجرم :قبيلتان

[«شرح مقامات الحريري»: 2/ 138]

ملاحظة:

جاء في بعض الأحاديث: «آخر من يدخل الجنة رجل يقال له جهينة فيقول أهل الجنة عند جهينة الخبر اليقين» ولكنه حديث موضوع انظر: (ضعيف الجامع للألباني رقم: 6).

البيان في نصوص الوحي


1- قطع علائق المشركين

قال الله تعالى:﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظهير ول تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ [سبأ :22-23]

قال ابن القيم رحمه الله مبرزا وجه البيان في هذه الآية الكريمة:"فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يعتقد أنه يحصل له به من النفع، والنفع ل يكون إل ممن فيه خصلة من هذه الأربع:

- إما مالك لما يريد عابده منه.

- فإن لم يكن مالكا كان شريكا في الملك.

- فإن لم يكن شريكا له كان له معينا وظهيرا.

- فإن لم يكن معينا ولا ظهيرا كان شفيعا عنده.

فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيا مُتَرَتِّبًا، منتقلا من الأدنى إلى م دونه، فنفى الملك، والشركة، والمظاهرة، والشفاعة التي يظنها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه.

فكفى بهذه الآية نورا، وبرهانا ونجاة، وتجريدا للتوحيد، وقطعا لأصول الشرك وموادِّه لمن عقلها".

[«مدارج السالكين» لابن القيم: (1/ 343)]

.:: الـعـودة ::.

.: كل منشور لم يرد ذكره في الموقع الرسمي لا يعتمد عليه ولا ينسب إلى الشيخ :.

.: منشورات الموقع في غير المناسبات الشرعية لا يلزم مسايرتها لحوادث الأمة المستجدة، أو النوازل الحادثة لأنها ليست منشورات إخبارية، إعلامية، بل هي منشورات ذات مواضيع فقهية، علمية، شرعية :.

.: تمنع إدارة الموقع من استغلال مواده وترجمة مواضيعه إلى لغات أخرى لأغراض تجارية، وترخص في الاستفادة من محتوى الموقع لأغراض بحثية أو دعوية على أن تكون الإشارة عند الاقتباس إلى الموقع :.

جميع الحقوق محفوظة (1424ﻫ/2004م - 1435ﻫ/2014م)