|
الملح والنوادر
89- الكُسَعِيّ وقوْسُه
الكُسَعِيُّ رجل منسوب إلى كسع، قبيلة باليمن، واسمه محارب بن قيس،
وبندامته يُضرَب المثل، يُقال: أندم من الكسعي.
ومن حديثه أنه كان يرعى إبِلا بوادٍ كثير العشب والخمْط، فبينما هو
يرعاها بَصُرَ بِنَبْعَةٍ على صخرة، فقال: ينبغي أن تكون هذه قوسا،
فجعل يتعهّدها ويُقوِّمها حتى أدركت، فقطعها، فلما جفّت اتّخذ منه
قوسا، وأنشأ يقول:
يا ربِّ وفِّقنـي لنَحْتِ قوسي *
فإنهـا مِـن لذّتي لنفسـي
وانفعْ بِقوسي وَلَدي وعِرْسـي *
أنْحِتها صفراءَ مثل الورسِ
* صلْداءَ ليستْ كقسيِّ النُّكْسِ *
ثم دهنها وخطمها بوتر، واتَّخذ مِنْ بُرايتها خمسة أسهم، وجعل
يقلِّبها في كفِّه ويُنشد:
هُنَّ وربِّي أسْهُمٌ حِسانُ * يلذ
للرَّامِي بها البـَنـانُ
كأنّما قوَّمها ميـزانُ * فأبشرو
بالخصب يا صِبيانُ
* إن لم يعقني الشؤمُ والحِرمانُ *
ثم أتى قُتَرَة على موارد حُمُر، فكَمَنَ فيها، فمرَّ به قطيع،
فرمى عَيْرًا منها بسهم، فأنفذه وجازه وأصاب الجبل، فأَوْرَى
(أشعل) نارا، فظن أنه أخطأه، فأنشد يقول:
أعوذ بالله العزيز الرحـمـانْ * مِن
نكَد الجد معا والحِـرمانْ
ما لي رأيت السهم بين الصوّانْ *
يُورِي شَرارا مثل لوْن العِقيان
* فأخلف اليوم رجاء الصبيان *
ثم مر به قطيع آخر، فرمى عَيْرا فأنفذه السهم فصنع صنيعه الأول،
فأنشأ يقول:
لا بارك الرحمان في رمي القتر *
أعوذ بالخالق من شر القدرْ
أأمخط السهم لإرهاق الضرر * أم ذاك
من سوء احتيال ونظرْ
* أم ليس يغني حذر عنه قدر *
ثم مر به قطيع آخر فرمى عيرا، فأمخطه السهم، فصنع صنيعه الأول
فأنشأ يقول:
ما بال سهمي يوقد الحُباحِب * قد
كنت أرجو أن يكون صائبا
فأخطأ العيْـرَ وولَّى جانب *
فصـار رأيي فيه رأيا ختائبـا
ثم مر به قطيع آخر فرمى عيرا بسهم فأمخطه السهم وصنع ما صنع أول
فأنشأ يقول:
يا أسفـا والجـد النكـد * في قوس
صدق لم تزين بأود
أخلف ما أرجو لأهل وولد * فيها ولم
يغن الحذار والجلد
* فخاب ظن الأهل جمعا والولد *
ثم مر قطيع آخر فرمى عيرا بسهم فأمخطه السهم وصنع كما صنع أول
فأنشأ يقول:
أبَعد خمسٍ قد حفظت عدَّه * أحمِل
قوسي وأريد ردَّها
أخزى الإله لينها وشـدَّه * والله
لا تسلم منّي بعـدها
* ولا أرجِّي ما حيِيتُ رِفْدَها *
ثم أخذ القوس فكسرها على حجر وبات، فلما أصبح أبصر الأعيار الخمسة
مطروحة حوله، فأسف وندم على كسر القوس، وعضّ على إبهامه فقطعه
تلهّفًا، وأنشأ يقول:
ندمت ندامة لو أن نفسي * تطاوعني
إذا لـقـطعت خمسي
تبيّن لي سفاه الرأي مني * لعمر
أبيك حين كسرت قوسي
وبالكسعي يتمثل الفرزدق حين يقول:
ندِمت ندامة الكسعي لم * غدتْ
منِّي مطلّقة نوارُ
وكانت جنتي فخرجت منه * كآدمَ حين
أخرجه الضِّـرارُ
ولو أني ملكت يدي ونفسي * لأصبح لي
على القدر اختيارُ
وكنت كفاقئ عينيه عمد * فأصبح م
يضيء له نهارُ
[شرح مقامات الحريري للشريشي
(1/258)] |