Skip to Content
الجمعة 17 ذي الحجة 1441 هـ الموافق لـ 07 أغسطس 2020 م

الكلمة الشهرية رقم: ١٤٦

 

[الحلقة التاسعة]

«أُولُو الأمر»(١)

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقَدْ قال الشيخ عبد الحميد بنُ باديس ـ رحمه الله ـ:

«هَذِهِ كَلِمَةٌ قُرْآنِيَّةٌ، فَمَنْ هُمُ المُرَادُونَ بِهَا؟ فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ طَاعَتَهُمْ عَلَى المُؤْمِنِينَ؛ فَمِنَ اللَّازِمِ ـ شَرْعًا ـ أَنْ يُعْرَفُوا لِيُمْتَثَلَ أَمْرُ اللهِ تَعَالَى فِيهِمْ؛ فَمَنْ هُمْ؟ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِمْ: فَقِيلَ: هُمُ العُلَمَاءُ، وَقِيلَ: هُمُ الأُمَرَاءُ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُمُ العُلَمَاءُ وَالأُمَرَاءُ مَعًا؛ وَإِلَيْكَ البَيَان(٢):

لِلَّهِ الخَلْقُ وَالأَمْرُ؛ وَالأَمْرُ أَمْرَانِ: الأَمْرُ التَّكْوِينِيُّ، وَالأَمْرُ التَّشْرِيعِيُّ(٣)؛ وَالثَّانِي هُوَ المُرَادُ هُنَا، وَمَا أمر بِطَاعَةِ أُولِي الأَمْرِ إِلَّا لِأَنَّهُمْ يَأْمُرُونَ بِأَمْرِ اللهِ؛ فَكَانَتْ طَاعَتُهُمْ طَاعَةَ اللهِ؛ وَأَمْرُ اللهِ نَحْتَاجُ إِلَى تَعْيِينِهِ وَإِلَى تَنْفِيذِهِ؛ فَبِالعِلْمِ يُعَيَّنُ، وَبِالسُّلْطَانِ يُنَفَّذُ؛ فَالعُلَمَاءُ يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ «أُولُو الأَمْرِ» لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ يُعَيِّنُونَ أَمْرَ اللهِ بِطَرَائِقِ العِلْمِ المُقَرَّرَةِ، وَالأُمَرَاءُ يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ «أُولُو الأَمْرِ» لِأَنَّهُمْ يُنَفِّذُونَهُ بِحَمْلِ النَّاسِ عَلَيْهِ بِمَا جَعَلَ اللهُ لَهُمْ مِنْ سُلْطَانٍ؛ فَإِذَا وُجِدَ العُلَمَاءُ دُونَ الأُمَرَاءِ تَعَطَّلَتِ الشَّرِيعَةُ، وَإِذَا وُجِدَ الأُمَرَاءُ دُونَ العُلَمَاءِ ضَلُّوا وَأَضَلُّوا عَنِ السَّبِيلِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ الحَالُ إِلَّا بِوُجُودِ الطَّائِفَتَيْنِ وَتَعَاوُنِهِمَا بِطَرِيقِ الشُّورَى الَّتِي هِيَ أَسَاسُ الأَمْرِ فِي الإِسْلَامِ(٤)؛ وَقَدْ بَيَّنَ لَنَا السَّلَفُ الصَّالِحُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ هَذَا بِطَرِيقَةٍ عَمَلِيَّةٍ؛ فَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ العِلْمِ وَالسُّلْطَانِ ـ يَجْمَعُ الصَّحَابَةَ فِي النَّوَازِلِ الهَامَّةِ وَيَسْتَشِيرُهُمْ، وَيَجْعَلُهُمْ فِي الشُّورَى عَلَى طَبَقَاتِهِمْ، كَمَا فَعَلَ عِنْدَمَا خَرَجَ إِلَى الشَّامِ وَسَمِعَ بِالطَّاعُونِ(٥)، وَالقِصَّةُ ثَابِتَةٌ فِي «المُوَطَّإِ» وَغَيْرِهِ(٦)».

[ش: ج ٨، م ١٥ قسنطينة، شعبان ١٣٥٨هـ سبتامبر ١٩٣٩م، (ص ٣٦٨ إلى ٨٦٩)].



(١) «الآثار» (٣/ ٤٢٠). قال المحقِّق: «هذا آخِرُ مقالٍ للشيخ عبد الحميد بنِ باديس في آخِرِ عددٍ مِنَ «الشهاب»، الذي لم يصدر منه ـ فيما يبدو ـ إلَّا ملزمةٌ واحدةٌ..» [بتصرُّف].

(٢) و«أُولُو الأمر» كلمةٌ قرآنيَّةٌ ورَدَتْ في قوله تعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡ‌ۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ‌ۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا ٥٩[النساء]، وقولِه تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦ‌ۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡ‌ۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا ٨٣[النساء].

وهذه الكلمة القرآنيَّة ـ باعتبارِ تركيبها الإضافيِّ ـ مؤلَّفةٌ مِنْ كلمتين وهُما: «أُولو»، و«الأمر»:

ـ ﻓ «أُولُو» ـ في اللغة ـ جمعٌ بمعنَى «ذوو»، أي: أصحاب، لا واحِدَ له، وقِيلَ: هو اسْمُ جمعٍ واحِدُه: «ذو» على غير قياسٍ، مثل «النساء» و«الإبل» و«الخيل»، كُلُّ واحدٍ منها اسْمُ جمعٍ لا واحِدَ له مِنْ لفظه، وهو مُلحَقٌ بجمع المذكَّر السالم، إذ يُرفَعُ بالواو ويُنصَب ويُجَرُّ بالياء، ولا يكون إلَّا مُضافًا، فلا يصحُّ حذفُ المُضاف إليه؛ [انظر: «تفسير القرطبي» (٥/ ٢٦١)، «القاموس المحيط» للفيروزآبادي (١٢٤٤)، «مُعجَم الإعراب والإملاء» (١٠٣)].

ـ و«الأمر» ـ في اللغة ـ: ضِدُّ النهي، وجمعُه «أوامرُ»، وله معانٍ أخرى مثل: الحالة والشأن والحادثة، ويُجمَع على «أمورٍ».

وصيغةُ الأمر: «افْعَلْ»، وهي مُستعمَلةٌ ـ لغةً ـ في مواضعَ عديدةٍ على معانٍ مُختلِفةٍ؛ غيرَ أنَّ حقيقة الأمر تُحمَل على طلب الفعل؛ لذلك كان حدُّ الأمرِ ـ اصطلاحًا ـ أنه: «القول الدالُّ على طلب الفعل على جهة الاستعلاء»؛ [انظر معنى الأمر والمعانيَ التي تُستعمَلُ فيها صيغتُه في: «مقاييس اللغة» لابن فارس (١/ ١٣٧)، «مُعجَم متن اللغة» لأحمد رضا (١/ ٢٠٣)، «المُعجَم الوسيط» (١/ ٢٦)، «مفتاح الوصول» للتلمساني (٤٠٧، ٤٠٨) والمصادرِ التي في هامشِ (ص ٤١٠)].

وأمَّا باعتبارِ كون الكلمة المركَّبةِ عَلَمًا أو لقبًا على الذات المعرَّفة، فإنَّ أهل العلم والتفسير اختلفوا فيمَنْ هم المُرادون بها على أقوالٍ مختلفةٍ، ويمكن إرجاعُها إلى قولين:

ـ ما ذَهَب إليه الجمهورُ مِنَ القول بأنَّ المراد ﺑ «أُولي الأمر» هم: الحُكَّامُ والأُمَراء والرُّؤَساءُ أو السلاطينُ؛ لأنَّ الله بَدَأ بهم في الآية المتقدِّمة على الآية الآمرةِ بطاعتهم، فأَمَرهم بأداء الأمانات وأَنْ يَحْكُموا بين الناس بالعدل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِ[النساء: ٥٨]، فهو خطابُ اللهِ لوُلَاةِ المسلمين خاصَّةً، ثمَّ أعقبه بأَمْرِه الرعيَّةَ بطاعة السلطان فيما كان لله فيه طاعةٌ؛ ويؤكِّد صِحَّتَه قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي، [وَإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ؛ فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا، وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ]» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الجهاد والسِّيَر» (٦/ ١١٦) باب: يُقاتَل مِنْ وراء الإمام ويُتَّقَى به، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٢/ ٢٢٣) بابُ وجوبِ طاعة الأُمَراء في غير معصيةٍ وتحريمِها في المعصية، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه؛ وما بين المعكوفين مِنْ زيادة البخاريِّ]، والجُنَّة أي: سترةٌ يُستتَرُ به في إقامة الحدود واستتبابِ الأمن.

ولا يخفى أنَّ هذا النصَّ ليس مُطلَقًا، بل هو مقيَّدٌ بالطاعة في المعروف دون المعصية، فإِنْ أَمَر بمعصيةٍ فلا سَمْعَ ولا طاعةَ فيها، وليس ذلك مِنْ مخالفته ولا نزعِ اليد مِنْ طاعته، لِمَا رواه ابنُ عمر رضي الله عنهما عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأحكام» (١٣/ ١٢١) باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصيةً، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٢/ ٢٢٦) بابُ وجوبِ طاعة الأُمَراء في غيرِ معصيةٍ وتحريمِها في المعصية] أي: لا طاعةَ في المعصية كما جاء في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأحكام» (١٣/ ١٢٢) باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصيةً، وفي «أخبار الآحاد» (١٣/ ٢٣٣) بابُ ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٢/ ٢٢٦ ـ ٢٢٧) بابُ وجوب طاعة الأُمَراء في غير معصيةٍ وتحريمِها في المعصية، مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه].

ـ وذَهَب مالكٌ وأحمدُ في روايةٍ وغيرُهم إلى أنَّ المراد ﺑ «أُولي الأمر» هم: أهلُ العلم والقرآن مِنْ «فقهاء الإسلام، ومَنْ دارَتِ الفُتْيا على أقوالهم بين الأنام، الذين خُصُّوا باستنباط الأحكام، وعُنُوا بضبط قواعد الحلال والحرام» [«إعلام الموقِّعين» لابن القيِّم (١/ ٩)]؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ وجابرٌ رضي الله عنهم ومجاهدٌ والضحَّاكُ وعطاءُ بنُ أبي رَبَاحٍ وغيرُهم.

ويدلُّ عليه ما خُتِمَتْ به الآيةُ الآمرةُ بالطاعة عند قوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ[النساء: ٥٩]؛ إذ المعلومُ أنه ليس لغير العلماءِ معرفةُ كيفيَّةِ ردِّ المُتنازَعِ فيه إلى الكتاب والسُّنَّة؛ فدلَّ هذا على صحَّةِ كون سؤال العلماء واجبًا وامتثالِ فتواهم لازمًا؛ [انظر: «تفسير القرطبي» (٥/ ٢٦٠)]؛ كما يدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡ[النساء: ٨٣]، والمُستنبِطُ إنما هو العالمُ الفقيه الذي يستخرج الحُكمَ باجتهاده وفهمِه؛ فالآيةُ دلَّتْ على أنَّ القياس والاعتبار حجَّةٌ في الشرع، وأنه صفةٌ لأُولي الأمر، وهُم العلماء الفقهاء بأمر الدِّين؛ [انظر: «مَنصِبَ الإمامة الكبرى» للمؤلِّف (٢٩ وما بعدها)].

غير أنه لمَّا كان أصلُ الأمر مِنَ الصنفين معًا والحكمُ إليهما، وما أَوجبَه اللهُ مِنَ الحذر بإنذارهم بما هم مكلَّفون به، إمَّا مِنْ جهة استنادهم إلى الشرع لاستنباط أمرِه وفقهِ أحكامه، أو مِنْ جهة تنفيذِ هذه الأحكامِ والعملِ على إمضائها وحملِ الناس عليها، فلا مانِعَ ـ إذن ـ مِنْ إرادة الصنفين معًا في تعيين المراد مِنْ «أُولي الأمر» في الآية المُوجِبة للطاعة والمُلزِمةِ للرعيَّة المُنذَرين قبولَ قولِهم وطاعتَهم، وهو ما عَنَاهُ المصنِّفُ ـ رحمه الله ـ وغيرُه مِنَ المحقِّقين.

(٣) بيَّن المصنِّفُ ـ رحمه الله ـ مذهبَ أهل السُّنَّة في التفريق بين الأمر التكوينيِّ القَدَري الذي يستلزم الإرادةَ الكونيَّةَ القَدَريَّة، وهي المشيئة الشاملةُ لجميع الموجودات، مِثل قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيۡـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٨٢[يس]، وقولِه تعالى: ﴿وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَٰهَا تَدۡمِيرٗا ١٦[الإسراء]؛ فكُلُّ ما أَمَر اللهُ به كونًا وقَدَرًا أراده وشاءه ـ كذلك ـ كونًا وقَدَرًا؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ ١٤[الحج]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ ۩ ١٨[الحج]، غير أنَّ إرادة الله الكونيَّةَ القَدَريَّةَ لا تستلزم محبَّةَ الله ورِضَاه؛ وبين الأمر الشرعيِّ الدِّينيِّ الذي يستلزم الإرادةَ الشرعيَّةَ الدِّينيَّة، وهي المُتضمِّنةُ لمحبَّةِ الله ورِضَاه، مثل قولِه تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ[النساء: ٢٧]، ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡ[النساء: ٢٨]، ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ[البقرة: ١٨٥]؛ فكُلُّ ما أَمَر اللهُ به شرعًا أَحبَّه وأراده دِينًا ورَضِيَه، وكُلُّ ما أراده دِينًا وشرعًا أَمَر به وحضَّ عليه، غير أنه قد يقع وقد لا يقع.

وعليه، فإنَّ التلازم حاصلٌ عند امتثال الأمر الشرعيِّ ووقوعِه كونًا، ولا تَلازُمَ بينهما فيما دون ذلك، أي: أنَّ الأمر الشرعيَّ الدِّينيَّ تُلازِمُه الإرادةُ الشرعيَّةُ الدِّينيَّةُ أو المحبَّة، ولا تَلازُمَ بينه وبين الإرادة الكونيَّة القَدَريَّة، فقَدْ يأمر اللهُ تعالى بأمرٍ يريده شرعًا وهو لا يريد وقوعَه كونًا وقَدَرًا عدلًا منه وإنصافًا؛ واللهُ سبحانه أَمَر الكافرَ بالإيمان وأراده منه شرعًا ودِينًا، ولم يُرِدْ وقوعَه كونًا وقَدَرًا، وقد يأمر الكافرَ بالإيمان ويريده منه شرعًا ودِينًا، ويريد وقوعَه كونًا وقَدَرًا؛ إذ كُلُّ ما هو واقعٌ في هذا الكونِ مِنْ إيمانٍ وكفرٍ، ومِنْ طاعةٍ ومعصيةٍ، ومِنْ خيرٍ وشرٍّ، فكُلُّ ذلك بإرادته ومشيئته؛ فلو أراده اللهُ كونًا لَوَقَع، ولو لم يَشَأْ ذلك لم يقع؛ قال تعالى: ﴿وَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩[النحل]، ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمۡ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ[الأنعام: ٣٥]، ﴿وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا[السجدة: ١٣].

فمذهبُ أهلِ السُّنَّة ـ إذن ـ: أنَّ الكفر والفسوق والعصيان وإِنْ وقعَتْ بمشيئة الله الكونيَّة القَدَريَّة فهو سبحانه لا يأمر بها ولا يُحِبُّها ولا يرضاها، بل يسخطها ويكرهها وينهى عنها ويتوعَّد فاعِلَها.

وبالمُقابِل فإنَّ الإيمانَ والطاعاتِ وسائرَ وجوهِ الخير وإِنْ وقعَتْ بمشيئة الله الكونيَّةِ القَدَريَّة فهو سبحانه يأمر بها ويريدها شرعًا ودِينًا ويُحِبُّها ويرضاها ويَعِدُ صاحِبَها بالأجر الجزيل والثوابِ الحسن، وهذا هو معنَى قول السلف: «ما شاء اللهُ كان، وما لم يَشَأْ لم يكن».

وهذه الحقيقةُ التي بمعرفتها تزول شُبَهٌ عالقةٌ في ذهنِ مَنْ لم يُحِطْ بها علمًا، وتُحَلُّ بها كثيرٌ مِنَ الإشكالات العَقَديَّة الغامضة، قَدْ نبَّه عليها ابنُ قيِّم الجوزيَّة ـ رحمه الله ـ في [«شفاء العليل» (١/ ١٨٩)] بقوله: «وهو أنَّ الله سبحانه له الخَلْقُ والأمر، وأمرُه سبحانه نوعان: أمرٌ كونيٌّ قَدَريٌّ، وأمرٌ دِينيٌّ شرعيٌّ؛ فمشيئتُه سبحانه متعلِّقةٌ بخَلْقه وأمرِه الكونيِّ، وكذلك تتعلَّق بما يُحِبُّ وبما يكرهه، كُلُّه داخلٌ تحت مشيئته كما خَلَق إبليسَ وهو يبغضه، وخَلَق الشياطينَ والكُفَّارَ والأعيانَ والأفعال المسخوطة له وهو يبغضها، فمشيئتُه سبحانه شاملةٌ لذلك كُلِّه؛ وأمَّا محبَّتُه ورِضَاه فمتعلِّقةٌ بأمره الدِّينيِّ وشرعِه الذي شَرَعه على ألسنةِ رُسُله؛ فما وُجِد منه تعلَّقَتْ به المحبَّةُ والمشيئة جميعًا، فهو محبوبٌ للربِّ واقعٌ بمشيئته كطاعات الملائكة والأنبياء والمؤمنين، وما لم يُوجَدْ منه تعلَّقَتْ به محبَّتُه وأمرُه الدِّينيُّ ولم تتعلَّق به مشيئتُه؛ وما وُجِد مِنَ الكفر والفسوق والمعاصي تعلَّقَتْ به مشيئتُه ولم تتعلَّقْ به محبَّتُه ولا رِضَاه ولا أمرُه الدِّينيُّ، وما لم يُوجَدْ منها لم تتعلَّقْ به مشيئتُه ولا محبَّتُه؛ فلفظُ «المشيئةِ» كونيٌّ ولفظُ «المحبَّةِ» دِينيٌّ شرعيٌّ، ولفظُ «الإرادة» ينقسم إلى: «إرادةٍ كونيَّةٍ» فتكون هي المشيئةَ، و«إرادةٍ دِينيَّةٍ» فتكون هي المحبَّةَ؛ إذا عرَفْتَ هذا فقولُه تعالى: ﴿وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَ[الزُّمَر: ٧]، وقولُه: ﴿لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ ٢٠٥[البقرة]، وقولُه: ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ[البقرة: ١٨٥] لا يُناقِضُ نصوصَ القَدَرِ والمشيئةِ العامَّة الدَّالَّةِ على وقوعِ ذلك بمشيئته وقضائه وقَدَرِه؛ فإنَّ المحبَّةَ غيرُ المشيئةِ والأمرَ غيرُ الخَلْق؛ ونظيرُ هذا لفظُ «الأمر» فإنه نوعان: أمرُ تكوينٍ وأمرُ تشريعٍ، والثاني قد يُعصَى ويُخالَفُ بخلاف الأوَّل؛ فقولُه تعالى: ﴿وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا[الإسراء: ١٦] لا يُناقِضُ قولَه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِ[الأعراف: ٢٨]؛ ولا حاجةَ إلى تكلُّفِ تقديرِ: «أمَرْنا مُترَفِيها فيها بالطاعة فعصَوْنا وفَسَقوا فيها»، بل الأمرُ ـ ههنا ـ أمرُ تكوينٍ وتقديرٍ لا أمرُ تشريعٍ».

(٤) ومِنْ خلال التفريق بين الأمر التكوينيِّ والأمر التشريعيِّ بيَّن الشيخ ابنُ باديس ـ رحمه الله ـ معنى الأمر المرادِ ـ في هذا المَقامِ ـ بأنه هو الأمرُ التشريعيُّ؛ لأنَّ أُولي الأمر مأمورون بامتثاله، وبالحكم بمقتضاه، وحملِ الرعيَّة عليه؛ فليس لهم مِنَ الطاعة شيءٌ ـ في الحقيقة ـ إلَّا مِنْ جهةِ كونهم مُبلِّغين عن الله دِينَه وشَرْعَه؛ إذ الطاعةُ المُطلَقةُ العامَّة إنما تجب لله تعالى ولرسوله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ ﻓ «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» [أخرجه أحمد في «مسنده» (١/ ١٣١) مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه، وقد مضى #لفظُ الصحيحين]؛ ولهذا جَعَل اللهُ طاعةَ أُولي الأمر تابعةً لطاعة الله وطاعةِ رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم كما جاء في التنزيل: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡ[النساء: ٥٩].

وقد انتهى المصنِّفُ ـ رحمه الله ـ في بيانه إلى أنَّ المعنيَّ ﺑ «أُولي الأمر» صنفان ـ كما تقدَّم ـ وهُما:

ـ العلماء: وهُم قادةُ الأمَّةِ بشريعة الإسلام وأهلُ الفقهِ والاستنباطِ والإرشاد والدلالة: يعيِّنون أَمْرَ اللهِ التشريعيَّ بطرائق العلم المقرَّرة بالدليل والبرهان.

ـ والحُكَّام والأُمَراء: قادة الأمَّة بالسلطة والتنفيذ، فهُم أهلُ الإلزام في تنفيذِ أمر الله وشرعِه ودِينِه، يُمْضونَه بحمل الناس عليه، ويُنفِّذونه بما جَعَل اللهُ لهم مِنْ سلطانٍ.

وبهذا رجَّح ابنُ باديس ـ رحمه الله ـ شمولَ هذه الكلمةِ القرآنيَّة ـ في الآيةِ الآمرة بالطاعة ـ للصنفين معًا، وهو مذهبُ أهلِ التحقيق؛ لأنَّ أصل الأمر منهم والحُكمَ إليهم.

غير أنه لا يَلْزَمُ مِنْ دخول الصنفين معًا في الآيةِ التسويةُ بينهما مِنْ كُلِّ وجهٍ؛ لأنَّ تعيينَ أمر الله التشريعيِّ بطرائق العلم الذي هو مقتضى محبَّةِ الله ورِضَاه أَوْلى أصالةً مِنْ تنفيذه وإمضائه؛ لذلك كان أهلُ التنفيذ والإلزام تبعًا ـ في الطاعة ـ لأهل تعيين الأمر التشريعيِّ واستنباطِه، وهذا المعنى الذي حقَّقه ابنُ باديس ـ رحمه الله ـ قد أَفصحَ عنه ـ مِنْ قبلُ بجلاءٍ ـ الإمامُ ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ في [«إعلام الموقِّعين» (١/ ١٠)] بقوله: «والتحقيق أنَّ الأُمَراءَ إنما يطاعون إذا أَمَروا بمقتضى العلم؛ فطاعتُهم تبعٌ لطاعة العلماء؛ فإنَّ الطاعة إنما تكون في المعروف وما أَوجبَه العلمُ؛ فكما أنَّ طاعة العلماء تبعٌ لطاعة الرسول فطاعةُ الأُمَراءِ تبعٌ لطاعة العلماء».

وعليه، يتقرَّر عدمُ الانفكاك بين القوَّتين ـ البيانيَّةِ والتنفيذيَّة ـ فيما يلي:

ـ أنَّ وجود العلماء دون الحُكَّام أو الرُّؤَساء يؤدِّي ـ حتمًا ـ إلى تعطيل الشريعة، عملًا وتطبيقًا وقضاءً وتنفيذًا وإمضاءً ـ كما تقدَّم ـ؛ لعدمِ وجود سلطةٍ عادلةٍ تحمل الناسَ على طاعةِ أمرِ الله التشريعيِّ، وتنفِّذ شرعَ اللهِ عليهم.

ـ وبالمُقابِل فإنَّ وجود الحُكَّام أو الرُّؤَساء بمَنأًى عن العلماء يُفْضي ـ ضرورةً ـ إلى الجهل بالأمر التشريعيِّ الإلهيِّ، واتِّباعِ الأهواء المُضِلَّة عن سلوك منهج الحقِّ في معرفَتِه، وذلك إمَّا بإقصاء الأَكْفاء مِنْ أهل العلم والقرآن عن القيام بمهمَّتهم والتصدِّي لتعيين الحكم الشرعيِّ بطرائق العلم المقرَّرة ـ كما سبق بيانُه ـ، وإمَّا بسلوك طريق التشبُّه باليهود والنصارى المنهيِّ عنه في أنظمتهم السياسيَّة والقانونيَّة وغيرِهما، وذلك بإحلال التشريعات الوضعيَّة بديلةً عن الأمر التشريعيِّ الإلهيِّ؛ ممَّا يترتَّب عليه مفاسدُ عديدةٌ منها: الابتعادُ عن الله وشرعِه، وعدمُ الالتزام بدِينِه وأمرِه وحُكمِه، والانحرافُ عن سبيله وحدودِه، واضطرابُ الأمَّة وتغيُّرُها عن فِطرَتِها وتفكُّكُ وحدَتِها وتَماسُكِها، وتسليطُ الأعداء عليها مِنَ الداخل والخارج، وغيرُها مِنَ المفاسد والمَضارِّ.

وقد ذَكَر اللهُ تعالى هاتين القوَّتين ووَصَفهما بالعدل والإنصاف؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِ‌ۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِ[الحديد: ٢٥]، فتَضمَّن الشَّطرُ الأوَّلُ مِنَ الآية: القوَّةَ البيانيَّة القرآنيَّة التي يقيمها ورثةُ الأنبياء والرُّسُل، بالبراهين على الحقِّ المبين، وإيضاحِ الأمر والنهي والثوابِ والعقاب، وبيانِ الحجَّة وإظهار المحجَّة؛ كما تَضمَّن الشَّطرُ الثاني منها: القوَّةَ الحسِّيَّة، وهي القوَّةُ الرادعة المتمثِّلةُ في قوَّة السلطان والسيف والحديد؛ فمَنْ لم تقوِّمه القوارعُ والزواجرُ البيانيَّة القرآنيَّة ولم تؤثِّر فيه، قوَّمَتْه ـ حتمًا ـ القوَّةُ الردعيَّةُ السلطانيَّة، كما قال عثمان بنُ عفَّانَ رضي الله عنه: «إِنَّ اللهَ لَيَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لَا يَزَعُ بِالقُرْآنِ» [«البداية والنهاية» لابن كثير (٢/ ١٠)]، وكما قِيلَ: «مَنْ لم تُقوِّمْه الكُتُبُ قوَّمَتْه الكتائبُ»؛ وضِمنَ هذا المنظورِ المقاصديِّ قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ في [«منهاج السُّنَّة» (١/  ٥٣٢)] ما نصُّه: «فالدِّين الحقُّ لا بُدَّ فيه مِنَ الكتاب الهادي والسيفِ الناصر، كما قال تعالى: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِ‌ۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِ[الحديد: ٢٥]؛ فالكتابُ يبيِّن ما أَمَر اللهُ به وما نهى عنه، والسيفُ ينصر ذلك ويؤيِّدُه».

ولذلك لا يستقيم حالُ الأمَّة إلَّا باجتماع الصنفين معًا؛ فالعلماءُ يبيِّنون أحكامَ الشريعة ويَدْعون الناسَ إليها، والحُكَّامُ يطبِّقونها على الرعيَّة بما لهم مِنْ قوَّةٍ وسلطةٍ، وفي ذلك عِزُّ الأمَّةِ وقوامُها؛ وذلك بالتعاوُنِ الشرعيِّ بينهما عن طريق الشورى على ما أشار إليه ابنُ باديس ـ رحمه الله ـ؛ استجابةً لأمر الله وطاعةً لحُكمه في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ[آل عمران: ١٥٩]، وقولِه تعالى: ﴿وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ[الشورى: ٣٨]؛ فبصلاح العلماء والحُكَّامِ تصلح الأمورُ وتستقيم، وبفسادهم تفسدُ الأمورُ وتضطرب وتنحرف؛ قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ في [«مجموع الفتاوى» (٢٨/ ١٧٠)] ما نصُّه: «وأُولُو الأمرِ: أصحابُ الأمر وذَوُوه؛ وهُم الذين يأمرون الناسَ؛ وذلك يشترك فيه أهلُ اليد والقدرة وأهلُ العلمِ والكلام؛ فلهذا كان أُولُو الأمرِ صنفين: العلماءَ والأمراء؛ فإذا صلحوا صلح الناسُ، وإذا فسدوا فسد الناسُ».

ونَقَل القرطبيُّ ـ رحمه الله ـ عن سهل بنِ عبد الله التُّسْتَريِّ ـ رحمه الله ـ قولَه: «لا يزال الناسُ بخيرٍ ما عظَّموا السلطانَ والعلماء، فإذا عظَّموا هذين أَصلحَ اللهُ دُنْيَاهم وأُخراهم، وإذا استخفُّوا بهذين أَفسدَ دُنْيَاهم وأُخْراهم» [«تفسير القرطبي» (٥/ ٢٦٠)].

وفي هذا المعنى قال ابنُ القيِّم رحمه الله ـ أيضًا ـ في [«إعلام الموقِّعين» (١/ ١٠)]: «ولمَّا كان قيامُ الإسلام بطائفتَيِ العلماء والأُمَراء، وكان الناسُ كُلُّهم لهم تبعًا؛ كان صلاحُ العالَمِ بصلاح هاتين الطائفتين، وفسادُه بفسادهما؛ كما قال عبدُ الله بنُ المُبارَك وغيرُه مِنَ السلف «صنفان مِنَ الناس إذا صلحا صلح الناسُ؛ وإذا فسدَا فسد الناسُ»؛ قِيلَ: «مَنْ هم»، قال: «الملوك والعلماء»؛ كما قال عبد الله بنُ المبارك:

رَأَيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبْ ... وَقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إِدْمَانُهَا

وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَيَاةُ القُلُوبْ ... وَخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيَانُهَا

وَهَلْ أَفْسَدَ الدِّينَ إِلَّا المُلُوكْ ... وَأَحْبَارُ سُوءٍ وَرُهْبَانُهَا؟!».

(٥) والطاعون الذي وَقَع بالشام كان سنةَ ثماني عشرةَ (١٨ﻫ) على المشهور الذي عليه الجمهورُ، وهو الذي يُسمَّى بطاعون عَمَواس، [رواه الزمخشريُّ بكسر أوَّله وسكونِ الثاني، ورواه غيرُه بفتح أوَّلِه وثانيه، وآخِرُه سينٌ مُهمَلة: وهي قريةٌ مِنْ قرى فِلَسطين بالقرب مِنْ بيت المقدس؛ انظر: «مُعجَم البلدان» (٤/ ١٥٧)]، وقِيلَ: سُمِّيَ بذلك لأنه عمَّ وواسى، وقد تُوُفِّيَ في طاعونِ عَمَواس خَلْقٌ كثيرٌ مِنَ المسلمين بالشام؛ ومِنْ أعيانهم: الحارث بنُ هشامٍ: أخو أبي جهلٍ، وكان سيِّدًا شريفًا في الإسلام، وشُرَحْبِيلُ بنُ حَسَنةَ: أحَدُ أُمَراءِ الأرباع، وهو أميرُ فِلَسْطين حينَها، وأبو عُبَيْدةَ عامرُ بنُ عبد الله بنِ الجرَّاح: أمينُ هذه الأمَّة، وأحَدُ العشرة المشهودِ لهم بالجنَّة، وأحَدُ الخمسة الذين أسلموا في يومٍ واحدٍ على يدَيِ الصدِّيق، والفضل بنُ عبَّاس بنِ عبد المُطَّلِب، ومُعاذ بنُ جبلٍ، ويزيد بنُ أبي سفيان: أخو معاوية، وأبو جندل بنُ سُهَيْل بنِ عمرٍو رضي الله عنهم وغيرُهم؛ [انظر: «الكامل في التاريخ» لابن الأثير (٢/ ٥٥٨)، «البداية والنهاية» لابن كثير (٧/ ٩٠)، «فتح الباري» لابن حجر (١٠/ ١٨٤)].

(٦) وذلك فيما أخرجه مالكٌ في «الموطَّإ» (٣/ ٨٩) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ [ـ بالغين والعين ـ: هو أوَّلُ الحجازِ وآخِرُ الشام؛ انظر: «مُعجَم البلدان» لياقوت (٣/ ٢١١)] لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّامِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ»؛ فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: «قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرٍ، وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ»، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: «مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ»، فَقَالَ عُمَرُ: «ارْتَفِعُوا عَنِّي»، ثُمَّ قَالَ: «ادْعُ لِي الْأَنْصَارَ»، فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ، فَقَالَ: «ارْتَفِعُوا عَنِّي»، ثُمَّ قَالَ: «ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ»، فَدَعَوْتُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مِنْهُمُ رَجُلَانِ، فَقَالُوا: «نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ»، فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: «إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ»، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: «أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللهِ؟» فَقَالَ عُمَرُ: «لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ! نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ إِلَى قَدَرِ اللهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إِحْدَاهُمَا خَصبَةٌ، وَالْأُخْرَى جَدبَةٌ [ـ بسكون الدال وكسرِها ـ ضِدُّ الخصبة ـ بسكون الصاد وكسرِها ـ؛ انظر: «شرح مسلم» للنووي (١٤/ ٢١٠)]، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ، وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ؟!»، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَكَانَ غَائِبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ، فَقَالَ: «إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ»»، قَالَ: فَحَمِدَ اللهَ عُمَرُ، ثُمَّ انْصَرَفَ».

والحديث أخرجه البخاريُّ في «الطِّبِّ» (١٠/ ١٧٩) بابُ ما يُذكَر في الطاعون، ومسلمٌ في «السلام» (١٤/ ٢٠٨) باب الطاعون والطِّيَرةِ والكهانة ونحوِها، وأبو داود مُختصَرًا في «الجنائز» (٣/ ٤٧٨) باب الخروج مِنَ الطاعون.

وأورده البخاريُّ ومسلمٌ ـ أيضًا ـ مختصرًا مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عامر بنِ ربيعة رضي الله عنه.

وفي قصَّة عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه تتجلَّى مجموعةٌ مِنَ الفوائد والأحكام المُستنبَطة منها: ما ذَكَره ابنُ باديس ـ رحمه الله ـ في استشهاده بهذه القصَّةِ أنَّ عمر «ـ وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ العِلْمِ وَالسُّلْطَانِ ـ يَجْمَعُ الصَّحَابَةَ فِي النَّوَازِلِ الهَامَّةِ وَيَسْتَشِيرُهُمْ، وَيَجْعَلُهُمْ فِي الشُّورَى عَلَى طَبَقَاتِهِمْ».

وقد أضاف الحافظ ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ في [«الفتح» (١٠/ ١٩٠)] جملةً أخرى مُعتبَرةً بقوله: «وفي قصَّةِ عمرَ مِنَ الفوائد:

ـ مشروعيَّةُ المناظرة والاستشارة في النوازل وفي الأحكام.

ـ وأنَّ الاختلاف لا يُوجِبُ حكمًا، وأنَّ الاتِّفاق هو الذي يُوجِبُه.

ـ وأنَّ الرجوع عند الاختلاف إلى النصِّ، وأنَّ النصَّ يُسمَّى علمًا.

ـ وأنَّ الأمور كُلَّها تجري بقَدَرِ الله وعلمِه.

ـ وأنَّ العالِم قد يكون عنده ما لا يكون عند غيره ممَّنْ هو أعلمُ منه.

ـ وفيه وجوبُ العمل بخبر الواحد، وهو مِنْ أقوى الأدلَّة على ذلك، لأنَّ ذلك كان باتِّفاق أهل الحَلِّ والعقد مِنَ الصحابة، فقَبِلوه مِنْ عبد الرحمن بنِ عوفٍ ولم يطلبوا معه مقوِّيًا.

ـ وفيه الترجيح بالأكثر عددًا والأكثرِ تجربةً؛ لرجوعِ عمرَ لقول مشيخة قريشٍ مع ما انضمَّ إليهم ممَّنْ وافق رأيَهم مِنَ المهاجرين والأنصار؛ فإنَّ مجموعَ ذلك أكثرُ مِنْ عددِ مَنْ خالفه مِنْ كُلٍّ مِنَ المهاجرين والأنصار، ووازن ما عند الذين خالفوا ذلك مِنْ مزيد الفضل في العلم والدِّين ما عند المشيخةِ مِنَ السِّنِّ والتجارب؛ فلمَّا تعادلوا مِنْ هذه الحيثيَّةِ رجَّح بالكثرة ووافق اجتهادُه النصَّ؛ فلذلك حَمِد اللهَ تعالى على توفيقه لذلك.

ـ وفيه تفقُّدُ الإمامِ أحوالَ رعيَّتِه لِمَا فيه مِنْ إزالة ظلم المظلوم، وكشفِ كربة المكروب، وردعِ أهل الفساد، وإظهار الشرائع والشعائر، وتنزيلِ الناسِ مَنازِلَهم».

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٦ شعبان ١٤٤١ﻫ
المـوافـق ﻟ: ٢٠ أبـريـل ٢٠٢٠م