Skip to Content
الإثنين 13 صفر 1443 هـ الموافق لـ 20 سبتمبر 2021 م

الكلمة الشهرية رقم: ١٥٣

[الحلقةُ السَّادِسةَ عَشْرَةَ]

[ ٥ ]

قالَ الشَّيخُ عبدُ الحَميدِ بنُ بَاديسَ ـ رحمهُ اللهُ ـ:

الأَصْلُ الخَامِسُ:

حَقُّ الوَالِي عَلَى الأُمَّةِ فِيمَا تَبْذُلُهُ لَهُ مِنْ عَوْنٍ إِذَا رَأَتِ اسْتِقَامَتَهُ؛ فَيَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَتَضَامَنَ مَعَهُ وَتُؤَيِّدَهُ، إِذْ هِيَ شَرِيكَةٌ مَعَهُ فِي المَسْؤُولِيَّةِ(١).

وَهَذَا ـ كَالَّذِي قَبْلَهُ ـ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ: «إِذَا رَأَيْتُمُونِي عَلَى حَقٍّ فَأَعِينُونِي»(٢).

ـ يُتبَع ـ

 



(١) مِن أصولِ الولايةِ العُظمَى المُهِمَّةِ: أنَّ الإمامَ إذَا استقامَ كانَ واجبًا على الرَّعيَّةِ إعانتُهُ على طاعةِ اللهِ تعالى، قال مالكٌ ـ رحمه الله ـ: «لَا يكونُ أحدٌ إِمَامًا أبدًا إِلَّا على هَذَا الشَّرطِ: «إِذَا أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِذَا أَنَا زِغْتُ فَقَوِّمُونِي»» [بتصرف] [انظر: «الصَّواعق المُحرقة» للهيتمي (٢٢)، «تاريخ الخلفاء» للسُّيوطي (٦٣)]؛ ذلك لأنَّ الإمامَ الحاكمَ هو منَفِّذُ الشَّريعةِ، وخاضِعٌ لأحكامِها، فإذا كانَ مُنْقادًا للحقِّ مُستقيمًا على العَدلِ الذِي أمرَ اللهُ به فلا عُذرَ للأُمَّةِ ـ والحالُ هذه ـ في تركِ السَّمع والطَّاعةِ له في المَعروفِ، ولا حُجَّةَ لها في الطَّعن فيه وإهانتِهِ ومُنازعتِهِ الأمرَ والخروجِ عليه، بل هي مأمورةٌ بأن تُوقِّرَهُ وتُعظِّمَهُ وتُكرمَهُ، بَرًّا كان أو فاجرًا؛ لأنَّ الإمامَ جُنَّةٌ يُستَتَرُ به في إقامةِ الحُدودِ واستتبابِ الأمنِ، قال صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي، وَإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الجهاد والسِّيَر» (٤/ ٥٠) باب: يُقاتَل مِن وراء الإمامِ ويُتَّقَى به، ومسلم في «الإمارة» (٣/ ١٤٦٦) بابُ وجوبِ طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمِها في المَعصيةِ، مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه].

وقال صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مَنْ أَكْرَمَ سُلْطَانَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا أَهَانَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» [أخرجه أحمد (٢٠٤٣٣)، مِن حديث أبي بَكرة رضي الله عنه، وحَسَّنه الألبانيُّ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٥/ ٣٧٦)].

وقال صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «خَمْسٌ مَنْ فَعَلَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ كَانَ ضَامِنًا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: .. أَوْ دَخَلَ عَلَى إِمَامِهِ يُرِيدُ تَعْزِيرَهُ وَتَوْقِيرَهُ» [أخرجه أحمد (٢٢٠٩٣)، وابن أبي عاصم في «السُّنَّة» (١٠٢١)، مِن حديث معاذِ بنِ جَبَل رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٣٢٥٣)].

وبالمُقابلِ فليسَ للإمامِ أَنْ يستغنِيَ عنِ التَّعاونِ مع أُمَّتِه على البرِّ، فهو مُحتاجٌ إليهم فيما لا يقدرُ على القيامِ به دونَهم، وفي تقويمِ ما يقعُ منه مِنَ الهَفوةِ والخَطإِ ومِن الزَّللِ والانحرافِ عن سواءِ الصِّراط؛ لأنَّه ليسَ مَعصومًا مِن الخطإِ والمَيلِ فيما يأمرُ به وينهَى عنه، وهم ـ أيضًا ـ يحتاجونَ إليهِ، فالجميعُ شركاءُ يتعاونونَ على مصلحةِ الدِّينِ والدُّنيَا بالمُشاورةِ وتحرِّي النَّصيحةِ وبالسَّمعِ والطَّاعةِ وعلى البِرِّ والتَّقوى لا على الإثمِ والعُدوانِ، فالإمامُ الحاكمُ ـ إذن ـ بمنزِلةِ أميرِ الجيشِ أو القافِلةِ أو إمامِ الصَّلاةِ، والتَّعاونُ بَينَهم لازمٌ، فإذَا سَلكَ أميرُ الجيشِ أو القافلةِ الطَّريقَ المَرضِيَّ اتَّبعوهُ، وإنْ أخطأ الطَّريقَ نَبَّهوهُ وأرشدُوهُ، وإنْ خرجَ عليهم صائلٌ يصولُ عليهم قامُوا جميعًا كجسدٍ واحدٍ لِدَفْعِهِ وردِّهِ، وكذلك إمامُ الصَّلاةِ إذا أتَى بالصَّلاةِ على وجهِهَا الشَّرعيِّ تَبِعُوهُ، وإنْ سَهَا سبَّحُوا به وقوَّمُوهُ، وإنْ خرجَ عنِ الصَّلاةِ الشَّرعيَّةِ لم يتبعوهُ فيها، وهكذا نَظائرُه متعدِّدةٌ، ولَمَّا كان مصدرُ دِينهم وشريعتِهم ومَحَلُّ ردِّ تَنازُعِهِم هو الكتابَ والسُّنَّةَ كانت طاعةُ وليِّ الأمرِ تَبَعًا لطاعةِ الرَّسول، ولا يخفَى أنَّ الإمامَ إنْ كانَ أكمَلَهم عِلمًا، وأَقدرَهم قُوَّةً وكفاءةً ورحمةً كانَ ذلكَ أصلَحَ لأحوالِهِم الدِّينيَّةِ والدُّنيويَّةِ؛ لأنَّه يَقودُهم بكتابِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، وفي هذا السِّياقِ قال ابنُ تيميَّةَ ـ رحمه اللهُ ـ في [«منهاجِ السُّنَّةِ» (٥/ ٤٦٤)]: «والنَّاسُ بعدَ الرَّسولِ لا يتَعَلَّمُونَ الدِّينَ مِنَ الإمامِ، بلِ الأئِمَّةُ والأُمَّةُ كلُّهُم يتعلَّمونَ الدِّينَ مِنَ الكتابِ والسُّنَّةِ، ولهذا لم يأمرِ اللَّهُ عندَ التَّنَازُعِ بِرَدِّ الأمرِ إلى الأئِمَّةِ، بل قالَ تعالى: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِالآيةَ [النِّساء: ٥٩]، فأَمرَ بالرَّدِّ عندَ التَّنَازُعِ إلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ لَا إلى الأئِمَّةِ ووُلَاةِ الأُمُورِ، وإنَّما أمرَ بِطَاعَةِ وُلَاةِ الأُمُورِ تَبَعًا لطاعةِ الرَّسُولِ.

ولهذا قالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ» [أخرجه البخاريُّ في «الأحكام» (١٣/ ١٢٢) بابُ السَّمعِ والطَّاعةِ للإمام ما لم تكن معصيةً ، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٢/ ٢٢٦) باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية ، مِن حديث عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه]، وقالَ: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ» [أخرجه أحمد في «المسند» (٢٠٦٥٣) والطَّبرانيُّ في «المعجم الكبير» (١٨/  ١٧٠) واللفظ له، مِن حديث عِمْران بنِ حُصَيْنٍ الخُزاعيِّ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٧٥٢٠)]، وقالَ: «مَنْ أَمَرَكُمْ مِنْهُمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلَا تُطِيعُوهُ» [أخرجه ابن ماجه في «الجهاد» (٢/  ٩٥٦) باب لا طاعة في معصية الله، وأحمد (١١٦٣٩) وابنُ حِبَّانَ في «صحيحه» (٤٥٥٩)، مِن حديث أبي سعيدٍ رضيَ اللهُ عنه؛ وحسّنه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٢٣٢٤)]» [انظُر ـ أيضًا ـ: «منهاجَ السُّنَّةِ» لابنِ تيميَّةَ (٥/ ٤٦٣، ٨/ ٢٧٣)، و«المنتقى مِن منهاجِ الاعتدالِ» للذَّهبِي (٣٣٦، ٥٣٦)].

قلت: ويدخلُ في هذا المعنى ـ أيضًا ـ قولُه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ مُجَدَّعٌ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، مَا قَادَكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ» [أخرجه مسلم في «الحج» (٢/  ٩٤٤) بابُ استحبابِ رمي جمرة العَقَبة يومَ النَّحر راكبًا، وبيانِ قولِهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ»، واللَّفظُ لابنِ ماجه في «الجهاد» (٢/  ٩٥٥) باب طاعةِ الإمامِ، مِنْ حديثِ أُمِّ الحصين رضي الله عنها، وانظر: «ظلال الجَنَّة» للألبانيِّ (١٠٦٢)].

هذا، وينبغِي أنْ يكونَ التَّعاونُ بَينَ الرَّاعي والرَّعيَّةِ مَبنِيًّا على ما أمرَ اللهُ بهِ ورسولُه صلَّى الله عليه وسلَّم مِن إقامةِ الحدُودِ واستيفاءِ الحقوقِ وحمايَةِ البَيضَةِ وسدِّ الخَلَلِ وغيرِها مِن مَعانِي البِرِّ والتَّقوى؛ لأنَّه حقٌ لقولهِ تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ[المائدة: ٢]، وإعانةُ وليِّ الأمرِ على الطَّاعةِ وعلى الحقِّ حقٌّ واجبٌ ولو كانَ الإمامُ فاسقًا فاجِرًا، لقولهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» [صحيح؛ سبق تخريجه، في «الأصل الثاني» من التعليقِ على هذا المقال].

ويدخلُ في هذا التَّعاونِ المَحمودِ وَكيلُ المَظلومِ الَّذي يسعَى إلى إعانتِهِ بدَفعِ الظُّلمِ عنه أو تخفيفِ الاعتِداءِ عليهِ، أو جلبِ حقٍّ له أو استِردادِ مَظلَمتِهِ أو ما أمكَنَ ممَّا ضاعَ له منها، فهذهِ وكالةُ حقٍّ وشَفاعةٌ حسنَةٌ، يُؤجَرُ عليها صاحِبُها بحسَبِ سَعْيِهِ وعملهِ مِن غيرِ أَنْ ينقُصَ مِن أجرِ الأصِيلِ أو المَظلومِ شيءٌ لقولهِ تعالى: ﴿مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ[النساء: ٨٥].

أمَّا إذا كان التَّعاون بينهما على ما نَهَى اللهُ ورسولُه صلَّى الله عليه وسلَّم عنه: مِن اعتداءٍ على حُرمات الله، أو على الأنفس والأموالِ والأعراضِ المَعصومةِ، أو الرِّضا بما هم فيه مِنَ الظُّلم والمُنكَرِ ونحوِ ذلك مِن معاني الإثم والعُدوانِ، فحرامٌ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ[المائدة: ٢]، وإعانةُ وليِّ الأمرِ على المَعصيَةِ أو على الباطلِ حرامٌ باطلٌ، ولو بالمَيلِ إليه بالمُوافقةِ على ظُلمِه، أو الرِّضا بما هو عليه مِن الظُّلم والمَيْنِ والعُدوان؛ لأنَّه وكيلٌ عنه في الباطل، ووكيل الظَّالم ظالِمٌ يستحقُّ عليه العِقابَ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ[هود: ١١٣]، ويدخلُ هذا في الشَّفاعةِ السَّيِّئةِ، وله مِنَ الإثمِ بِحَسَب ما قام به الشَّفيعُ وعاونَ عليه، لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةٗ سَيِّئَةٗ يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٞ مِّنۡهَاۗ[النساء: ٨٥].

وقد فَصَّل ابن تيمية ـ رحمه الله ـ هذا المَوضوعَ، وبيَّنَ نَوعَيِ التَّعاونِ: المَحمودَ والمَذمومَ في [«السِّياسة الشَّرعية» (٦٦)] فأورِدُ قولَهُ بنصِّه فيما يأتي: «ولا يَحِلُّ للرَّجل أن يكون عَونًا على ظُلمٍ، فإنَّ التَّعاونَ نوعانِ:

الأوَّل: تعاونٌ على البِرِّ والتَّقوى: مِنَ الجهادِ وإقامةِ الحُدودِ واستيفاءِ الحُقوقِ وإعطاءِ المُستحِقِّينَ، فهذا ممَّا أمرَ اللهُ به ورسولُه، ومَن أمسكَ عنه خشيةَ أن يكونَ مِنْ أعوانِ الظَّلمةِ فقد تركَ فرضًا على الأعيانِ أو على الكِفايةِ مُتوهِّمًا أنَّه مُتورِّعٌ، وما أكثرَ ما يَشتبِهُ الجُبْنُ والفَشَلُ بالوَرَعِ، إِذْ كُلٌّ منهما كَفٌّ وإمساكٌ.

والثَّاني: تعاونٌ على الإثمِ والعُدوانِ: كالإعانةِ على دمٍ معصومٍ أو أخذِ مالٍ معصومٍ أو ضربِ مَنْ لا يَستحِقُّ الضَّرْبَ ونحوِ ذلك؛ فهذا الذِي حَرَّمَهُ اللهُ ورسولُه.

نَعَمْ، إذا كانتِ الأموالُ قد أُخِذَتْ بغير حَقٍّ وقد تعذَّر رَدُّها إلى أصحابِها ككثيرٍ مِنَ الأموال السُّلطانيَّةِ فالإعانةُ على صَرْفِ هذهِ الأموالِ في مصالحِ المُسلمينَ كسِدادِ الثُّغور ونَفَقةِ المُقاتِلَةِ ونحوِ ذلك مِنَ الإعانةِ على البِرِّ والتَّقوى، إذ الواجبُ على السُّلطانِ في هذه الأموالِ ـ إذا لم يُمكن معرفةُ أصحابِها وَرَدُّها عليهم ولا على ورثتِهم ـ أن يَصرِفَهَا مع التَّوبةِ ـ إن كان هو الظَّالمَ ـ إلى مصالحِ المُسلمينَ، هذا هو قولُ جمهورِ العلماء كمالكٍ وأبي حنيفةَ وأحمدَ، وهو منقولٌ عن غيرِ واحدٍ مِنَ الصَّحابةِ، وعلى ذلك دَلَّتِ الأدلَّةُ الشَّرعيَّةُ كما هو مَنصوصٌ في موضعٍ آخرَ.

وإن كان غيرُه قد أخذها فعليه هو أن يفعلَ بها ذلك، وكذلك لو امتنعَ السُّلطانُ مِنْ ردِّها كانت الإعانةُ على إنفاقِها في مصالحِ أصحابِها أَوْلَى مِنْ تركِها بِيَدِ مَنْ يُضيِّعُهَا على أصحابِها وعلى المُسلمينَ، فإنَّ مدارَ الشَّريعةِ على قوله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ[التغابن: ١٦]، المُفسِّرِ لقولِه: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ[آل عمران: ١٠٢]، وعلى قولِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» أخرجاه في الصحيحين [جزءٌ مِنْ حديثٍ مُتَّفَقٍ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة» باب الاقتداء بسُنن رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم (٧٢٨٨)، ومسلمٌ في «الحجِّ» (١٣٣٧) باب فرض الحَجِّ مَرَّةً في العُمُر، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه].

وعلى أنَّ الواجبَ تحصيلُ المَصالحِ وتَكميلُهَا، وتعطيلُ المَفاسدِ وتقليلُها، فإذا تعارضَتْ كان تحصيلُ أعظمِ المَصلحتَينِ بتفويتِ أدناهُمَا، ودفعُ أعظمِ المَفسدتَينِ مع احتمالِ أدناهما هو المَشروعَ.

والمُعينُ على الإثمِ والعُدوانِ مَنْ أعانَ الظَّالِمَ على ظُلمِهِ، أمَّا مَنْ أعانَ المَظلومَ على تَخفيفِ الظُّلمِ عنه أو على المَظلمةِ: فهو وكيلُ المَظلومِ لا وكيلُ الظَّالمِ، بمنزلةِ الَّذي يُقرِضُهُ أو الذِي يتوكَّلُ في حَمْلِ المَالِ له إلى الظَّالِمِ، مثالُ ذلك: وليُّ اليتيمِ والوقفِ إذا طلب ظالمٌ منه مالًا فاجتهد في دفع ذلك ـ بمالٍ أقلَّ منه إليه أو إلى غيرِه بعد الاجتهادِ التَّام في الدَّفع فهو محسنٌ ﴿مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ[التوية: ٩١].

وكذلك وكيلُ المَالكِ مِنَ المُنادِينَ والكُتَّابِ وغيرِهم الذي يَتوكَّل لهم في العقد والقبضِ ودفعِ ما يُطلَبُ منهم لا يَتوكَّل للظَّالِمِين في الأخذ.

وكذلك لو وُضعَتْ مَظلَمَةٌ على أهلِ قريةٍ أو دَرْبٍ أو سُوقٍ أو مدينةٍ، فتوسَّط رجلٌ مُحسِنٌ في الدَّفعِ عنهم بغايةِ الإمكانِ وقَسَّطهَا بينهم على قدرِ طاقتِهم مِنْ غيرِ محاباةٍ لنفسِهِ ولا لغيرِه ولا ارتشاءٍ، بل توكَّل لهم في الدَّفع عنهم والإعطاء، كان مُحسِنًا، لكنَّ الغالِبَ أنَّ مَنْ يَدخُلُ في ذلكَ يكونُ وكيلَ الظَّالِمِينَ محابيًا مُرتشيًا، مخفرًا لِمَن يُريدُ، وآخذًا مِمَّنْ يُريدُ، وهذا مِن أكبرِ الظَّلَمةِ، الذِين يُحْشَرُونَ في تَوابِيتَ مِنْ نَارٍ، هُمْ وأعوانُهم وأشباهُهم، ثمَّ يُقذَفُونَ في النَّارِ».

(٢) وقولُ أبي بكرٍ رضي الله عنه: «إِذَا رَأَيْتُمُونِي عَلَى حَقٍّ فَأَعِينُونِي» بمَثابةِ قولِه رضي الله عنه: «أَيُّهَا النَّاسُ أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللهَ، فَإِذَا عَصَيْتُ اللهَ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ» [تقدَّم تخرجه في «الجزء الأوَّل» مِن شرحي لهذه الرسالة ، قال ابن كثير رحمه الله: [في «البداية والنهاية» (٥/ ٢٤٨، ٦/ ٣٠١)]: «وهذا إسناد صحيح»].

وهذا ـ بلا شكٍّ ـ مِنْ أكبَرِ فضائلِ الصِّدِّيق رضي الله عنه وأَدلِّها على جَلَالِ قدرِه وكمالِ عدلِه وتقواه وسَدادِ مَوقِفِهِ المُنقادِ للحقِّ، فلم يكن رضي الله عنه يَدَّعي الرُّبُوبيَّةَ لرعيَّتِهِ حتى يَستغنيَ عنها، ولا خاصِّيَّةَ الرِّسالةِ ليكونَ واسِطةً بينها وبينَ اللهِ تعالى، ولم يدَّعِ العِصمَةَ فيما يأمرُ به ويَنهى عنه حتَّى يُؤخَذ قولُه كُلُّه ولا يُرَدَّ عليه بعضُه، ولم يكن مُستبِدًّا برأيٍ ولا طالِبَ مالٍ أو رئاسةٍ أو زعامةٍ، ولم يكن يريدُ عُلُوًّا في الأرضِ ولا فسادًا، وإنَّما كان يأمرُ بالتَّعاوُنِ المَحمودِ على طاعةِ اللهِ ورسولِه صلَّى الله عليه وسلَّم لتحقيقِ مصالحِ الدِّينِ والدُّنيا، لذلك قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في [«منهاج السُّنَّة النَّبويَّة» (٨/ ٢٧٢)]: «.. وواجبٌ على كلِّ إمامٍ أن يَقتِدَي به في ذلك، وواجبٌ على الرَّعيةِ أن تُعامِلَ الأَئمَّةَ بذلك، فإنِ استقامَ الإمامُ أعانوه على طاعةِ اللهِ تعالى، وإن زاغَ وأخطأ بَيَّنوا له الصَّوابَ ودَلُّوه عليه، وإن تَعمَّدَ ظُلمًا مَنعوهُ منه بحَسَب الإمكانِ، فإذا كانَ مُنقادًا للحَقِّ كأبي بكرٍ فلا عُذرَ لهم في تركِ ذلك، وإن كان لا يمكنُ دفعُ الظُّلمِ إلَّا بما هو أعظمُ فسادًا منه لم يَدفَعوا الشَّرَّ القليلَ بالشَّرِّ الكثيرِ».