في حكم الْتقام الثدي في ثبوت الرضاع | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 19 المحرم 1446 هـ الموافق لـ 25 يوليو 2024 م



الفتوى رقم: ١١٥٩

الصنف: فتاوى الأسرة ـ عقد الزواج ـ موانع الزواج ـ الرضاع

في حكم الْتقام الثدي في ثبوت الرضاع

السؤال:

في مسألةِ رضاع الصبيِّ: فهل مِنْ شرطِ ثبوت رضعاته أَنْ يلتقم الصبيُّ ثديَ مُرضِعته بفمه، أم يكفي ـ في ثبوته ـ دخولُ اللبن إلى جوف الصبيِّ بأيِّ طريقٍ كان؟ فالرجاء بيانُ ذلك على وجهٍ يزيل الشبهة، وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فما عليه جمهورُ أهل العلم: أنَّ دخول اللبن إلى جوف الصبيِّ في السنتين الأُولَيَيْنِ مِنْ ولادته عن طريق السَّعوط ـ وهو ما يُجعَل مِنَ الدواء في الأنف ـ(١) والوَجور ـ وهو الدواء الذي يُصَبُّ في وسط الفم ـ(٢) يُثْبِت الرضاعَ ويتحقَّق معه التحريمُ؛ لأنهما مَنْفَذٌ إلى الجوف يُفْطِر الصائمُ المتعمِّد بهما؛ لذلك وَجَب اعتبارُ طريقهما لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»(٣)، ولأنَّ العِلَّة في تحريم الرضاع إنباتُ اللحم وإنشازُ العظم، وهي موجودةٌ سواءٌ عن طريق الأنف أو صبِّ اللبن في الحلق.

وخالف في ذلك الظاهريَّةُ واشترطوا في ثبوت التحريم بالرضاع وصولَ اللبن إلى الجوف عن طريق الْتقام الصبيِّ الثديَ بفمه.

ومبنى الخلاف بين العلماء يرجع إلى مسألة الاحتجاج بالقياس والرأي: فما عليه الجمهورُ ثبوتُ الحرمة بالقياس، خلافًا للظاهريَّة الذين أسَّسوا حُكْمَهم على مبدإ نفي القياس(٤).

ولا شكَّ أنَّ مذهب الجمهور المتمسِّكين بالقياس أقوى دليلًا وأصحُّ نظرًا؛ لأنَّ الصحابة رضي الله عنهم اتَّفقوا على استعمال القياس في وقائعَ لا تُحصى ممَّا لا نصَّ فيها، ومَثَّلوا الوقائعَ بنظائرها وشَبَّهوها بأمثالها، ورَدُّوا بعضَها إلى بعضٍ في أحكامها، ولأنه ما مِنْ واحدٍ مِنْ أهل النظر والاجتهاد منهم إلَّا وقد قال بالرأي والقياس، ومَنْ لم يُوجَدْ منه الحكمُ بذلك لم يُوجَدْ منه في ذلك إنكارٌ، فكان إجماعًا سكوتيًّا، وهو حُجَّةٌ مغلَّبةٌ على الظنِّ(٥).

أمَّا الرواياتُ الواردةُ عن الصحابة رضي الله عنهم في إنكار الرأي وذمِّ القياس فلا تُعارِضُ إجماعَهم على القول والعمل به؛ وذلك لإمكان التوفيق بين النقلين عنهم.

ووجهُ التوفيق: أَنْ يُحمَل ما نُقِل عنهم مِنْ إنكار القياس وذمِّ العمل بالرأي على صدوره مِنْ جاهلٍ أو مِنْ قائسٍ لم يَصِلْ إلى درجة الاجتهاد، أو على ما إذا كان القياسُ مُخالِفًا للنصِّ، أو اختلَّ بعضُ شروط المقيس أو المقيسِ عليه أو العِلَّةِ أو الحكم، أو ليس له أصلٌ يشهد له بالاعتبار، أو ما كان على خلاف القواعد الشرعيَّة، وهذا النوع مِنَ القياس المذمومِ يُسمَّى بالقياس الفاسد؛ ويُحْمَل ما نُقِل عنهم مِنَ القول بالقياس والعملِ بالرأي على القياس الصادر مِنْ أهل النظر والاجتهاد، المُستكمِلِ لجميع شروط الاحتجاج به، وهذا النوعُ يُسمَّى بالقياس الصحيح.

وعليه، يجب حملُ كُلِّ ما ذُكِرَ في ذمِّ الرأي على الرأي الفاسد الباطل، دفعًا للتعارض وتحقيقًا للجمع بين الدليلين، و«الجَمْعُ أَوْلَى مِنَ التَّرْجِيحِ، وَالإِعْمَالُ أَوْلَى مِنَ الإِهْمَالِ».

ولا يخفى أنَّ ما تقدَّم مِنْ نظر أهل الاجتهاد في المسألة السابقة موافقٌ للقياس الصحيح؛ لذلك كان الاعتبارُ في ثبوت الرضاع بأيِّ طريقٍ يَصِل به اللبنُ إلى جوف الصبيِّ في الحولين الكاملين.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٧ رجب ١٤٣٤ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٦ جوان ٢٠١٣م

 



(١) انظر: «النهاية» لابن الأثير (٢/ ٣٦٨).

(٢) انظر: «مختار الصِّحاح» للرازي (٧١٠)، «القاموس المحيط» للفيروزآبادي (٦٣٢).

(٣) أخرجه أبو داود في «الطهارة» بابٌ في الاستنثار (١٤٢)، والترمذيُّ في «الصوم» بابُ ما جاء في كراهِيَةِ مبالغة الاستنشاق للصائم (٧٨٨)، والنسائيُّ في «الطهارة» باب المبالغة في الاستنشاق (٨٧)، وابنُ ماجه في «الطهارة» باب المبالغة في الاستنشاق والاستنثار (٤٠٧)، مِنْ حديثِ لقيط بنِ صَبِرة رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٩٢٧).

(٤) انظر: «أسباب اختلاف الفقهاء» لعبد الله التركي (١١٢)، «أثر الاختلاف في القواعد» للخن (٤٨٧).

(٥) انظر: «الإحكام» للآمدي (٣/ ١٢٣).