في بيان الإشكال في الُمعتبَر مِن علَّة الإفطارِ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 6 شوال 1442 هـ الموافق لـ 18 مايو 2021 م

أَحسنَ الله إليكم، قد أَشكل عَليَّ في فتواكم الموسومةِ ﺑ: «في المُعتبَرِ في مفطِّرات الصِّيام»، برقم: (٧٣٧)، حيثُ قُلتم ـ حفظكم الله ـ: «فالمُعتبَرُ في الإفطار بالأكل والشرب إنَّما هو تقصُّدُ إدخالِ شيءٍ مِنَ المفطِّرات...  للمزيد

الفتوى رقم: ١٢٥٧

الصنف: فتاوى الصِّيام ـ المفطرات

في بيان الإشكال في الُمعتبَر مِن علَّة الإفطارِ

السؤال:

أَحسنَ الله إليكم، قد أَشكل عَليَّ في فتواكم الموسومةِ ﺑ: «في المُعتبَرِ في مفطِّرات الصِّيام»، برقم: (٧٣٧)، حيثُ قُلتم ـ حفظكم الله ـ: «فالمُعتبَرُ في الإفطار بالأكل والشرب إنَّما هو تقصُّدُ إدخالِ شيءٍ مِنَ المفطِّرات إلى الجوف بالطريق المعتاد وهو الفَمُ، ويُلْحَق به المَنْخِرُ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»(١)، سواءٌ حَصَل له الإدخال بما ينفع أو يضرُّ»، وما قرَّرتموه ـ جزاكم الله عنَّا خيرَ الجزاء ـ مِن أنَّ عِلَّةَ الإفطارِ مركَّبَةٌ مِنَ «التَّغذية والتَّلذُّذ»، فقد أَشكلَ عليَّ كيف تَتَحقَّقُ هذه العِلَّةُ المركَّبةُ بِما يضرُّ؛ لأنَّه لا تَلذُّذَ فِيه؟ أرجو منكم بعضَ التَّوضِيحِ والتَّقوِيمِ؛ وبارك الله فيكم.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلم أنَّ الأصلَ في الصَّومِ الصِّحةُ ولا يَفسدُ إلَّا بدَليلٍ شَرعيٍّ، وليس كلُّ ما يدخلُ إلى البدنِ مفسدًا للصَّومِ، إذْ لا يُفسِدُ الهواءُ والبُخارُ وغيرُهما الصَّومَ، كما أنَّ الَّذي يدخلُ البَدنَ ممَّا لا يُجاوزُ حدَّ الفمِ فلا يُفطِّرُ كالمضمضةِ وذوقِ الطَّعام ونحوِهما؛ غيرَ أنَّ العُلماءَ يختَلفون في اعتِبارِ المفَطِّر هل هو دخوله إلى الجوفِ بالطَّريقِ المعتادِ مُطلقًا سواءً كان مُغذِّيًا أم غَيرَ مُغذٍّ أم أنَّه يُشترطُ فيما يدخلُ إلى الجَوفِ أَنْ يكونَ مُغذِّيًا ممَّا كان مِن قبيل الأكلِ والشُّرب؟

والذي عليه جمهورُ العلماءِ أنَّ كلَّ ما يدخلُ إلى الجوفِ يُعَدُّ مفطِّرًا مُطلَقًا إِنْ كان الصائم قاصدًا له سواءً كان مُغذِّيًا كالطَّعام أو غيرَ مُغذٍّ كالدواءِ الخالي مِن التَّغذيةِ، وسواء تحلَّلَ في الجوف أو لم يتحلَّلْ كمَن ابتلعَ نواةً ـ وهو صائِمٌ ـ أو قِطعَةَ ذهبٍ أو حديدٍ أو حصاةً ونحو ذلك، قالَ ابنُ رُشدٍ ـ رحمه الله ـ : «وتَحْصِيلُ مذهبِ مالكٍ أَنَّهُ يَجِبُ الإمسَاكُ عَمَّا يَصِلُ إلى الحَلقِ مِن أيِّ المَنَافذِ وصلَ، مُغذِّيًا كان أو غيرَ مُغذٍّ»(٢)، وقال ابنُ قدامةَ ـ رحمه الله ـ: «وأجمَعَ العلماءُ على الفِطرِ بالأَكلِ والشُّربِ بما يُتَغذَّى به، فأمَّا ما لا يُتَغذَّى به، فعَامَّةُ أهلِ العلمِ على أنَّ الفِطرَ يَحْصُلُ به»(٣).

وسببُ اختلافِ العلماءِ في هذه المسألةِ يكمُنُ في عبادةِ الصَّومِ: هل المقصُودُ منَ الصَّوم معنًى معقُولٌ أم أنَّها عبادةٌ غيرُ معقولةِ المعنَى، فمَن اعتَبرَ المعنى الأوَّلَ قصَرَ الحُكمَ على المُغذِّي ـ وهو مورد النَّص ـ ولم يُوسِّع مجراه إلى غَيرِ المُغَذِّي، ومَن اعتَبرَ الصَّومَ عبادةً محضَةً غيرَ معقولةِ المعنى جعل المقصودَ منها هو الإمساك فقط عمَّا يَدخُل إلى الجَوفِ أو يَرِدُ فيه وسَوَّى بَيْنَ المُغذِّي وغير المُغذِّي(٤).

والمعلومُ ـ على مذهبِ الجُمهورِ ـ أنَّ الأصلَ في الأَحكامِ والمعاني الشَّرعيَّةِ التَّعبُّدُ لا التَّعليل إلَّا إذا صُرفَ بقَرينَةٍ أو دَليلٍ، فإذَا تقرَّرَ هذا الأصلُ ورُوعيَ مَقصودُ الإمساكِ فإنَّه يُعَدُّ كلُّ ما جاوزَ الحلقَ إلى الجَوفِ مِن المفطِّراتِ غِذَاءً كانَت أو دواءً مُغذِّيًا أو غيرَ مُغَذٍّ نافعًا أو ضارًّا؛ فعِلَّةُ الإفطارِ ـ إذن ـ ما يدخل إلى الجَوفِ بالطَّريقِ المُعتادِ.

هذا، وقد تمَّ تعديلُ عبارة الفتوى بما يتوافق مع المُعتبر في عِلَّة الإفطار وأُزيل منها العِلَّة المركَّبَةُ مِنَ «التَّغذية والتَّلذُّذ»، وإن كان قد تحصل التغذية والتلذُّذ بالشيء الضَّار مثل الدواء والخمر ونحوها.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٠ جمادى الآخرة ١٤٤٢هـ
الـموافق ﻟ: ٠٢ فبرايــر٢٠٢١م



(١) أخرجه أبو داود في «الصوم» بابُ الصائمِ يصبُّ عليه الماءَ مِنَ العطش ويُبالِغُ في الاستنشاق (٢٣٦٦)، والترمذيُّ في «الصوم» بابُ ما جاء في كراهيةِ مبالَغةِ الاستنشاق للصائم (٧٨٨)، والنسائيُّ في «الطهارة» باب المبالَغة في الاستنشاق (٨٧)، وابنُ ماجه في «الطهارة» باب المبالَغة في الاستنشاق والاستنثار (٤٠٧)، مِنْ حديثِ لقيط بنِ صَبِرة رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٩٣٥).

(٢) «بداية المجتهد» لابن رشدٍ (١/ ٢٩٠).

(٣) «المُغني» لابن قدامةَ (٣/ ١٠٣).

(٤) انظر: «بداية المجتهد» لابن رشدٍ (١/ ٢٩٠).