في حكم رمي الجمار قبل الزوال في أيام التشريق | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 27 رمضان 1442 هـ الموافق لـ 09 مايو 2021 م



الفتوى رقم: ٧٧٩

الصنـف: فتاوى الحج - رمي الجمرات

في حكم رمي الجمار قبل الزوال
 في أيام التشريق

السؤال:

ما حكم رمي الجمرات في أيَّام التَّشريق قبلَ الزَّوال، استنادًا إلى أَنَّه لم يثبت دليلٌ من الكتاب أو السُّنَّة أو الإجماع أو القياس في النَّهي عن الرَّمي قبل الزَّوال، واستنادًا إلى ما نُقل عن بعض الصَّحابة والتَّابعين كابن عبَّاس وطاوس في جواز الرَّمي قبل الزَّوال؟ أفتونا مأجورين.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فالسُّنَّة الثابتة أنَّ رميَ الجِمار في غير يوم الأضحى إنما يكون بعد الزوال، وبه قال الجمهور؛ ذلك لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم حَجَّ في السَّنَة العاشرة، وأَلْزَمَ مَنْ معه بمتابعة هديه وأخذِ مناسكهم عنه، ولم يَرْمِ الجمراتِ الثلاثَ في أيَّام التشريق إلَّا بعد زوال الشمس، فقَدْ أَخرجَ مسلمٌ مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما قال: «رَمَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ»(١)، وحكمُ أفعاله صلى الله عليه وسلم في الحجِّ الوجوبُ لتبعيَّةِ فعلِه ـ مِنْ حيث البيانُ ـ لمُجمَلِ قوله: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»(٢)، فإنَّ النصَّ التشريعيَّ يأخذ حُكْمَ النصِّ المبيَّن؛ لأنَّ البيانَ لا يتعدَّى رتبةَ المبيَّن، فهو كالتفسير مع المفسَّر، ويؤيِّدُه ما أخرجه البخاريُّ مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما أنه سُئِل عن الجمار: متى تُرمى؟ فقال: «كُنَّا نَتَحَيَّنُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا»(٣)، وروى مالكٌ في «الموطَّإ» عنه رضي الله عنهما أنه كان يقول: «لَا تُرْمَى الجِمَارُ فِي الأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ»(٤).

هذا، وقد خالف في المسألةِ عطاءٌ وطاوسٌ فقالا بجواز الرمي قبل الزوال مُطلقًا، ورخَّص أبو حنيفة في الرمي يوم النَّفْر قبل الزوال، وخالفه صاحِبَاه: أبو يوسف ومحمَّد بنُ الحسن، وذَهَب عكرمةُ وإسحاق وأحمد ـ في رواية ـ مِثلَ مذهبِ أبي حنيفة.

ووجه تقرير جواز الرمي قبل الزوال أيَّامَ التشريق مُطلقًا يظهر في استنادهم إلى المعقول مِنْ جهةِ أنَّ ما قبل الزوال وقتُ الرمي يومَ النحر، فكذا في اليوم الثاني والثالث؛ لأنَّ الكُلَّ أيَّامُ النحر.

أمَّا وجه رواية أبي حنيفة في جواز الرمي يومَ النَّفْر قبل الزوال فبما رُوِي عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه قال: «إذَا انْتَفَحَ(٥) النَّهَارُ مِنْ يَوْمِ النَّفْرِ الآخِرِ فَقَدْ حَلَّ الرَّمْيُ وَالصَّدَرُ»(٦)، وأيَّد ذلك بدليل المعقول مِنْ أنَّ للحاجِّ أَنْ ينفر قبل الرمي ويتركه رأسًا، فإذا جاز له تركُ الرمي أصلًا، فلَأَنْ يجوز له الرميُ قبل الزوال أَوْلى(٧).

والأصحُّ ما ذَهَب إليه الجمهور، وأمَّا احتجاج الحنفيَّة بما رواه البيهقيُّ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما فلا يقوى على النهوض، قال الزيلعيُّ رحمه الله: «رواه البيهقيُّ عنه: إذا انتفخ النهارُ مِنْ يوم النَّفْر فقَدْ حَلَّ الرمي والصَّدَر، انتهى. وفي سنده طلحة بنُ عمرٍو: ضعَّفه البيهقي؛ قال ـ أي: المرغيناني ـ: والانتفاخ: الارتفاع»(٨)، وفسادُ اعتبار دليل المعقول ظاهرٌ، إذ إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يترقَّب الزوال ولم يُنقَل عنه أنه رمى قبله أو أوَّلَ النهار مع أنه أيسرُ له ولأُمَّته، كما لم يُنقَل عنه أنَّه رخَّص لأحدٍ في وقته كما رخَّص للضعفة في رمي جمرة العقبة، فدلَّ ذلك أنَّ وقت ما بعد الزوال جزءٌ مِنَ الواجب يَلتزِم به المكلَّفُ حتمًا في وقته المعيَّن له شرعًا، وهو المعروف عند الأصوليِّين بالواجب المؤقَّت.

قال ابنُ الهُمام رحمه الله: «ولا شكَّ أنَّ المُعتمَد في تعيين الوقت للرمي في الأوَّل مِنْ أوَّل النهار وفيما بعده مِنْ بعد الزوال ليس إلَّا فِعْلَه كذلك، مع أنه غيرُ معقولٍ، ولا يدخل وقتُه قبل الوقت الذي فَعَله فيه صلى الله عليه وسلم، كما لا يُفعَل في غير ذلك المكانِ الذي رمى فيه ـ عليه الصلاة والسَّلام ـ، وإنَّما رمى ـ عليه الصلاة والسلام ـ في الرابع بعد الزوال فلا يرمي قبله»(٩).

هذا، وإذا تقرَّر رجحانُ مذهب الجمهور، فإنَّ مَنْ رمى الجمراتِ في أيَّام التشريق قبل الزوال فقَدْ رمى في غير وقته المحدَّد له شرعًا، وما كان كذلك فهو مردودٌ بقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»(١٠)، ولذلك وَجَب أَنْ يعيد رميَ الجمراتِ بعد الزوال ولو مِنَ الليل على أرجح القولين، وهو مذهب أبي حنيفة ومالكٍ والشافعيِّ، فإِنْ تعذَّر عليه فله أَنْ يرميَ في اليوم الَّذي يَليه، على أنه يبدأ فيرمي ـ عن اليوم السابق المتخلَّف فيه ـ الجمراتِ الثلاثَ كُلَّها، ثمَّ يبدأ مِنَ الأوَّل عن يومه الحاليِّ، أمَّا إِنْ فاته وقت الرمي بغروب ثالثِ أيَّام التشريق: وهو اليوم الثالثَ عَشَرَ مِنْ ذي الحِجَّة رابعُ أيَّام النحر، فإنَّ الرمي قبل الزوال معدودٌ في حكم ترك واجب الرمي، ويَلزَم مَنْ تَرَك واجبًا مِنْ واجبات الحجِّ فديةُ شاةٍ يذبحها في مكَّة يوزِّعها على الفقراء ولا يأخذ منها شيئًا؛ لأنها بمنزلة الكفَّارة، وبذلك يتمُّ حَجُّه صحيحًا إِنْ شاء الله تعالى.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 

الجزائر في: ١٣شعبان ١٤٢٨ﻫ

الموافق ﻟ: ٢٦ أوت ٢٠٠٧م

 



(١) أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» (١٢٩٩) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما، ولفظُه: «رَمَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ»، وقد علَّقه البخاريُّ في «الحجِّ» بابُ رميِ الجمار (٣/ ٥٧٩) بلفظ: «رَمَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَرَمَى بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ».

(٢) أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» (١٢٩٧)، والبيهقيُّ بلفظِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» في «السنن الكبرى» (٩٥٢٤)، مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(٣) أخرجه البخاريُّ في «الحجِّ» بابُ رميِ الجمار (١٧٤٦).

(٤) أخرجه مالكٌ في «الموطَّإ» في «الحجِّ» بابُ رمي الجمار (٩١٨). والأثر صحَّحه زكريَّا غلام قادر الباكستاني في «ما صحَّ مِنْ آثار الصَّحابة في الفقه» (٢/ ٨٣٦).

(٥) كذا في «سنن البيهقي»، ووَقَع في «نصب الراية» بالخاء مُفسَّرًا بالارتفاع، وضَبَطه ابنُ حجرٍ في «الدراية» (٢/ ٢٨) بقوله: «والانتفاج ـ بالجيم ـ: الارتفاعُ».

(٦) أخرجه البيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (٩٦٨٧).

(٧) «بدائع الصَّنائع» للكاساني (٢/ ٣٢٤).

(٨) «نصب الرَّاية» للزَّيلعي (٣/ ٨٥).

(٩) «مرقاة المفاتيح» للقاري (٥/ ٥١٣).

(١٠) أخرجه مسلمٌ في «الأقضية» (١٧١٨) مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.