في مقدارِ إرخاء المرأةِ ثيابَها وموضعِ ابتدائه | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 7 المحرم 1446 هـ الموافق لـ 13 يوليو 2024 م



الفتوى رقم: ٨٠٢

الصنف: فتاوى الأسرة ـ المرأة

في مقدارِ إرخاء المرأةِ ثيابَها وموضعِ ابتدائه

السؤال:

ما هو المقدار الذي تُرخيهِ المرأةُ مِنْ ثيابها في الأرض؟ وما هو تحديدُ موضعِ ابتدائه؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنَّ جمهورَ العلماءِ يذهبون إلى أنَّ قدَمَ المرأةِ عورةٌ خلافًا للحنفيَّة؛ وهم يختلفون في تحديدِ موضع ابتداءِ سَتْرِ القدمين على ثلاثةِ آراءٍ: فبعضُهم يرى بدايتَه مِنَ الكعبين لكونه مَحَلَّ تحريم الزيادة على الرِّجال؛ وقال آخَرون: مِنْ مُنتصَف الساقين لكونه مَحَلَّ الأسوة بالنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، ولقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ»(١)، أي: في الأحكام ما لم يَرِدْ دليلٌ يخصِّصُهُنَّ؛ وفيه رأيٌ ثالثٌ يرى أصحابُه أنَّ ابتداءَه إنَّما يكون مِنْ أوَّلِ ما يَمَسُّ الأرضَ اعتمادًا على أنَّ أمَّ سَلَمةَ رضي الله عنها سألَتِ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم فقالت: «كَمْ تَجُرُّ الْمَرْأَةُ مِنْ ذَيْلِهَا؟» قَالَ: «شِبْرًا» قُلْتُ: «إِذًا يَنْكَشِفُ عَنْهَا»، قَالَ: «ذِرَاعٌ، لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ»(٢)، على أنَّ الظاهر أنَّ لها أَنْ تجرَّ على الأرض منه ذراعًا ويكون ابتداءُ مَحَلِّ الغاية مِنَ الأرض؛ ولا تخرج هذه الأقوالُ الثلاثة عمَّا يحقِّق سَتْرَ القدمين مِنْ حيث مقصودُ الشارعِ وغايتُه، إلَّا مَا كان مِنَ الحنفيَّة الذين يرَوْن أنَّ قدمَيِ المرأة ليستَا بعورةٍ، إلحاقًا قياسيًّا باليَدين مِنْ حيث تكشُّفُهما؛ ولا يخفى مرجوحيَّةُ هذا المذهبِ لوقوع القياس في مقابلة النصِّ، وما كان كذلك فَسَد اعتبارُه.

وإذا صحَّ ما تقدَّم تقريرُه عُلِمَ أنَّ الخلاف في محلِّ الابتداء ـ بعدما تبيَّن وجوبُ سَتْر القدمين ـ لفظيٌّ وليس معنويًّا، ومِنْ ناحيةٍ أخرى فالذي يُظهِرُ ذلك ـ حقيقةً ـ أنَّ حديثَ أمِّ سلمةَ رضي الله عنها يدور بين كَشْفِ القَدَمَيْنِ في قولها: «إِذًا يَنْكَشِفُ عَنْهَا» وبين الإسرافِ المنهيِّ عنه في الحديث نفسِه في قوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ»، فالواجبُ ـ إذًا ـ مِنْ ثيابها ما يستر جميعَ بدنها بما في ذلك قدمَيْها، فإذًا العبرةُ في التعبُّد سَتْرُ القدم لا بذات الشبر والذراع؛ لأنَّ كُلًّا منهما وسيلةٌ إلى التستُّر وليستا بغايةٍ فيه، فمتى حَصَل التستُّرُ حَصَل المقصود، وهو تقريرُ مذهب الجمهور سابقًا وإِنِ اختلفوا في تحديدِ محلِّ الابتداء، فيبقى الخلافُ صوريًّا لا تأثيرَ له على الحكم.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٨ جمادى الأولى ١٤٢١ﻫ
الموافق ﻟ: ١٩ أوت ٢٠٠٠م

 



(١) أخرجه أبو داود في «الطهارة» بابٌ في الرَّجل يجد البِلَّةَ في منامه (٢٣٦)، والترمذيُّ في «الطهارة» بابٌ ما جاء فيمَنْ يستيقظ فيرى بللًا ولا يذكر احتلامًا (١١٣)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٢٣٣٣) وفي «السلسلة الصحيحة» (٢٨٦٣).

(٢) أخرجه أبو داود في «اللباس» بابٌ في قَدْر الذيل (٤١١٧)، والنسائيُّ في «الزينة» بابُ ذيول النساء (٥٣٣٩)، وابنُ ماجه في «اللباس» بابُ ذيل المرأة: كم يكون؟ (٣٥٨٠)، مِنْ حديثِ أمِّ سلمة رضي الله عنها. وصحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٤٦٠).