«التصفيف الثاني والعشرون: عقيدة الإثبات والتَّنزِيه (٤)» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 27 ربيع الثاني 1443 هـ الموافق لـ 02 ديسمبر 2021 م

العقائد الإسلامية
مِنَ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

للشيخ عبد الحميد بنِ باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ

«التصفيف الثاني والعشرون: عقيدة الإثبات والتَّنـزِيه (٤)»

الحَادِي وَالأَرْبَعُونَ: وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: القُدْرَةُ عَلَى إِيجَادِ كُلِّ مُمْكِنٍ وَإِعْدَامِهِ(١) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(٢)، ﴿وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾(٣)، ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾(٤).



(١) القدرة صفة ذاتية ثابتة لله عزَّ وجلَّ، وصف نفسه بأنه قادر على كلِّ شيء أراده، لا يعترضه عجز ولا نصب ولا فتور، ومن أسمائه سبحانه وتعالى: «القادر» و«القدير» و«المقتدر»، وكلها تضمنت صفة القدرة الظاهرة، إذ لا يظهر الفعل اختيارا إلا من قادر غير عاجز، وآثار قدرة الله تعالى في إيجاد الموجودات وخلقها وتدبيرها وإحكامها وإعدامها ما لا يحصى ولا يُعَدُّ، فجميعُ المخلوقاتِ: متقدِّمُها ومتأخِّرُها، وصغيرها وكبيرها، كلُّها أثر من آثار خلقه وقدرته، وأنه لا يستعصي عليه مخلوق، فإنه سبحانه إذا أراد خلقه بقدرته يكون في الحال من غير تمانع، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].

هذا، وقد اكتفى المصنف -رحمه الله- بالاستدلال على صفة القدرة بالآيات القرآنية، وقد دلَّت الأحاديث النبوية -أيضًا- على هذه الصفة، فمن ذلك: حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه مرفوعا: «أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ» [رواه مسلم في «السلام» (١٤/ ١٨٩)، باب وَضْعِ يدِه مَوْضِعَ الألم مع الدعاء]، وحديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه لما ضرب غلامه، قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الغُلاَمِ» [رواه مسلم في «الأيمان» (١١/ ١٢٨) باب صحبة المماليك]، كما أن المصنِّف تعرَّض من خلال الآيات القرآنية المذكورة إلى اسمين: «القدير» و«المقتدر» ويدلُّ على اسم «القادر» قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ المَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١].

وقد يكون القادر بمعنى المقدِّر للشيء من التقدير لا من القدرة مثل قوله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣]، أي: «نعم المقدِّرون» [«تفسير القرطبي» (١٩/ ١٦٠)، «فتح القدير» للشوكاني (٥/ ٣٥٧)].

ومن جهة ثانية، فإن عبارة المصنف -رحمه الله- تثبت أن لله قدرةً على إيجاد كل ممكن وإعدامِ كل ممكن، ولم تتعرَّض عبارتُه لقدرته سبحانه على الممتنعات، لكن الآيات التي ساقها للاستدلال تفصح عن مراده بدخول الممكنات والممتنعات في قدرة الله تعالى، لأنَّ الله عز وجل متصف بكمال القدرة، لا يمتنع عليه شيء سواء من الممكنات أو الممتنعات، ولا يحتجز عنه شيء بأي صفة كانت المَنَعَة والقوة.

(٢) جزء من آية ٢٠ من سورة البقرة وغيرها.

قال الخطابي -رحمه الله- في «شأن الدعاء» (٨٥-٨٦): ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] أي لن نُقَدِّرَ عليه الخطيئة أو العقوبة، إذ لا يجوز على نبي الله أن يظنَّ عدم قدرة الله -جل وعز- عليه في حال من الأحوال.

قلت: ولعل الأولى حمل معنى ﴿لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ على التضييق، أي ظن أن لن نُضَيِّقَ عليه كما في قوله تعالى: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] وقوله تعالى: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] [انظر: «تفسير القرطبي» (١١/ ٣٣١)، «فتح القدير» للشوكاني (٣/ ٤٢١، ٥/ ٤٣٨)، و«أضواء البيان» للشنقيطي (٤/ ٧٤٥-٧٤٦)].

(٣) جزء من آية ٤٥ من سورة الكهف.

قال الخطابي في شرح اسم «المقتدر» في «شأن الدعاء» (٨٦): «هو التامُّ القدرةِ، الذي لا يمتنع عليه شيء ولا يحتجز عنه بمَنَعَةٍ وقوة، ووزنه «مفتعل» من القدرة إلا أن الاقتدار أبلغ وأعم، لأنه يقتضي الإطلاق، والقدرة قد يدخلها نوع من التضمين بالمقدور عليه، قال الله سبحانه: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] أي قادر على ما يشاء».

(٤) جزء من الآية ٤٤ من سورة فاطر.