الفتوى رقم: ٧٠٣

الصنـف: فتاوى الحج - أحكام الحج

في مشروعية عموم الاشتراط
 في الحج والعمرة

السؤال:

هل الاشتراط في الحجِّ والعمرة خاصٌّ بمن كان به مرض أو هو عامٌّ لكلِّ مَنْ أراد الإحرامَ بهما أو بأحدهما؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فلا تتعلَّقُ مشروعيَّةُ اشتراطِ المُحْرِمِ على الله تعالى للتحلُّل مِنْ مناسكِ الحجِّ والعمرةِ بمَنْ كان به مرضٌ خاصَّةً، وإنما هو اشتراطٌ عامٌّ لكُلِّ مَنْ خاف أَنْ يمنعه عائقٌ عن إتمام نُسُكه واقعًا كان أو متوقَّعًا، سواءٌ كان مريضًا أو غيرَ مريضٍ، فيُشْرَعُ له ـ حين يُلَبِّي مُحْرِمًا ـ أَنْ يَقْرِنَ تلبيتَهُ باشتراط التحلُّل مِنْ نُسُكِهِ متى حَبَسَهُ عارضٌ مِنْ مرضٍ أو خوفٍ عن إتمام نُسُكه بقوله: «اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي»، فإِنْ حُبِس لعارضٍ فليس في ذِمَّته دَمٌ ولا حجٌّ مِنْ قابِلٍ، باستثناءِ حَجَّة الإسلام فلا تسقط عنه إجماعًا، ويَلْزَمه قضاؤها(١).

هذا، وبجواز اشتراط التحلُّل بعذرٍ قال عمر بنُ الخطَّاب وعليٌّ وابنُ مسعودٍ وغيرُهم رضي الله عنهم وجماعةٌ مِنَ التابعين، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثورٍ والشافعيُّ في أصحِّ قولَيْه؛ وحجَّتُهم ما ثَبَت صحيحًا مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها قالت: «دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ لَهَا: «لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الحَجَّ؟» قَالَتْ: «وَاللهِ لَا أَجِدُنِي إِلَّا وَجِعَةً»، فَقَالَ لَهَا: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي»»(٢).

وهذا خلافًا لمذهب مالك وأبي حنيفة وبعضِ التابعين؛ فإنه لا يصحُّ الاشتراطُ ـ عندهم ـ مطلقًا عامًّا كان أو خاصًّا بمَنْ به مرضٌ، والحديثُ مخصوصٌ ـ عندهم ـ بضُباعةَ بنتِ الزُّبير رضي الله عنها، والقصَّةُ قضيَّةُ عينٍ لا عمومَ لها(٣).

والصحيح أصوليًّا: أنَّ الخطاب الخاصَّ بواحدٍ مِنَ الأمَّة يَشْمَل المُخاطَبَ وغيرَه حتَّى يقوم دليلُ التخصيص، لعموم الحجَّة الرسالية الشاملة للناس كافَّةً، ولعمل الصحابة رضي الله عنهم بقضايا الأعيان عمومًا، وفي هذه المسألة خصوصًا؛ ففيه دليلٌ على عدم التفريق في الأحكام الشرعية بين المخاطَب وغيرِه كما بيَّنْتُ المسألةَ أصوليًّا في فتوى سابقةٍ(٤).

أمَّا مَنْ لا يخاف مِنْ عائقٍ يمنعه مِنْ أداءِ نُسُكه فليس له أَنْ يشترط هذا الشرطَ السابق؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَحرمَ ولم يُنقَل عنه أنه اشترط، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم»(٥)، ولم يأمر بالاشتراط أمرًا عامًّا شاملًا للخائف وغيرِ الخائف، وإنما أَمَر به ضُباعةَ بنتَ الزبير رضي الله عنها لَمَّا خافَتْ مِنْ عدمِ إتمام نُسُكِها.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 

الجزائر في: ١٤ ربيع الأول ١٤٢٨ﻫ

الموافق ﻟ: ٢ أبريل ٢٠٠٧م

 



(١) ويَلزَمُ مَنْ لم يَشترِطْ ـ إذا حَبَسه عارضٌ مِنْ مرضٍ أو خوفٍ ـ دمٌ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، كما يَلْزَمه حجٌّ مِنْ قابلٍ.

(٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «النكاح» باب الأَكْفاء في الدِّين (٥٠٨٩)، ومسلمٌ في «الحجِّ» (١٢٠٧)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٣) انظر: «شرح مسلم» للنووي (٨/ ١٣١).

(٤) انظر: الفتوى الموسومة ﺑ: «في العمل بقضايا الأعيان» تحت رقم: (٤٥٤) على الموقع الرَّسمي على الشبكة العنكبوتية.

(٥) أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» (١٢٩٧)، والبيهقيُّ بلفظِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» في «السنن الكبرى» (٩٥٢٤)، مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

.: كل منشور لم يرد ذكره في الموقع الرسمي لا يعتمد عليه ولا ينسب إلى الشيخ :.

.: منشورات الموقع في غير المناسبات الشرعية لا يلزم مسايرتها لحوادث الأمة المستجدة،

أو النوازل الحادثة لأنها ليست منشورات إخبارية، إعلامية، بل هي منشورات ذات مواضيع فقهية، علمية، شرعية :.

.: تمنع إدارة الموقع من استغلال مواده لأغراض تجارية، وترخص في الاستفادة من محتوى الموقع

لأغراض بحثية أو دعوية على أن تكون الإشارة عند الاقتباس إلى الموقع :.

جميع الحقوق محفوظة (1424ھ/2004م - 1436ھ/2014م)