في حكم تخريج الفروع على القواعد الفقهيَّة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 10 ذي القعدة 1445 هـ الموافق لـ 18 مايو 2024 م

الفتوى رقم: ١٢٩١

الصنف: فتاوى الأصول والقواعد الفقهيَّة ـ القواعد الفقهيَّة

في حكم تخريج الفروع على القواعد الفقهيَّة

السؤال:

تَوهَّم بعضُ الإخوة ممَّنْ كانوا يأخذون مِنْ تطبيقاتِ فتاويكم لبعضِ القواعد أو يردُّون الحكمَ إليها: أنَّها مِنْ تخريج الفروع على الأصول؛ فكانوا ينشرونها في الشَّبكةِ ومواقع التَّواصلِ على أنَّها كذلك، ويتلقَّفُها عنهم غيرُهم على تلك الصِّفةِ؛ غير أنَّ تطبيقاتِ القواعد التي كانوا ينشرونها مِنْ فتاويكم لا تعدو ـ في حقيقة الأمر عند التأمُّل ـ أَنْ تكون تخريجًا للفروعِ على القواعد الفقهيَّة؛ علمًا أنَّ هذه القواعدَ التي مثَّلوا بها واستشهدوا بإعمالكم لها في فتاويكم ـ في الغالب ـ ليست قواعدَ أصوليَّةً بل هي فقهيَّةٌ؛ فما حكمُ اعتبارِ ذلك مِنْ تخريج الفروع على الأصول كما سمَّوْها أو على القواعد الفقهيَّة إِنْ صحَّ ذلك؟ وهل يمكن عَدُّ ذِكرِ الفروع الفقهيَّة المُندرِجةِ تحت القواعد الفقهيَّة مِنْ «تخريج الفروع على الأصول» بحيث تكون محلَّ استنباطِ الأحكام؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالقاعدةُ الفقهيَّةُ باعتبارها تجمع شتاتَ أحكامِ المَسائلِ الفقهيَّةِ برباطٍ قياسيٍّ مُوحَّدٍ؛ فإنَّ الفرَضَ الذِّهنيَّ يقتضي أَنْ تكون القاعدةُ الفقهيَّة مُتأخِّرةً عن تلك الفروعِ والأحكام التي تجمع معانِيَها، إذ القواعدُ الفقهيَّةُ نِتَاجُ الفروعِ الفقهيَّة وليست أصلًا في إثباتِ حُكمِ جزئيَّاتها، بخلافِ القاعدة الأصوليَّة فإنها تكون سابقةً للحكم مُنشِئةً له؛ وبناءً على هذا الاعتبارِ، فلا يُتصوَّرُ تخريجُ حكمٍ شرعيٍّ مِنْ قاعدةٍ فقهيَّةٍ هي عبارةٌ عن أحكامٍ أغلبيَّةٍ غيرِ مُطَّرِدةٍ قلَّما تخلو مِنْ مُستثنَيَاتٍ في فروع الأحكام التطبيقيَّة الخارجة عنها، إلَّا إذا كان الحكمُ الشرعيُّ أحَدَ مضامين القاعدة، أو كان تحصيلُ الفرع مِنْ باب تخريج الفروع على الفروع(١)، وهو ما يُعبَّر عنه ـ أيضًا ـ بلفظ: «التخريج بطريق القياس»، أو كانت الفروعُ المستثناةُ مِنَ القاعدة تربطها وحدةٌ موضوعيَّةٌ مِنَ الأشباه والنَّظائر يجمعها قياسٌ واحدٌ تُمثِّل قواعدَ مُستقِلَّةً بذاتها أو قواعدَ فرعيَّةً تكون ـ حالتَئذٍ ـ أَلْيَقَ بالتخريج على قاعدةٍ أخرى؛ قال السيوطيُّ ـ رحمه الله ـ: «اعْلَمْ أنَّ فَنَّ الأشباه والنَّظائر فَنٌّ عظيمٌ، به يُطَّلَعُ على حقائق الفقهِ ومَدارِكه، ومَآخِذِه وأسرارِه، ويُتمَهَّرُ في فهمِه واستحضارِه، ويُقتدَر على الإلحاق والتَّخريج، ومعرفةِ أحكام المَسائل الَّتي ليسَتْ بمسطورةٍ، والحوادثِ والوقائع الَّتي لا تنقضي على مَمَرِّ الزَّمان، ولهذا قال بعضُ أصحابِنا: الفِقهُ معرفةُ النَّظائِر»(٢)؛ والمعلومُ أنَّ المجتهدَ ـ حالَ اجتهادِه في الوصول إلى الأحكام الشرعيَّة الفرعيَّة ـ فإنه يستعين بالقواعد الأصوليَّة سعيًا منه لاستنباط الأحكام الشرعيَّة العمليَّة مِنْ أدلَّتها التفصيليَّة، ثمَّ بعد استخراجِ عِدَّةِ أحكامٍ فرعيَّةٍ فإنه ينظر في الأشباه والنظائر فيُلحِقُ الشَّبيهَ بشبيهه والنظيرَ بنظيره، ثمَّ يقوم بصياغةِ القاعدةِ الفقهيَّة صياغةً مُوجَزةً بكلماتٍ مُحكَمةٍ مِنْ ألفاظ العموم، قَصْدَ استيعابِ جميعِ أحكامِ المسائل الفرعيَّة المُندرِجةِ في القاعدة، لِيَستعينَ بها الباحثُ بعده على استحضارِ الجزئيَّات الفقهيَّة المُستخرَجةِ مِنْ موضوعاتها المختلفة وضبطِها، كما تُساعِدُه ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ على تَفادي التَّناقضِ في الأحكام المتشابهة، وتُعينُه ـ أيضًا ـ على حفظِ الفقه وضبطِه؛ وعلى التَّفقُّه وفهمِ أسرار التشريع، مع تلمُّسِ الحكم الشرعيِّ في العديد مِنْ مسائل الفقه؛ فالقاعدة الفقهيَّة ـ إذن ـ مِنْ حيث استنباطُ الحكمِ الشرعيِّ العمليِّ لا يُستنبَط بها لأنَّها تاليةٌ للحكمِ، لكِنْ مِنْ حيث كونُها ضابطةً مُجمِّعةً فهي تجمع تحتها فروعًا وأحكامًا فقهيَّةً كثيرةً بلا واسطةٍ بما يسمح بضبطِها ووَعيِها؛ فإِنْ كانت تلك الفروعُ في بابٍ واحدٍ سُمِّيَتْ ضابطًا فقهيًّا، وإِنْ كانت مِنْ أبوابٍ شتَّى فتلك هي القاعدةُ الفقهيَّة بالمفهوم الأخصِّ(٣).

فحاصلُ الجواب: أنَّ القواعدَ الفقهيَّة ـ مِنْ حيث ذاتُها ـ لا مجالَ لها في بابِ تخريج الفروع على الأصول، وإنَّما تكون في باب تخريج الفروع على الفروع أو على القواعد الفقهيَّة للإمام كما تَقدَّم في الهامش.

أمَّا مِنْ حيثُ استمدادُ وجودِها فمِنْ مصادرِ الفقهِ نفسِه، فثُبوتُها حاصلٌ بالنُّصوص الشَّرعيَّةِ مِنَ الآيات القرآنيَّةِ والأحاديث النَّبويَّة الَّتي تُعَدُّ أوسعَ مصدرٍ لها وأَخصبَه، ثمَّ يليهما ـ مِنْ جهةِ مصادرِ ثبوتِها ـ: الإجماعُ والمعقولُ وغيرُهُما كما هو مفصَّلٌ في الفتوَى الموسومة ﺑ: «تنوُّع مصادر القواعدِ الفقهيَّةِ» برقم: ١٣٤١.

وعليه، فالأحكامُ الشرعيَّةُ العمليَّةُ لا تُستخرَجُ بالقواعد الفقهيَّة، وإنما تُستنبَطُ مِنَ النصوص الشَّرعيَّة بالقواعد الأصوليَّة التي تتوسَّط الدليلَ والحُكم، أي: بها يُتوصَّل إلى الحكم مِنَ الدليل التفصيليِّ؛ وموضوعُها دائمًا الدليلُ والحكمُ؛ بخلاف القاعدة الفقهيَّة فإنَّ موضوعها دائمًا هو فعلُ المكلَّف لِتَعلُّقِها بالحكم؛ فبالتالي فإنَّ تخريجَ الفروعِ على الأصول أو الأحكامِ على الأدلَّة إنما هو قاصرٌ على القواعد الأصوليَّةِ دون الفقهيَّة.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٣ شوَّال ١٤٤٣ﻫ
المُوافق ﻟ: ١٤ ماي ٢٠٢٢م



(١) تخريج الفروع على الفروع: هو إلحاقُ مسألةٍ فرعيَّةٍ لم يَرِدْ فيها نصٌّ عن الإمام بمسألةٍ فرعيَّةٍ مُشابِهةٍ لها في الحكم؛ لاتِّفاقهما في عِلَّةِ الحكم عند المُخرِّج، أو بإدخالها في أصلٍ مِنْ أصولِ الإمام أو في قاعدةٍ له دون تخريجٍ على فرعٍ منصوصٍ عنه؛ لأنَّ تخريج فرعٍ غيرِ منصوصٍ عن الإمام على فرعٍ منصوصٍ عنه لِعِلَّةٍ جامعةٍ ـ وهو ما يسمَّى ﺑ: «قياس المذهب» ـ هو بخلافِ «التخريج»؛ [انظر: «المدخل المفصَّل لمذهب الإمام أحمد وتخريجات الأصحاب» لبكر أبوزيد (١/ ٢٧٤ـ ٢٧٥)، «التخريج عند الفقهاء والأصوليِّين» لباحسين (١٨٦ ـ ١٨٧)].

(٢) «الأشباه والنظائر» للسيوطي (٦).

(٣) انظر: «الفروق» للقرافي (١/ ٢ ـ ٣).