في اختيارِ العبدِ لأفعاله بإرادته | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 10 رجب 1444 هـ الموافق لـ 01 فبراير 2023 م

الفتوى رقم: ٢٨

الصنف: فتاوى العقيدة ـ أركان الإيمان ـ القدر

في اختيارِ العبدِ لأفعاله بإرادته

السؤال:

عقيدةُ أهلِ السُّنةِ والجماعةِ أنَّ ما شاء اللهُ كان وما لم يشَأْ لم يكُنْ، وهنا تنقدح في نفسي شبهةٌ وهي: الفعلُ ـ بغضِّ النظرِ عن مشيئةِ العبدِ له أو عدمِها ـ واقعٌ بمشيئةِ اللهِ، فإذا عصى العبدُ اللهَ فإنَّ عصيانَه بمشيئةِ اللهِ، وتَوَسُّطُ مشيئةِ العبدِ بين مشيئةِ اللهِ والفعلِ لا وَزْنَ له؛ لأنها ـ أي: مشيئةَ العبدِ ـ وجودُها كعدمِها سواءٌ إلى جانبِ مشيئةِ اللهِ، فإذا شاءَ اللهُ أَنْ يفعل العبدُ شيئًا فَعَلَهُ، وإذا لم يشَإِ اللهُ أَنْ يفعله العبدُ لم يفعَلْهُ.

سؤالي: ألَا يعني هذا أنَّ العبدَ مُكْرَهٌ ومجبورٌ على أفعالِه الحسنِ منها والقبيحِ؟ وإذا كان الجوابُ بنعمْ: فكيف يُعَاقَبُ على عصيانِه؟ أفيدونا جزاكم اللهُ خيرًا، فهذا أمرٌ حيَّرَني.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ ـ وفَّقني اللهُ وإيَّاك للخيرِ ـ «أنَّ مذهبَ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة [كما قرَّره ابنُ تيميَّة] في هذا البابِ وغيرِه: ما دلَّ عليه الكتابُ والسُّنَّةُ وكان عليه السابقون الأوَّلون مِنَ المهاجرين والأنصار والذين اتَّبَعوهم بإحسانٍ: وهو أنَّ اللهَ خالقُ كُلِّ شيءٍ وربُّه ومليكُه، وقد دخَلَ في ذلك جميعُ الأعيانِ القائمة بأنفُسِها وصِفَاتِها القائمةِ بها مِنْ أفعال العباد وغيرِ أفعال العباد، وأنه سبحانه ما شاء كان وما لم يشَأْ لم يكن، فلا يكون في الوجود شيءٌ إلَّا بمشيئته وقُدرتِه لا يمتنع عليه شيءٌ شاءه، بل هو قادرٌ على كُلِّ شيءٍ، ولا يشاء شيئًا إلَّا وهو قادرٌ عليه، وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وقد دخَلَ في ذلك أفعالُ العباد وغيرُها، وقد قدَّر اللهُ مقاديرَ الخلائقِ قبل أَنْ يخلقهم: قدَّر آجالَهُم وأرزاقَهم وأعمالَهم وكتَبَ ذلك، وكتَبَ ما يصيرون إليه مِنْ سعادةٍ وشقاوةٍ؛ فهُم يؤمنون بخَلْقه لكُلِّ شيءٍ وقُدرتِه على كُلِّ شيءٍ ومشيئتِه لكُلِّ ما كان وعِلمِه بالأشياء قبل أَنْ تكون وتقديرِه لها وكتابَتِه إيَّاها قبل أَنْ تكون؛ وغُلاةُ القَدَريَّة يُنكِرون عِلمَه المتقدِّمَ وكتابتَه السابقةَ ويزعمون أنه أمرٌ ونهيٌ، وهو لا يعلم مَنْ يطيعه ممَّنْ يَعصيه، بل الأمر أُنُفٌ: أي مُستأنَفٌ؛ وهذا القول أوَّلَ ما حدَثَ في الإسلام: بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين وبعد إمارةِ معاويةَ بنِ أبي سفيان في زمن الفتنة التي كانت بين ابنِ الزبير وبين بني أُميَّة في أواخرِ عصرِ عبدِ الله بنِ عمر وعبدِ الله بنِ عبَّاسٍ وغيرِهما مِنَ الصحابة، وكان أوَّلُ مَنْ ظهَرَ عنه ذلك بالبصرة مَعبَدٌ الجُهَنيُّ، فلمَّا بلَغَ الصحابةَ قولُ هؤلاء تَبرَّءوا منهم وأَنكرُوا مقالتَهم، كما قال عبد الله بنُ عمر لمَّا أُخبِرَ عنهم: «إِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ: أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي»(١)، وكذلك كلامُ ابنِ عبَّاسٍ وجابر بنِ عبد الله وواثلةَ بنِ الأسقع وغيرِهم مِنَ الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ وسائرِ أئمَّةِ المسلمين فيهم كثيرٌ، حتَّى قال فيهم الأئمَّةُ كمالكٍ والشافعيِّ وأحمد بنِ حنبلٍ وغيرِهم: إنَّ المُنكِرين لِعِلمِ الله المتقدِّمِ يكفرون؛ ثمَّ كَثُرَ خوضُ الناس في القَدَر، فصار جمهورُهم يُقِرُّ بالعلم المتقدِّمِ والكتابِ السابق، لكِنْ يُنكِرون عمومَ مشيئةِ الله وعمومَ خَلْقِه وقُدرتِه، ويظنُّون أنه لا معنَى لمشيئتِه إلَّا أمرُه، فما شاءه فقَدْ أمَرَ به، وما لم يشَأْهُ لم يأمر به، فلَزِمَهم أَنْ يقولوا: إنه قد يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء، وأَنكرُوا أَنْ يكون اللهُ تعالى خالقًا لأفعال العباد أو قادرًا عليها أو أَنْ يخصَّ بعضَ عِبادِه مِنَ النِّعَمِ بما يقتضي إيمانَهم به وطاعتَهم له، وزعموا أنَّ نِعمتَه التي يمكن بها الإيمانُ والعملُ الصالح على الكُفَّار كأبي لهبٍ وأبي جهلٍ مثلُ نِعمتِه بذلك على أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ، بمنزلةِ رجلٍ دفَعَ لأولاده مالًا فقسَمَه بينهم بالسويَّة، لكنَّ هؤلاء أَحدثوا أعمالَهُم الصالحةَ وهؤلاء أَحدثوا أعمالَهُم الفاسدةَ مِنْ غيرِ نعمةٍ خصَّ اللهُ بها المؤمنين، وهذا قولٌ باطلٌ، وقد قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيۡكَ أَنۡ أَسۡلَمُواْ‌ۖ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسۡلَٰمَكُم‌ۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيۡكُمۡ أَنۡ هَدَىٰكُمۡ لِلۡإِيمَٰنِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٧[الحُجُرات]، وقال تعالى: ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِ‌ۚ لَوۡ يُطِيعُكُمۡ فِي كَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ لَعَنِتُّمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَ‌ۚ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ ٧[الحُجُرات]؛ وقد أمَرَنا اللهُ أَنْ نقول في صلاتنا: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ٦ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ ٧[الفاتحة]، وقال أهلُ الجنَّة: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ[الأعراف: ٤٣]، وقال الخليلُ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه: ﴿رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ[البقرة: ١٢٨]، وقال: ﴿رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي[إبراهيم: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ[السجدة: ٢٤]، وقال: ﴿وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ[القَصص: ٤١]، ونصوصُ الكتابِ والسُّنَّةِ وسلفِ الأُمَّةِ المبيِّنةُ لهذه الأصولِ كثيرةٌ، مع ما في ذلك مِنَ الدلائل العقليَّةِ الكثيرة على ذلك»(٢).

واعْلَمْ ـ أيضًا ـ أنَّ الإرادة تأتي بمعنى المحبَّة وهي الإرادةُ الشرعيَّةُ، وهي تستلزم القضاءَ والحُكمَ الشرعيَّ، وتأتي بمعنى المشيئة وهي الإرادةُ الكونيَّةُ القَدَريَّةُ المُستلزِمةُ للقضاء والحكمِ الكونيِّ القَدَريِّ؛ فالأولى تَستلزِمُ المحبَّةَ والطاعةَ وقد يقع مُتعلَّقُها وقد لا يقع، والثانية تقتضي الوقوعَ وقد يكون مُتعلَّقُها محبوبًا لله وطاعةً وقد لا يكون؛ فلا تَلازُمَ بين المحبَّة والمشيئة، وهما تجتمعان في المؤمن والطائع، وتفترقان في الكافر والعاصي؛ فالإرادةُ الكونيَّة لا يخلو منها أيُّ مخلوقٍ ولا تنفكُّ عنه بحالٍ فكُلُّهم تحت مشيئَتِه عبيدٌ مقهورون لربوبيَّتِه لا يملكون عنها خروجًا، والإرادة الشرعيَّة لا يخلو مِنْ مُتعلَّقِها الكونُ، ففيه لله مَنْ هو طائعٌ قائمٌ بحقِّ ألوهيَّتِه؛ وقدرةُ العبد ومشيئتُه وفِعلُه كُلُّها مخلوقةٌ وخاضعةٌ لمشيئةِ الله.

وعليه فقضاءُ الله قسمان: كونيٌّ قَدَريٌّ، وشرعيٌّ دِينيٌّ.

فالأوَّلُ: هو قضاءٌ كونيٌّ قَدَرِيٌّ، ووقوعُه ضروريٌّ لِمَشيئةِ اللهِ النافذةِ في مُلْكِه، وهو لا يخلو مِنَ الحِكْمَة؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ١١٧[البقرة]، وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ ١١[الرعد]، ويقدِّر على عبادِه فِعلَ الطاعةِ أو المعصيةِ ولا يقهرهم عليها، والقضاءُ الكونيُّ القدريُّ محجوبٌ عِلْمُه عن العبد، فلا يُقبَلُ منه الاحتجاجُ به، كما أنه لا يقبل مِنْ غيره ـ إذا أساء إليه ـ أَنْ يحتجَّ بالقدَرِ، وكما أنَّ الإساءة بقدَرٍ فعقوبةُ المُسيءِ هي بقدَرِ الله أيضًا، كما أنَّ الذمَّ يلحق مَنِ اتَّصَف بالصفة المذمومة لا بخالقها، فنبغض الفواسقَ المؤذيةَ مِنَ الحيوان ونُحِبُّ ما فيه منفعةٌ لنا منه، ولا يُحَاسَبُ العبدُ ثوابًا ولا عقابًا مِنْ هذه الجهة، ولكِنْ يَلْزَمُه الشكرُ إِنْ ترتَّب عن نفاذِ قضائِه نعمةٌ، والصبرُ إِنْ أصابَه سوءٌ عن نفاذِ قضائِه، والاعترافُ بالمِنَّةِ فيه لله إِنْ كان توفيقًا لطاعةٍ، والعَودُ على النفس باللائمة مع المبادرة إلى التوبة إِنْ كان تخليةً بينه وبين معصيةٍ.

الثاني: القضاءُ الشَّرعيُّ الدِّينيُّ، فإنَّ إرادةَ العبدِ واختيارَه تتعلَّق به، ويُبْنَى عليه التكليفُ الشرعيُّ بالأمرِ والنهيِ، وهو مَنَاطُ الثوابِ والعقابِ، واللهُ سبحانَه وتعالى أَظهرَ لنا إرادتَه الشرعيَّةَ الدِّينيَّةَ وقضاءَه عن طريقِ الرُّسُلِ والوحيِ مِنْ حلالٍ وحرامٍ، وَوَعْدٍ ووعيدٍ، وَمَنَحَ لذلك القدرةَ والاستطاعةَ، ولَمَّا كان القضاءُ الكونيُّ القَدَريُّ شاملًا لكُلِّ ما كان وما يكون إلى يومِ القيامةِ، فإنَّ القضاءَ الدِّينيَّ الشرعيَّ يخضع له ولا يخرج عنه، إذ لا يشذُّ عن القضاءِ الكونيِّ القدريِّ شيءٌ مِنَ الموجوداتِ.

وعليه، فاللهُ تعالى أَحبَّ مِنْ عبادِه الطاعةَ وأمَرَهم بها أمرًا شرعيًّا، ولم يُحِبَّ منهم المعصيةَ ونهاهم عنها قضاءً شرعيًّا دينيًّا تكليفيًّا، وما وقَعَ مِنَ الطاعات والمَعاصي وغيرِها فهو بمشيئة الله وأمرِه القدريِّ، وما لم يقع منها فلِأَنَّ اللهَ لم يشَأْ وقوعَها، يدخل في قدرةِ المكلَّفِ الفعلُ والتركُ، وهو موكولٌ إلى اختيارِه، لكِنْ سبق عِلْمُ اللهِ ومضَتْ مشيئتُه أنَّ بعضَهم سَيَمْضِي باختيارِه في سبيلِ الحقِّ والطاعةِ، كما عَلِمَ وشاء سبحانَه أنَّ بعضَهم يختارُ سبيلَ الغَيِّ والضلالِ، فقضى سبحانَه لأهلِ الطاعةِ بالثوابِ، وقضى لأهلِ الغَيِّ والضلالِ بالعقابِ قضاءً كونيًّا قدريًّا سَبَقَ به عِلْمُه وكتابتُه ومشيئتُه سبحانَه، وليس في ذلك قهرٌ بما سيفعله المكلَّفُ باختيارِه؛ لأنه قضاءٌ كونيٌّ غيبيٌّ لا يعلمه إلَّا اللهُ سبحانَه، لا يجوز للعاصي أَنْ يحتجَّ على ذنبه وتقصيرِه في أداءِ الطاعةِ بالقضاءِ الكونيِّ القَدَريِّ حيث لا حجَّةَ فيه لأحَدٍ، ومِنْ جهةٍ أخرى لا يجوزُ لأحَدٍ تركُ العملِ مِنْ بابِ الاتِّكالِ على ما سبَقَتْ به إرادةُ اللهِ الكونيَّةُ القدريَّةُ؛ لذلك قال النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم لمَنْ قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللهِ، فَلِمَ نَعْمَلُ؟ أَفَلَا نَتَّكِلُ؟» قَالَ: «لَا، اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنۡ أَعۡطَىٰ وَٱتَّقَىٰ ٥ وَصَدَّقَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ ٦[الليل] إلى قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡعُسۡرَىٰ ١٠[الليل](٣).

قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ ـ رحمه الله ـ: «إنَّ القَدَرَ ليس حجَّةً لأحَدٍ على اللهِ ولا على خَلْقِهِ، ولو جاز لأحَدٍ أَنْ يحتجَّ بالقَدَرِ على ما يفعلُه مِنَ السيِّئاتِ لم يُعاقَب ظالِمٌ، ولم يُقْتَل مُشْرِكٌ، ولم يُقَمْ حدٌّ، ولم يُكَفَّ أحَدٌ عن ظُلمِ أحَدٍ، وهذا مِنَ الفسادِ في الدِّينِ والدُّنيا المعلومِ ضرورةُ فسادِه بصريح المعقول المُطابِقِ لِمَا جاء به الرسولُ؛ فالقَدَرُ يُؤمَنُ به ولا يُحتَجُّ به، فمَنْ لم يُؤمِنْ بالقَدَر ضارع المجوسَ، ومَنِ احتجَّ به ضارع المشركين، ومَنْ أَقرَّ بالأمر والقَدَرِ وطعَنَ في عدلِ الله وحِكمَتِه كان شبيهًا بإبليسَ، فإنَّ الله ذكَرَ عنه أنه طعَنَ في حِكمَته وعارضه برأيه وهواه، وأنه قال: ﴿بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ[االحِجر: ٣٩]»(٤).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٧ صفر ١٤٢٧ﻫ
الموافق ﻟ: ١٨ مارس ٢٠٠٦م

تمَّ تعديلُها يوم: ١١ ذي الحِجَّة ١٤٤٣ﻫ
الموافق ﻟ: ١٠ يوليو ٢٠٢٢م



(١) أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (٨) مِنْ قولِ ابنِ عمر رضي الله عنهما عند روايتِه حديثَ جبريلَ عليه السلامُ المشهورِ عن أبيه رضي الله عنه.

(٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٨/ ٤٤٩).

(٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «التفسير» باب: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡعُسۡرَىٰ ١٠[الليل] (٤٩٤٩)، ومسلمٌ في «القَدَر» (٢٦٤٧)، وأحمد (٦٢١، ١٣٤٩)، مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه. واللفظُ لمسلمٍ.

(٤) «مجموعة الرسائل الكبرى» لابن تيمية (١/ ٣٥٣).

ولِمَزيدِ البسط في المسألة ومتعلِّقاتها أُحِيلُ القارئَ على المجلَّد الثامن مِنْ «مجموع الفتاوى» لابن تيميَّة، وعلى كتابِ «شفاء العليل في مسائل القضاء والقدَرِ والحكمة والتعليل» لابن القيِّم، وعلى جملةِ فصولٍ مِنْ مؤلَّفي: «الحُلَل الذهبيَّة» شرح «العقائد الإسلاميَّة مِنَ الآيات القرآنيَّة والأحاديث النبويَّة» لابن باديس، وهي:

ـ مِنَ الباب السادس: عقيدة الإثبات والتنزيه: الفصول ٤١، ٤٢، ٤٣.

ـ مِنَ الباب السابع: التوحيد العلمي والعملي: الفصول ٤٩، ٥١، ٥٣، ٥٤.

ـ جميع فصول الباب الثامن: الفصول ٥٦ ـ ٦١.