في اختيارِ العبدِ لأفعاله بإرادته | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 10 ذي القعدة 1445 هـ الموافق لـ 18 مايو 2024 م

الفتوى رقم: ٢٨

الصنف: فتاوى العقيدة ـ أركان الإيمان ـ القدر

في اختيارِ العبدِ لأفعاله بإرادته

السؤال:

عقيدةُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ أنَّ ما شاء اللهُ كان وما لم يشَأْ لم يكُنْ، وهنا تنقدح في نفسي شبهةٌ وهي: الفعلُ ـ بغضِّ النظرِ عن مشيئةِ العبدِ له أو عدمِها ـ واقعٌ بمشيئةِ اللهِ، فإذا عصى العبدُ اللهَ فإنَّ عصيانَه بمشيئةِ اللهِ، وتَوَسُّطُ مشيئةِ العبدِ بين مشيئةِ اللهِ والفعلِ لا وَزْنَ له؛ لأنها ـ أي: مشيئةَ العبدِ ـ وجودُها كعدمِها سواءٌ إلى جانبِ مشيئةِ اللهِ، فإذا شاءَ اللهُ أَنْ يفعل العبدُ شيئًا فَعَلَهُ، وإذا لم يشَإِ اللهُ أَنْ يفعله العبدُ لم يفعَلْهُ.

سؤالي: ألَا يعني هذا أنَّ العبدَ مُكْرَهٌ ومجبورٌ على أفعالِه الحسنِ منها والقبيحِ؟ وإذا كان الجوابُ بنعمْ: فكيف يُعَاقَبُ على عصيانِه؟ أفيدونا جزاكم اللهُ خيرًا، فهذا أمرٌ حيَّرَني.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقد دلَّت نصوصُ الكتابِ والسُّنَّةِ على أنَّ للإنسانِ إرادةً ومشيئةً، وأنَّه فاعلٌ حقيقةً،  غيرَ أنَّ كُلَّ أفعالِهِ الاختياريَّةِ لا تخرجُ عن علمِ الله وإرادتِه ومشيئتِه؛ ويدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَسۡتَقِيمَ ٢٨ وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٩[التكوير]؛ ذلك لأنَّ مذهبَ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة هو: «أنَّ اللهَ خالقُ كُلِّ شيءٍ وربُّه ومليكُه، وقد دخَلَ في ذلك جميعُ الأعيانِ القائمةِ بأنفُسِها وصِفَاتِها القائمةِ بها مِنْ أفعال العباد وغيرِ أفعال العباد، وأنه سبحانه ما شاء كان وما لم يشَأْ لم يكن، فلا يكون في الوجود شيءٌ إلَّا بمشيئته وقُدرتِه لا يمتنع عليه شيءٌ شاءه، بل هو قادرٌ على كُلِّ شيءٍ، ولا يشاء شيئًا إلَّا وهو قادرٌ عليه، وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وقد دخَلَ في ذلك أفعالُ العباد وغيرُها، وقد قدَّر اللهُ مقاديرَ الخلائقِ قبل أَنْ يخلقَهم: قدَّر آجالَهُم وأرزاقَهم وأعمالَهم وكتَبَ ذلك، وكتَبَ ما يصيرون إليه مِنْ سعادةٍ وشقاوةٍ؛ فهُم يؤمنون بخَلْقه لكُلِّ شيءٍ، وقُدرتِه على كُلِّ شيءٍ، ومشيئتِه لكُلِّ ما كان، وعِلمِه بالأشياء قبل أَنْ تكون، وتقديرِه لها، وكتابَتِه إيَّاها قبل أَنْ تكون»(١).

وأمَّا قولكم: «ألَا يعني هذا أنَّ العبدَ مُكْرَهٌ ومجبورٌ على أفعالِه الحسنِ منها والقبيحِ؟» فقد أجابَ عنه ابنُ تيميةَ ـ رحمه الله ـ بقوله: «وكذلك لفظُ الجَبرِ إذا قال: هلِ العبدُ مجبورٌ أو غيرُ مجبورٍ؟ قِيلَ: إِنْ أرادَ بالجبرِ أنَّه ليس له مشيئةٌ أو ليس له قدرةٌ أو ليس له فعلٌ فهذا باطلٌ؛ فإنَّ العبدَ فاعلٌ لأفعالِه الاختياريَّة، وهو يفعلُها بقُدرتِه ومشيئتِه، وإِنْ أرادَ بالجَبرِ أنَّه خالقُ مشيئتِه وقدرتِه وفعلِه فإنَّ اللهَ تعالى خالقُ ذلكَ كُلِّه»(٢).

ثمَّ اعْلَمْ ـ أيضًا ـ أنَّ الإرادة تأتي بمعنى المحبَّة وهي الإرادةُ الشرعيَّةُ، وهي تستلزم القضاءَ والحُكمَ الشرعيَّ، وتأتي بمعنى المشيئة وهي الإرادةُ الكونيَّةُ القَدَريَّةُ المُستلزِمةُ للقضاء والحكمِ الكونيِّ القَدَريِّ؛ فالأولى تَستلزِمُ المحبَّةَ والطاعةَ وقد يقع مُتعلَّقُها وقد لا يقع، والثانية تقتضي الوقوعَ وقد يكون مُتعلَّقُها محبوبًا لله وطاعةً وقد لا يكون؛ فلا تَلازُمَ بين المحبَّة والمشيئة، وهما تجتمعان في المؤمن والطائع، وتفترقان في الكافر والعاصي؛ فالإرادةُ الكونيَّة لا يخلو منها أيُّ مخلوقٍ ولا تنفكُّ عنه بحالٍ فكُلُّهم تحت مشيئَتِه عبيدٌ مقهورون لربوبيَّتِه لا يملكون عنها خروجًا، والإرادة الشرعيَّة لا يخلو مِنْ مُتعلَّقِها الكونُ، ففيه لله مَنْ هو طائعٌ قائمٌ بحقِّ ألوهيَّتِه؛ وقدرةُ العبدِ ومشيئتُه وفِعلُه كُلُّها مخلوقةٌ وخاضعةٌ لمشيئةِ الله.

وعليه فقضاءُ الله قسمان: كونيٌّ قَدَريٌّ، وشرعيٌّ دِينيٌّ.

فالأوَّلُ: هو قضاءٌ كونيٌّ قَدَرِيٌّ، ووقوعُه ضروريٌّ لِمَشيئةِ اللهِ النافذةِ في مُلْكِه، وهو لا يخلو مِنَ الحِكْمَة؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ١١٧[البقرة]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ ١١[الرعد]، ويقدِّر على عبادِه فِعلَ الطاعةِ أو المعصيةِ، وأفعالُهُم الاختياريَّةٌ واقعةٌ منهم باختيارهم مع كونها بمشيئته سبحانه، والقضاءُ الكونيُّ القَدَريُّ محجوبٌ عِلْمُه عن العبد، فلا يُقبَلُ منه الاحتجاجُ به، كما أنه لا يقبل هو نفسُه  مِنْ غيره إذا أساء إليه  أَنْ يحتجَّ بالقدَرِ، وكما أنَّ الإساءةَ بقدَرٍ فعقوبةُ المُسيءِ هي بقدَرِ الله أيضًا، وأنَّ الذمَّ يلحق مَنِ اتَّصَف بالصِّفة المذمومة لا بخالقها، ولا يُحَاسَبُ العبدُ ثوابًا ولا عقابًا على ما قُدِّر عليه مِنْ غيرِ أفعاله الاختياريَّة مِنْ هذه الجهة، ولكِنْ يَلْزَمُه الشكرُ إِنْ ترتَّب عن نفاذِ قضائِه نعمةٌ، والصبرُ إِنْ أصابَه عن نفاذِ قضائِه سوءٌ، والاعترافُ بالمِنَّةِ فيه لله إِنْ كان توفيقًا لطاعةٍ، والعَودُ على النفس باللائمة مع المبادرة إلى التوبة إِنْ كان تخليةً بينه وبين معصيةٍ.

الثاني: القضاءُ الشَّرعيُّ الدِّينيُّ، فإنَّ إرادةَ العبدِ واختيارَه تتعلَّق به، ويُبْنَى عليه التكليفُ الشرعيُّ بالأمرِ والنهيِ، وهو مَنَاطُ الثوابِ والعقابِ، واللهُ سبحانَه وتعالى أَظهرَ لنا إرادتَه الشرعيَّةَ الدِّينيَّةَ وقضاءَه عن طريقِ الرُّسُلِ والوحيِ مِنْ حلالٍ وحرامٍ، وَوَعْدٍ ووعيدٍ، وَمَنَحَ لذلك القدرةَ والاستطاعةَ، ولَمَّا كان القضاءُ الكونيُّ القَدَريُّ شاملًا لكُلِّ ما كان وما يكون إلى يومِ القيامةِ، فإنَّ امتثالَ القضاءِ الدِّينيِّ الشرعيِّ وقوعَه وتخلُّفَه يخضع له ولا يخرج عنه، إذ لا يشذُّ عن القضاءِ الكونيِّ القدريِّ شيءٌ مِنَ الموجوداتِ.

فالحاصلُ: أنَّ اللهَ تعالى أَحبَّ مِنْ عبادِه الطاعةَ وأمَرَهم بها أمرًا شرعيًّا، ولم يُحِبَّ منهم المعصيةَ ونهاهم عنها قضاءً شرعيًّا دينيًّا تكليفيًّا، وما وقَعَ مِنَ الطاعات والمَعاصي وغيرِها فهو بمشيئة الله وأمرِه القدريِّ، وما لم يقع منها فلِأَنَّ اللهَ لم يشَأْ وقوعَها، يدخل في قدرةِ المكلَّفِ الفعلُ والتركُ، وهو موكولٌ إلى اختيارِه، لكِنْ سبق عِلْمُ اللهِ ومضَتْ مشيئتُه أنَّ بعضَهم سَيَمْضِي باختيارِه في سبيلِ الحقِّ والطاعةِ، كما عَلِمَ وشاء سبحانَه أنَّ بعضَهم يختارُ سبيلَ الغَيِّ والضلالِ، فقضى سبحانَه لأهلِ الطاعةِ بالثَّوابِ، وقضى لأهلِ الغَيِّ والضلالِ بالعقابِ قضاءً كونيًّا قدريًّا سَبَقَ به عِلْمُه وكتابتُه ومشيئتُه سبحانَه، وليس في ذلك ما ينفي كونَه مختارًا للفعل بحيث يستحقُّ به جزاءَه؛ كما أنه قضاءٌ كونيٌّ غيبيٌّ لا يعلمه إلَّا اللهُ سبحانَه، لا يجوز للعاصي أَنْ يحتجَّ على ذنبه وتقصيرِه في أداءِ الطاعةِ بالقضاءِ الكونيِّ القَدَريِّ حيث لا حجَّةَ فيه لأحَدٍ، كما أنه ـ هو نفسه ـ لا يقبل ذلك مِنْ غيرِه إِنْ كان منه تقصيرٌ في حقِّه أو عدوانٌ عليه، ومِنْ جهةٍ أخرى لا يجوزُ لأحَدٍ تركُ العملِ مِنْ بابِ الاتِّكالِ والإحالةِ على ما سبَقَتْ به إرادةُ اللهِ الكونيَّةُ القدريَّةُ؛ لذلك قال النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم لمَنْ قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللهِ، فَلِمَ نَعْمَلُ؟ أَفَلَا نَتَّكِلُ؟» قَالَ: «لَا، اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنۡ أَعۡطَىٰ وَٱتَّقَىٰ ٥ وَصَدَّقَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ ٦[الليل] إلى قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡعُسۡرَىٰ ١٠[الليل](٣).

قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ ـ رحمه الله ـ: «إنَّ القَدَرَ ليس حجَّةً لأحَدٍ على اللهِ ولا على خَلْقِهِ، ولو جاز لأحَدٍ أَنْ يحتجَّ بالقَدَرِ على ما يفعلُه مِنَ السيِّئاتِ لم يُعاقَب ظالِمٌ، ولم يُقْتَل مُشْرِكٌ، ولم يُقَمْ حدٌّ، ولم يُكَفَّ أحَدٌ عن ظُلمِ أحَدٍ، وهذا مِنَ الفسادِ في الدِّينِ والدُّنيا المعلومِ ضرورةُ فسادِه بصريح المعقول المُطابِقِ لِمَا جاء به الرسولُ؛ فالقَدَرُ يُؤمَنُ به ولا يُحتَجُّ به، فمَنْ لم يُؤمِنْ بالقَدَر ضارع المجوسَ، ومَنِ احتجَّ به ضارع المشركين، ومَنْ أَقرَّ بالأمر والقَدَرِ وطعَنَ في عدلِ الله وحِكمَتِه كان شبيهًا بإبليسَ، فإنَّ الله ذكَرَ عنه أنه طعَنَ في حِكمَته وعارضه برأيه وهواه، وأنه قال: ﴿بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ[االحِجر: ٣٩]»(٤).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٧ صفر ١٤٢٧ﻫ
الموافق ﻟ: ١٨ مارس ٢٠٠٦م

تمَّ تعديلُها يوم: ١١ ذي الحِجَّة ١٤٤٣ﻫ
الموافق ﻟ: ١٠ يوليو ٢٠٢٢م



(١) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٨/ ٤٤٩).

(٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٦٦٤)

(٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «التفسير» باب: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡعُسۡرَىٰ ١٠[الليل] (٤٩٤٩)، ومسلمٌ في «القَدَر» (٢٦٤٧)، وأحمد (٦٢١، ١٣٤٩)، مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه. واللفظُ لمسلمٍ.

(٤) «مجموعة الرسائل الكبرى» لابن تيمية (١/ ٣٥٣).

ولِمَزيدِ البسط في المسألة ومتعلِّقاتها أُحِيلُ القارئَ على المجلَّد الثامن مِنْ «مجموع الفتاوى» لابن تيميَّة، وعلى كتابِ «شفاء العليل في مسائل القضاء والقدَرِ والحكمة والتعليل» لابن القيِّم، وعلى جملةِ فصولٍ مِنْ مؤلَّفي: «الحُلَل الذهبيَّة» شرح «العقائد الإسلاميَّة مِنَ الآيات القرآنيَّة والأحاديث النبويَّة» لابن باديس، وهي:

ـ مِنَ الباب السادس: عقيدة الإثبات والتنزيه: الفصول ٤١، ٤٢، ٤٣.

ـ مِنَ الباب السابع: التوحيد العلمي والعملي: الفصول ٤٩، ٥١، ٥٣، ٥٤.

ـ جميع فصول الباب الثامن: الإيمان بالقدر: الفصول ٥٦ ـ ٦١.