في تحقيق تأويل ابن عباس رضي الله عنهما لصفة «الساق» في الآية ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 12 شعبان 1445 هـ الموافق لـ 22 فبراير 2024 م

الفتوى رقم: ٢٨٢

الصنف: فتاوى العقيدة ـ التوحيد وما يُضادُّه ـ الأسماء والصفات

في توجيه تفسيرِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما لصفةِ «الساق»

السؤال:

ورَدَ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما ومجاهدٍ في تفسيرِ آيةِ: ﴿يَوۡمَ يُكۡشَفُ عَن سَاقٖ[القلم: ٤٢]، بشِدَّة الهول والأمر، ألَا يُعَدُّ هذا مِنْ تأويل الصِّفات؟ أفيدونا جزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإنَّ الآيةَ يختلفُ تفسيرُها عند السَّلفِ باختلافِ اعتبارِ إطلاقِ لفظةِ «السَّاق» مِنْ غيرِ إضافتها إلى الله تعالى، أو بتقديرِ إضافتِها إليه سبحانه وتعالى، وبناءً عليه فإنَّ لفظةَ: «السَّاق» تحتمل معنيَيْن:

ـ المعنى الأوَّل: فمَنْ فسَّر اللفظةَ في الآية بمُفرَدها مِنْ غيرِ تقديرِ إضافةِ «السَّاق» إلى الله تعالى حمَلَها على المعنى اللغويِّ في عُرف الاستعمال وهو شدَّةُ الهولِ والأمرُ العظيمُ الفظيع(١)، وذلك عند ذهابِ الدنيا وإقبالِ الآخرة، وكشفِ الحجابِ والغشاوة، وانكشافِ الغطاء عن الأعمال، ويشهد لهذا التفسيرِ قولُ العرب: وقامَتِ الحَرْبُ بنا على ساقٍ، وقولُ الحجَّاج بنِ يوسف الثقفيِّ الشهيرُ:

قَدْ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقِهَا فَشُدُّوا *** وَجَدَّتِ الحَرْبُ بِكُمْ فَجِدُّوا

ولا يَلْزَم مِنْ هذا التفسيرِ تأويلُ الصِّفاتِ إذا لم يتأوَّلْ صاحبُ هذا القولِ الحديثَ الآتيَ ويَنفِ الصِّفةَ بتأويلٍ لا يحتمله الحديثُ، لأنَّ الآيةَ ليست ـ بهذا الوجهِ ـ مِنْ آيات الصِّفات عنده، أي: أنَّها ليست دالَّةً على صفةٍ أصلًا لأنَّها لم تُضِفِ «الساقَ» إلى الله تعالى؛ وبالمقابل لم يَنفِ صفةَ السَّاقِ الواردةَ في الحديث متأولًا لها بما لا يحتمله الحديثُ؛ وعلى هذا ينبغي أَنْ يُحمَل تفسيرُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما؛ لأنَّ تفسيرَه هذا لم يصرِّح بنفيِ صفةِ ساق الله حتَّى يقال: إنه تَأوَّلها، كما أنَّ هذا إنَّما ورَدَ في الآية لا في الحديث، لأنه لا يحتمل ما تحتمله الآيةُ، خاصَّةً لفظ البخاريِّ.

ـ المعنى الثاني: ومَنْ فسَّر الآية على أنَّ «السَّاقَ» فيها مُضافةٌ إلى الله تعالى(٢)، واعتبر أنَّ تجريدَها في الآية عن الإضافة هو مِنْ باب التعظيم، احتجَّ لها بحديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، فَيَبْقَى كُلُّ مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا»(٣)، فقد نصَّ الحديث على إثباتِ صفة السَّاق لله تعالى بإضافتها إليه سبحانه عند البخاريِّ بما يليق بجلاله وعظمَتِه مِنْ غيرِ تحريفٍ ولا تعطيلٍ ولا تكييفٍ ولا تمثيلٍ، والقولُ فيه كالقول في سائر صِفَاتِه تعالى, فكانت الآية ـ على هذا الوجه ـ مِنْ جملة آيات الصفات التي يجب إثباتُها مِنْ غيرِ تأويلها بشدَّةِ الهول وعِظَمِ الأمر، خلافًا للمعطِّلة ـ ومِنْ جُملتهم مُتأخِّرُو الأشاعرة ـ الذين حَمَلوا الآيةَ والحديثَ ـ على حدٍّ سواءٍ ـ على شِدَّة الأمر أو غيرِها مِنَ التَّأويلات كالكشف عن النور العظيم أو كشفِ الحجاب، مع نفيهم لصفةِ «السَّاقِ» مُطلَقًا ولا يُثبِتُونها لا بالقرآن ولا بالسُّنَّة مع أنَّ لفظ البخاريِّ لا يحتمل تأويلاتِهم.

هذا، وعلى التفسير الأوَّلِ وهو شِدَّةُ الهولِ فلا يقتضي ذلك منافاةً بين الآية والحديث ولا تأويلًا، لأنَّه يومٌ يكشف ربُّنا فيه عن ساقهِ حقيقةً مِنْ غير تأويلٍ ولا تعطيلٍ ولا تشبيهٍ ولا تمثيلٍ ولا تحريفٍ، فإنَّ ذلك اليومَ أمرٌ عظيمٌ ويومُ شدَّةٍ وهولٍ على المنافقين والكافرين لأجلِ كفرِهم ونفاقِهم وما قدَّمَتْه أيديهم فضلًا عن عجزِهم عن السجود لربِّ العالَمِين إذا دُعُوا إليه.

ويَحسنُ في هذا المقامِ  أَنْ أُورِدَ ما قرَّره ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ في هذه المسألة بقوله: «ليس في ظاهرِ القرآن أنَّ ذلك صفةٌ لله تعالى؛ لأنه قال: ﴿يَوۡمَ يُكۡشَفُ عَن سَاقٖ﴾، ولم يقل: عن ساق الله، ولا قال: يكشف الرَّبُّ عن ساقه، وإنَّما ذكَرَ ساقًا منكَّرةً غيرَ معرَّفةٍ ولا مُضافةٍ، وهذا اللفظُ بمجرَّده لا يدلُّ على أنها ساقُ الله؛ والذين جعلوا ذلك مِنْ صفات الله تعالى أَثبتوه بالحديث الصحيح المفسِّر للقرآن، وهو حديثُ أبي سعيدٍ الخُدريِّ المخرَّج في الصحيحين الذي قال فيه: «فيكشف الرَّبُّ عن ساقه»؛ وقد يقال: إنَّ ظاهر القرآن يدلُّ على ذلك مِنْ جهةِ أنه أَخبرَ أنه ﴿يُكۡشَفُ عَن سَاقٖ وَيُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ﴾، والسجودُ لا يصلح إلَّا لله؛ فعُلِم أنه هو الكاشفُ عن ساقه؛ وأيضًا فحملُ ذلك على الشِّدَّةِ لا يصحُّ لأنَّ المُستعمَلَ في الشِّدَّةِ أَنْ يُقالَ: كشَفَ اللهُ الشِّدَّةَ أي: أزالها كما قال: ﴿فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ إِذَا هُمۡ يَنكُثُونَ ٥٠[الزخرف]، وقال: ﴿فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُمُ ٱلرِّجۡزَ إِلَىٰٓ أَجَلٍ هُم بَٰلِغُوهُ[الأعراف: ١٣٥]، وقال: ﴿وَلَوۡ رَحِمۡنَٰهُمۡ وَكَشَفۡنَا مَا بِهِم مِّن ضُرّٖ لَّلَجُّواْ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ٧٥[المؤمنون]، وإذا كان المعروفُ مِنْ ذلك في اللغة أنه يقال: كشَفَ الشِّدَّةَ أي: أزالها فلفظُ الآيةِ: ﴿يُكۡشَفُ عَن سَاقٖ﴾، وهذا يراد به الإظهارُ والإبانةُ كما قال: ﴿كَشَفۡنَا عَنۡهُمُ﴾، وأيضًا فهناك تحدث الشِّدَّةُ ولا يزيلها، فلا يكشف الشِّدَّةَ يومَ القيامة؛ لكنَّ هذا الظاهرَ ليس ظاهرًا مِنْ مجرَّدِ لفظِ ساقٍ، بل بالتركيب والسِّياقِ وتدبُّرِ المعنى المقصود»(٤).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٠ رجب ١٤٢٦ﻫ
الموافـق ﻟ: ١٥ أوت ٢٠٠٥م



(١) انظر: «تفسير الطبري» (٢٩/ ٣٨ ـ ٣٩)، «تفسير القرطبي» (١٨/ ٢٤٨ ـ ٢٤٩)، «تفسير ابن كثير» (٤/ ٤٠٧ ـ ٤٠٨).

(٢) انظر: المصادر السابقة [«تفسير الطبري» (٢٩/ ٣٩ وما بعدها)، «تفسير القرطبي» (١٨/ ٢٤٩)، «تفسير ابن كثير» (٤/ ٤٠٧ ـ ٤٠٨)].

(٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «التفسير» بابُ: ﴿يَوۡمَ يُكۡشَفُ عَن سَاقٖ[القلم: ٤٢] (٤٩١٩)، وفي «التوحيد» بابُ قولِ الله تعالى: ﴿وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ ٢٢ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ ٢٣[القيامة: ٢٣] (٧٤٣٩)، ومسلمٌ في «الإيمان» (١٨٣)، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه.

(٤) «بيان تلبيس الجهمية» لابن تيمية (٥/ ٤٧٣)، وانظر: «مجموع الفتاوى» له (٦/ ٣٩٤ ـ ٣٩٥)