في حكم إفطار الحامل والمُرْضِع | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 7 شوال 1445 هـ الموافق لـ 16 أبريل 2024 م



الفتوى رقم: ٤٧٠

الصنف: فتاوى الصيام ـ أحكام الصيام

في حكم إفطار الحامل والمُرْضِع

السؤال:

هل على الحامل والمُرْضِع إذا أفطرَتَا في رمضانَ القضاءُ أم الفدية؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإذا أطاقَتِ الحاملُ والمُرْضِعُ الصيامَ مع جهدٍ ومشقَّةٍ، أو خافتَا على أنفسهما أو أولادهما؛ فلا يَلْزَمُهما قضاءٌ؛ وإنما يُشْرَع في حقِّهما الفديةُ بإطعام مسكينٍ مكانَ كُلِّ يومٍ إذا أفطرتَا؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى وَضَعَ شَطْرَ الصَّلَاةِ ـ أَوْ: نِصْفَ الصَّلَاةِ ـ وَالصَّوْمَ عَنِ المُسَافِرِ، وَعَنِ المُرْضِعِ أَوِ الحُبْلَى»، وفي روايةٍ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَضَعَ عَنِ المُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ المُسَافِرِ وَالحَامِلِ وَالمُرْضِعِ الصَّوْمَ أَوِ الصِّيَامَ»(١)؛ وقد ثَبَت القضاءُ على المسافر في قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَ[البقرة: ١٨٥]، وثَبَت الإطعامُ للشيخ الكبير والعجوز والحُبْلى والمُرْضِع في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖ[البقرة: ١٨٤]، والحكمُ على الحامل والمُرْضِع بالإفطار مع لزوم الفدية وانتفاءِ القضاء هو أرجحُ المذاهب، وبه قال ابنُ عبَّاسٍ وابنُ عمر رضي الله عنهم وغيرُهما، فقَدْ صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه قال: «إِذَا خَافَتِ الحَامِلُ عَلَى نَفْسِهَا وَالمُرْضِعُ عَلَى وَلَدِهَا فِي رَمَضَانَ» قَالَ: «يُفْطِرَانِ، وَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَلَا يَقْضِيَانِ صَوْمًا»(٢)، وعنه ـ أيضًا ـ: أَنَّهُ رَأَى أُمَّ وَلَدٍ لَهُ حَامِلًا أَوْ مُرْضِعًا فَقَالَ: «أَنْتِ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي لَا يُطِيقُهُ، عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِي مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْكِ»(٣)، وروى الدارقطنيُّ عن ابنِ عمر رضي الله عنهما: أَنَّ امْرَأَتَهُ سَأَلَتْهُ ـ وَهِيَ حُبْلَى ـ فَقَالَ: «أَفْطِرِي، وَأَطْعِمِي عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَلَا تَقْضِي»(٤).

ولأنَّ قولَ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمر رضي الله عنهم انتشر بين الصحابة ولم يُعْلَمْ لهما مخالفٌ مِنَ الصحابة فهو حجَّةٌ وإجماعٌ عند جماهير العلماء، وهو المعروفُ عند الأصوليِّين بالإجماع السكوتيِّ(٥)، ولأنَّ تفسيرَ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما تَعلَّق بسببِ نزول الآية، والمقرَّرُ في علوم الحديث أنَّ تفسير الصحابيِّ الذي له تعلُّقٌ بسبب النزول له حكمُ الرفع(٦)، وما كان كذلك يترجَّح على بقيَّة الأقوال الأخرى المبنيَّة على الرأي والقياس.

تنبيهاتٌ:

١ ـ المرضعة في زمن النفاس تقضي ولا تَفدي؛ لأنَّ النفاس مانعٌ مِنَ الصوم، وهو أخصُّ مِنْ عذر الرضاع والحمل في الإفطار والفدية، و«الخَاصُّ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ»، و«إذَا تَعَارَضَ المَانِعُ وَالمُقْتَضِي قُدِّمَ الْمَانِعُ»، بخلاف زمن الطهر فلا تحدث معه معارضةٌ مع المانع.

٢ ـ وإذا أرضعَتْ بالقارورة فيجب عليها الصومُ ـ أيضًا ـ لأنها مُرْضِعةٌ مجازًا لا حقيقةً.

٣ ـ إذا بَلَغ الصبيُّ سنًّا (قيل: خمسةَ أشهرٍ فما فوق) بحيث يتسنَّى له أَنْ يتغذَّى مِنْ غيرِ اللبن مِنْ أنواع الخضر والفواكه فإنَّ الرضاعة الطبيعية لا تكون عذرًا في الإفطار بله الرضاعة الاصطناعية(٧).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٠ رمضان ١٤٢٧ﻫ
الموافق ﻟ: ٣ أكتوبر ٢٠٠٦م

 



(١) أخرجه أبو داود في «الصوم» (٢/ ٧٩٦) بابُ اختيارِ الفطر (٢٤٠٨)، والترمذيُّ في «الصوم» (٣/ ٩٤) بابُ ما جاء في الرخصة في الإفطار للحُبْلى والمُرْضِع (٧١٥)، والنسائيُّ في «الصيام» (٤/ ١٨٠) رقم: (٢٢٧٤ ـ ٢٢٧٦)، وابنُ ماجه في «الصيام» (١/ ٥٣٣) بابُ ما جاء في الإفطار للحامل والمُرْضِع (١٦٦٧)، وأحمد (٤/ ٣٤٧)، والبغويُّ في «شرح السنَّة» (٦/ ٣١٥)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٤/ ٢٣١)، مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ الكعبيِّ القُشَيْريِّ وهو غيرُ الأنصاريِّ رضي الله عنهما. والحديث حسَّنه الترمذيُّ، وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح أبي داود» (٢/ ٧١)، والأرناؤوط في «جامع الأصول» (٦/ ٤١٠).

(٢) أخرجه الطبريُّ في «تفسيره» (٢/ ١٣٦)، وقال الألبانيُّ في «الإرواء» (٤/ ١٩): «وإسناده صحيحٌ على شرط مسلم».

(٣) أخرجه الطبريُّ في «تفسيره» (٢/ ١٣٦)، والدارقطنيُّ في «سننه» (٢٣٨٢) وقال: «إسنادٌ صحيحٌ». وانظر: «الإرواء» للألباني (٤/ ١٩).

(٤) أخرجه الدارقطنيُّ في «سننه» (٢٣٨٨). قال الألبانيُّ في «الإرواء» (٤/ ٢٠): «وإسناده جيِّدٌ».

(٥) انظر: «المسوَّدة» لآل تيمية (٣٣٥)، «إعلام الموقِّعين» لابن القيِّم (٤/ ١٢٠).

(٦) انظر: «مقدِّمة ابنِ الصلاح» (٢٤)، «تدريب الراوي» للسيوطي (١/ ١٥٧)، «توضيح الأفكار» للصنعاني (١/ ٢٨٠)، «أضواء البيان» للشنقيطي (١/ ١٤٤).

(٧) انظر الفتوى رقم: (٣١٧) الموسومة ﺑ: «في ترخيص الفطر على المُرْضِع مع وجوب الفدية» على موقعي الرسميِّ.