حكم الصلاة في الأرض المغصوبة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 12 ذي القعدة 1444 هـ الموافق لـ 01 يونيو 2023 م

الفتوى رقم: ٥٢٨

الصنف: فتاوى الصلاة ـ أحكام الصلاة

في حكم الصلاة في الأرض المغصوبة

السؤال:

يستولي بعضُ النَّاس ـ للحاجةِ المُلِحَّةِ إلى مأوًى ـ على قِطَعِ أرضٍ تابعةٍ لأملاكِ الدَّولة غالبًا، أو أملاكٍ مُهمَلةٍ للمواطنين أو للمُغترِبين الذين طالت غَيْبتُهم عن بلدهم نادرًا؛ فيبنون عليها سكناتٍ قصديريَّةً مؤقَّتةً.

ولا يخفى أنَّ مِثلَ هذا الغصبِ اعتداءٌ على أملاكِ غيرِهم مِنَ الأشخاصِ سواءٌ اعتباريِّين كانوا أم طبيعيِّين؛ وحرمةُ الغضبِ معلومةٌ، للنُّصوصِ الواردةِ في تحريمِ أكلِ أموالِ النَّاسِ بالباطلِ؛ لكنَّ الَّذي أحببتُ أَنْ أسألَ عنه هو: حكمُ الصلاة في هذه السَّكناتِ المبنيةِ على الأرضِ المغصوبةِ؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فلا خلافَ بين أهلِ العلمِ أنَّه إِنْ كانَتْ جهةُ الأمرِ وجِهَةُ النهيِ مُنْفَكَّتَيْنِ فالفعلُ الواقع صحيحٌ، أمَّا إذا كانتَا غيرَ مُنْفكَّتين فالفعلُ باطلٌ لاستحالةِ اجتماع الضِدَّين في مَحَلٍّ واحدٍ(١)، لكنَّ العلماء ـ مِنْ حيث تطبيقُ القاعدةِ على المسائل في الواقع ـ يختلفون في تحقُّقِ الانفكاك مِنْ عدمه.

ففي الأرض المغصوبة يختلفون: هل جهةُ الأمرِ بالصلاةِ مُنْفَكَّةٌ عن جِهةِ النَّهيِ عن الغصبِ المحرَّمِ بالنصوصِ العامَّةِ الناهيةِ عن الاعتداءِ على الأموال، وبقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»(٢)، أم هي غيرُ مُنْفكَّة؟

ـ فمَنْ رأى بانفكاكِ الجِهَة كما هو مذهبُ مالكٍ والشافعيِّ قال بصحَّةِ الصلاة مع الكراهة.

ـ ومَنْ رأى عَدَمَ انفكاكها قال ببطلان الصلاة وهو أصحُّ الروايتين عن الأمام أحمد وابن حبيب من المالكية وبه قال أكثر الحنابلة والظاهرية(٣)؛ لأنَّ «الصَّحابةَ والتابعين رضوان الله عليهم لم يزالوا يحتجُّون على فساد بياعات وأنكحة كثيرة بصدور النهي عنها، ولم ينكر بعضهم على بعض ذلك الاستدلال، بل يعارضُ بعضهم بعضًا بأدلةٍ أخرى»(٤)، ولأنَّ المكانَ الذي يَشْغَله بالصلاة إنما يشغل حيِّزًا مِنَ الفراغ بالركوع والسجود والقيام هو عاصٍ بفعله لها في ذلك الحيِّز، فكيف يتقرَّب إلى الله بالمعصية، و«اللهُ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا»(٥)؛ قال الشنقيطيُّ رحمه الله في تمثيله للوحدة بالعين: « الصلاة فى الارض المغصوبة، فلا يمكن عنده أَنْ يكون بعضُ أفرادها حرامًا وبعضُها مباحًا؛ وإيضاحُ مُرادِه أنَّ المُصلِّيَ فى الدار المغصوبة إذا قام إلى الصلاة شغَلَ بجسمه الفراغَ الذى هو كائنٌ فيه، وشغلُه الفراغَ المملوكَ لغيره بجسمه تعدِّيًا غصبٌ فهو حرامٌ، فهذا الركنُ الذي هو كائنٌ فيه في ركوعه، وإذا سجَدَ شغَلَ الفراغَ الذي هو كائنٌ فيه فى سجوده وهكذا، وشغلُ الفراغِ المملوكِ لغيره تعدِّيًا غصبٌ فلا يمكن أَنْ يكون قُربةً لامتناعِ كون الواحد بالعين واجبًا حرامًا قُربةً معصيةً لاستحالةِ اجتماع الضِّدَّيْن في شيءٍ واحدٍ مِنْ جهةٍ واحدةٍ؛ فيَلزَم بطلانُ الصلاةِ المذكورة...»(٦)، والصلاةُ في الأرض المغصوبةِ ـ في صورتِها غيرِ المنفكَّةِ من اجتماع الضِّدين ـ ليست مِنْ أمرنا فهي ردٌّ، للحديث الصحيح: «مَنْ أحدث في أمرِنا ما ليس منه فهو ردٌّ»(٧) وهي ـ أيضًا في صورتِها غيرِ المنفكَّةِ ـ كشأنِ الصلاة في المقبرة(٨)، وصلاة المرأةِ في زمن الحيضِ(٩)، فإنَّ ركوعها وسجودَها وقيامَها يَشْغَل حيِّزًا مِنَ الزمن يُنهى عن إيقاع الصلاةِ فيه، وهو زمنُ الحيض، ولَمَّا كانت صلاتُها لا تصحُّ بالإجماع فلا يختلف الأمرُ بالنسبة للمكان مِنْ حيث العصيانُ وعدمُ صحَّةِ الصلاة؛ فجِهَةُ الزمان والمكان واحدةٌ فلا يختلفان مِنْ حيث الحكمُ.

هذا كُلُّه ـ بناء على القول بعدم انفكاك الجهة ـ وعَلِمَ المصلِّي أنَّ المكانَ الذي يصلِّي فيه مغصوبٌ، فإِنْ صلَّى ـ وهو لا يعلم ـ صَحَّتْ صلاتُه لفقدان العلم بالنهي المتعلِّق بذلك المكان، فتصحُّ صلاتُه لِمَا ثَبَتَ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لمَّا أخبره جبريلُ عليه السلام أنَّ في خُفَّيْهِ أَذًى أَلْقَاهُمَا عن شماله وَمَضَى في صلاته وَبَنَى بَقِيَّةَ صلاتِه على الأُولى(١٠)، فلو كان الجزءُ الأَوَّلُ مِنْ صلاته باطلًا لَلَزِمَ البطلانُ كُلَّ صلاتِه، لأنَّ «مَا بُنِيَ عَلَى فَاسِدٍ فَفَاسِدٌ»، لكِنْ لَمَّا صَحَّتِ الصلاةُ على هذه الحالِ كان الحكمُ على مَنْ لم يعلم بتَعلُّقِ النجاسة به الصحَّةَ أيضًا، وليس عليه إعادةٌ ولا قضاءٌ.

هذا، ولا يفوتني أَنْ أُنبِّهَ إلى أنَّ هذه السَّكناتِ المبنيَّةَ على أراضي الدولةِ إِنْ رُخِّص لأصحابها المُحتلِّين لها بإدخالِ عدَّادِ الكهرباءِ أو الماءِ فيها؛ فإنَّ هذا الإجراء يُعَدُّ بمثابةِ إذنٍ أو ترخيصٍ ضِمنيٍّ بالبقاءِ فيها حتى تُسوَّى وضعيَّتُهم؛ وتنتفي عن هذه السكناتِ صفةُ الغصبِ بعد هذا الإجراء؛ ومِنْ بابٍ أَوْلى إذا كان التَّرخيصُ شفاهيًّا أو مكتوبًا مِنْ مسؤولٍ إداريٍّ على مستوى البلديةِ أو الدَّائرةِ أو الولايةِ أو غيرِها؛ وهذا الأمرُ بخلاف السَّكناتِ المبنيَّةِ على أراضي الأفرادِ الطبيعيِّين فلا تنتفي فيها صفةُ الغصبِ فيها إلَّا بعد إذنِ مُلَّاكِها أو نُوَّابِهم عليها.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٧ ربيع الأوَّل ١٤٢٧ﻫ
الموافق ﻟ: ٥ أفريل ٢٠٠٦م



(١) انظر: «مذكِّرة في أصول الفقه» للشنقيطي (٢٩).

(٢) مُتَّفَقٌ عليه مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها: أخرجه البخاريُّ في «المظالم والغصب» بابُ إثمِ مَنْ ظلَمَ شيئًا مِنَ الأرض (٢٤٥٣) وفي «بدء الخَلْق» (٣١٩٥)، ومسلمٌ في «المساقاة» (١٦١٠)؛ ومُتَّفَقٌ عليه أيضًا مِنْ حديثِ سعيد بنِ زيد بنِ عمرو بنِ نُفَيْلٍ القُرَشيِّ العَدَويِّ: أخرجه البخاريُّ (٢٤٥٢، ٣١٩٨)، ومسلمٌ (١٦١٠).

(٣) وفي المسألة أقوال أخرى:

ما عليه الجمهور أنَّ الصلاة في الدار المغصوبة صحيحةٌ ولا ثوابَ عليها، وبه قالَتِ الحنفيةُ والمالكية والشـافعية، وهو إحدى الروايات عن أحمد، وذَهَب أكثرُ الحنابلة والظاهرية والزيدية إلى أنها باطلةٌ يجب قضاؤها، وبه قال أبو هاشمٍ الجبَّائيُّ وابنُ حبيبٍ مِنَ المالكية وهو أصحُّ الروايات عن أحمد، وذَهَب القاضي أبو بكرٍ الباقلَّانيُّ إلى عدمِ صِحَّتها وعدمِ وجوب قضائها، واختاره الفخر الرازيُّ، ولأحمد روايةٌ ثالثةٌ مَفادُها التفريقُ بين كونه عالمًا بالتحريم فلا تصحُّ صلاتُه وإلَّا صحَّتْ، وإلى هذا القولِ مالَ شيخُ الإسلام ابنُ تيمية حيث يقول: «فمَنْ فرَّق بين مَنْ يعلم ومَنْ لا يعلم فقَدْ أصاب، ومَنْ لا أَخطأَ»، وفيه قولٌ آخَرُ ذَهَب إليه بعضُ الحنفية مضمونُه أنَّ صلاته صحيحةٌ مع استحقاقه للثواب وعقاب الغصب . [انظر هامش «مفتاح الوصول» للتلمساني: (٤٦٢)].

(٤) «مفتاح الوصول» للتلمساني:(٤٦٠)

(٥) أخرجه مسلمٌ في «الزكاة» (١٠١٥) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٦) «مذكِّرة في أصول الفقه» للشنقيطي (٢٨).

(٧) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه ـ بهذا اللفظ ـ مسلمٌ في «الأقضية» (١٧١٨)، والبخاريُّ في «الصلح» باب: إذا اصطلحوا على صُلْحِ جَوْرٍ فالصلحُ مردودٌ (٢٦٩٧) مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٨) لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْحَمَّامَ وَالْمَقْبَرَةَ» [أخرجه أبو داود في «الصلاة» بابٌ في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاةُ (٤٩٢)، والترمذيُّ في «الصلاة» بابُ ما جاء أنَّ الأرض كُلَّها مسجدٌ إلَّا المقبرةَ والحمَّامَ (٣١٧)، وابنُ ماجه «المساجد والجماعات» باب المواضع التي تُكرَه فيها الصلاةُ (٧٤٥)، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٢٧٦٧)].

(٩) لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الحيض» باب ترك الحائض الصوم (٣٠٤) وفي «الصوم» باب: الحائض تترك الصومَ والصلاة (١٩٥١)، ومسلمٌ في «الإيمان» (٧٩)، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه].

وقول عائشة رضي الله عنها: «كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الحيض» باب: لا تقضي الحائضُ الصلاةَ (٣٢١)، ومسلمٌ في «الحيض» (٣٣٥)].

(١٠) انظر: الحديثَ الذي أخرجه أبو داود في «الصلاة» باب الصلاة في النعل (٦٥٠) مِنْ حديث أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه. وصحَّحه النوويُّ في «المجموع» (٣/ ١٣٢)، والألبانيُّ في «إرواء الغليل» (٢٨٤).