في حكم تدريس المرأة للنساء في المسجد | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 11 شعبان 1445 هـ الموافق لـ 21 فبراير 2024 م



الفتوى رقم: ٥٦١

الصنف: فتاوى الأسرة ـ المرأة

في حكم تدريس المرأة للنساء في المسجد

السؤال:

هل يجوز للمرأة أَنْ تقوم بإلقاءِ دروس الوعظ والإرشاد وتعليمِ الأحكام داخِلَ المسجد للنساء، وهل يتعارضُ مع قرارها في البيت؟ فالرجاء ـ حتَّى تَسْتَبِينَ المسألة ـ تقعيدُها وتفصيلُها؛ وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالأصلُ في المرأةِ قرارُها في البيت ولزومُها له؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَرۡنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجۡنَ تَبَرُّجَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ ٱلۡأُولَىٰ[الأحزاب: ٣٣]؛ وقد أجاز النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم الخروجَ للحوائج الشرعيَّةِ استثناءً مِنْ هذا الأصلِ إذا كان لحاجةِ نفسِها أو لحاجةِ غيرِها إليها؛ فقَدْ جاء في «صحيح البخاريِّ» أنَّ الله لَمَّا فَرَضَ الحجابَ على النساء قال عليه الصلاةُ والسلام: «قَدْ أَذِنَ اللهُ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَوَائِجِكُنَّ»(١).

أمَّا حاجةُ نفسِها: فإمَّا أَنْ تكون لقِوامِ بدنها في حالةِ عدم وجود المُنفِق عليها فإنها تخرج للعمل والتكسُّب لتغطيةِ حاجياتها مِنْ مأكلٍ ومشربٍ وملبسٍ وأدويةٍ وما إلى ذلك، لها ولأولادها، وإمَّا أَنْ تكون لقوامِ دِينها فيجوز لها أَنْ تخرج إلى أماكن العلم إذا لم تَجِد مَنْ يغطِّي لها حاجياتها العلميَّة، وتخرج لهذا الغرضِ لقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ[التحريم: ٦]، والوقايةُ مِنَ النار إنما تكون بالتوحيد وحقوقِ التوحيد مِنِ الْتزامِ طاعته والائتمارِ بأوامره واجتنابِ زواجره ونواهيه، وباختصارٍ هو الإيمان والعمل الصالح، ولا يتمُّ ذلك إلَّا بالتحصيل العِلميِّ، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»(٢)، والحديثُ شاملٌ للنساء لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ»(٣)، هذا بالنسبة لحاجةِ نفسها.

أمَّا حاجةُ غيرِها إليها: فقَدْ تكون صاحبةَ مهنةٍ وخِبرةٍ فيما يخصُّ النساءَ كأَنْ تعرف تغسيلَ الميِّتة المسلمة أو لها معرفةٌ بتوليد النساء أو بختانهنَّ وما إلى ذلك، فإِنْ لم يكن ثَمَّةَ مَنْ يقوم بهذه المَهَمَّةِ إلَّا هي فإنها يجوز لها أَنْ تخرج مِنْ بيتها لِتلبِيَةِ حاجاتِ غيرِها التي لا تُغطَّى إلَّا بها، ومِنْ هذا القبيلِ ـ أيضًا ـ ما إذا كانَتِ المرأةُ تحمل رصيدًا عِلْمِيًّا يمكِّنها مِنْ إيصاله إلى أخواتها المؤمنات اللَّواتي يجهلنَ كثيرًا مِنَ الأحكام الشرعيَّة بحيث لا يَجِدْنَ مِنَ الرجال ما يكفيهنَّ لأَخْذِ هذه الأحكام، فإنه ـ والحالُ هذه ـ يجوز لها أَنْ تُعِينَ أختَها المسلمة بالفقه والعلم، سواءٌ بأَنْ يأتين إليها أو تأتيَ إليهنَّ، أو يجتمعن في المسجد أو في أيِّ مكانٍ آمنٍ، وذلك يُعَدُّ واجبًا عليها إذا لم يَقُمِ الرجالُ بهذه المَهَمَّة؛ ولا يجوز لزوجها أَنْ يمنعها مِنْ ذلك؛ لأنه إذا كان لا يجوز له أَنْ يمنعها مِنَ المساجد لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ»(٤) والمسجدُ في حقِّها غيرُ واجبٍ؛ فإنه ـ مِنْ بابٍ أَوْلى ـ لا يجوز له أَنْ يمنعها مِنْ أداءِ مَهَمَّتها الدِّينيَّة التي أُوكِلَتْ إليها بعد غياب العنصر الرجاليِّ الذي يقوم بهذه المَهَمَّة؛ وعليه فإذا كُفِيَتْ حاجةَ نفسِها بقِوام بدنها ودِينِها وغُطِّيَتْ حاجةُ غيرِها إليها بغيرِها فينتفي الاستثناءُ السابق وتعود المرأةُ إلى أصلها المقرَّر لها.

هذا، وفي الأخير فلا بأسَ أَنْ أُذكِّر بأنَّ المرأة إذا خرجَتْ مِنْ بيتها فينبغي لها أَنْ تخرج بالضوابط الشرعيَّة في اللباس والهيئة وسائرِ أمورها، وغيرَ متطيِّبةٍ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ»(٥).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٥ جمادى الأولى ١٤٢٦ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٢ جوان ٢٠٠٥م

 



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «النكاح» بابُ خروجِ النساء لحوائجهنَّ (٥٢٣٧)، ومسلمٌ في «السلام» (٢١٧٠)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٢) أخرجه الطبرانيُّ في «المعجم الأوسط» (٤٠٩٦) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وأخرجه ابنُ ماجه في «المقدِّمة» بابُ فضلِ العلماء والحثِّ على طلب العلم (٢٢٤) مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه. والحديثُ صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٣٩١٣، ٣٩١٤) وفي «المشكاة» (٢١٨) وفي «صحيح الترغيب والترهيب» (٧٢).

(٣) أخرجه أبو داود في «الطهارة» بابٌ في الرَّجل يجد البِلَّةَ في منامه (٢٣٦)، والترمذيُّ في «الطهارة» بابٌ فيمَنْ يستيقظ فيرى بللًا ولا يذكر احتلامًا (١١٣)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٢٣٣٣) وفي «السلسلة الصحيحة» (٢٨٦٣).

(٤) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الجمعة» باب: هل على مَنْ لم يشهد الجمعةَ غُسْلٌ مِنَ النساء والصبيان وغيرِهم (٩٠٠)، ومسلمٌ في «الصلاة» (٤٤٢)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما.

(٥) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «النكاح» بابُ ما يُتَّقى مِنْ شؤم المرأة (٥٠٩٦)، ومسلمٌ في «الرِّقاق» (٢٧٤٠)، مِنْ حديثِ أسامة بنِ زيدٍ رضي الله عنهما؛ وأخرجه مسلمٌ ـ أيضًا ـ (٢٧٤١) مِنْ حديثِ سعيد بنِ زيدٍ رضي الله عنه وأسامة بنِ زيدٍ رضي الله عنهما.