في تحديد شكل الصليب المنهيِّ عنه | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 5 شوال 1445 هـ الموافق لـ 14 أبريل 2024 م

الفتوى رقم: ٦٧٥

الصنف: فتاوى العقيدة - التوحيد وما يُضادُّه - الألوهية والعبادة

في تحديد شكل الصليب المنهيِّ عنه

السـؤال:

هل تُعتبَر العلامةُ الموجودةُ في مقدِّمةِ سيَّارةِ [المرسيدس (Mercedes)] ومُؤخِّرَتِها على شكلِ صليبٍ، وكذلك سيَّارةِ [الشوفرولي (Chevrolet)] صليبًا؟ وهل يجب إزالتُه، ولو أدَّى ذلك إلى تَقهقُرِ ثمنِها في السوق عند بيعها؟ وفَّقكم الله لبيان الحكم الشرعيِّ، وجزاكم اللهُ كُلَّ خيرٍ.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فلا يُعَدُّ كُلُّ تقاطُعٍ صليبًا مَنْهيًّا عنه ومحذورًا، وإنما الصليبُ هو المعروف حاليًّا كشِعارٍ كثليكيٍّ للنصارى تقدِّسُهُ وتعظِّمُهُ على وَجْهِ العبادة، وهو ـ في الغالب الأعمِّ ـ يظهرُ شكلُ التقاطعِ فيه على زوايَا قائمةٍ، تحمله النَّصارى كعلامةٍ بارزةٍ وسِمَةٍ غالبةٍ على أنهم ـ في زعمهم ـ أتباعُ المسيحِ عيسى بنِ مريمَ عليه السلام(١)، ولا يمتنع أَنْ يُرمزَ بالتقاطع لكُلِّ شكلٍ مِنْ أشكال الصَّليب التي يُقصَد بها التقديسُ والتعظيم عند طوائف النصارى؛ علمًا أنَّ علَّةَ تحريمِ رسمِ الصليب تكمن في البُعد عن مشابهة النَّصارى وتعظيمِ مُعتقَداتِهم الشِّركيَّة والإشادةِ برموزهم الدِّينيَّة الباطلة، ومِنْ ثَمَّةَ فلا يجوزُ لمسلمٍ أَنْ يَرفعَ هذا الشعارَ الشِّركيَّ لِمَا فيه مِنْ عبادةٍ مِنْ دون الله، والتشبُّهُ بهم فيه حرامٌ، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «... ومَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»(٢).

وعليه، فالصليبُ ـ بهذا الاعتبارِ ـ إِنْ دخَلَ تحت مِلكه وحِيازته نَقَضَهُ بالطَّمْسِ أو اللَّصق أو التغطيةُ أو اللَّطخ أو الفكِّ أو النَّصلِ أو بأيِّ وسيلةٍ تتلاءمُ مع المحافظة على أصلِ الشيء الذي تعلَّق به الصَّليبُ بحيث تُغَيَّبُ هيئتُه أو تُزالُ أو يُغيَّر شكلُه عن شكل الصليب مِنْ دون أَنْ يُشبِهَ رمزًا كفريًّا آخَرَ ولو لم يكن صليبًا، لحديثِ عِمران بنِ حِطَّانَ أنَّ عائشةَ رضي الله عنها حَدَّثَتْهُ أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ إِلاَّ نَقَضَهُ»(٣)، قال ابنُ حَجَرٍ ـ رحمه الله ـ: «فإذا كان المرادُ بالنَّقْضِ الإزالةَ دَخَلَ طَمْسُهَا فيما لو كانت نقشًا في الحائط أو حكُّها أو لطخُها بما يُغَيِّبُ هَيْئَتَهَا»(٤)؛ ويُلحَقُ به تغطِيَتُه بشيءٍ وإلصاقُه عليه؛ فإِنْ لم يستطع باليد غيَّر ببقيَّةِ مراتبِ الإنكار الأخرى، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ»(٥).

هذا إذا تَبيَّن شكلُ الصليبِ الذي تتَّخِذه طوائفُ النصارى أو بعضُها شِعارًا دِينيًّا لها وهو موضعُ التقديس والتعظيم؛ أمَّا إذا لم يظهر منه أنه شكلُ الصليب المُعظَّمِ ولا اتَّخَذه النصارى أو بعضُهم شعارًا مثل بعض الرموز والعلامات الحسابيَّة كالجمع والضرب، فإنَّ كثيرًا من العلماء لم يمنعه، إذ لا يُعَدُّ ـ عندهم ـ مِنَ الصُّلبان في شيءٍ، لكن العمل بالأحوط ـ في حدود القدرة ـ أجدر وأسلم.

هذا، ولا يظهر من رمز «مرسيدس» أنه صليبٌ أصلًا لانتفاءِ رباعيَّةِ قوائمِه بل هو ثلاثيٌّ محلَّقٌ؛ بخلاف رمزِ «شوفرولي» فهو يُشبِهُ إلى حدٍّ كبيرٍ صليبَ جُورج الذي يظهر في علَمِ سويسرا وإنجلترا وغيرهما، والأسلمُ لصاحبِ السيَّارةِ ـ والحال هذه ـ أن يغطِّيَ موضعَ الصليبِ بلُصاقةٍ ونحوها ليحافظ على السيارة وقيمتها؛ ولا شيء عليه بعد ذلك.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٨ ربيع الثاني ١٤٢٨ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٥ ماي ٢٠٠٧م



(١) للصليب أنواعٌ متعدِّدةٌ منها: صليب القِدِّيس بطرس، وصليبُ القِدِّيس جورج، وصليبُ القِدِّيس أندرو (أندراوس)، وصليبُ لُورين، والصليب البطريركيُّ، وصليبُ مالطا، وصليبُ الكنيسة الكاثوليكيَّة، أو الصليب الأرثودوكسيُّ، وصليبُ أنطونيو، وصليبُ أُورشليم أي: مدينة السلام وهي بيتُ المقدس، والصليب المعكوفُ وغيرُها، ويدخل فيه «الصليبُ الأحمر» والتَّصاليبُ الموضوعة على أعلام بعض الدُّوَل النصرانيَّة الأوروبيَّة وغيرِها كعَلَمِ سويسرا والمملكة المتَّحِدة والدُّوَل الإسنكندنافيَّة كفنلندا وبعضِ دُوَل الكومنولث كأستراليا وغيرُها، والمتعارفُ عليه عند الكُلِّ ما ذُكِر في نصِّ الجواب.

(٢) أخرجه أبو داود في «اللباس» بابٌ في لبس الشهرة (٤٠٣١)، وأحمد في «مسنده» (٥١١٤، ٥١١٥، ٥٦٦٧)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (١٢٦٩، ٢٣٨٤).

(٣) أخرجه البخاريُّ في «اللباس» بابُ نقضِ الصُّوَر (٥٩٥٢)، وأبو داود في «اللِّباس» باب في الصليب في الثوب (٤١٥١)، وأحمد في «مسنده» (٢٤٢٦١، ٢٥٨١٠، ٢٥٨٨١، ٢٥٩٩٦، ٢٦١٤٢)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٤) «فتح الباري» لابن حجر (١٠/ ٣٨٥ ـ ٣٨٦).

(٥) أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (٤٩) مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه.