في حكم الرَّجعة مِنَ الطلاق البدعيِّ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 20 شعبان 1445 هـ الموافق لـ 01 مارس 2024 م



الفتوى رقم: ٧٠٧

الصنف: فتاوى الأسرة ـ انتهاء عقد الزواج ـ الطلاق

في حكم الرَّجعة مِنَ الطلاق البدعيِّ

السؤال:

هل يجب ـ على مَنْ طَلَّقَ زوجَتَهُ وهي حائضٌ ثمَّ عَلِم بأنَّ ذلك منهيٌّ عنه ـ أَنْ يراجعها، ثمَّ يطلِّقها بعد أَنْ تطهر؟ وإِنْ كان لا يجب فمتى تبدأ عِدَّتُها؟ وبارك الله فيكم.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالطلاقُ البدعيُّ منهيٌّ عنه وفاعلُه آثِمٌ، وحُكمُه الوقوعُ، وهو مذهبُ جمهورِ السَّلفِ والخَلَف؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ»(١)، والمراجعةُ إنما تكون مِنْ طلاقٍ قد وقَعَ؛ ويُؤيِّدُه حديثُ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: «أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ـ وَهِيَ حَائِضٌ ـ فَأَتَى عُمَرُ رضي الله عنه النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَجَعَلَهَا وَاحِدَةً»(٢).

والأمرُ بالمراجعةِ في حديثِ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما محمولٌ على الوجوب، وهو مذهبُ مالكٍ وأصحابِه، والأصحُّ عند الحنفيَّة، وبه قال داودُ الظاهريُّ؛ لأنَّ «الأَصْلَ فِي الأَمْرِ المُطْلَقِ أَنْ يُفِيدَ الوُجُوبَ إِذَا تَجَرَّدَ عَنِ القَرَائِنِ الصَّارِفَةِ» مِنْ جهةٍ، وبه يُحسَمُ الإثمُ بحسمِ أَثَرِه وهو العِدَّة، ويُدفَع ضررُه بتطويلِ مدَّة العِدَّة مِنْ جهةٍ أخرى، خلافًا لِمَنْ حَمَل الأمرَ على الاستحباب، وهو مذهبُ الشافعيِّ وأحمدَ في المشهورِ عنه؛ لأنهم لم يختلفوا أنها إذا انقضَتْ عِدَّتُها لم يُؤمَرْ برَجعتِها، كما علَّلوا بأنه طلاقٌ لا يَرتفع بالرجعة، ولا يُزيلُ الزوجُ بالرجعة المعنى الذي حرَّم الطلاقَ؛ لذلك لم تجب عليه الرجعةُ وإنما تُستحَبُّ.

وعليه، فإِنْ راجعها وجوبًا فإنه يُستحَبُّ له أَنْ يُمسِكها حتَّى تحيضَ حيضةً أُخرى ثمَّ تطهر ـ أي: ينتظر أَنْ تطهُرَ المرأةُ طُهرين ـ بعد الحيضة التي طلَّقها فيها حتَّى يَسَعَهُ أَنْ يطلِّقها إِنْ رَغِب في ذلك، وهذا إنما هو مِنْ باب الاستحباب؛ ويجوز له ـ جمعًا بين الأدلَّة إذا راجَعَها ـ أَنْ يُمْسِكَهَا حتَّى تطهُر بعد الحيضة التي طلَّقها ليَحِلَّ له طلاقُها بعدها؛ لحديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا؛ فَإِذَا طَهُرَتْ فَأَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا»(٣)، ويؤيِّده حديثُ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا»(٤).

وإذا طلَّقها في طُهْرٍ لم يَمَسَّها فيه فإنها تَعْتَدُّ إِنْ كانت مِنْ ذوات الحيض بثلاثِ حيضاتٍ، تبدأ الحيضة الأولى منه بعد الطلاق.

أمَّا على مذهبِ مَنِ استحبَّ له الرجعةَ ولم يُوجِبْها عليه فإنَّ الحيضة التي وَقَع فيها الطلاقُ لا تُحتَسَبُ مِنَ العِدَّة لأنَّ الحيضة لا تتبعَّض، وإنما تَعْتَدُّ بالحيضة التي تَلِيها.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢ جمادى الثانية ١٤٢٨ﻫ
الموافق ﻟ: ١٨ جوان ٢٠٠٧م

 



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الطلاق» بابُ قول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحۡصُواْ ٱلۡعِدَّةَ[الطلاق: ١] (٥٢٥١)، ومسلمٌ في «الطلاق» (١٤٧١)، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمر رضي الله عنهما.

(٢) أخرجه أبو داود الطيالسيُّ في «مسنده» (١/ ٦٨)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (١٤٩٢٨)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما. قال الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (٧/ ١٢٦): «وإسنادُه صحيحٌ على شرط الشيخين»، وفي مسلمٍ في «الطلاق» (١٤٧١) مِنْ طريقِ سالم بنِ عبد الله: «وَكَانَ عَبْدُ اللهِ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً فَحُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهَا».

(٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الطلاق» بابُ مَنْ طلَّق، وهل يُواجِه الرَّجلُ امرأتَه بالطلاق؟ (٥٢٥٨)، ومسلمٌ في «الطلاق» (١٤٧١)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما.

(٤) أخرجه مسلمٌ في «الطلاق» (١٤٧١) مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما.