في ثبوت العدالة والتزكية بقول الواحد | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 11 شعبان 1445 هـ الموافق لـ 21 فبراير 2024 م



الفتوى رقم: ٧١٤

الصنـف: فتاوى منهجية

في ثبوت العدالة والتزكية
بقول الواحد

السؤال:

هل التبيُّنُ الواجبُ في قوله تعالى: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ[الحجرات: ٦] المتعلِّق بعدالة الناقل، يكفي فيه أَنْ يشهد له شاهدٌ واحدٌ أم يَلْزَم شاهدان؟

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فلا خلافَ بين أهل العلم في وجوب ردِّ شهادةِ الفاسِقِ، وعدمِ قَبول خبرِه، لورود التصريح بعدم قَبول شهادته في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤[النور].

غيرَ أنَّ الفاسقَ إذا أمكنَ معرفةُ حقيقةِ ما جاء به مِنْ نبإٍ محتمِلٍ للصدق والكذب وَجَبَ فيه ـ والحالُ هذه ـ التبيُّنُ والتثبُّتُ فيما أخبر به حَتَّى تتجلَّى الحقيقةُ وينكشف صدقُ ما أخبر به مِنْ عدمه، وهو المعنى الذي أشارَتْ إليه الآيةُ في سورة الحجرات: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ ٦[الحُجُرات].

وهذه الآيةُ تدلُّ ـ أيضًا ـ بدليل الخطاب، أو ما يسمَّى ﺑ «مفهوم المخالَفة» أنَّ المُخْبِر أو الناقل للخبر إِنْ كان عدلًا غيرَ فاسقٍ(١) لا يَلْزَم التبيُّنُ في نبئه ولا التثبُّتُ في خبره(٢)، والعدالةُ لا تُعْرَف بمجرَّد إيمانه، بل هي تفتقر إلى معرِّفٍ لها، ويكفي في التعديل أو التزكيةِ ثبوتُها بقولِ واحدٍ عدلٍ مُعتبَرٍ قولُه في الجرح والتعديل، وهو اختيارُ أبي بكرٍ الخطيب البغداديِّ، سواءٌ في الرواية أو الشهادة مطلقًا، ذكرًا كان أو أنثى، حرًّا أو عبدًا، لشاهدٍ أو مُخْبِرٍ(٣)، خلافًا لمَنْ لم يقبل في التعديل إلَّا رجلين في الرواية والشهادة، وهو مذهبُ الباقلَّانيِّ وأكثرِ الفقهاء، وخلافًا ـ أيضًا ـ لمَنْ يرى أنه يكفي في الرواية تزكيةُ العدل، ويُلْزِم بتزكية عدلين في الشهادة، وبه قال الفخر الرازيُّ والآمديُّ.

والصحيح أنه يكتفى في الرواية بقول واحد عدلٍ؛ لأنَّ التزكية تدخل في باب الأخبار، فلا يُشترط العددُ في قَبول رواية العدل بخلاف الشهادات.

ومِمَّا تَثْبُت به العدالةُ ـ أيضًا ـ الاستفاضةُ والشهرة، فلا يحتاج مَنِ اشتهر بالعدالة إلى توثيقٍ أو تعديلٍ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٦ شعبان ١٤٢٨ﻫ
الموافق ﻟ: ١٩ أغسطس ٢٠٠٧م

 



(١) و«العدالة» هي عبارةٌ عن استقامة السيرة والدِّين، وحاصِلُها يرجع إلى هيئةٍ راسخةٍ في النفس تحمل على ملازَمة التقوى والمروءة جميعًا، حتَّى تحصل ثِقَةُ النفوس بصِدْقه، وذلك يتحقَّق باجتناب الكبائر وبعضِ الصغائر وبعض المباحات. [انظر: «المستصفى» للغزَّالي (١/ ١٥٧)، «الإحكام» للآمدي (٢/ ٨٨)، «كشف الأسرار» للبخاري (٢/ ٥٨٣)].

(٢) انظر: «الفقيه والمتفقِّه» للخطيب البغدادي (١/ ٩٩).

(٣) انظر: «الكفاية» للخطيب البغدادي (١٢٠)، «تدريب الراوي» للسيوطي (١/ ٢٦١).