في حكمِ الزواجِ مِنْ كافرٍ أَسلمَ بالقول دون عملٍ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 11 شعبان 1445 هـ الموافق لـ 21 فبراير 2024 م



الفتوى رقم: ٧٦٢

الصنف: فتاوى الأسرة ـ عقد الزواج ـ الكفاءة

في حكمِ الزواجِ مِنْ كافرٍ أَسلمَ بالقول دون عملٍ

السؤال:

أنا امرأةٌ متزوِّجةٌ مِنْ رجلٍ فرنسيِّ الأصل والجنسيَّة، أَسلمَ قُبَيْلَ زواجِنا، حيث آمَنَ ـ ظاهرًا ـ بجميعِ مُقتضَيَات الدِّين الإسلاميِّ مِنَ الأقوال والأعمال، وبعد مُضِيِّ ثلاثِ سنواتٍ مِنْ زواجنا لم يُطبِّقْ شيئًا ممَّا آمَنَ به؛ فهل يُعَدُّ هذا مسلمًا؟ وهل يجوز لي طلبُ الانفصال عنه، علمًا أنَّ لي منه بنتًا؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإنَّ أَوَّلَ واجبٍ يجب على المكلَّف: شهادةُ أَنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله، فالفاعلُ لذلك ظاهرُه الإسلام، وهو مأمورٌ بفعل الطاعات واجتنابِ المعاصي والمَنْهِيَّات، ويُعلَمُ صِدقُه مع الله بالمبادرة إلى الامتثال والطاعة، والكافرُ إذا أَسلمَ وَجَب عليه الغُسلُ والاختتانُ ولو كان كبيرَ السنِّ، فقَدْ روى البخاريُّ أنَّ رسولَ الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم قال: «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ بَعْدَمَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَمانونَ سَنَةً، وَاخْتَتَنَ بِالقَدُومِ»(١)، كما يجب عليه أَنْ يأتيَ بسائر الفرائض الواجبةِ على المسلم مِنْ عقائد الإيمان وقواعدِ الإسلام وطرائقِ الإحسان، فإِنْ كان جاهلًا بها وَجَب عليه أَنْ يتعلَّم ما يصحِّح به عقيدتَه وعبادتَه ومعاملاتِه، ليعملَ بها على وجهها الصحيح؛ فإِنْ فَعَل ذلك فقَدْ أتى بحقِّ الشهادة التي نَطَق بها، وخاصَّةً ظهور أعمال الباطن بأعمال الجوارح مِنْ صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وحجٍّ، وغيرها مِنْ شُعَب الإيمان التي هي تابعةٌ لأعمال القلوب ولازمةٌ لها، فالتاركُ لبعضِ أفراد العملِ المعلومةِ فَرْضيَّتُها عليه مؤمنٌ بإيمانه، فاسقٌ بمعصِيَتِه عند أهل السُّنَّة، ولا يُعَدُّ مِنْ أهل الإسلام تاركُ العمل؛ إذ ليس في الشريعة إيمانٌ لا يُقابِلُه عملٌ، ولا يصدر هذا إلَّا مع نفاقٍ في القلب وزندقةٍ لا مع إيمانٍ صحيحٍ، لأنَّ الإيمان إذا كان قولًا بلا عملٍ فهو كفرٌ، وإذا كان قولًا وعملًا بلا نيَّةٍ فهو نفاقٌ.

وعليه، إِنْ بقي هذا الزَّوجُ مُمتنِعًا عن أداء الفرائض الواجبات وعن الإتيان بالطاعات الصالحات ـ بعد حصول العلم ـ ثَبَت ـ في حقِّه ـ حكمُ الارتداد عن الإسلام ـ والعياذُ بالله ـ وتَنفسِخُ العلاقةُ الزوجيَّة، وتنقطع آثارُها مِنْ ميراثٍ وولايةٍ ونحوِهما، ولا يجوز ـ والحالُ هذه ـ أَنْ تبقى المرأةُ معه إذا لم يمكن تقويمُه؛ لأنَّ المُرتدَّ لا دِينَ له، والرِّدَّة تُوجِبُ الفُرقةَ بينهما، وهي تُعَدُّ فَسْخًا لا طلاقًا، وللمُرتدِّ أحكامٌ أخرى؛ وقد ذَكَر القرطبيُّ ـ رحمه الله ـ إجماعَ الأُمَّةِ على أنَّ المشرك لا يَطَأُ المؤمنةَ بوجهٍ لِمَا في ذلك مِنَ الغضاضة على الإسلام(٢)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤۡمِنُواْ[البقرة: ٢٢١]، وقولِه تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلّٞ لَّهُمۡ وَلَا هُمۡ يَحِلُّونَ لَهُنَّ[الممتحنة: ١٠] أي: لم يُحِلَّ اللهُ مؤمنةً لكافر، ولا نكاحَ مؤمنٍ لمشركةٍ إلَّا ما استثناهُ الدليلُ مِنْ جوازِ نكاحِ المُحصَناتِ مِنَ الكتابيَّات لقوله تعالى: ﴿وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ[المائدة: ٥].

هذا، ويجدر التنبيهُ أنَّ الكافر إذا أَسلمَ ينبغي ـ قبل التعاملِ معه في مسائلِ النكاح وغيرها ـ أخذُ شيءٍ مِنَ الحذر والمراقبة لِيَتبيَّنَ حُسْنُ نيَّته وقصدِه، ويظهرَ صِدقُ إيمانه بإقامة شعائر الإسلام، وفي طليعتها: إقامةُ الصلاةِ وإيتاءُ الزكاة وغيرهما، مع تعقُّبه بالنصح والإرشادِ والتوجيه.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٦ جمادى الأولى ١٤٢١ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٦ أوت ٢٠٠٠م

 



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «أحاديث الأنبياء» باب قول الله تعالى: ﴿وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا ١٢٥[النساء] (٣٣٥٦)، ومسلمٌ في «الفضائل» (٢٣٧٠)، وأحمد في «مسنده» (٨٢٨١) واللفظُ له، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) انظر: «تفسير القرطبي» (٣/ ٧٢).