في حكم شراء جواز سفر خاص بالحج | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 3 صفر 1442 هـ الموافق لـ 20 سبتمبر 2020 م



الفتوى رقم: ٧٧٧

الصنـف: فتاوى الحجِّ - أحكام الحجِّ

في حكم شراء جواز سفر خاص بالحج

السؤال:

لا يخفى على فضيلتِكم أنَّ الدَّولةَ عندنا ـ في الجزائر ـ تمنح جوازاتِ سفرٍ خاصَّةً بالحجِّ بالمجَّان، وأكثرُها يحصل عليه المسجَّلون في بَلَديَّاتهم وَفق عمليَّة القرعة، كما تمنح عددًا من هذه الجوازات لأشخاصٍ أو جهاتٍ إداريَّةٍ معيَّنةٍ من إطاراتِ وموظَّفي الدَّولة بالمجَّان أيضًا، فيحصل بعضُ الأفراد على عددٍ منها بحكم القرابة أو الصَّداقة، فيقومون ببيعها لمن يريد الحجَّ.

فهل يجوز بيعُ هذه الجوازات بحُجَّة أنها صارت مِلكًا لصاحبها؟ وهل يجوز شراؤها لمن لم يتيسَّر له الحصولُ عليها من الطُّرق المعلومة؟ وإذا جاز شراؤها فهل هو في الحجِّ الواجب فقط أم يشمل حجَّ التَّطوُّع أيضًا؟ أفتونا مأجورين.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فإنه ممَّا ينبغي أَنْ يُعلَمَ أنَّ جواز السَّفر الأصليَّ المُستجمِعَ للبيانات الشخصيَّة للفرد لا يصلح ـ أصلًا ـ أَنْ يكون مَحَلًّا للتعامل فيه بالتنازل والإبراء أو الهِبَةِ أو البيع والشِّراء ونحوِ ذلك ممَّا يدخله التراضي بين الطرفين مِنْ قسمِ: «حقِّ العبد»، وعِلَّةُ المنع انتظامُه ضِمنَ معيار المصلحة العامَّة المتعلِّقة بنظام المُجتمَع، وهو ما اصطُلِح عليه في الشَّريعة ﺑ: «حقِّ الله» أو «حقِّ الشرع»، وأُضيفَ الحقُّ لله تعالى لعِظَمِ خطره وشمولِ نفعه؛ لذلك لا يجوز فيه العفوُ أو الإبراء منه أو الصلحُ عليه أو الاتِّفاق على ما يخالفه، وبعبارةٍ مُقتضَبةٍ: أنه لا يقبل التَّراضيَ؛ ونظيرُه في الاصطلاح السائد: النِّظام العامُّ، حيث لا يستطيع شخصٌ ـ مثلًا ـ أَنْ يتنازل عن اسْمِه ولقبه العائليِّ لغيره، أو يُعَدِّلَ فيه بحَسَبِه، إذ قواعدُ الأهليَّة مِنْ حقِّ الله تعالى، وتندرِجُ ضِمنَ النِّظام العامِّ، فلا يستطيع شخصٌ أَنْ يتنازل عن أهليَّته أو يزيدَ فيها أو ينقصَ منها باتِّفاقٍ خاصٍّ، مهما كانَتْ صورةُ الاتِّفاق، وكذلك لا يجوز النُّزولُ عن البُنُوَّة أو الصُّلحُ على النَّسَب، وعليه يَبْطُلُ كُلُّ تصرُّفٍ يقع مُخالِفًا لحقِّ الله تعالى، وكُلُّ كَسْبٍ على عملٍ غيرِ مشروعٍ يَحْرُم، ويأثم صاحبُه ويَستحِقُّ العقابَ.

أمَّا الجواز المخصَّص للحجِّ الخالي مِنَ البيانات الشخصية فلا يصلح فيه ـ أيضًا ـ التعاملُ الماليُّ بالبيع والشراء دون الهِبَة والتنازل، باعتبارِ أنَّ الجواز الخاصَّ بالحجِّ لا يمثِّل ـ في ذاته ـ قيمةً ماليةً متقومةً شرعًا، أي: أنَّ الشرع لم يُقِرَّ بماليَّته حتَّى يُملَّك ويصبحَ مَحَلًّا للكسب بالبيع والشراء؛ ذلك لأنَّ «جواز السفر» وسيلةٌ إداريَّةٌ لا تخرج طبيعتُه عن النظام العامِّ، حيث تتصرَّف فيه الدولةُ إداريًّا على وَفْقِ المصلحة العامَّة، ولا يصير ـ بحالٍ ـ مِلكًا لحائزه، إذ لا قيمةَ لأوراقه بدون الجهة الحكوميَّة المُستوجِبة للإجراءات البيانية والإدارية لتحصيل الترخيص بالحجِّ بالختم والإمضاء مِنَ الدوائر التابعة لها.

ومِنْ جهةٍ أخرى فإنَّ الغرض الذي خُصِّصَ مِنْ أجله الجوازُ إنَّما هو الاستعانةُ به وسيلةً لأداء مناسك الحجِّ القائمة على عهدة الجهة المانحة للجواز، فالتعاملُ الماليُّ ببيع الجواز وشرائه يتنافى مع طبيعة المسلك الإداريِّ المنظِّم لهذه العبادة؛ وعليه فإذا انتفَتِ المِلْكيةُ الفرديةُ للجواز لكونه معدودًا مِنَ النِّظام العامِّ، وتَعارَض التعاقدُ الماليُّ مع الغرض الذي خُصِّص مِنْ أجله الجوازُ فلا يختلف الحكمُ عن سابقه بوقوع التعامل به باطلًا؛ لمُخالَفته لحقِّ الله تعالى والتعدِّي على المنفعة العامَّة والمصلحة الشرعيَّة التي خُصِّص مِنْ أجلها الجوازُ، و«مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»(١).

هذا، وإذا تقرَّر الحكمُ بالمنع في الأصل فلا يمنع مِنَ الخروج عنه استثناءً لمَنْ تعيَّنَتْ عليه حَجَّةُ الإسلام، وتَعذَّر عليه الحجُّ إلَّا بهذا السبيل، فإنه يَحِلُّ لمعطي المال لأداءِ واجب الحجِّ في حَقِّه عند تحقُّقِ شرطه ما لا يَحِلُّ للآخذ؛ إذ الفعلُ الواحد يجوز أَنْ يكون مأمورًا به مِنْ وجهٍ، منهيًّا عنه مِنْ وجهٍ آخَرَ؛ لأنَّ الفعل قد تجتمع فيه مصلحةٌ ومفسدةٌ مِنْ جهاتٍ مختلفةٍ.

وتسويغ الاستثناء مِنَ الأصل السابق يكمن في أنَّ العبادة حقٌّ خالصٌ لله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم: «حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا»(٢)، والمعلومُ أنَّ كُلَّ حقٍّ يُقابِله واجبٌ، وتركُ عبادة الحجِّ لمَنْ وَجَب عليه تضييعٌ لحقِّ الله تعالى، وتركُ المأمور به أعظمُ ذنبًا مِنْ إتيان المنهيِّ عنه، فمفسدةُ بَذْلِ المال لأجل تحصيل الجواز مغمورةٌ في مصلحة العبادة العُلْيَا، وهي مُقَدَّمَةٌ عليها كما تقرَّر في علم المقاصد؛ ولأنَّ «جِنْسَ فِعْلِ المَأْمُورِ أَعْظَمُ مِنْ جِنْسِ تَرْكِ المَنْهِيِّ عَنْهُ»؛ ولأنه إذا جاز ـ في حقوق العباد ـ دفعُ مالٍ لإحقاقِ حقٍّ أو إبطالِ باطلٍ، أي: جازَ للمعطي دون الآخذ، فكذلك في حقِّ الله في العبادة، فظهر جَلِيًّا أنَّ مَنْ تعلَّق الوجوبُ في ذِمَّته يجوز له الانتفاعُ بالجواز مع بذل العِوَضِ الماليِّ عليه دون غيره.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 

الجزائر في: ١٩ شعبان ١٤٢٨ﻫ

الموافق ﻟ: ٠١ سبتمبر ٢٠٠٧م

 



(١) أخرجه مسلمٌ في «الأقضية» (١٧١٨) مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الجهاد والسِّيَر» بابُ اسْمِ الفرس والحمار (٢٨٥٦)، ومسلمٌ في «الإيمان» (٣٠)، مِنْ حديثِ مُعاذ بنِ جبلٍ رضي الله عنه.