في حكم بيع أقراص وأشرطة المخالفين للمنهج السلفي | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 16 ذي القعدة 1445 هـ الموافق لـ 24 مايو 2024 م



الفتوى رقم: ٨٩٣

الصنف: فتاوى منهجية

في حكم بيع أقراص وأشرطة المخالفين للمنهج السلفي

السؤال:

ما حكمُ العمل في تسجيلاتٍ تنشر أقراصَ الدعاةِ المُخالِفين للمنهج السلفيِّ وأَشرِطَتَهم مُعتمِدةً على تزكِيَاتٍ قديمةٍ لبعض العلماءِ وعلى فتوى العلَّامة الألبانيِّ ـ رحمه الله ـ في «فتاوى جدَّة» التي مَفادُها أنه يجوز ذلك بشرطِ التخيُّر منها ما وافَقَ الصوابَ وبشرطِ خُلُوِّ المادَّةِ مِنْ دعوةٍ تُخالِفُ منهجَ السلف الصالح.

وهذه التسجيلاتُ ـ يا فضيلةَ الشيخ ـ ليس لها أيُّ صلةٍ بأهلِ العلم مِنْ حيث التبيُّنُ مِنْ منهجِ الدعاة الذين تنشر وتروِّج لهم، ولا مِنْ حيث التخيُّرُ مِنْ أشرطةِ هؤلاء المُخالِفين، ولكنَّها تعتمد على اجتهادها الشخصيِّ، وهي ليست أهلًا للاجتهاد.

فهل يجوز لي العملُ في هذه التسجيلات ـ وهي على هذا الحال ـ أم أبقى فيها وأُحاوِلُ التغييرَ ما استطعتُ؟ وما نصيحتُك لأصحابِ هذه التسجيلاتِ؟ فأرجو أَنْ يُزيلَ اللهُ تعالى الحيرةَ التي بي على يدكم ويطمئنَّ قلبي بعد جوابِكم فأعبدَ الله تعالى على بصيرةٍ وعلمٍ.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فلا يخفى على أهلِ الإيمان أنَّ الحقَّ يُقْبَل مِنْ أيِّ جهةٍ جاء ومِنْ كُلِّ مَنْ تكلَّم به لكونه مُوافِقًا للحجَّةِ والبرهان، بغضِّ النظر عن كثرةِ المُعْرِضين عنه أو قلَّةِ المُقْبِلين عليه أو العكس، فمِنْ عَدْلِ سَلَفِنا الصالحِ أنهم كانوا يقبلون ما عند جميعِ الطوائف مِنَ الحقِّ ولا يتوقَّفون عن قبوله، ويردُّون ما عند هذه الطوائفِ مِنَ الباطل، فالمُوالي منها والمعادي سواءٌ؛ إذ لا أَثَرَ للمتكلِّمِ بالحقِّ في قبوله أو رَفْضِه، وهذا المُنْطَلَقُ مؤيَّدٌ بقوله تعالى: ﴿فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٍ ٢١٣[البقرة]، وقال صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في دعائه: «...اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِكِ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»(١)؛ قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ في «الصواعق المُرْسَلة»: «فمَنْ هَدَاهُ اللهُ سبحانه إلى الأخذ بالحقِّ حيث كان ومع مَنْ كان ولو كان مع مَنْ يبغضه ويعاديه، وردِّ الباطل مع مَنْ كان ولو كان مع مَنْ يحبُّه ويواليه؛ فهو مِمَّنْ هُدِي لِمَا اختُلِفَ فيه مِنَ الحقِّ»(٢).

هذا، وقد أمَرَنا سبحانه وتعالى بالعدل، ومِنَ العدل فيمَنْ تبغض وتُعادِي أَنْ تقبل ما عندهم مِنَ الحقِّ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَ‍َٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ[المائدة: ٨]، وقد وافَقَ القرآنُ الكريم قولَ ملكة سبأ (المشهورة بِبَلقيسَ) في سياقِ الحكاية عنها ـ حالَ كُفْرِها ـ فقال سبحانه: ﴿قَالَتۡ إِنَّ ٱلۡمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرۡيَةً أَفۡسَدُوهَا وَجَعَلُوٓاْ أَعِزَّةَ أَهۡلِهَآ أَذِلَّةٗۚ﴾، قال تعالى بعدها مُقِرًّا صحَّةَ كلامِها: ﴿وَكَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ ٣٤[النمل]؛ ويؤيِّد ذلك مِنَ السُّنَّةِ قولُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم لأبي هريرة رضي الله عنه ـ لَمَّا دلَّه الشيطانُ على آيةِ الكرسيِّ لتكون له حِرْزًا مِنَ الشيطان، في مُقابِل فَكِّه مِنَ الأسر ـ قال صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ»(٣).

وهذا كُلُّه فيما إذا عَرَفَ مُرادَ المتكلِّمِ وعَرَضَه على الكتابِ والسُّنَّةِ فوافَقَهما، فإنَّ حصولَ الموافَقةِ لهما يدلُّ على أنه حقٌّ فيجب قَبولُه مِنْ أيِّ جهةٍ كان ويُقْبَل الحقُّ منه ويُحْكَمُ له ولو كان مُنافِقًا أو فاجرًا؛ ولهذا كان معاذُ بنُ جبلٍ رضي الله عنه يقول: «وَأُحَذِّرُكُمْ زَيْغَةَ الْحَكِيمِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ عَلَى لِسَانِ الحَكِيمِ، وَقَدْ يَقُولُ المُنَافِقُ كَلِمَةَ الحَقِّ»، قَالَ: قُلْتُ لِمُعَاذٍ: «مَا يُدْرِينِي ـ رَحِمَكَ اللهُ ـ أَنَّ الحَكِيمَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ وَأَنَّ المُنَافِقَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الحَقِّ؟» قَالَ: «بَلَى، اجْتَنِبْ مِنْ كَلَامِ الحَكِيمِ المُشْتَهِرَاتِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: مَا هَذِهِ؟ وَلَا يَثْنِيَنَّكَ ذَلِكَ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ أَنْ يُرَاجِعَ، وَتَلَقَّ الحَقَّ إِذَا سَمِعْتَهُ فَإِنَّ عَلَى الحَقِّ نُورًا»(٤)؛ ولهذا بيَّن ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ منهجَه في التعامل مع المُخالِفين له مِنْ أهلِ الكلام وغيرِهم بقوله: «وليس كُلُّ مَنْ ذكَرْنا شيئًا مِنْ قوله مِنَ المتكلِّمين وغيرِهم يقول بجميعِ ما نقوله في هذا البابِ وغيرِه، ولكنَّ الحقَّ يُقْبَل مِنْ كُلِّ مَنْ تكلَّم به»(٥).

أمَّا إذا عُرِض كلامُه على الكتابِ والسُّنَّة فخالَفَهما فيُردُّ ويُحْكَم عليه.

أمَّا إِنْ جَهِلَ مُرادَه فيُنظَرُ في سيرةِ المتكلِّم: فإِنْ كانت سيرتُه حسنةً حُمِلَ كلامُه على الوجه الحَسَن، ﴿وَٱلۡبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخۡرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ[الأعراف: ٥٨]، وإِنْ كانت سيرتُه غيرَ ذلك حُمِلَ كلامُه على الوجه السيِّئ، ﴿وَٱلَّذِي خَبُثَ لَا يَخۡرُجُ إِلَّا نَكِدٗاۚ[الأعراف: ٥٨].

أمَّا إذا عَرَفَ مرادَ المتكلِّم لكنَّه جَهِلَ حُكْمَ الشرعِ فيه فالواجبُ أَنْ يُمْسِك عنه ولا يجوزُ له أَنْ يتكلَّم إلَّا بعلمٍ، فالعلمُ ما قام عليه الدليلُ، وشَهِدَ له البرهانُ وأيَّدَتْه الحجَّةُ.

هذا، واعْلَمْ أنه ليس كُلُّ واحدٍ مِنَ الناسِ يميِّز بين الحقِّ والباطل مِنَ الأمور المُشتبِهَةِ ويستطيع عَرْضَه على الكتاب والسُّنَّة ويعرف مُرادَ المتكلِّم، بل الكثيرُ مِنَ الخَلْق لا يقدرون على التمييزِ ولا يعرفون حدودَ الحقِّ مِنَ الباطل فيها، وفي الحديث «وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ»(٦)؛ لذلك قد ينتشر الشرُّ والفساد وتُبَثُّ البدعةُ والضلالةُ بين الناسِ بما تحتويه الأشرطةُ والأقراص والمؤلَّفات في المطالب الشرعيَّة، فيُلبَّس الحقُّ بالباطلِ والهدى بالضلال، يزيِّنها أصحابُها بأساليبَ حَسَنةٍ قَصْدَ تسهيلِ ترويجها فتنطلي على جُهَّالِ المسلمين فينتهجون مَناهِجَ بدعيَّةً مُخالِفةً للكتاب والسُّنَّة؛ لذلك جاءَتْ نصوصُ أئمَّةِ أهلِ السُّنَّة قاضيةً بتركِ كُتُبِ أهلِ الأهواءِ وحذَّروا مِنَ النظر فيها وحذَّروا مِنْ أصحابها، بل حثُّوا على إتلافها وإحراقها وإزالةِ أعيانها تعزيرًا لأهلِ البدع ودرءًا للمفسدة الحاصلة بقراءةِ الناس لها والتضرُّرِ بها في دِينهم. والحقُّ إِنْ تضمَّنَتْه كُتُبُهم فهو لا يخرج عن كونه مأخوذًا مِنَ الكتاب والسُّنَّة، إلَّا أنه يشوبه كَدَرٌ وقَذَرٌ، فأَخْذُه مِنْ مَنابِعِه الأصليَّةِ أَوْلى ومِنْ مَصادِرِه الصافيةِ أَجْدَرُ، مع الاستعانةِ بكُتُبِ أهلِ السُّنَّةِ على فَهْمِ المرادِ مِنَ الوحيين، ففيها غُنْيَةٌ عن غيرها، وهي مصدرُ ثقةٍ ومَحَلُّ ائتمانٍ.

فهذا رسولُ الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم ـ بالرغم مِنْ أنَّ كُتُبَ أهلِ الكتاب لا تخلو مِنْ حقٍّ ـ إلَّا أنه حذَّر مِنْ قراءتها كما في قصَّةِ عُمَرَ بنِ الخطَّاب رضي الله عنه الذي أتى النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم بكتابٍ أصابه مِنْ بعضِ أهلِ الكتاب فقَرَأَه على النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم فغَضِبَ وقال: «أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الخَطَّابِ؟! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي»(٧).

والصحابةُ رضي الله عنهم قد حرَّقوا المصاحفَ المُخالِفة لمصحفِ عثمانَ مع احتوائها على الحقِّ ليُبْعِدوا الناسَ عن الاختلاف ويحملوهم على ما أَمَرَ به سبحانه وتعالى مِنَ الوحدة على توحيده والاجتماعِ على اتِّباع رسوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، وضِمْنَ هذا المنظورِ يقول ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «وكُلُّ هذه الكُتُبِ المتضمِّنةِ لمُخالَفةِ السُّنَّةِ غيرُ مأذونٍ فيها، بل مأذونٌ في مَحْقِها وإتلافها، وما على الأمَّةِ أَضَرُّ منها، وقد حرَّق الصحابةُ جميعَ المَصاحِفِ المُخالِفةِ لمصحفِ عثمانَ لمَّا خافوا على الأمَّةِ مِنَ الاختلاف، فكيف لو رَأَوْا هذه الكُتُبَ التي أَوْقعَتِ الخلافَ والتفرُّقَ بين الأمَّة؟!»(٨).

ومِنْ هنا يُعْلَمُ أنَّ أئمَّةَ أهلِ السُّنَّةِ لم يُنْقَلْ عنهم ـ في شأنِ المصنَّفاتِ المُمتزِجةِ بين الحقِّ والباطل ـ أنهم قالوا فيها: خُذِ الحقَّ منها واتْرُكِ الباطلَ، بل نصوصُ الأئمَّةِ كثيرةٌ آمرةٌ بتركِ النظرِ في كُتُبِ أهلِ الباطل والاستماعِ إليهم، حتَّى نُقِل إجماعُ الأئمَّةِ على ذلك، وفي هذا السياقِ يقول أبو القاسم الأصبهانيُّ: «ثمَّ مِنَ السُّنَّةِ تَرْكُ الرأيِ والقياسِ في الدِّين، وتركُ الجدال والخصومات، وتركُ مُفاتَحةِ القَدَريَّة وأصحابِ الكلام، وتركُ النظر في كُتُبِ الكلام وكُتُبِ النجوم؛ فهذه السُّنَّةُ التي اجتمعَتْ عليها الأئمَّةُ»(٩)؛ قال ابنُ قدامة ـ رحمه الله ـ: «ومِنَ السُّنَّةِ هجرانُ أهلِ البِدَعِ ومُبايَنَتُهم وتركُ الجدالِ والخصوماتِ في الدِّين، وتركُ النظرِ في كُتُبِ المُبتدِعة والإصغاءِ إلى كلامهم»(١٠).

هذا، واعْلَمْ أنَّ مشروعيَّةَ هذه العقوبةِ المتمثِّلةِ في تركِ النظرِ في كُتُبِ المُخالِفين لمنهجِ أهلِ الحقِّ وكذا أشرطتِهم وأقراصِهم إنما تدخل تحت قاعدةِ الأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر التي تُعَدُّ مِنْ أهمِّ أُسُسِ هذا الدِّينِ وقواعدِه؛ وعليه فنصيحتي لأهلِ التسجيلات أَنْ يُوظِّفوا منهجَ أهلِ السُّنَّةِ في حقِّ المُخالِفين لمنهج الحقِّ، آخِذِين بعين الاعتبارِ الضوابطَ والآدابَ التي يجب مُراعاتُها لتحقيقِ الوسطيَّة بين المغالاة والمجافاة، ومِنْ أَجَلِّها: إخلاصُ العملِ لله تعالى، وحُسْنُ النيَّة بأَنْ تكون الدوافعُ والبواعثُ مُتَّجِهةً نحوَ تحقيقِ المصلحة الشرعيَّة، عملًا يُتقرَّبُ به إلى الله تعالى؛ إذ مِنْ شرطِ قَبول العمل: الإخلاصُ والمتابَعة، مُبتعِدِين عن أسبابِ العداوة الدنيويَّة، ومُجتَنِبِين حظوظَ النفسِ ومسالكَ الهوى، وأَنْ يكونوا وسيلةً لمُحارَبةِ البِدَع في الدِّين ونَبْذِها والتحذيرِ منها لمُناقَضَتِها لأحَدِ شَرْطَيِ العبادة: وهو المتابَعةُ للرسول صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، وذلك بنشرِ كُتُبِ أهلِ السُّنَّةِ وتوزيعِ أشرطتهم، ومُحاصَرةِ كُتُبِ المُخالِفين لمنهجِ الحقِّ وتطويقِ آرائهم وشُبُهَاتهم، صيانةً لقلوبِ المسلمين وحمايةً لعقولهم منها، وأَنْ يطيعوا العلماءَ الربَّانيِّين العدولَ في توجيهاتهم ونصائحهم وتحذيراتهم التي بيَّنوا فيها أخطاءَ المُخالِفين لمنهجِ الحقِّ وانحرافَهم عن النصوصِ الشرعيَّة والأصولِ المُعْتَمَدة، ومِنْ قواعدِ أهلِ العلمِ أَنْ لا يُبَدَّع أحَدٌ مِنْ أهلِ السُّنَّةِ ولا يُحْكَم بخروجه مِنْ أهلِ السُّنَّةِ بمجرَّدِ خطإٍ، سواءٌ في المسائل العلميَّة أو العمليَّة.

وأخيرًا، فإنَّ المسلم مأمورٌ بالتعاون على نشرِ السُّنَّة وإقامتِها وتوسيعِ دائرةِ الفضيلة؛ فإنَّ ذلك مِنَ التعاون على البِرِّ والتقوى، كما أنه مأمورٌ بالامتناع عن التعاون على نشرِ البدعة لِمَا فيها مِنْ ضلالٍ وهلاكٍ وإثمٍ وفسادٍ، والمرءُ بحَسَب تعاوُنِه، وتتعدَّى نتائجُ تَعاوُنه إلى غيره نفعًا أو ضرًّا، فضيلةً أو رذيلةً، قال صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا»(١١).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٥ ربيع الثاني ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ١ ماي ٢٠٠٨م

 



(١) أخرجه مسلمٌ في «صلاة المسافرين وقَصْرِها» (٧٧٠) مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٢) «الصواعق المُرْسَلة» لابن القيِّم (٢/ ٥١٦).

(٣) أخرجه البخاريُّ في «الوكالة» باب: إذا وكَّل رجلًا فتَرَك الوكيلُ شيئًا فأجازه الموكِّلُ فهو جائزٌ، وإِنْ أَقرضَه إلى أجلٍ مُسمًّى جاز (٢٣١١) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٤) أخرجه أبو داود في «السُّنَّة» بابُ لزومِ السُّنَّة (٤٦١١). وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح أبي داود» (٣/ ١٢٠).

(٥) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٥/ ١٠١).

(٦) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» بابُ فضلِ مَنِ استبرأ لدِينه (٥٢)، ومسلمٌ في «المساقاة» (١٥٩٩)، مِنْ حديثِ النعمان بنِ بشيرٍ رضي الله عنهما.

(٧) أخرجه أحمد في «مسنده» (١٥١٥٦) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (٦/ ٣٤) وفي «ظلال الجنَّة» (١/ ٢٧) وقال: «إسنادُه ثِقَاتٌ غير مُجَالِدٍ ـ وهو ابنُ سعيدٍ ـ فإنه ضعيفٌ، ولكنَّ الحديثَ حَسَنٌ له طُرُقٌ أَشَرْتُ إليها في «المشكاة» (١٧٧)، ثمَّ خَرَّجْتُ بَعْضَها في «الإرواء» (١٥٨٩)».

(٨) «الطُّرُق الحُكْميَّة» لابن القيِّم (٢٣٤).

(٩) «الحجَّة في بيان المَحَجَّة» للأصبهاني (١/ ٢٥٢).

(١٠) «لُمْعة الاعتقاد» لابن قدامة المقدسي (٣٣).

(١١) أخرجه مسلمٌ في «العلم» (٢٦٧٤) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.