في العلاقة التلازمية بين أنواع التوحيد | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 9 ذي الحجة 1445 هـ الموافق لـ 15 يونيو 2024 م



الفتوى رقم: ٩٠٦

الصنـف: فتاوى العقيدة - التوحيد وما يُضادُّه - الربوبية

في العلاقة التلازمية بين أنواع التوحيد

السؤال:

هل مِنْ تفصيلٍ في العلاقة بين توحيد الربوبيَّة وتوحيد الألوهيَّة وكذا توحيد الأسماء والصفات؟ ولماذا يغفل الناسُ عن توحيد الحاكميَّة الذي يمكن إتمامُ أقسام التوحيد به والدعوة إليه؟

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنه لا يكمل لأَحَدٍ توحيدُه إلَّا باجتماع أنواع التوحيد الثلاثة وهي: توحيد الربوبيَّة، والأسماء والصفات، والألوهيَّة: فلا ينفع توحيدُ الربوبيَّة بدون توحيد الألوهيَّة، ولا يقوم توحيدُ الألوهيَّة بدون توحيد الربوبيَّة، ولا يستقيم توحيدُ الله في ربوبيَّتِه وألوهيَّتِه بدون توحيده في أسمائه وصِفاته(١)؛ فهذه الثلاثةُ مُتلازِمةٌ يُكمِّلُ بعضُها بعضًا، ولا يَسَعُ الاستغناءُ ببعضها عن بعضها الآخَر؛ فالعلاقةُ الرابطة بين هذه الأقسام هي علاقةُ تلازمٍ وتضمُّنٍ وشمولٍ:

فتوحيد الربوبيَّة يستلزم توحيدَ الألوهيَّة، ومعنَى ذلك أنَّ توحيد الألوهيَّة خارجٌ عن مدلول توحيد الربوبيَّة، فلا ينفع توحيدُ الربوبيَّة إلَّا بتوحيد الألوهيَّة، أي: أنَّ توحيد الربوبيَّة لا يُدْخِلُ مَنْ آمَنَ به في الإسلام، بخلاف توحيد الألوهيَّة فإنه يتضمَّن توحيدَ الربوبيَّة(٢)، أي: أنَّ توحيد الربوبيَّة جزءٌ مِنْ معنى توحيد الألوهيَّة؛ فالإيمانُ بتوحيد الألوهيَّة يُدْخِلُ في الإسلام.

فيتقرَّر ـ عندئذٍ ـ أنَّ توحيد الربوبيَّة علميٌّ اعتقاديٌّ، وتوحيد الألوهيَّة عمليٌّ طلبيٌّ، والعمليُّ متضمِّنٌ للعلميِّ؛ ذلك لأنَّ متعلَّقاتِ الربوبيَّة الأمورُ الكونيَّة كالخَلْق والرزق والتدبير والإحياء والإماتة وغيرِ ذلك، بينما متعلَّقاتُ توحيد الألوهيَّة الأوامرُ والنواهي، فإذا عَلِمَ العبدُ أنَّ الله ربُّه لا شريكَ له في ربوبيَّتِه وأسمائه وصِفاته؛ ترتَّب عنه أَنْ يعمل على طاعته وامتثالِ أوامِرِه واجتناب نواهيه، أي: يعمل على عبادته(٣)، ومنه يُفْهَمُ أنَّ عبادة الله وَحْدَه لا شريكَ له هي نتيجةٌ لاعترافٍ أوَّليٍّ بأنه لا ربَّ غيرُ الله يشركه في خَلْقه وأَمْرِه، أي: تعلَّق القلبُ ابتداءً بتوحيد الربوبيَّة ثمَّ يرتقي بعدها إلى توحيد الألوهيَّة؛ ولهذا قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «والإلهيَّة التي دَعَتِ الرُّسُلُ أُمَمَهم إلى توحيد الربِّ بها هي العبادةُ والتأليه، ومِنْ لوازمها توحيدُ الربوبيَّة الذي أَقَرَّ به المشركون، فاحتجَّ اللهُ عليهم به؛ فإنه يَلْزَمُ مِنَ الإقرارِ به الإقرارُ بتوحيد الإلهيَّة»(٤)؛ ومعنَى كلامِ ابنِ القيِّم أنَّ الله تعالى احتجَّ على المشركين بتوحيد الربوبيَّة على توحيد الألوهيَّة والعبادةِ لا العكس، ومنه يُفْهَمُ ـ أيضًا ـ أنَّ الإقرار بتوحيد الربوبيَّة والأسماءِ والصفات وَحْدَه لا يكفي لإدخالِ صاحِبِه في الإسلام ولا ينقذه مِنَ النار ولا يعصم مالَه ودمَه إلَّا بتوحيد الألوهيَّة والعبادة.

أمَّا توحيد الأسماء والصفات فهو شاملٌ للنوعين معًا (توحيد الربوبيَّة وتوحيد الألوهيَّة)؛ وذلك لأنه يقوم على إفراد الله تعالى بكُلِّ ما له مِنَ الأسماء الحُسْنى والصفاتِ العُلَى التي لا تنبغي إلَّا له سبحانه، والتي مِنْ جملتها: الربُّ الخالق الرازق المَلِك، وهذا هو توحيد الربوبيَّة.

وكذلك مِنْ جملتها: الله الغفور الرحيم التوَّاب، وهذا توحيد الألوهيَّة(٥).

هذا، أمَّا توحيد الحاكميَّة فلا يمكن تَعْدادُه قسمًا رابعًا مِنْ أقسام التوحيد؛ لأنه إِنْ قُصِدَ بالحاكميَّة التحاكمُ إلى الكتاب والسُّنَّة أو تجريدُ المُتابَعةِ لهما فلا يَخْرُج عن توحيد الألوهيَّة والعبادة؛ لأنَّ قَبول العبادةِ يتوقَّفُ على شرطين وهما: الإخلاصُ والاتِّباع، كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا ١١٠[الكهف]، أمَّا إذا كان المقصودُ بتوحيد الحاكميَّة حقَّ التشريع لله وَحْدَه فإنه يدخل في توحيد الربوبيَّة؛ إذ التشريع مِنْ أمور الربوبيَّة؛ ذلك لأنَّ جَعْلَ حقِّ التشريع لغير الله تعالى ـ كمَنْ أَحَلَّ القوانينَ الوضعيَّة مَحَلَّ الشريعة ـ فإنَّ هذا يُنافي توحيدَ الربوبيَّة، بخلافِ مَنْ عَمِل بغير الكتاب والسُّنَّة مِنْ غيرِ اعتقادِ جوازِ إحلالها مَحَلَّ شرعِ الله، فهذا يُنافي توحيدَ الألوهيَّة والعبادة؛ وعليه فإنَّ توحيد الحاكميَّة بمعنيَيْه لا يخرج عن توحيدَيِ: الربوبيَّة والألوهيَّة، وكما قدَّمْنا فإنَّ توحيد الربوبيَّة جزءٌ مِنْ معنى توحيد الألوهيَّة.

ولا يخفى أنَّ الأنبياء عليهم السلام في دعوتهم إلى الله تعالى إنما بَدَءُوها بإخلاص العبادة لله ونبذِ الشرك ـ كما هو مفصَّلٌ في آياتٍ قرآنيَّةٍ عديدةٍ ـ وهو توحيد الألوهيَّة والعبادة، وهذا معروفٌ عن منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله تعالى، فإنما قاموا بتطبيقِ شرعِ الله والقضاءِ على ما يُخالِفه بعد تصحيحِ عقيدة الناس وتمكينِ التوحيد في أَنْفُسهم وإزالةِ شوائب الشرك ومتعلِّقاته عنها، والدعاةُ إلى الله تعالى امتدادٌ للأنبياء عليهم السلام في دعوتهم وينتهجون منهجَهم ويسلكون سبيلَهم.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٤ جمادى الأولى ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ١٩ مـاي ٢٠٠٨م

 



(١) انظر: «الكواشف الجليَّة» للسلمان (٤٢٢).

(٢) انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزِّ (١/ ٤١).

(٣) انظر: المصدرَ السابق (١/ ٤٢)، «دعوة التوحيد» لهرَّاس (٨٣، ٨٤).

(٤) «إغاثة اللهفان» لابن القيِّم (٢/ ١٣٥).

(٥) انظر: «الكواشف الجليَّة» للسلمان (٤٤٢)، «دعوة التوحيد» لهرَّاس (٨٤).