Skip to Content
الإثنين 19 ذي القعدة 1440 هـ الموافق لـ 22 يوليو 2019 م



ابن جُزَي

هو محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن بن يوسف ابن سعيد بن جُزَي الكلبي(١)، يكنى: أبا القاسم، من أهل غرناطة، وذوي الأصالة والنباهة فيها.

مولده، ونشأته، وأصله:

ولد أبو القاسم في التاسع عشر (١٩) من ربيع الأول، عام ثلاثة وتسعين وستمائة (٦٩٣ﻫ) الموافق ﻟ: (١٢٩٤م)، ونشأ في بيت حسب نبيل وعلم مشهور في الأندلس الإسلامية، وأصل فرعه ينتمي إلى حصن «ولمة»(٢).

وهو حصن من حصون البراجلة من الأندلس، نزل به أولهم عند الفتح مع من يَمُتُّ لهم بالقرابة النَّسَبية، أبي الخطار حسام بن ضرار الكلبي(٣).

وعند انقراض دولة المرابطين، كان لجده يحيى بمدينة «جيان»(٤) رئاسة، وانفراد في التدبير والملك(٥).

مكانته العلمية:

كان ـ رحمه الله تعالى ـ نابغًا في فنونٍ شَتَّى وعلومٍ مُتعدِّدة، فكان فقيهًا مالكيًّا، مُحدِّثًا، أُصوليًّا، مُقرئًا، مُتكلمًا، أديبًا، نحويًّا لُغويًّا، حافظًا مُتقنًا، مُفسِّرًا.

وكان مثاليًّا في العكوف على العلم، والاقتصاد في الاقتيات، والاشتغال والتقييد، والتدوين، تقدم خطيبًا على حداثة سنه في الجامع الكبير ببلده، فأمتع القلوب بحسن أسلوبه، وملك الأفئدة بوعظه وإرشاده وبراعة منطقه، فكان صحيح الاعتقاد، سليم الطوية. اشتغل بالتدريس فتتلمذ عليه كثير من الناس(٦).

شيوخه:

أخذ الإمام العلم عن جمعٍ كبيرٍ من أئمة عصره وفضلائهم، ومن أشهرهم:

ـ أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الغرناطي، المتوفى سنة (٧٠٨ﻫ).

ـ أبو القاسم قاسم بن عبد الله بن محمَّد بن الشاط الأنصاري السبتي، المتوفى سنة (٧٢٣ﻫ).

ـ أبو عبد الله محمَّد بن أحمد اللخمي المعروف بابن الكماد، المتوفى سنة (٧١٢ﻫ).

ـ أبو عبد الله محمَّد بن عمرو الفهري السبتي المعروف بابن رشيد، المتوفى سنة (٧٢١ﻫ).

ـ أبو عبد الله محمَّد بن أحمد بن يوسف بن أحمد بن عمر الهاشمي الطنجاني، المتوفى سنة (٧٢٤ﻫ).

كما روى عن جملة من أئمَّة عصره منهم: أبو الحسن بن مستقور، وسمع على الشيخ الوزير أبي محمَّد عبد الله بن أحمد بن المؤذن، وعلى الراوية أبي الوليد الحضرمي، وروى عن الشيح الراوية أبي زكريا البرشاني، وعلى الراوية الخطيب أبي عبد الله محمَّد بن محمَّد الأنصاري، والقاضي أبي المجد علي بن أبي الأحوص والقاضي أبي عبد الله ابن برطال، والشيخ الوزير ابن أبي عامر بن ربيع.

تلاميذه:

أخذ عنه خلق كثير نقتصر على ما يأتي:

ـ لسان الدين أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله، السلماني الغرناطي، المعروف بابن الخطيب، المتوفى سنة (٧٧٦ﻫ).

6 أبناؤه الثلاثة النجباء:

ـ أبو محمَّد عبد الله بن أبي القاسم محمَّد بن أحمد بن محَّمد بن جُزَي.

ـ أبو بكر أحمد بن أبي القاسم محمَّد بن أحمد بن محَّمد بن جزي، المتوفى سنة (٧٨٥ﻫ).

ـ أبو عبد الله محمَّد بن أبي القاسم محمَّد بن أحمد بن محَّمد بن جزي، المتوفى سنة (٧٥٧ﻫ).

6 أبو عبد الله محمَّد بن قاسم بن أحمد بن إبراهيم الأنصاري، المعروف بالشُّدَيد.

مصنفاته:

لقد ترك الإمام أبو القاسم ثروةً كبيرةً من الكتب لا بأس بها في علومٍ شَتَّى، وفنونٍ متنوعة، تشهد له بالعلم، قال ابن الخطيب: «كان جمَّاعةً للكتب ملوكي الخزانة»(٧)، وقال الحضرمي: «برنامج لا بأس به»(٨)، ومن هذه الكتب:

١ـ «وسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم».

٢ـ «الدعوات والأذكار المُخْرَجة من صحيح الأخبار».

٣ـ «الأنوار السنية في الكلمات السنية»(٩).

٤ـ «النور المبين في قواعد عقائد الدين».

٥ـ «المختصر البارع في قراءة نافع»(١٠).

٦ـ «القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية»(١١).

٧ـ «الفوائد العامة في لحن العامة».

٨ـ «التنبيه على مذهب الشافعية والحنفية والحنبلية».

٩ـ «أصول القراء الستة غير نافع».

١٠ـ «فهرسة كبيرة مشتملة على جملة من علماء المشرق والمغرب».

١١ـ «تقريب الوصول إلى علم الأصول»، وهو كتاب قمت بدراسته وتحقيقه.

إلى غير ذلك من الكتب ممَّا قيده في التفسير(١٢) والقراءات وغيرهما.

أخلاقه وشعره:

كان الإمام أبو القاسم على جانبٍ كبيرٍ من المروءة والورع، والعِفَّة والطهارة، قال تلميذه الحضرمي في «فهرسته»: «كان رجلًا ذا مروءة كاملة، حافظًا متقنًا، ذا أخلاقٍ فاضلةٍ، وديانةٍ، وعِفَّة، وطهارة، وشهرته دينًا وعلمًا أغنت عن التعريف به»(١٣)، وتنعكس هذه الصفات الحميدة في بعض أبياته الشعرية، فيقول في مذهب الفخر وهو يفخر بعفته:

وَكَمْ مِنْ صَفْحَةٍ كَالشَّمْسِ تَبْدُو * فَيُسْلِي حُسْنُهَا قَلْبَ الحَزِينِ

غَضَضْتُ الطَّرْفَ عَنْ نَظَرِي إِلَيْهَا * مُحَافَظَةً عَلَى عِرْضِي وَدِينِي

وسلك في أبيات أخرى مسلك الجماعة: كأبي العلاء المعري، والرئيس ابن المظفر، وأبي طاهر السِّلَفي، وأبي الحجاج ابن الشيخ، وأبي الربيع ابن سالم، وأبي علي ابن أبي الأحوص، وغيرهم، حيث يقول في أبياته الغينية:

لِكُلِّ بَنِي الدُّنْيَا مُرَادٌ وَمَقْصِدٌ * وَإِنَّ مُرَادِي صِحَّةٌ وَفَرَاغُ

لِأَبْلُغَ فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ مَبْلَغًا * يَكُونُ بِهِ لِي لِلْجِنَانِ بَلَاغُ

وَفِي مِثْلِ هَذَا فَلْيُنَافِسْ أُولُو النُّهَى * وَحَسْبِي مِنَ الدُّنْيَا الغَرُورِ بَلَاغُ

فَمَا الفَوْزُ إِلَّا فِي نَعِيمٍ مُؤَبَّدٍ * بِهِ العَيْشُ رَغْدٌ وَالشَّرَابُ يُسَاغُ

ويظهر في موقف آخر مشفقًا من ذنبه متضرِّعًا إلى ربه حيث يقول:

يَا رَبِّ إِنَّ ذُنُوبِي اليَوْمَ قَدْ كَثُرَتْ * فَمَا أُطِيقُ لَهَا حَصْرًا وَلَا عَدَدَا

وَلَيْسَ لِي بِعَذَابِ النَّارِ مِنْ قِبَلٍ * وَلَا أُطِيقُ لَهَا صَبْرًا وَلَا جَلَدَا

فَانْظُرْ إِلَهِي إِلَى ضَعْفِي وَمَسْكَنَتِي * وَلَا تُذِيقَنَّنِي حَرَّ الجَحِيمِ غَدَا

ومن مشهور نظمه ما له من شعر في الجناب النبوي حيث يقول:

أَرُومُ امْتِدَاحَ المُصْطَفَى فَيَرُدُّنِي * قُصُورِي عَنْ إِدْرَاكِ تِلْكَ المَنَاقِبِ

وَمَنْ لِي بِحَصْرِ البَحْرِ، وَالبَحْرُ زَاخِرٌ * وَمَنْ لِي بِإِحْصَاءِ الحَصَى وَالكَوَاكِبِ

إلى أن يقول:

وَلَوْ أَنَّ كُلَّ العَالمَيِنَ تَأَلَّفُوا * عَلَى مَدْحِهِ لَمْ يَبْلُغُوا بَعْضَ وَاجِبِ

فَأَمْسَكْتُ عَنْهُ هَيْبَةً وَتَأَدُّبًا * وَخَوْفًا وَإِعْظَامًا لِأَرْفَعِ جَانِبِ

وَرُبَّ سكُوتٍ كَانَ فِيهِ بَلَاغَةٌ * وَرُبَّ كَلَامٍ فِيهِ عَتْبٌ لِعَاتِبِ

وكان قصد الإمام أبي القاسم الذي يتطلَّع إلى الظفر به، ويأمل الحصول عليه هو الشهادة الخالصة في سبيل الله تعالى، تكون له تكفيرًا للذنوب ونجاة من النار.

وفي هذا المعنى فإن لأبي القاسم من الشعر ما يترجم هذه الغاية حيث يقول:

قَصْدِي المُؤَمَّلُ فِي جَهْرِي وَإِسْرَارِي * وَمَطْلَبِي مِنْ إِلَهِي الوَاحِدِ البَارِي

شَهَادَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ خَالِصَةً * تَمْحُو ذُنُوبِي وَتُنْجِينِي مِنَ النَّارِ

إنَّ المَعَاصِيَ رِجْسٌ لَا يُطَهِّرُهَا * إِلَّا الصَّوَارِمُ مِنْ أَيْمَانِ كُفَّارِ

وقد حقَّق الله قصده، فاستُشْهِد الإمام يوم الكائنة بطريف(١٤)، وهو يحرِّض الناس، ويشحذ بصائرهم، ويثبِّتهم، وذلك ضحوة الإثنين السابع لجمادى الأولى عام واحد وأربعين وسبع مائة(١٥) (٧٤١ﻫ) تغمَّده الله برحمته، وأسكنه فسيح جنانه(١٦).

[تحقيق «تقريب الوصول» (١٣)]

 



(١) هذه النسبة إلى كلب بن وَبَرة، بطن من قضاعة، من القحطانية، انظر: «جمهرة أنساب العرب» لابن حزم (٤٥٥)، «الاشتقاق» لابن دريد (٥٣٧)، «الأنساب» للسمعاني (١١/ ١٣٠)، «عجالة المبتدئ» للحازمي (١٠٧).

(٢) ذكر المقري في «أزهار الرياض» (٣/ ١٨٥)، وكذا في «نفح الطيب» (٥/ ٥١٤): «ولبة» بدلًا من «ولمة »، ويثور إشكال إذا ما اعتبرنا أصل فرعه من «ولبة»؛ ذلك لأن حصون البراجلة تقع في جنوب غرناطة، في حين نجد أن ثغر «ولبة» يقع جنوب غربي إشبيلية، لذلك فإنَّ الأقرب إلى الصواب حصن «ولمة».

(٣) كان أمير الأندلس ووليها بعد قتل أميرها عبد الملك بن قطن، فدانت له الأندلس وخمدت الفتنة به. للتوسع في ترجمته، انظر: «جمهرة أنساب العرب» لابن حزم (١٥٧)، «جذوة المقتبس» للحميدي (١٨٨).

(٤) جيان: بالفتح ثمَّ التشديد وآخره نون، مدينة وهي كورة كبيرة تجمع قرى كبيرة وبلدانا، تقع في قلب الأندلس المسلمة، ومدينة جيان الحديثة ((JAEN هي عاصمة الولاية الأندلسية المسماة بهذا الاسم. انظر: «معجم البلدان» (٢/ ١٦٩)، «الروض المعطار» للحميري (١٨٣)، و«الآثار الأندلسية» لمحمَّد بن عبد الله عنان (٢٢١).

(٥) «الإحاطة» لابن الخطيب (٣/ ٢٠)، «أزهار الرياض» (٣/ ١٨٥)، «نفح الطيب» (٥/ ٥١٤) كلاهما للمقري.

(٦) نفس المراجع السابقة.

(٧) «الإحاطة» لابن الخطيب (٣/ ٢٠).

(٨) «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٣٩).

(٩) طبع بمطبعة السعادة بالقاهرة سنة (١٣٤٧ﻫ)، وتوجد منه عدة نسخ خطية بالخزانة الملكية بالرباط، تحت الأرقام التالية: (٦١٥٠، ٧٣٠٧، ٥٤٦٨، ٩٢٦٠)، وطبع عن مخطوطة أصلية بالمكتبة الكنونية ـ دار الكتب ـ الجزائر ـ ١٩٨٣، وقد أورد أحمد بن محمَّد المقري تشكيكًا في نسبة كتاب «الأنوار السنية» إلى المؤلف لاحتمال أن يكون من تأليف ولده أبي بكر أحمد، حيث يقول في «نفح الطيب» (٥/ ٥١٧): «أمَّا أبو بكر فهو الذي ألَّف أو أبوه «الأنوار السنية».»، أمَّا في كتابه «أزهار الرياض» (٣/ ١٨٧) فإنه يورد تأكيد نسبة تأليف الكتاب الوالد لأجل الولد حيث يقول: «.. وهو الذي ألَّف له أبوه «الأنوار السنية».»، وذلك باستبدال «أو» في العبارة الأولى ﺑ: «له» في العبارة الثانية.

والظاهر أنه من تأليف الأب لما وردت نسبة الكتاب إليه مثبتة في كتب متعدِّدة منها: كتاب «الإحاطة» لتلميذه لسان الدين بن الخطيب (٣/ ٢١).

وهذا الكتاب شرحه أبو عبد الله محمَّد بن عبد الملك القيسي بشرح سماه: «مناهج الأخبار في تفسير أحاديث كتاب الأنوار»، انظر: «فهرس الفهارس والإثبات» (١/ ٣٠٦).

(١٠) توجد منه نسخة خطية بالمكتبة الوطنية بتونس تحت رقم: (٣٨٤).

(١١) وهو كتاب مطبوع، قام بنشره عبد الرحمن بن حمدة اللزام الشريف، ومحمَّد الأمين الكتبي بتونس سنة (١٣٤٤ﻫ ـ ١٩٢٦م)، كما طبع مقتطف من مقدمته بعنوان: «القاموس الوجيز للقرآن العزيز» بالمطبعة الجديدة بفاس عام (١٣٤٨ﻫ ـ ١٩٢٩م).

(١٢) وهو كتاب تفسير القرآن الكريم المعروف بعنوان: «التسهيل لعلوم التنزيل»، وقد طبع تفسيره تحت إشراف لجنة تحقيق التراث في دار الكتاب العربي ـ بيروت (١٤٠٩ﻫ ـ ١٩٨٨م).

(١٣) «نيل الابتهاج» (٢٣٩).

(١٤) طريف أو طريفة: مدينة في إسبانيا (الأندلس، مقاطعة قادس)، تقع على الساحل من بحر المحيط، وترى من مدينة «طنجة» المغربية ١٨.٠٠٠ن على مضيق جبل طارق سميت باسم أول قائد عربي بربري الأصل، وهو طريف بن مالك، الذي غزا إسبانيا بأمر من موسى ابن نصير في عهد الوليد بن عبد الملك سنة ٩١ﻫ الموافق ٧١٠م، انظر: «الروض المعطار» للحميري (٣٩٢)، «الآثار الأندلسية» لمحمَّد عبد الله عنان (٢٧٨).

(١٥) نفس المراجع السابقة.

(١٦) «الإحاطة» لابن الخطيب (٣/ ٢٠)، «نفح الطيب» (٥/ ٥١٤)، «أزهار الرياض» (٣/ ١٨٤) كلاهما للمقري، «الديباج المذهب» لابن فرحون (٢٩٥)، «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٣٨)، «الفكر السامي» للحجوي (٢/ ٣/ ٢٤٠)، «الدرر الكامنة» لابن حجر (٣/ ٤٤٦)، «شجرة النور الزكية» لمخلوف (٢١٣)، «الأعلام» للزركلي (٦/ ٢٢١)، «الفتح المبين» للمراغي (٢/ ١٥٤)، «فهرس الفهارس والأثبات» للكتاني (١/ ٣٠٦)، «ألف سنة من الوفيات» (١٠٤، ١١٤، ١٩٢، ٧٢٠).