Skip to Content
الخميس 6 ذو القعدة 1439 هـ الموافق لـ 19 يوليو 2018 م

حكم الصوم للمسافر
ومدى أفضلية الصيام في السفر

أوَّلًا: نصُّ الحديث:

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَامَ الفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: «إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ»، فَقَالَ: «أُولَئِكَ العُصَاةُ، أُولَئِكَ العُصَاةُ»» رواه مسلمٌ وغيرُه(١).

وعنه ـ أيضًا ـ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» فَقَالُوا: «صَائِمٌ»، فَقَالَ: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ»» مُتَّفَقٌ عليه، واللفظُ للبخاريِّ(٢).

وفي روايةِ النسائيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِرَجُلٍ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ يُرَشُّ عَلَيْهِ المَاءُ، قَالَ: «مَا بَالُ صَاحِبِكُمْ هَذَا؟» قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللهِ، صَائِمٌ»، ...» فذَكَره.

وفي لفظٍ لمسلمٍ: «عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ الَّذِي(٣) رَخَّصَ لَكُمْ»(٤)، وفي رواية النسائيِّ بزيادةِ: «فَاقْبَلُوهَا»(٥).

ثانيًا: سند الحديث:

الحديث أخرجه مسلمٌ والترمذيُّ والنسائيُّ، وفي لفظٍ لمسلمٍ: «فَقِيلَ لَهُ: «إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ»، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ العَصْرِ»(٦)، وأصلُه في الصحيحين مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما(٧).

ثالثًا: ترجمة راوي الحديث:

هو جابر بنُ عبد الله بنِ عمرِو بنِ حَرام بنِ كعبٍ الأنصاريُّ الخزرجيُّ، مِنْ فُضَلاءِ الصحابةِ المُتْحَفين بحُبِّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأمُّه نُسَيْبَةُ بنتُ عقبة، تجتمع هي وأبوه في جدِّهما حَرامٍ، ويُكنَّى بأبي عبد الله، شَهِدَ العَقَبةَ الثانية مع أبيه وهو صبيٌّ، وكان مُجاهِدًا؛ ففي «صحيح مسلمٍ» عن جابرٍ أنه قال: «غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً»، قال جابرٌ: «لَمْ أَشْهَدْ بَدْرًا وَلَا أُحُدًا؛ مَنَعَنِي أَبِي، فَلَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللهِ يَوْمَ أُحُدٍ لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ قَطُّ»(٨)، وشَهِدَ صِفِّين مع عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه، وعَمِيَ في آخِرِ عُمُرِه. وتُوُفِّيَ جابرٌ بالمدينة سنة: (٧٨ﻫ)، وكان آخِرَ مَنْ مات ممَّنْ شَهِدَ العَقَبةَ الثانية، وآخِرَ مَنْ مات بالمدينة مِنَ الصحابة، وصلَّى عليه أَبَانُ بنُ عثمان وكان أميرَ المدينة، وكان عُمُرُ جابرٍ أربعًا وتسعين سنةً(٩).

ويُعَدُّ جابرٌ رضي الله عنه أحَدَ المُكْثِرين مِنْ رواية الحديث، فله أربعون وخَمْسُمائةٍ وألفُ حديثٍ (١٥٤٠)، ويَلي المرتبةَ الخامسة بعد أبي هريرة وابنِ عمر وأنسِ ابنِ مالكٍ وعائشةَ وابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهم(١٠).

رابعًا: غريب الحديث:

ـ «عام الفتح»: هو فتحُ مكَّة، وكان سنةَ ثمانٍ مِنَ الهجرة، وكان خروجُه صلَّى الله عليه وسلَّم يومَ العاشر مِنْ رمضان.

ـ «كُرَاعُ الغميم»: وادٍ أمامَ عُسْفان، و«الكُرَاع»: جبلٌ أسودُ عن يسار الطريقِ، طويلٌ شبيهٌ بالكُرَاع، و«الغميمُ» بجانبِ المَرَاض، و«المَرَاض» بين رابغٍ والجُحْفة(١١).

ـ «يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ»: أي: أنَّ الصحابة ـ مع المَشقَّة الحاصلة عليهم ـ تحرَّجوا مِنَ الإفطار وبَقُوا صائمين؛ تأسِّيًا بفعل النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، حيث كانوا يرَوْنه صائمًا فيُتابِعونه على الصوم لنيلِ شرفِ التبعية له؛ لذلك سارع النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالإفطار علانِيَةً؛ جلبًا للتيسير ودفعًا للمَشقَّة.

ـ «ظُلِّل عليه»: أي: حُجِب مِنْ حرِّ الشمس بساترٍ مِنْ كساءٍ أو عودٍ أو شجرةٍ، كما في رواية النسائيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِرَجُلٍ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ يُرَشُّ عَلَيْهِ الَماءُ»، ويحتمل أنَّهم سَتَروه منها بالقيام عليه أو بوضع اليد على رأسه.

ـ «البِرِّ»: اسْمٌ جامعٌ للخير والاتِّساعِ في الإحسان ولكُلِّ فعلٍ مَرْضيٍّ(١٢).

خامسًا: مختلف الحديث:

ورَدَتْ روايةٌ أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم: «صَامَ حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ ثُمَّ أَفْطَرَ»(١٣)، وفي روايةٍ أخرى عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أَنَّهُ صَامَ «حَتَّى أَتَى قُدَيْدًا ثُمَّ أَفْطَرَ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ»(١٤)، وفي روايةِ الصحيحين: أَنَّهُ «صَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ»(١٥) ثُمَّ أَفْطَرَ، وفي رواية الباب: أَنَّهُ «صَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الغَمِيمِ».

و«الكَديد»: عينٌ جاريةٌ تقع بين قُدَيْدٍ وعُسْفان(١٦).

وهذا الاختلاف في هذه الأماكنِ لا يضرُّ؛ لأنَّ كُلَّ راوٍ ذَكَر المكانَ الأعرفَ إليه؛ إذ إنَّ هذه المواضعَ المذكورةَ في الروايات المتقدِّمةِ كُلَّها تابعةٌ لعُسْفان، قال ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ: «قال [القاضي] عياضٌ(١٧): اختلفَتِ الرواياتُ في الموضع الذي أفطر صلَّى الله عليه وسلَّم فيه، والكُلُّ في قِصَّةٍ واحدةٍ، وكُلُّها متقاربةٌ، والجميعُ مِنْ عملِ عُسْفان»(١٨).

سادسًا: الفوائد والأحكام المستنبطة مِنَ الحديث:

١ ـ فيه مشروعيةُ الفطرِ للمسافر في رمضان، والأخذِ برخصة الفطر في السفر لأنَّه مظنَّةُ المَشقَّة؛ كما أنَّ فِعْلَه صلَّى الله عليه وسلَّم يُفيدُ جوازَ الصيامِ فيه لمَنْ قَدَر عليه مِنْ غير مَشقَّةٍ؛ والمسألةُ خلافيةٌ، وسيأتي بيانُها.

٢ ـ فيه دليلٌ على تحريم الصوم في السفر لمَنْ شقَّ عليه، وأنَّ صومه ـ في هذه الحالِ ـ معصيةٌ، وفاعِله مِنَ العُصاة؛ لكونِ الفطر عزمةً مِنْ عَزَماتِ الشرع.

٣ ـ والحديث يدلُّ ـ بعمومه ـ على أنَّ الصَّوم في السفر ليس بِرًّا، وإنَّما يُجزِئُ ويُسْقِط القضاءَ(١٩).

٤ ـ فيه تفضيلُ الفطرِ على الصوم في السفر لمَنْ شقَّ عليه الصيامُ، أو إذا اقترنَتْ به مصلحةٌ مِنَ التقوِّي على الأعداء، أو لمَنْ كان مُعْرِضًا عن قَبولِ الرخصة متحرِّجًا منها، وهذا محلُّ اتِّفاقٍ بين أهل العلم؛ ولكِنْ يختلفون فيمَنْ لا يشقُّ عليه السفرُ: هل الأفضلُ له الصومُ أم الفطرُ؟ وسيأتي تفصيلُه في فقه الحديث.

٥ ـ فيه تقشُّفُ الصحابة رضي الله عنهم بحيث لا يَجِدُ أكثرُهم ما يُظِلُّه عن حرِّ الشمس، وظهورُ تآزُرِهم فيما بينهم بما تَيسَّر مِنْ حالٍ ومالٍ دون ترفُّعٍ أو تكبُّرٍ، ولم تمنعهم رِقَّةُ حالهم في الدنيا مِنَ التأسِّي بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وارتكابِ الصِّعاب، وقطعِ المفازات والمسافات، وتجشُّمِ المخاطر، وتحمُّلِ عناء السفر وحرِّ الهاجرة في الجهاد في سبيل الله تعالى.

٦ ـ فيه حكمةٌ تربويةٌ بليغةٌ، تتجلَّى في تفقُّدِ الإمام أحوالَ رعاياهُ، وعدمِ إهمالهم، والرِّفقِ بهم، ورعايةِ حالهم(٢٠)؛ وأنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أَبطلَ صومَه ليُزيلَ عنهم الحرجَ ويدفعَ عنهم المَشقَّة؛ واعتبر مُخالَفةَ ذلك عصيانًا؛ لمخالفةِ أمرِه صلَّى الله عليه وسلَّم لا لمجرَّد الصوم في السفر.

٧ ـ فيه دلالةٌ على جواز الفطر في السفر مُطلَقًا، سواءٌ بَدَأ في الصوم وهو مُقيمٌ أو بَدَأ فيه وهو مسافرٌ ـ ولو بعد مُضِيِّ أغلب النهار ـ لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَفطرَ بعد العصر.

٨ ـ استُدِلَّ بالحديث على جواز إفطار المسافر نهارًا مطلقًا بعد أَنْ نوى الصيامَ مِنَ الليل(٢١)، وهو أحَدُ قولَيِ الشافعيِّ وأحمد؛ خلافًا للحنفية والمالكية الذين يُوجِبون عليه الصومَ، بل يذهب المالكيةُ إلى وقوع الكفَّارة عليه إِنْ أفطر(٢٢)؛ وحملوا حديثَ الباب على جوازِ ذلك في حقِّ مَنْ كان بالليل مُسافِرًا: إِنْ نوى الصومَ جاز له أَنْ يُفطِر في النهار، أمَّا لو نوى الصومَ ـ وهو مُقيمٌ ـ ثمَّ سافر في أوَّلِ النهارِ أو أثناءَه، ثمَّ بَدَا له أَنْ يفطر فليس له ذلك؛ مُستدِلِّين بقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُ[البقرة: ١٨٥]، وقد شَهِد الشهرَ بعد أَنْ طَلَع عليه الفجرُ، ولم يُفارِقِ العمرانَ، ولا يُوصَفُ بكونه مسافرًا حتَّى يخرج مِنْ بلده؛ لذلك كان معدودًا في حكم الحاضرين، فتَنطبِقُ عليه أحكامُهم، ولقوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِ[البقرة: ١٨٧]؛ فالآيةُ ظاهرةٌ في وجوبِ صومِ مَنْ طَلَع عليه الفجرُ، وهي شاملةٌ للمُقيمِ إذا سافر فلا يُفطِرُ حتَّى يُتِمَّ الصيامَ إلى الليل؛ ولأنَّه بيَّت الصومَ ليلةَ سفرِه فلم يَجُزْ له أَنْ يُبْطِل صومَه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبۡطِلُوٓاْ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٣[محمَّد]، ولأنَّ الصوم عبادةٌ تختلف بالسفر والحَضَر؛ فإذا اجتمعا فيها غُلِّب حكمُ الحَضَر كالصلاة(٢٣)، أمَّا حديثُ الباب فلا حجَّةَ فيه على هذه المسألة؛ لكون النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في موضعٍ يبعد عن المدينة عدَّةَ أيَّامٍ؛ فهو محمولٌ على حالة الاتِّفاق المتقدِّمة.

والصحيح المذهبُ الأوَّل؛ لشمولِ قوله تعالى: ﴿أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَ[البقرة: ١٨٤، ١٨٥] المتأهِّبَ للسفر ولمَّا يخرج؛ إذ المتأهِّبُ آخِذٌ بأسباب الحركة، مسافرٌ مِنْ حيث إنَّه يَستصحِبُ النيَّةَ المقرونة بالعمل والنهوض؛ بخلاف المُقيم، فلا يحتاج إلى عملٍ، ويشهد لذلك حديثُ الباب ـ وإِنْ لم تقم به حجَّةٌ ظاهرةٌ على إفطارِ مَنْ أصبح في الحَضَر مسافرًا ـ إلَّا أنَّ حديثَ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما يقوِّي هذه الحجَّةَ، قال: «خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ إِلَى حُنَيْنٍ وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ: فَصَائِمٌ وَمُفْطِرٌ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ أَوْ مَاءٍ فَوَضَعَهُ عَلَى رَاحَتِهِ ـ أَوْ: عَلَى رَاحِلَتِهِ ـ ثُمَّ نَظَرَ إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ المُفْطِرُونَ لِلصُّوَّامِ: «أَفْطِرُوا»»(٢٤)؛ ففي الحديث دليلٌ واضحٌ على جوازِ إفطارِ مَنْ أصبح في حَضَرٍ مُسافِرًا، كما يدلُّ عليه ما أخرجه الترمذيُّ مِنْ حديثِ محمَّد بنِ كعبٍ، قال: «أَتَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ سَفَرًا، وَقَدْ رُحِلَتْ لَهُ رَاحِلَتُهُ وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ، فَقُلْتُ لَهُ: «سُنَّةٌ؟» قَالَ: «سُنَّةٌ»، ثُمَّ رَكِبَ»(٢٥)، وقد روى أحمد وأبو داود عن عُبَيْدِ بْنِ جَبْرٍ قال: «كُنْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الغِفَارِيِّ(٢٦) صَاحِبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفِينَةٍ مِنَ الفُسْطَاطِ(٢٧) فِي رَمَضَانَ، فَرُفِعَ ثُمَّ قُرِّبَ غَدَاهُ، قَالَ جَعْفَرٌ فِي حَدِيثِهِ: فَلَمْ يُجَاوِزِ البُيُوتَ حَتَّى دَعَا بِالسُّفْرَةِ، قَالَ: «اقْتَرِبْ»، قُلْتُ: «أَلَسْتَ تَرَى البُيُوتَ؟» قَالَ أَبُو بَصْرَةَ: «أَتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟» قَالَ: فَأَكَلَ»(٢٨).

وقد صرَّح هذان الصحابيَّان بأنَّ إفطار المسافر قبل مجاوزة البيوت هو مِنَ السنَّة(٢٩).

ولأنَّ السَّفر إِنْ وُجِد ليلًا واستمرَّ في النهار جاز له الفطرُ، وهو الأصلُ المنصوصُ عليه، وهو حالةٌ لا يختلف فيها الحكمُ إِنْ وُجِد السفرُ في أثنائه كالحالة الأولى(٣٠).

أمَّا الاستدلال بالآية فهي خارجةٌ عن محلِّ النزاع؛ لأنَّ شهود الشهر لمَنْ حَضَره مُقيمًا دون المسافر؛ وأمَّا الآية الأخرى فقَدْ ثَبَت مِنْ فعلِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ بعد نزولها عليه ـ ما لا يُوافِقُ المعنى الذي ذَكَروه؛ ولا شكَّ أنَّه أعلمُ الخَلْق بمعناها؛ وأمَّا عمومُ آيةِ: ﴿وَلَا تُبۡطِلُوٓاْ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٣[محمَّد] فقَدْ وَرَد ما يخصِّصها، و«الخَاصُّ يَقْضِي عَلَى العَامِّ ويَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ» ـ كما هو مقرَّرٌ أصوليًّا ـ.

والقياس على الصلاة لا يصحُّ للفارق بينهما؛ فالصلاةُ يَلْزَمُ إتمامُها بنيَّته بخلاف الصوم؛ إذ الصلاةُ فعلٌ والصومُ كفٌّ فافترقا(٣١).

٩ ـ السفر المُعتبَرُ ـ شرعًا ـ هو البروزُ مِنْ محلِّ الإقامة بنيَّةٍ وهيئةٍ ومدَّةٍ يعتبرها العرفُ سفرًا، فيُباحُ فيه القَصْرُ والجمعُ والفطر؛ وقد اختُلِف في تحديده، والأقوى بقاؤه غيرَ مُقيَّدٍ بمسافةٍ؛ فيُترخَّصُ في كُلِّ ما يُسمَّى سفرًا ـ طال أم قَصُر ـ مِنْ غيرِ تحديدِ السفر بمدَّةٍ أو مسافةٍ أو كونِه سفرَ طاعةٍ، وهو مذهبُ ابنِ تيمية ـ رحمه الله ـ(٣٢)(٣٣)؛ قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ(٣٤): «وأمَّا ما يُرْوى عنه مِنَ التحديد باليوم أو اليومين أو الثلاثة فلم يصحَّ عنه منها شيءٌ ألبتَّةَ»(٣٥).

١٠ ـ وظاهِرُ الحديث أنَّ المسافر لا يَلْزَمه الصومُ ولو عَلِم اليومَ الذي يَصِلُ إلى محلِّ إقامته، وهو الصحيحُ لأنَّه لا يزال مسافرًا، والأحكامُ المترتِّبة على السفر لا تنقطع إلَّا بانقطاعه.

١١ ـ وقوله: «عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ»: فيه جوازُ إتيانِ رُخَصِ الله تعالى التي خفَّف بها على عباده، ويكون الفطرُ واجبًا لمَنْ يشقُّ عليه الصومُ ويشتدُّ ويتضرَّر؛ ويدلُّ على كونه عزيمةً ورخصةً واجبةً قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم في رواية النسائيِّ: «فَاقْبَلُوهَا»، وفي قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ»، كذلك مَنْ كان مُعْرِضًا عن قَبولِ الرخصة متحرِّجًا منها فالفطرُ أفضلُ له، ويدلُّ عليه حديثُ ابنِ عمر رضي الله عنهما أنه قال: «إِذَا سَافَرْتَ فَلَا تَصُمْ؛ فَإِنَّكَ إِنْ تَصُمْ قَالَ أَصْحَابُكَ: «اكْفُوا الصَّائِمَ»، «ارْفَعُوا لِلصَّائِمِ»، وَقَامُوا بِأَمْرِكَ وَقَالُوا: «فُلَانٌ صَائِمٌ»؛ فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَذْهَبَ أَجْرُكَ»(٣٦)، وفي حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه مرفوعًا: أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال للمفطرين حين خدموا الصُّوَّامَ: «ذَهَبَ المُفْطِرُونَ اليَوْمَ بِالأَجْرِ»(٣٧).

١٢ ـ فيه استحبابُ التمسُّكِ بالرخصة عند الحاجة إليها، وكراهةُ تركِها على وجه التشدُّد والتعمُّق والتنطُّع في الدِّين(٣٨).

١٣ ـ ظاهرُ الحديثِ أنَّ الترخُّص بالفطر في رمضان إنَّما هو في سفر الطاعة اتِّفاقًا؛ واختلفوا في جواز الترخُّص في سفر المعصية: فمَنَع ذلك الجمهورُ جريًا على قاعدةِ: «الرُّخَصُ لَا تُنَاطُ بِالمَعَاصِي»(٣٩)؛ خلافًا للحنفية والظاهرية، فإنَّ المعاصيَ ـ عندهم ـ لا تمنع مِنَ الإتيان بالرُّخَص(٤٠).

١٤ ـ والحديث ـ بظاهره ـ يُفيدُ أنَّ الفطر ما دام قد أُبيحَ رخصةً وتخفيفًا فلا يصحُّ للمسافر أَنْ يصوم في رمضان عن غيره كالنذر والقضاء؛ لأنَّه إِنْ لم يُرِدِ التخفيفَ عن نَفْسِه لَزِمه أَنْ يأتيَ بالأصل، وهو مذهبُ الجمهور؛ أمَّا مذهبُ أبي حنيفة وابنِ حزمٍ رحمهما الله فيقع ما نواهُ إِنْ كان واجبًا؛ لأنَّه شَغَل الوقتَ بالأهمِّ، ورخصتُه متعلِّقةٌ بمطلق السفر وقد وُجِد، و«إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»(٤١)؛ أمَّا ابنُ حزمٍ ـ رحمه الله ـ فحَمَل أحاديثَ الصيام في السفر على ما هو واجبٌ غير رمضان؛ جمعًا بين الأدلَّة(٤٢).

والصحيح المذهب الأوَّل؛ لأنَّ الفطر إنَّما يُباحُ للعذر، فلا يصحُّ أَنْ يصومه عن غير رمضان، كالمريض إِنْ نوى عن واجبٍ آخَرَ، كما ينتقض إِنْ نوى صومَ النفل في رمضان؛ أمَّا جمعُ ابنِ حزمٍ ـ رحمه الله ـ فسيأتي في المناقشة اللاحقة.

سابعًا: مواقف العلماء مِنَ الحديث (فقه الحديث):

 تحرير محلِّ النزاع:

لا خلافَ بين أهل العلم في مشروعية الفطر للمسافر، وأنَّ المفطر في رمضان يَلْزَمه القضاءُ في أيَّامٍ أُخَرَ(٤٣)؛ ومُستنَدُ الإجماعِ قولُه تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَ[البقرة: ١٨٥]؛ وإنَّما اختلفوا في جواز الصوم في السفر، وفي أفضليَّته على الفطر عند المجيزين للصوم فيه.

وأتعرَّض لهاتين المسألتين على الوجه التالي:

 المسألة الأولى: في حكم الصوم في السفر:

أ) مذاهب العلماء:

اختلف العلماءُ في هذه المسألةِ على مذهبين:

المذهب الأوَّل: أنَّ الصوم في السفر لا يجزئ عن الفرض، بل مَنْ صام في السفر وَجَب عليه قضاؤه في الحَضَر، غير أنَّه يجوز صيامُ واجبٍ غيرِ رمضانَ في السفر: كصومِ قضاءٍ سابقٍ أو نذرٍ، وهو مذهبُ الظاهرية والشيعة، وهو مرويٌّ عن ابنِ عمر وابنِ عبَّاسٍ وعبد الرحمن بنِ عوفٍ وأبي هريرة رضي الله عنهم، وبه قال الزُّهْريُّ(٤٤) وإبراهيم النَّخَعيُّ(٤٥).

المذهب الثاني: أنَّ الصَّوم في السفر يُجزِئه عن فرضِ رمضان وعن غيره ولو كان تطوُّعًا، وهو مذهبُ جماهيرِ أهل العلم مِنَ الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم، وبه قال الأئمَّة الأربعةُ ومَنْ وافقهم(٤٦).

ب) أدلَّة المذهبين:

استدلَّ كُلٌّ مِنَ الفريقين المُتنازِعَيْن في هذه المسألةِ بجملةٍ مِنَ الأدلَّة، أتناولها مع مذهب الظاهرية أوَّلًا، ثمَّ مع مذهب الجمهور ثانيًا.

١) أدلَّة الظاهرية:

احتجَّ الظاهريةُ ومَنْ وافقهم على عدمِ إجزاء الصوم في السفر عن الفرض بالكتاب والسنَّة والآثار:

ـ أمَّا مِنَ الكتاب فبقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَ[البقرة: ١٨٥]، ووجهُ دلالةِ الآية: أنَّ الله تعالى فَرَض الصومَ على مَنْ شَهِده وحَضَره، وأمَّا المريض والمسافر ففَرْضُهما الأيَّامُ الأُخَرُ، ولا يُصارُ إلى الإضمار في هذه الآيةِ لأنَّه خلافُ الأصل؛ إذ الأصلُ أَنْ يُحْمَلَ فيه اللفظُ على الاستقلال لقلَّةِ اضطرابه.

ـ أمَّا مِنَ السنَّة فاستدلُّوا بحديثِ الباب، مِنْ جهةِ كونِ صيامِه صلَّى الله عليه وسلَّم لرمضان قد نَسَخه بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أُولَئِكَ العُصَاةُ»، ويقوِّي ذلك قولُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما في ذاتِ القصَّة: «وَكَانَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَّبِعُونَ الأَحْدَثَ فَالأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ»(٤٧)؛ فصار الفطرُ فرضًا والصومُ معصيةً(٤٨).

كما استدلُّوا بالرواية الأخرى مِنْ حديثِ جابرٍ رضي الله عنه مرفوعًا: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ»، وفي رواية النسائيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِرَجُلٍ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ يُرَشُّ عَلَيْهِ المَاءُ، قَالَ: «مَا بَالُ صَاحِبِكُمْ هَذَا؟» قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللهِ، صَائِمٌ»، قَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ البِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ، وَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ فَاقْبَلُوهَا»»(٤٩).

والحديث فيه آكديةُ الفطرِ في السفرِ ووجوبُ قَبولِ الرخصة، وهي غيرُ قاصرةٍ على حالِ ذلك الرَّجلِ دون غيره؛ لأنَّ تلك الحالَ يَحْرُمُ البلوغُ إليها باختيار المرء للصوم في الحَضَر والسفر سواءً؛ فدلَّ ذلك على وجوبِ أخذِ كلام النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم على عمومه؛ لأنَّ «العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ»(٥٠).

ويؤيِّد هذا المعنى قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ»(٥١).

ومِنَ السنَّة ـ أيضًا ـ: احتجُّوا بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنَّ اللهَ تَعَالَى وَضَعَ شَطْرَ الصَّلَاةِ ـ أَوْ: نِصْفَ الصَّلَاةِ ـ وَالصَّوْمَ عَنِ المُسَافِرِ، وَعَنِ المُرْضِعِ أَوِ الحُبْلَى»، وفي روايةٍ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى وَضَعَ عَنِ المُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الحَامِلِ أَوِ المُرْضِعِ الصَّوْمَ أَوِ الصِّيَامَ»، وفي لفظٍ آخَرَ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الْمُسَافِرِ وَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ أَوِ الصِّيَامَ»(٥٢)، ووجهُ دلالتِه: عدمُ جوازِ الصوم للمسافر لكونه موضوعًا عنه كشطر الصلاة، وهذا يَستلزِمُ عدمَ صحَّةِ الصوم نصًّا، وبدلالة الاقتران ـ أيضًا ـ.

ـ أمَّا مِنَ الآثار فبقولِ ابنِ عمر رضي الله عنهما: «إِنْ صَامَ قَضَاهُ»(٥٣)، و«كَانَ لَا يَصُومُ فِي السَّفَرِ»(٥٤)، ورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: «لَا يُجْزِئُهِ الصِّيَامُ»(٥٥)، وعن عبد الرحمن بنِ عوفٍ رضي الله عنه قال: «الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالمُفْطِرِ فِي الحَضَرِ»(٥٦)، وحُكِي ـ أيضًا ـ بطلانُ صومِ المسافر عن أبي هريرة رضي الله عنه(٥٧).

٢) أدلَّة الجمهور:

احتجَّ الجمهورُ على مذهبهم في جواز الصوم في السفر بالأحاديث والقياس على الوجه التالي:

أمَّا الأحاديث التي احتجُّوا بها فكثيرةٌ جدًّا منها:

أ ـ حديثُ البابِ الدالُّ على جواز الصيام في السفر وجوازِ الأخذ بالرخصة، ويؤيِّده ما ثَبَت مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه قال: «سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ»، قَالَ: «فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَالفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ»، فَكَانَتْ رُخْصَةً، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلًا آخَرَ فَقَالَ: «إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ، وَالفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ؛ فَأَفْطِرُوا»، وَكَانَتْ عَزْمَةً فَأَفْطَرْنَا»، ثُمَّ قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَصُومُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ»(٥٨).

ب ـ وحديث حمزة بنِ عمروٍ الأسلميِّ رضي الله عنه قال: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟» فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ؛ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ»(٥٩)، وفي حديثِ عائشة رضي الله عنها أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال لحمزةَ بنِ عمرٍو الأسلميِّ رضي الله عنه: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ»(٦٠)؛ وجوازُ الصيامِ للمسافر مِنْ هذا الحديثِ ظاهرٌ؛ إذ فيه تفويضُ النظر في الصوم وعدمِه إلى المسافر، وهو عامٌّ شاملٌ لرمضان ولغيره، حيث إنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يَستفصِلْ معه، والسؤالُ لم يَرِدْ على خصوصِ رمضان، و«تَرْكُ الاِسْتِفْصَالِ فِي حِكَايَةِ الحَالِ، مَعَ قِيَامِ الاِحْتِمَالِ، يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ العُمُومِ فِي المَقَالِ، وَيَحْسُنُ بِهِ الاِسْتِدْلَالُ»(٦١).

ﺟ ـ حديث أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال: «كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ»(٦٢).

د ـ عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ»(٦٣).

ﻫ ـ وحديث أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَر، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا المُفْطِرُ»، قَالَ: «فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ، أَكْثَرُنَا ظِلًّا صَاحِبُ الكِسَاءِ، وَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ»، قَالَ: «فَسَقَطَ الصُّوَّامُ، وَقَامَ المُفْطِرُونَ فَضَرَبُوا الأَبْنِيَةَ وَسَقَوُا الرِّكَابَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذَهَبَ المُفْطِرُونَ اليَوْمَ بِالأَجْرِ»»(٦٤).

وحاصلُ وجهِ دلالةِ هذه الأحاديث: أنَّها تُفيدُ جوازَ الصيام في السفر بإقرار النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لهم كُلًّا منهم على حاله، سواءٌ في شهر رمضان أو في غيره مِنْ غير تفريقٍ؛ خلافًا لمذهبِ ابنِ حزمٍ ـ رحمه الله ـ الذي يفرِّق بين صومِ رمضانَ في السفر الذي لا يجيزه، وبين صومِ واجبٍ لَزِمه أو صومِ نذرٍ أو قضاءٍ عن رمضانٍ سابقٍ فإنَّه يجوز ـ عنده ـ صومُه في السفر(٦٥).

و ـ واستدلُّوا بقياس المسافر على المريض بجامعِ وجود المَشَقَّة في الصوم لكُلٍّ منهما، وإذا أجزأ صومُ المريض فإنَّ صوم المسافر يجزئ ـ أيضًا ـ؛ قال ابنُ رشدٍ ـ رحمه الله ـ: «قال أبو عمر(٦٦): والحجَّةُ على أهل الظاهر: إجماعُهم على أنَّ المريض إذا صام أجزأه صومُه»(٦٧).

ﺟ) مناقشة الأدلَّة:

أبتدئ بمناقشةِ أدلَّة الجمهور أولًا، وأعقبها بمناقشةِ أدلَّةِ الظاهرية ثانيًا:

١) مناقشة أدلَّة الجمهور:

نُوقِشَتْ أدلَّةُ الأحاديثِ التي احتجَّ بها الجمهورُ مِنْ جهة الجمع أوَّلًا، ومِنْ جهة النسخ ثانيًا.

ـ أمَّا مِنْ جهة الجمع فيمكن حملُ أدلَّةِ الجمهور في حقِّ مَنْ صام في السفر صومًا واجبًا لَزِمه غير رمضان: كصومِ قضاءٍ سابقٍ، أو نذرٍ في السفر؛ أمَّا الأحاديث الناهية عن الصوم في السفر فتُحْمَلُ على صوم رمضان؛ توفيقًا بين الأدلَّة وتحقيقًا للجمع بينها.

ـ أمَّا مِنْ جهة النسخ فنُوقِشَتْ أدلَّةُ الجمهور بأنَّها منسوخةٌ بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أُولَئِكَ العُصَاةُ» فهو نسخٌ لصيامه، وبعموم قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ»، فهو شاملٌ لمَنْ يشقُّ عليه السفرُ كحال الرجل الذي يَرِد فيه خصوصُ الحديث، كما يتناول مَنْ لا يشقُّ عليه السفرُ؛ لأنَّ «العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ».

وأمَّا قياسُ المسافر على المريض الذي استدلَّ به الجمهورُ فلا حجَّةَ فيه عند أهل الظاهر لنَفْيِهم للقياس، هذا مِنْ جهةٍ، ولوجود الفرق ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ بين رخصة المسافر المتعلِّقة بالسفر، ورخصةِ المريض المتعلِّقة بالعجز، فإذا صام تَبيَّن أنَّه غيرُ عاجزٍ فالْتحقَ بالصحيح في صومه؛ بخلاف المسافر، فإنَّ وَصْفَ السفرِ لا ينفكُّ عنه فافترقا، ولو سُلِّمَتْ حجِّيَّتُه وانتفى الفارقُ بينهما فيُحْكَمُ على القياس بفساد الاعتبار لمُقابَلتِه للنصوص المُورَدة.

٢) مناقشة أدلَّة الظاهرية:

أمَّا أدلَّة الظاهرية فقَدْ نُوقِشَتِ الآيةُ التي استدلُّوا بها بأنَّ جُلَّ العلماءِ وأهلِ التفسير ذَكَروا فيها مقدَّرًا وهو «فأفطر» أي: ومَنْ كان منكم مريضًا أو على سفرٍ [فأفطر] فعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَرَ، وهذا التقدير ـ وإِنْ كان فيه إضمارٌ، والإضمارُ مُخالِفٌ للأصل ـ إلَّا أنَّ هذا الأخير ظَهَر رجحانُه بدليلٍ مُنفصِلٍ، وهو صيامُه صلَّى الله عليه وسلَّم بعد نزولِ هذه الآيةِ عليه ـ وهو أعلمُ الخَلْق بمعناها ـ وأَقرَّ الصحابةَ رضي الله عنهم على صيامهم كما تَقدَّم في الأحاديث السابقة مِنْ أدلَّة الجمهور(٦٨).

ـ أمَّا قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أُولَئِكَ العُصَاةُ» فليس فيه دلالةٌ على بطلان الصوم في السفر؛ لأنَّه قصَّةُ عينٍ وواقعةُ حالٍ على مَنْ شقَّ عليهم الصيامُ، والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إنَّما أفطر ليقتدوا به، ولمَّا لم يفعلوا نَسَبهم إلى العصيان؛ ذلك لأنَّ الفطر عُزِمَ عليهم فخالفوا وتركوا متابَعةَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في فطره؛ فإذَنْ كان عصيانُهم مِنْ أجلِ مخالفتهم لأمرِه لا لصيامهم(٦٩)؛ إذ لو كان الصومُ في السفر غيرَ جائزٍ لَمَا تابَع النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم صومَه غالِبَ النهار، وهو إلى ما بعد العصر، مع ما يُلاقيهِ الناسُ مِنْ مَشقَّةٍ(٧٠)، ولَمَا صامَه صلَّى الله عليه وسلَّم هو وأصحابُه رضي الله عنهم بعد ذلك.

ـ أمَّا جملةُ: «وَكَانَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَّبِعُونَ الأَحْدَثَ فَالأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ» فهي زيادةٌ مُدْرَجةٌ مِنْ قول الزُّهْريِّ، وبذلك جَزَم البخاريُّ(٧١)، قال الحافظ ـ رحمه الله ـ: «وظاهرُه أنَّ الزُّهريَّ ذَهَب إلى أنَّ الصوم في السفر منسوخٌ، ولم يُوافَقْ على ذلك»(٧٢)؛ وفي هذا الصددِ تَرْجَم ابنُ خزيمة رحمه الله ـ بيانًا لذلك ـ بقوله: «بابُ ذِكْرِ البيان على أنَّ هذه الكلمة: «وإنَّما يُؤخَذُ بالآخِر» ليس مِنْ قولِ ابنِ عبَّاسٍ»(٧٣).

ـ وكذلك حديثُ: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ» فإنما قاله صلَّى الله عليه وسلَّم في حقِّ مَنْ شقَّ عليه الصومُ على ما هو ظاهرٌ مِنْ سياق الحديث وسببِ ورودِه، ويُلْحَق به مَنْ حالُه كحالِه، وعمومُه غيرُ مرادٍ لوجودِ تلك القرائنِ السياقية(٧٤)، فضلًا عمَّا تَقدَّم مِنْ صومه صلَّى الله عليه وسلَّم في السفر وصومِ أصحابه معه ومِنْ بعده(٧٥)؛ ولو سُلِّم عمومُه ـ جدلًا ـ فيُحْمَلُ معناه على أنَّ الصيام في السفر ليس مِنَ البرِّ الذي يُتسابقُ إليه ويُتنافسُ فيه، بل يكون الفطرُ أفضلَ منه إذا كان يدفع الحرجَ والمَشقَّة، ويُساعِدُ على الجهاد وأداءِ المَهمَّات التي سافر مِنْ أجلها.

وممَّا تَقدَّم ينتفي التعارضُ بين الأدلَّة ـ عند الجمهور ـ وذلك بحملِ أحاديثِ النهي عن الصيام في السفر على مَنْ يشقُّ عليه الصومُ ويصعب، بينما أحاديثُ الجواز فتُحْمَل على مَنْ لا يَشُقُّ عليه الصومُ في السفر، قال النوويُّ ـ رحمه الله ـ(٧٦): «وأمَّا الأحاديث التي احتجَّوا بها المُخالِفون فمحمولةٌ على مَنْ يتضرَّرُ بالصوم، وفي بعضها التصريحُ بذلك، ولا بُدَّ مِنْ هذا التأويلِ ليُجْمَع بين الأحاديث»(٧٧).

وعليه، فإذا أمكن الجمعُ بين الأدلَّة المُتعارِضة وثَبَت بهذه الكيفيةِ فلا يُصارُ إلى النسخ ولا إلى الترجيح؛ لتقدُّمِ الجمع عليهما في دفعِ التعارض على ما تَقرَّر أصوليًّا.

ـ كما أنَّه إذا ثَبَت أنَّ محلَّ الذمِّ في قوله: «أُولَئِكَ العُصَاةُ» وَقَع على مخالَفتِهم لأمرِه لا لصيامهم لم يُحتجَّ بالنسخ؛ لانتفاءِ صورة التعارض بين الأمرين، فضلًا عن أنَّه لا يُحْتجُّ بالنسخ لوقوع الصيام مِنَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ومِنْ صحبِه بعد نسبتهم للعصيان.

ـ والاستدلال بحديثِ وضعِ الصوم عن المسافر ـ كما تَقدَّم(٧٨) ـ فلا يَلْزَم مِنَ الوضعِ عدمُ صحَّةِ الصوم في السفر، وهو محلُّ النزاع(٧٩).

ويؤيِّد هذا المعنى صومُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في السفر وصومُ أصحابِه معه وبعده وبعد نسبتهم إلى العصيان، وقد سِيقَتِ الأحاديثُ المُثْبِتةُ لذلك، ومنها: حديثُ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال: «كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ»(٨٠)، وحديثُ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قال: «لَقَدْ رَأيْتُنَا نَصُومُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ»(٨١)، ولو سُلِّم ـ جدلًا ـ صحَّةُ الاستلزام المذكور لَلَزِم حملُ الرخصة على العزيمة فيمَنْ شقَّ عليه الصومُ، وتَسْلَم أحاديثُ الجواز مِنَ التعارض.

ـ أمَّا دلالةُ الاقترانِ فهي ضعيفةٌ عند جمهور الأصوليِّين؛ لأنَّ «الاِقْتِرَانَ فِي النَّظْمِ لَا يَسْتَلْزِمُ الاِقْتِرَانَ فِي الحُكْمِ»(٨٢)، وعلى تقديرِ الحجِّيَّة فإنَّ القَصْرَ في الصلاة رخصةٌ واجبةٌ ـ على الصحيح ـ بنصوصٍ خارجيةٍ، أمَّا الصومُ فمشروعٌ في السفر بالأحاديث المتقدِّمة(٨٣).

وعليه فلا يخفى أنَّ الاحتجاج بدلالة الاقتران ـ في هذه الحال ـ على تسوية الحكم بينهما متعذِّرٌ.

ـ أمَّا ما رُوِي عن عبد الرحمن بنِ عوفٍ رضي الله عنه مِنْ قوله: «الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالمُفْطِرِ فِي الحَضَرِ»، فقَدْ قال البيهقيُّ ـ رحمه الله ـ(٨٤): «هو موقوفٌ، وفي إسناده انقطاعٌ، ورُوِي مرفوعًا وإسنادُه ضعيفٌ»(٨٥)، وضعَّف إسنادَه النوويُّ ـ رحمه الله ـ(٨٦).

وعلى تقديرِ صحَّة الموقوف وصحَّةِ الآثار الأخرى فهي محمولةٌ على مَنْ شقَّ عليه الصومُ؛ جمعًا بين كافَّة الأدلَّة(٨٧)، وإلَّا فلا حجَّةَ فيها؛ ذلك لأنَّه إذا ما اختلف الصحابةُ رضي الله عنهم على قولين أو أكثرَ فإنه يُتَخَيَّرُ مِنْ أقوالهم ما يشهد له الدليلُ ويدعِّمه البرهانُ؛ والحجَّةُ مع القائلين بجواز الصوم في السفر للأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك.

 المسألة الثانية: في أفضلية الفطر في السفر:

 تحرير محلِّ النزاع في المسألة:

لا خلافَ بين أهل العلم القائلين بجواز الصوم في السفر: أنَّ الفطر في السفر أفضلُ مِنَ الصوم لمَنْ يشقُّ عليه ويتضرَّر بإمساكه، أو اقترنَتْ به مصلحةٌ مِنَ التقوِّي على الأعداء، أو كان مُعْرِضًا عن قَبولِ الرخصة مُتحرِّجًا منها، أو خاف على نَفْسِه العُجْبَ أو الرِّياء أو الغرور، أو خَشِيَ قيامَ أصحابه في السفر بأمرِه وخدمتِه باعتبارهم مُفْطِرين، ونحوِ ذلك مِنَ الأحوال التي اتَّفقوا على تفضيلِ الفطر على الصوم فيها(٨٨)، لكنَّهم يختلفون فيما عَدَا ذلك.

أ) مذاهب العلماء:

اختلف العلماء في أفضلية الفطر في السفر على مذهبين مشهورَيْن(٨٩):

المذهب الأوَّل: يرى أنَّ مَنْ وَجَد قوَّةً فصام فهو أفضلُ، وبه قال الجمهور، ومنهم الحنفيةُ والمالكيةُ والشافعية، ومِنَ الصحابة: أنس بنُ مالكٍ وحُذَيْفةُ ابنُ اليمانِ وعثمانُ بنُ العاص رضي الله عنهم، ورجَّحه ابنُ حجرٍ(٩٠).

المذهب الثاني: يرى أنَّ الفطر أفضلُ مطلقًا في رمضان وفي غيره، وبه قال أحمد والأوزاعيُّ وبعضُ المالكية كابنِ الماجشون(٩١)، وهو مذهبُ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمر رضي الله عنهم(٩٢).

ب) أدلَّة المذهبين:

احتجَّ علماءُ كُلِّ مذهبٍ ـ في هذه المسألةِ ـ بمجموعةٍ مِنَ الأدلَّة، فأتعرَّض لأدلَّةِ مذهبِ الجمهور أوَّلًا، ثمَّ أعقبه بأدلَّةِ مذهبِ الحنابلة ثانيًا.

١) أدلَّة الجمهور:

استدلَّ الجمهورُ القائلون بأفضلية الصوم على الفطر لمَنْ وَجَد قوَّةً بالأدلَّة التالية:

١ ـ مِنَ الكتاب: بقوله تعالى: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ[البقرة: ١٨٤]، فالآيةُ صريحةٌ في أنَّ الصوم أفضلُ مِنَ الفطر، وهي عامَّةٌ للمُقيمِ والمسافر، ويُستثنى منها مَنْ وَجَد مَشقَّةً بحديث الباب وغيرِه(٩٣).

٢ ـ مِنَ السنَّة: بحديثِ سَلَمَةَ بْنِ المُحَبَّقِ الهُذَلِيِّ رضي الله عنه: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ كَانَتْ لَهُ حَمُولَةٌ تَأْوِي إِلَى شِبَعٍ فَلْيَصُمْ رَمَضَانَ حَيْثُ أَدْرَكَهُ»(٩٤)، والحديث يُفيدُ أفضليةَ الصومِ على الفطر مطلقًا في رمضانَ أو في غيره.

٣ ـ وحديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ»(٩٥)؛ وفي الحديث دليلٌ على جواز الصيام في السفر لمَنْ قَوِيَ عليه، وأنَّه لا يُكْرَه له ذلك(٩٦)؛ وما فَعَله النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم هو الأفضلُ؛ إذ خيرُ الهديِ هديُ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم.

٤ ـ حديث أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه: «مَنْ أَفْطَرَ ـ يَعْنِي: فِي السَّفَرِ ـ فَرُخْصَةٌ، وَمَنْ صَامَ فَالصَّوْمُ أَفْضَلُ»(٩٧)، والحديث نصٌّ قاطعٌ في هذه المسألة.

٥ ـ مِنَ المعقول: استدلُّوا بأنَّ الصوم عزيمةٌ والفطرَ رخصةٌ، والعزيمةُ أفضلُ لكونها الأصلَ الكُلِّيَّ في التكليف الثابت المُتَّفَقِ عليه المقطوعِ به، وهو أصلٌ عامٌّ مُطْلَقٌ على جميع المكلَّفين؛ بخلاف الرخصة فهي وإِنْ كانَتْ مقطوعًا بها، لكنَّ سبب الترخيص ظنِّيٌّ، وهو المَشقَّة، وليسَتْ مُنضبِطةً، بل تَتفاوَتُ بحسب الأشخاص والأحوال والأوقات، ثمَّ إنَّ الرخصة عارضٌ طارئٌ على العزيمة ترجع إلى حالةٍ جزئيةٍ حَسَب المكلَّفين المعذورين؛ وعليه فإنَّ المقرَّر أصوليًّا ـ حالَ التعارض بين أمرٍ كُلِّيٍّ وآخَرَ جزئيٍّ ـ «تَقْدِيمُ الكُلِّيِّ تَرْجِيحًا لِاقْتِضَائِهِ مَصْلَحَةً عَامَّةً وَتَحْقِيقِهِ مَنْفَعَةً كُلِّيَّةً».

٦ ـ كما احتجُّوا بأنَّ الصوم تبرأ به الذمَّةُ، وما تبرأ به الذمَّةُ أفضلُ، ولأنَّ الصوم في رمضانَ أكثرُ أجرًا لأنَّه أشدُّ حُرمةً، بدليلِ أنَّ مَنْ أفطر في رمضان عليه الكفَّارة، ولا كفَّارةَ على مَنْ أفطر في قضاءِ رمضان(٩٨).

٢) أدلَّة الحنابلة:

احتجَّ الحنابلةُ على أنَّ الفطر أفضلُ مِنَ الصوم مطلقًا بما يلي:

١ ـ بحديث الباب وأحاديثِ الأمر بالفطر للمسافر؛ فإنَّها تُفيدُ أنَّ الصوم في السفر ليس مِنَ البرِّ؛ والأخذ بالرخصة متعيِّنٌ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ»(٩٩).

٢ ـ بما أخرجه مسلمٌ مِنْ حديثِ حمزة بنِ عمرٍو الأسلميِّ رضي الله عنه أنه قال: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟» فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ؛ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ»، وفي حديثِ عائشة رضي الله عنها: أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟» ـ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ ـ فَقَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ»(١٠٠).

والحديث ظاهرٌ في تفضيل الفطر على الصوم، مِنْ ناحيةِ أنَّه اكتفى بنفي الجناح والإثمِ عمَّنْ أَحبَّ أَنْ يصوم في السفر مع القدرة عليه وعدمِ المَشقَّة، وهو مُشْعِرٌ بمرجوحية الصيام، لا سيَّما مع مقابلته بقوله في الفطر: «فَحَسَنٌ»، فأفاد ذلك أنَّ الفطر في السفر أفضلُ مِنَ الصوم فيه(١٠١).

كما يُشْعِرُ قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ» بأنَّ السؤال وَرَد عن صيام الفرض؛ لأنَّ إطلاق لفظةِ: «الرخصة» إنَّما تكون في مقابلةِ ما هو واجبٌ، وهو شهرُ رمضان، ولمَّا كان هذا الشهرُ المفروض أَفْضَلَ الوقتين كان الفطرُ في أفضلِ وقتَيِ الصوم أفضلَ منه في غيره.

ويؤكِّد هذا أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يَستفصِلْ في السؤال: إِنْ كان عن صيامِ رمضانَ أو غيره، فيجري فيه العمومُ؛ عملًا بقاعدةِ: «تَرْكُ الاِسْتِفْصَالِ فِي مَقَامِ الاِحْتِمَالِ، يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ العُمُومِ فِي المَقَالِ».

٣ ـ ولأنَّ الإجماع مُنعقِدٌ على جواز الفطر للمسافر، بينما يختلفون في جواز الصوم فيه؛ وتقديمُ محلِّ الاتِّفاق للخروج مِنَ الخلاف أحوطُ وأَوْلى، كالقَصْر في السفر(١٠٢).

ﺟ) مناقشة الأدلَّة السابقة:

١) مناقشة أدلَّة الجمهور:

نُوقِشَتْ أدلَّةُ الجمهور بالأجوبة التالية:

١ ـ أمَّا الاستدلال بقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٤[البقرة: ١٨٣ ـ ١٨٤]، على أفضلية الصوم على الإفطار فجوابُه: أنَّها نزلَتْ ـ ابتداءً ـ في بيانِ صورةِ الصوم المنسوخة، على ما يدلُّ عليه سياقُها، ويتجلَّى ـ واضحًا ـ أنَّ الصوم كان أفضلَ في أوَّلِ نزول صومِ رمضانَ، حيث كان الحكمُ على التخيير بين الصوم والفطر مع إطعامِ مسكينٍ مكانَ كُلِّ يومٍ، وكونُ بعضِ الواجب المخيَّرِ أفضلَ مِنْ بعضٍ لا إشكالَ فيه؛ والاستدلالُ بهذه الآيةِ على هذه الصورةِ خارجٌ عن محلِّ النِّزاع؛ إذ ليس للسفر فيها أيُّ بدلٍ أصلًا، ولا للإطعام مَدْخَلٌ في الفطر أصلًا(١٠٣).

٢ ـ أمَّا الحديث الذي أخرجه أبو داود مِنْ حديثِ سَلَمةَ بنِ المُحبَّق رضي الله عنه فضعيفٌ، لا يصحُّ الاستدلالُ به؛ لأنَّ في سنده: عبدَ الصمد بنَ حبيبٍ وهو ضعيفٌ، ووالدُه مجهولٌ، والحديثُ ضعَّفه أحمد والبخاريُّ والبيهقيُّ وابنُ حزمٍ والنوويُّ وغيرُهم(١٠٤)، وعلى فرضِ صحَّته فهو مُعارَضٌ بحديثِ حمزة بنِ عمرٍو الأسلميِّ رضي الله عنه(١٠٥) الثابتِ في الصحيح، وهو أقوى منه سندًا.

أمَّا حديثُ أبي الدرداء رضي الله عنه فإنَّ فِعْلَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فيه يَحتمِل الخصوصيةَ؛ لأنَّ الله تعالى يُطْعِمُه ويسقيه، وأمَّا فعلُ عبد الله بنِ رواحة رضي الله عنه فيدلُّ على المشروعية لا على الأفضلية؛ لمكانِ حديثِ حمزة بنِ عمرٍو الأسلميِّ رضي الله عنه المتقدِّم الذي يُقابِلُه، وهو ظاهرٌ في تفضيل الفطر على الصوم قولًا منه صلَّى الله عليه وسلَّم، بينما حديثُ أبي الدرداء رضي الله عنه فإنَّ غايةَ ما يدلُّ عليه ـ أيضًا ـ جوازُ الصومِ في السفر، وليس فيه دلالةٌ على تفضيل الصوم، ولو سُلِّمَ لَكانَتْ دلالتُه فعليةً، والقولُ أقوى وأَوْلى، وهو مقدَّمٌ على الفعل على ما تَقرَّر في قواعد الترجيح بالمتن.

٣ ـ أمَّا حديثُ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه فلا يصحُّ مرفوعًا، ولو صحَّ لكان نصًّا قاطعًا، لكنَّه موقوفٌ عنه، فلا يعدو أَنْ يكون رأيًا له، وقد وَرَد مِنْ أقوالِ غيرِه مِنَ الصحابة رضي الله عنهم ما يُخالِفه، والأصلُ ـ عند اختلافهم ـ تخيُّرُ ما يشهد له الدليلُ منها.

٤ ـ إذا تَقرَّر أنَّ الرخصة ثابتةٌ بالشرع ـ قطعًا ـ فهي كالعزيمة كما في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُه»(١٠٦)، فإنَّ سبب الترخيص ـ وإِنْ كان ظنِّيًّا ـ فهو يجري مجرى القَطْع؛ إذ الشارعُ اعتبره في ترتيب الأحكام، فمتى وُجِدَتِ المظنَّةُ وُجِد الحكمُ.

ثمَّ إنَّ الرخصة ـ وإِنْ كانَتْ ترجع إلى حالةٍ جزئيةٍ ـ فلا ينافي ذلك تقديمَها؛ لإمكانِ اعتبارها مِنْ قبيل الأمر المُستثنى مِنْ قاعدةٍ عامَّةٍ وهي العزيمة؛ فهي ـ إذَنْ ـ بمَثابةِ تخصيص العامِّ وتقييد المطلق؛ ولا يخفى ـ أصوليًّا ـ أنَّ «الخَاصَّ يُقَيِّدُ العَامَّ وَيَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، وَالمُقَيَّدَ يَتَرَجَّحُ عَلَى المُطْلَقِ وَيَقْضِي عَلَيْهِ».

أمَّا الصوم ـ وإِنْ بَرِئَتْ به الذمَّةُ ـ فلا يدلُّ على أفضليَّته على الفطر إلَّا مِنْ جهة الاجتهاد الذي يُعارِضُه النصُّ في دلالته على أفضلية الفطر ـ مطلقًا ـ كما ثَبَتَ مِنْ حديثِ حمزة بنِ عمرٍو الأسلميِّ رضي الله عنه، وقد تَقرَّر أَنْ «لَا اجْتِهَادَ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ»، ويُنْقَضُ الحكمُ المُجتهَدُ فيه وجوبًا لمُخالَفتِه له(١٠٧).

كما أنَّ تأسيسَ أفضليةِ الصوم على الفطر بمجرَّدِ أنَّه تبرأ الذمَّةُ به يظهر انتقاضُه بصومِ أيَّام الكراهة وصومِ المريض إذا شقَّ عليه، فإنَّه تبرأ ذمَّتُه في الصورتين السابقتين، ولا يدلُّ على أفضلية الصوم، بل استحباب الفطر لكونه الأفضلَ(١٠٨).

٢) مناقشة أدلَّة الحنابلة:

ونُوقِشَتْ أدلَّةُ الحنابلة بالأجوبة التالية:

١ ـ أنَّ حديث الباب والنصوصَ التي تُفيدُ أنَّ الصوم ليس مِنَ البرِّ، وأنَّ مَنْ صام في السفر فهو مِنَ العُصاة، محمولةٌ على مَنْ يشقُّ عليه السفرُ، وهو الأفضلُ اتِّفاقًا، خاصَّةً إذا تَضمَّن مصلحةَ التَّقَوِّي على الأعداء والقيامِ بمصالح الدنيا والدِّين، وهذا خارجٌ عن محلِّ النزاع؛ لأنَّ الصوم ـ لمَنْ يشقُّ عليه ـ معصيةٌ، والفطر ـ في هذه الحالِ ـ عزيمةٌ(١٠٩)؛ وبالعكس فإنَّ حديث الباب لا يصلح دليلًا لتفضيل الفطر، بل هو أقربُ إلى تفضيل الصوم؛ ذلك لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ابتدأ صيامَه في سفره، وقضى غالِبَ النهار وهو صائمٌ إلى ما بعد العصر، مع ما يُلاقيه الناسُ مِنْ مَشقَّةٍ؛ وإنَّما أفطر وأَمَرهم بالفطر عندما شقَّ عليهم الصيامُ وخَشِيَ أَنْ يُتابَع فيه فيهلكوا؛ ويُؤيِّده أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم صام في مناسبةٍ أخرى كما في حديثِ أبي الدرداء رضي الله عنه وغيرِه.

٢ ـ أمَّا حديث حمزة بنِ عمرٍو الأسلميِّ(١١٠) رضي الله عنه فهو مُعارَضٌ بحديث الباب المتقدِّم، وبحديثِ أبي الدرداء رضي الله عنه: «وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ»(١١١)، وإنَّما أخَذَا بالأفضل لوجودِ قوَّةٍ على الصوم، كما يُعارِضُه ما أخرجه مسلمٌ مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه قال: «سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ»، قَالَ: «فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَالفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ»، فَكَانَتْ رُخْصَةً، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلًا آخَرَ فَقَالَ: «إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ، وَالفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ؛ فَأَفْطِرُوا»، وَكَانَتْ عَزْمَةً فَأَفْطَرْنَا»، ثُمَّ قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَصُومُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ»(١١٢)؛ إذ يَتبيَّن مِنْ صيامهم معه صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ الصوم هو الأفضلُ؛ وليس معنَى قولِه في حديثِ حمزة الأسلميِّ رضي الله عنه: «فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ» أنَّه دون الحسن؛ غايةُ ما في الأمر أنَّه ذَكَره لبيان الجواز ونفيِ الحرج لا للتفضيل؛ فالثوابُ والتفضيل لا يُؤخَذُ مِنْ هذا النصِّ بذاته، وإنَّما مِنْ نصوصٍ خارجيةٍ عنه؛ ذلك لأنَّ رَفْعَ الجُناح يُطْلَق ـ غالبًا ـ على نفي الإثم والمؤاخذة مع استواء الفعل والتَّرك، مثل قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِ لَيْسَ عَلَى المُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الغُرَابُ، وَالِحدَأَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالفَأْرَةُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ»(١١٣)، وقد يُطْلَق رفعُ الحرج عن فعلٍ مع ترجيح الفعل على الترك على وجه الاستحباب أو الوجوب؛ لذلك قد تَرِدُ الآياتُ بنفي الجُناح ولا يَلْزَم منه عدمُ أولويَّته كما هو شأنُ الخُلع على المال؛ فقَدْ نَفَتِ الآيةُ الجُناحَ مع أنَّه تعتريه بعضُ الأحكام كالوجوب أو الندب، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا[البقرة: ١٥٨]، قالت عائشة رضي الله عنها: «وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا؛ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا»(١١٤).

ويؤيِّد هذا المعنى حديثُ أبي سعيدٍ رضي الله عنه قال: «كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا المُفْطِرُ، فَلَا يَجِدُ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ، يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأَفْطَرَ فإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ»(١١٥).

قال ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ: «وهذا التفصيل هو المُعتمَدُ، وهو نصٌّ رافعٌ للنزاع»(١١٦).

٣ ـ أمَّا القياس على القَصْر في السفر فهو قياسٌ مع ظهور الفارق؛ لأنَّ القصر ليس برخصةٍ مُستحَبَّةٍ، بل عزيمةٌ ـ على الصحيح ـ للأحاديث المصرِّحة بما يقتضي وجوبَ القصر؛ منها: حديثُ عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه مرفوعًا: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ؛ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»(١١٧)، وحديثُ عائشة رضي الله عنها: «الصَّلَاةُ ـ أَوَّلَ مَا فُرِضَتْ ـ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الحَضَرِ»(١١٨)، ومنها قولُ عمر رضي الله عنه: «صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ»(١١٩)؛ ولمَّا كان العملُ بالرخصة الواجبةِ مِنْ غيرِ تفريقٍ بين مَنْ يشقُّ عليه السفرُ ومَنْ لا يشقُّ عليه؛ امتنع القياسُ للفرق بين المقيس والمقيس عليه؛ ثمَّ إنَّ هذا القياس ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ وَقَع في مُقابَلةِ النصوص والآثار الثابتة والدالَّةِ على أنَّ مَنْ وَجَد قوَّةً على الصيام فصامَ فحسنٌ، فضلًا عن التيسير الوارد في حديثِ حمزة بنِ عمرٍو الأسلميِّ رضي الله عنه المُطابِقِ للآية: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ[البقرة: ١٨٥].

أمَّا قاعدةُ: «الخُرُوجُ مِنَ الخِلَافِ مُسْتَحَبٌّ» فإنَّما يصحُّ العملُ بها إذا لم يكن مأخذُ المخالف ضعيفًا؛ لأنَّ شرطه أَنْ لا تؤدِّيَ مُراعاتُه إلى تركِ واجبٍ أو إهمالِ سنَّةٍ ثابتةٍ أو خرمِ إجماعٍ، بل الورعُ في مخالفته لموافقة الشرع؛ فإنَّ ذلك أحفظُ وأبرأُ للدِّين والذمَّة، ولا ريبَ أنَّ ما فَعَله النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وصحبُه أَوْلى بالإعمال.

د) سبب الخلاف:

أتناول سببَ الخلاف في المسألة الأولى المتعلِّقة بحكم الصوم في السفر أوَّلًا، ثمَّ أتعرَّض لسبب الخلاف في المسألة الثانية المتعلِّقة بالاختلاف في أفضلية الصوم على الإفطار ثانيًا:

١) سبب الخلاف في حكم الصوم في السفر:

يرجع سببُ الخلافِ في المسألة الأولى المتمثِّلة في حكم الصوم في السفر إلى النقاط التالية:

١ ـ تردُّدُ اللفظ في قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَ[البقرة: ١٨٥] بين أَنْ يُحْمَل على الحقيقة فلا يكون هنالك محذوفٌ أصلًا، أو يُحْمَل على المجاز فيكون تقديرُه: «فأَفْطَرَ فعدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَرَ»(١٢٠).

٢ ـ الاختلاف في كيفية الجمع بين الأحاديث التي ظاهرُها التعارضُ: هل تُحْمَلُ أحاديثُ النهي عن الصوم في السفر على مَنْ يشقُّ عليه الصومُ ويصعب عليه إمساكُه دون مَنْ لم يشقَّ عليه، أي: على تغايُرِ الحال، أم تُحْمَل أحاديثُ النهي على مَنْ أراد صيامَ رمضانَ في السفر دون غيره؟

٣ ـ في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ» الواردِ على سببٍ خاصٍّ ـ وهو حالُ الرجل الذي وَصَل إليه بسببِ عناء السفر ومَشقَّة الصوم ـ فهل العبرةُ فيه بعموم اللفظ، أم تُوجَدُ قرائنُ تستبقيه على خصوص السبب؟

٤ ـ في الاختلاف في تأخُّرِ قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أُولَئِكَ العُصَاةُ» في الحكم الذي يَلْزَمُ منه التعارضُ مع الأحاديث المجيزة للصوم: فهل يُفْضِي هذا التعارضُ إلى الحكم بنسخ الصوم، باعتبارِ أنَّ الصحابة رضي الله عنهم كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث مِنْ أمرِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وينتهي بتخصيص النهي بشهر رمضان وصحَّةِ صيامِ غيره؛ عملًا بأحاديث الجواز، أم أنَّه ليس متأخِّرًا، ولا يَلْزَم منه التعارضُ مع الأحاديث المجيزة للصوم؛ للجمع والتوفيق الحاصل بينهما؟

وبناءً على التفصيل في سبب الخلاف السابق فإنَّ:

ـ مَنْ حَمَل الآيةَ على الحقيقة لا على المجاز، وأحاديثَ النهي على مَنْ أراد صيامَ رمضانَ في السفر دونما سواه جمعًا بين الأدلَّة، ورأى أنَّ العبرة في حديثِ: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ» بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأنَّ تأخُّرَ ورودِ قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أُولَئِكَ العُصَاةُ» يَلْزَمُ منه نسخُ جوازِ الصيام في رمضان دون غيره؛ قال: إنَّ فَرْض المسافرِ: عدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَرَ، ولا يُجزِئُه الصومُ في السفر عن فرضِ رمضان، ولو صام لَوَجَب عليه قضاؤه، ويجوز له صيامُ واجبٍ غيرِ رمضانَ في السفر.

ـ ومَنْ حَمَل الآية على مجاز الحذف، وجَمَع بين الأحاديث التي ظاهرُها التعارضُ على تغايُرِ الحال، واعتبر عمومَ اللفظِ الوارد على سببٍ خاصٍّ في حديثِ: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ»، لكِنِ استبقاهُ على خصوص السبب لوجودِ قرائنَ تدلُّ عليه، ورأى أنَّ قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أُولَئِكَ العُصَاةُ» ليس متأخِّرًا، ولا يَلْزَمُ منه التعارضُ، وينتفي النسخُ بانتفاءِ شرطِه؛ قال: الصومُ في السفر يُجزِئُه عن الفرض وعن غيره ولو كان تطوُّعًا.

٢) سبب الخلاف في حكم أفضلية الفطر على الصوم:

يرجع سببُ الخلاف في الأفضلية بين الفطر والصوم إلى الأسباب التالية:

١ ـ في الاختلاف في الأفضلية بين العزيمة والرخصة الواقع أصوليًّا: فهل الأفضلُ تركُ الرخصةِ والعملُ بالعزيمة أم العكس؟

٢ ـ وهل تعود الأفضلية للعزيمة عند انتفاءِ المَشقَّة، أم تبقى الأفضليةُ للرخصة ولو بعد انتفاءِ المَشقَّة؟

٣ ـ وهل الفطرُ فعلٌ مُباحٌ لمكان المَشقَّة في السَّفر أم هو حكمٌ شرعيٌّ؟ أي: هل يدخل في الحكم التكليفيِّ أم لا؟ وهل هو مأمورٌ به أم لا؟

٤ ـ وهل نفيُ الجُناحِ الدالُّ على التخيير يَلْزَم منه استواءُ طرَفَيِ الفعل والتركِ أم لا؟

وبناءً على التفصيل في سبب الخلاف السابق فإنَّ:

ـ مَنِ اعتبر أنَّ العزيمة أفضلُ مِنَ الرخصة، وأنَّ الفطر فعلٌ مباحٌ لمكان المَشقَّة الطارئة التي يعود الحكمُ إليها عند انتفائها، وأنَّ المباح يدخل في الحكم التكليفيِّ مسامحةً أو تكملةً للقسمة وليس مأمورًا به، ورأى أنَّ نفيَ الجُناحِ في حديثِ حمزة بنِ عمرٍو الأسلميِّ رضي الله عنه لا يَلْزَمُ منه استواءُ طَرَفَيِ الفعل والترك؛ قال: إنَّ الصوم أفضلُ مِنَ الترك.

ـ ومَنِ اعتبر الرخصةَ أفضلَ مِنَ العزيمة، وأنَّ الفطر حكمٌ شرعيٌّ يفيد الإباحةَ لمكان المَشقَّة الطارئة، ورأى أنَّ نفي الجُناح في حديثِ حمزة الأسلميِّ رضي الله عنه يدلُّ على التخيير الذي يَلْزَمُ منه استواءُ طَرَفَيِ الفعل والتَّرك؛ قال: إنَّ الفطر أفضلُ مِنَ الصوم.

) الرأي المختار:

في المسألة الأولى المتعلِّقة بحكم الصوم في السفر ففي تقديري: أنَّ مذهب الجمهور أقوى مِنْ رأيِ مُخالِفِه للتعليلات التالية:

ـ لأنَّه يترجَّح تأويلُه بالتقدير(١٢١)، ويُصْرَفُ عن الحقيقة للأحاديث القولية والفعلية المُثْبِتة لصيامه في السفر، وكذا الآثار الشاهدة على هذا المفهوم.

ـ ولأنَّ الجمع بحسب تغايُرِ الحال أَوْلى مِنَ الجمع بحسب فرضِ رمضانَ وواجبٍ غيرِه في السفر؛ لدلالة الأحاديث والآثار الصحيحة على أنَّ صومه كان في السفر لفرضِ رمضانَ في شهر رمضانَ في السَّنَة نَفْسِها.

ـ ولأنَّ دعوى النسخ الاحتماليِّ منفيَّةٌ بانتفاء التعارض ـ أوَّلًا ـ لإمكان الجمع بين الروايات المختلفة بحسب تغايُرِ الحال ـ كما تقدَّم(١٢٢) ـ وانتفاءِ تأخُّرِ قوله: «أُولَئِكَ العُصَاةُ» ـ ثانيًا ـ إلَّا على مذهب الزُّهريِّ ـ رحمه الله ـ الذي وقعَتِ الزيادةُ مُدْرَجةً مِنْ قوله، لا مِنْ قولِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، ولأنَّ تسميتَه لهم ﺑ «العُصاة» إنَّما كان لمخالفة أمرِه، لا لمجرَّد الصوم في السفر؛ وبذلك يُعْلَم أنَّه لم يحصل تعارضٌ بين النصوص الحديثية ـ ألبتَّةَ ـ إذا ما حَمَلْنا العصيانَ على مخالفة الأمر؛ وبه تسلم النصوصُ مِنْ دعوى التعارض والنسخ.

أمَّا المسألة الثانية ـ ففيما عَدَا الأحوال التي اتَّفقوا على تفضيل الفطر فيها على الصوم ـ فإنَّ الأفضل ـ عندي ـ أيسرُهما، وهو مذهبُ عمر بنِ عبد العزيز ـ رحمه الله ـ، واختاره ابنُ المنذر ـ كما تقدَّم(١٢٣) ـ فإِنْ كان الصومُ أيسرَ عليه، كمَنْ يسهل عليه الصومُ مع الجماعة في شهر رمضان، ويشقُّ عليه قضاؤه تفرُّدًا بعد مُضِيِّ الشهر؛ فالصومُ ـ في حقِّه ـ أفضلُ، ومَنْ كان يسهل عليه أداءُ الصوم بعد عودته إلى محلِّ إقامته، ولا يشقُّ عليه القضاءُ إِنْ أفطر ترخُّصًا؛ كان الفطرُ ـ في حقِّه ـ أفضلَ.

واختيارُ هذا الرأيِ مبنيٌّ على وجوهِ التعليلات الآتية:

١ ـ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ[البقرة: ١٨٥]، فالآيةُ تُفيدُ أنَّ الله تعالى لا يريد إعناتَ الناسِ بأحكامه، وإنَّما يريد اليُسْرَ بهم، وخيَّرهم: فإِنْ كان الصومُ أيسرَ عليه فهو ـ في حقِّه ـ الأفضلُ، وإلَّا فالفطرُ أفضلُ؛ قال الشعبيُّ ـ رحمه الله ـ: «مَا خُيِّرَ رَجُلٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ فَاخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا إِلَّا كَانَ ذَلِكَ أَحَبَّهُمَا إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»(١٢٤).

٢ ـ ولورود النَّصِّ في بعض الروايات صريحًا ومُفْصِحًا عن سببِ تخيير المسافر بين الصوم والإفطار، مِنْ حديثِ حمزة بنِ عمرٍو الأسلميِّ رضي الله عنه: أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ: «أَيُّ ذَلِكَ أَيْسَرُ عَلَيْكَ فَافْعَلْ»(١٢٥)، يعني: إفطارَ رمضان أو صيامَه في السفر؛ وهذا الحديث مُبيِّنٌ للروايات الأخرى؛ لأنَّ غايةَ ما يدلُّ عليه لفظُ: «فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ»: جوازُ الصوم في السفر، ورفعُ المؤاخذةِ والإثمِ عن الصائم؛ وليس فيه ما يدلُّ على ترجيح الإفطار على الصيام، كما لا يدلُّ ما يُقابِله بقوله في الفطر: إنَّه «حسنٌ» على أفضلية الفطر؛ لأنَّ نفي الجُناح قد يُطْلَق ويرادُ منه نفيُ الإثم مع استواء الفعل والترك، كما يُطْلَق ويرادُ به رفعُ الحرج عن الفعل مع ترجيحِ جهة الفعل على وجه الاستحباب أو الوجوب ـ كما تقدَّم(١٢٦) في المناقشة ـ. ويؤكِّد تماثُلَ الصومِ والفطرِ التخييرُ الوارد في الرواية الأخرى مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها: «صُمْ إِنْ شِئْتَ، وَأَفْطِرْ إِنْ شِئْتَ»(١٢٧)، والقصَّةُ واحدةٌ، ولم يفضِّلِ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أحَدَهما على الآخَرِ، بل خيَّره بين الأمرين على سبيل التساوي والتماثل، فجاءَتْ روايةُ التيسير لتبيِّنَ الأفضليةَ كما هو ظاهرٌ مِنْ سببِ ترخيصه صلَّى الله عليه وسلَّم للحُكْمين: الصومِ والفطر، فيرجع الحسنُ إلى أحَدِهما بحسب التيسير والسهولة عليه.

٣ ـ ولأنَّ الاستدلال بحديثِ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ»(١٢٨) على أفضليَّة الفطر مُقيَّدٌ بانتفاء الحرج بالقضاء، وليس عليه حرجٌ في الأداء، وإلَّا تجرَّدَتِ الرخصةُ عن المعنى الذي شُرِعَتْ مِنْ أجله، ويؤيِّده قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَيُّ ذَلِكَ أَيْسَرُ عَلَيْكَ فَافْعَلْ».

٤ ـ ولأنَّه لا أفضليةَ للعزيمة على الرخصة ولا للرخصة على العزيمة مِنَ الناحية الأصولية على الأظهر مِنْ قولَيِ العلماء؛ لعدمِ انضباط العذر ـ المتمثِّل في: المَشقَّة والحاجة والضرورة التي هي سببُ الرخصة ـ ما بين المكلَّفين؛ فالعذرُ الحاصل للمكلَّف أمرٌ إضافيٌّ نسبيٌّ لا أصليٌّ، يرجع إلى اجتهاده الشخصيِّ ووُسْعِه وطاقته الخاصَّة؛ فكُلُّ مكلَّفٍ فقيهُ نفسِه في الأخذ بها ما لم يجد فيها حدًّا شرعيًّا يقف عنده، وهو موكولٌ لدِينه في تقدير العذر اللاحقِ به؛ وفي هذا السياقِ يقول الشيخ الخضري ـ رحمه الله ـ: «إنَّ سببَ الرخصةِ المَشقَّةُ، والمَشاقُّ تختلف بحسبِ قوَّة العزائم وضعفِها، وبحسب الأفعال، وليس كُلُّ الناسِ ـ في المَشاقِّ وتحمُّلها ـ على حدٍّ سواءٍ، وإذا كان كذلك فليس للمَشقَّات المُعتبَرةِ في التخفيف ضابطٌ مخصوصٌ ولا حَدٌّ محدودٌ يَطَّرِد في جميع النَّاس؛ لذلك أقام الشارعُ ـ في جملةٍ منها ـ المظنَّةَ(١٢٩) مَقامَ الحكمة؛ فاعتبرَ السفرَ لأنَّه أقربُ مَظانِّ المَشقَّة، وتَرَك جملةً منها إلى الاجتهاد كالمرض»(١٣٠).

هذا، والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.



(١) أخرجه مسلمٌ في «الصيام» (٧/ ٢٣٢) بابُ جوازِ الصوم والفطر في شهرِ رمضانَ للمسافر، والترمذيُّ في «الصوم» (٣/ ٨٩) بابُ ما جاء في كراهية الصوم في السفر، والنسائيُّ في «الصيام» (٤/ ١٧٧)، مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(٢) أخرجه البخاريُّ في «الصوم» (٤/ ١٨٣) بابُ قولِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لمَنْ ظُلِّل عليه واشتدَّ الحرُّ: «ليس مِنَ البرِّ الصومُ في السفر»، ومسلمٌ في «الصيام» (٧/ ٢٣٣) بابُ جوازِ الصوم والفطر في شهرِ رمضانَ للمسافر، وأبو داود في «الصوم» (٢/ ٧٩٦) بابُ اختيارِ الفطر، والنسائيُّ في «الصيام» (٤/ ١٧٦) بابُ العلَّة التي مِنْ أجلها قِيلَ ذلك، أي: كراهة الصيام في السفر، مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(٣) في رواية النسائيِّ: «التي».

(٤) «صحيح مسلم» (٧/ ٢٣٣).

(٥) «سنن النسائي» (٤/ ١٧٦).

(٦) «صحيح مسلم» (٧/ ٢٣٢).

(٧) أخرجه البخاريُّ في «الصوم» (٤/ ١٨٠) باب: إذا صام أيَّامًا مِنْ رمضان ثمَّ سافر، و(٤/ ١٨٦) بابُ مَنْ أفطر في السفر ليراه الناسُ، ومسلمٌ في «الصيام» (٧/ ٢٣١) بابُ جوازِ الصوم والفطر في شهرِ رمضانَ للمسافر، وأبو داود في «الصوم» (٢/ ٧٩٤) باب الصوم في السفر، والبغويُّ في «شرح السنَّة» (٦/ ٣١٠)، وهو مِنْ مُرْسَلاتِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما؛ فقَدْ نَقَل الحافظ عن القابسيِّ أنَّ هذا الحديثَ مِنْ مُرْسَلات الصحابة؛ لأنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما كان في هذه السفرةِ مُقيمًا مع أبويه بمكَّة فلم يُشاهِدِ القصَّةَ؛ فكأنَّه سَمِعها مِنْ غيره مِنَ الصحابة، [انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ١٨٢)].

(٨) أخرجه مسلمٌ في «الجهاد والسِّيَر» (١٢/ ١٩٦) بابُ عَدَدِ غَزَواتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(٩) انظر ترجمته وأحاديثه في: «مسند أحمد» (٣/ ٢٩٢)، «التاريخ الكبير» (٢/ ٢٠٧) و«التاريخ الصغير» (١/ ١٩٠، ٢٢١، ٢٢٤) كلاهما للبخاري، «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٢/ ٤٩٢)، «المستدرك» للحاكم (٣/ ٥٦٤)، «الاستيعاب» لابن عبد البرِّ (١/ ٢١٩)، «جامع الأصول» لأبي السعادات بنِ الأثير (٩/ ٨٦)، «أُسْد الغابة» (١/ ٢٥٦) و«الكامل» (٤/ ٤٤٧) كلاهما لأبي الحسن بنِ الأثير، «سِيَر أعلام النُّبَلاء» (٣/ ١٨٩) و«دُوَل الإسلام» (١/ ٥٦) كلاهما للذهبي، «البداية والنهاية» لابن كثير (٩/ ٢٢)، «وفيات ابنِ قنفذ» (٢٣)، «الإصابة» (١/ ٢١٣) و«تهذيب التهذيب» (٢/ ٤٢) كلاهما لابن حجر، «طبقات الحُفَّاظ» للسيوطي (١٩)، «شذرات الذهب» لابن العماد (١/ ٨٤)، «الرياض المُسْتطابة» للعامري (٤٤)، «الفكر السامي» للحجوي (١/ ٢/ ٢٥)، «تاريخ التراث» لسزكين (١/ ١٢٠)، ومؤلَّفي: «الإعلام بمنثور تراجم المشاهير والأعلام» (٥٧).

(١٠) انظر: «الباعث الحثيث» لأحمد شاكر (١٨٥)، «الوجيز في علوم الحديث» لعجَّاج (٣٣٧).

(١١) انظر: «مُعْجَمَ ما استعجم» للبكري (٣/ ٩٥٦، ١٠٠٦)، «شرح مسلم» للنووي (٧/ ٢٣٠)، «مراصد الاطِّلاع» للصفيِّ البغدادي (٣/ ١١٥٣).

(١٢) انظر: «الكُلِّيَّات» لأبي البقاء (٢٣١).

(١٣) أخرجها مسلمٌ في «الصيام» (٧/ ٢٣٠ ـ ٢٣١) بابُ جوازِ الصوم والفطر في شهرِ رمضانَ للمسافر، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(١٤) أخرجها النسائيُّ في «الصيام» (٤/ ١٨٣) باب الصيام في السفر، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(١٥) أخرجه البخاريُّ في «الصوم» (٤/ ١٨٦) بابُ مَنْ أفطر في السفر ليراه الناسُ، ومسلمٌ في «الصيام» (٧/ ٢٣٢) بابُ جوازِ الصوم والفطر في شهرِ رمضانَ للمسافر، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(١٦) انظر: «الروض المعطار» للحِمْيَري (٤٩٠).

(١٧) هو أبو الفضل عياض بنُ موسى بنِ عياض بنِ عمرون اليحصبيُّ السبتيُّ المالكيُّ، كان إمامَ أهل الحديث في وقته، وأعلمَ الناسِ بعلومه واللغةِ وكلامِ العرب وأيَّامِهم وأنسابهم، له رحلةٌ إلى الأندلس، ووَلِيَ قضاءَ سبتةَ ثمَّ غرناطة، له تصانيفُ مفيدةٌ منها: «الشفاء»، و«ترتيب المدارك»، و«الإعلام بحدود قواعد الإسلام»، و«الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع». تُوُفِّيَ بمرَّاكش مغرَّبًا عن وطنه سنة: (٥٤٤ﻫ).

انظر ترجمته في: «وفيات الأعيان» لابن خلِّكان (٣/ ٤٨٣)، «سِيَر أعلام النُّبَلاء» (٢٠/ ٢١٢) و«دُوَل الإسلام» (٢/ ٦١) كلاهما للذهبي، «البداية والنهاية» لابن كثير (١٢/ ٢٢٥)، «المرقبة العليا» للنباهي (١٠١)، «الديباج المذهب» لابن فرحون (١٦٨)، «وفيات ابن قنفذ» (٦٢)، «طبقات الحُفَّاظ» للسيوطي (٤٧٠)، «شجرة النور» لمخلوف (١/ ١٤٠)، «الفكر السامي» للحجوي (٢/ ٤/ ٢٢٣)، ومؤلَّفي: «الإعلام» (٢٦٦).

(١٨) «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ١٨١)، وفي «نيل الأوطار» للشوكاني (٥/ ٣٠٢): «والكُلُّ في قضيَّةٍ واحدةٍ».

(١٩) انظر: «تيسير العلَّام» للبسَّام (١/ ٤٤٨).

(٢٠) انظر: «رياض الأفهام» للفاكهاني (٣/ ٤٣١).

(٢١) لا خلافَ بين العلماء في إباحة الفطر لمَنْ يدخل عليه شهرُ رمضانَ في السفر، أو يُفارِقُ عمرانَ بلدِه قبل الفجر، [انظر: «المغني» لابن قدامة (٣/ ١٠٠)، «المجموع» للنووي (٦/ ٢٦١)].

(٢٢) انظر: «التفريع» لابن الجلَّاب (١/ ٣٠٤)، «المغني» لابن قدامة (٣/ ١٠٠)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٧٨)، «المجموع» للنووي (٦/ ٢٦١)، «الاختيار» لابن مودود (١/ ١٣٤)، «القوانين الفقهية» لابن جُزَيٍّ (١٢٣).

(٢٣) انظر: «معالم السنن» للخطَّابي (٢/ ٨٠٠)، «المغني» لابن قدامة (٣/ ١٠٠)، «الفتح الربَّاني» للبنَّا (١٠/ ١١٦ ).

(٢٤) أخرجه البخاريُّ في «المغازي» (٨/ ٣) بابُ غزوةِ الفتح في رمضان، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٢٥) أخرجه الترمذيُّ في «الصوم» (٣/ ١٦٣) بابُ مَنْ أَكَل ثمَّ خَرَج يريد سفرًا. والحديث حسَّنه الترمذيُّ، والأرناؤوط في «جامع الأصول» (٦/ ٤١١ ـ ٤١٢)، وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح سنن الترمذي» (١/ ٢٤٠).

تنبيه: للشيخ الألبانيِّ ـ رحمه الله ـ رسالةٌ موسومةٌ بعنوان: «تصحيحُ حديثِ إفطار الصائم قبل سفره بعد الفجر، والردُّ على مَنْ ضعَّفه».

(٢٦) هو الصحابيُّ حُمَيْل ـ وقِيلَ: جميل ـ بنُ بصرة بنِ وقَّاص بنِ حبيب بنِ غِفارٍ، روى عنه أبو هريرة، وأبو تميمٍ الجيشانيُّ، وعبد الله بنُ هبيرة، وعُبَيْد بنُ جبرٍ وغيرُهم، كان يسكن الحجازَ ثمَّ تحوَّل إلى مصر.

انظر ترجمته في: «الاستيعاب» لابن عبد البرِّ (٤/ ١٦١١)، «أُسْد الغابة» لابن الأثير (٥/ ١٤٨)، «الإصابة» لابن حجر (٤/ ٢١).

(٢٧) هو اسْمُ عَلَمٍ لمصر العتيقة، قال اليعقوبيُّ: «لَمَّا فَتَح عمرو بنُ العاص رضي الله عنه مصرَ اختطَّ منازلَ العرب حول الفسطاط، فسُمِّي: الفسطاطَ لهذا»، [انظر: «مراصد الاطِّلاع» للصفيِّ البغدادي (٣/ ١٠٣٦)، «الروض المعطار» للحِمْيَري (٤٤١)].

(٢٨) أخرجه أبو داود في «الصوم» (٢/ ٧٩٩) باب: متى يفطر المسافرُ إذا خَرَج؟ وأحمد (٦/ ٧، ٣٩٨). والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح سنن أبي داود» (٢/ ٧٢)، وحسَّنه الأرناؤوط في «جامع الأصول» (٦/ ٤١٣).

(٢٩) انظر: «نيل الأوطار» للشوكاني (٥/ ٣٠٦ ـ ٣٠٧).

(٣٠) لا يُقاسُ السفرُ على عذر المرض المبيح للإفطار؛ للفارق بينهما، مِنْ جهةِ أنَّ المرض لا يمكن دفعُه، أي: أنَّ المرض شيءٌ يحدث عليه لا باختياره، بخلافِ السفر فهو مِنْ فعلِه الذي يُنشِئُه باختياره، [انظر: «معالم السنن» للخطَّابي (٢/ ٨٠٠)].

(٣١) مِنْ آثارِ هذا الخلاف: ما لو جامَع فيه: هل تَلْزَمه الكفَّارةُ أم لا؟ [انظر: «المغني» لابن قدامة (٣/ ١٠٢)، «المجموع» للنووي (٦/ ٢٦١)].

(٣٢) انظر ترجمته في: «تحرير المَقال في فقه حديث الصوم والإفطار لرؤية الهلال» (ص ٤٤).

(٣٣) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٩/ ٢٤٣ وما بعدها، ٢٤/ ٣٥ وما بعدها).

(٣٤) هو أبو عبد الله محمَّد بنُ أبي بكر بنِ أيُّوب الزُّرعيُّ الدمشقيُّ، شمس الدِّين ابنُ قيِّم الجوزية الحنبليُّ، الفقيه الأصوليُّ، المفسِّرُ النحويُّ، أحَدُ كبارِ العلماء، قال عنه الشوكانيُّ ـ رحمه الله ـ: «بَرَع في جميع العلوم، وفاق الأقرانَ واشتهر في الآفاق، وتَبحَّر في معرفةِ مذاهب السلف»، له كُتُبٌ عديدةٌ منها: «إعلام الموقِّعين»، و«زاد المَعاد»، و«شفاء العليل»، و«إغاثة اللهفان». تُوُفِّيَ سنة: (٧٥١ﻫ).

انظر ترجمته: في «البداية والنهاية» لابن كثير (١٤/ ٢٣٤)، «الدُّرَر الكامنة» لابن حجر (٤/ ٢١)، «بُغْية الوُعَاة» للسيوطي (٢٥)، «طبقات المفسِّرين» للداودي (٢/ ٩٣)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٦/ ١٦٨)، «البدر الطالع» للشوكاني (٢/ ١٤٣)، «الفتح المبين» للمراغي (٢/ ١٦٨)، «الفكر السامي» للحجوي (٢/ ٤/ ٣٦٥)، «أصول الفقه» لشعبان محمَّد إسماعيل (٣٤٠)، ومؤلَّفي: «الإعلام» (٣٤٤).

(٣٥) «زاد المَعاد» لابن القيِّم (١/ ٤٨١).

(٣٦) أورده ابنُ حجرٍ في «فتح الباري» (٤/ ١٨٣) مِنْ رواية الطبريِّ مِنْ طريقِ مجاهدٍ، وسَكَت عنه، كما ذَكَره الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (١/ ١٢٥) مِنْ رواية الفريابيِّ، وقال: «رجالُه ثِقاتٌ».

(٣٧) أخرجه البخاريُّ في «الجهاد والسِّيَر» (٦/ ٨٤) بابُ فضلِ الخدمة في الغزو، ومسلمٌ في «الصيام» (٧/ ٢٣٥) بابُ جوازِ الصوم والفطر في شهرِ رمضانَ للمسافر، والنسائيُّ في «الصيام» (٤/ ١٨٢) بابُ فضلِ الإفطار في السفر على الصيام، مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه.

(٣٨) انظر: «رياض الأفهام» للفاكهاني (٣/ ٤٣٣)، «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ١٨٦).

(٣٩) انظر: «الأشباه والنظائر» للسيوطي (١٣٨).

(٤٠) انظر: «المغني» لابن قدامة (٢/ ٢٦١)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٧٧)، «فواتح الرحموت» للأنصاري (١/ ١٦٤).

(٤١) أخرجه البخاريُّ في «بدء الوحي» (١/ ٩) باب: كيف كان بدءُ الوحيِ إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؟ ومسلمٌ في «الإمارة» (١٣/ ٥٣) بابُ قولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنما الأعمالُ بالنيَّة»، وأنه يدخل فيه الغزوُ وغيرُه مِنَ الأعمال، مِنْ حديثِ عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه.

(٤٢) انظر: «المحلَّى» لابن حزم (٦/ ٢٤٣)، «المغني» لابن قدامة (٣/ ١٠٢)، «تبيين الحقائق» للزيلعي (١/ ٣١٦).

(٤٣) انظر تقريرَ الإجماع في: «المغني» لابن قدامة (٣/ ١٣٥، ١٤٩)، «المجموع» للنووي (٦/ ٢٦١).

(٤٤) هو أبو بكرٍ محمَّد بنُ مسلم بنِ عبيد الله بنِ عبد الله بنِ شهابٍ الزُّهريُّ القُرَشيُّ المدنيُّ، نزيلُ الشام، أحَدُ التابعين الأعلام المشهورين بالإمامة والجلالة، انتهَتْ إليه رئاسةُ العلم في وقته. تُوُفِّيَ سنة: (١٢٤ﻫ).

انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» (١/ ٢٢٠) و«التاريخ الصغير» (١/ ٨١) كلاهما للبخاري، «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٨/ ٧١)، «الكامل» لابن الأثير (٥/ ٣٦٠)، «وفيات الأعيان» لابن خلِّكان (٤/ ١٧٧)، «سِيَر أعلام النُّبَلاء» (٥/ ٣٢٦) و«ميزان الاعتدال» (٤/ ٤٠) كلاهما للذهبي، «البداية والنهاية» لابن كثير (٩/ ٣٤٠)، «وفيات ابن قنفذ» (٣١)، «التبيين لأسماء المدلِّسين» للعجمي (٥٠)، «تهذيب التهذيب» (٩/ ٤٤٥) و«تعريف أهل التقديس» (١٠٩) كلاهما لابن حجر، «طبقات الحُفَّاظ» للسيوطي (٤٩)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٢/ ١٦٢)، «الفكر السامي» للحجوي (١/ ٢/ ٣٣٣)، ومؤلَّفي: «الإعلام» (٣٨٥).

(٤٥) هو أبو عمران إبراهيم بنُ يزيد بنِ قيسٍ النَّخَعيُّ اليمانيُّ ثمَّ الكوفيُّ، أحَدُ الأئمَّة الأعلام التابعين المشاهير، فقيهُ أهلِ الكوفة، اعتمد في فقهه على الرأي مِنْ غيرِ استغناءٍ عن النقل، وعلى النقل مقرونًا بالرأي، قال عنه الذهبيُّ ـ رحمه الله ـ: «كان عجبًا في الورع والخير، متوقِّيًا للشهرة، رأسًا في العلم، مات سنة: (٩٦ﻫ) كهلًا».

انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٦/ ٢٧٠)، «التاريخ الصغير» للبخاري (١/ ٢٤٣، ٢٥٥)، «المعارف» لابن قتيبة (٤٦٣)، «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٢/ ١٤٤)، «طبقات الفقهاء» للشيرازي (٨٢)، «الكامل في التاريخ» لابن الأثير (٥/ ٢١)، «وفيات الأعيان» لابن خلِّكان (١/ ٢٥)، «سِيَر أعلام النُّبَلاء» (٤/ ٥٢٠) و«ميزان الاعتدال» (١/ ٧٤) و«الكاشف» (١/ ٩٦) و«تذكرة الحُفَّاظ» (١/ ٦٩) و«دُوَل الإسلام» (١/ ٦٥) كُلُّها للذهبي، «البداية والنهاية» لابن كثير (٩/ ١٤٠)، «طبقات الحُفَّاظ» للسيوطي (٣٦)، «شذرات الذهب» لابن العماد (١/ ١١١)، «الفكر السامي» للحجوي (١/ ٢/ ٢٩٤)، «تاريخ التراث العربي» لسزكين (٢/ ٢٠)، ومؤلَّفي: «الإعلام» (١٩).

(٤٦) انظر: «المحلَّى» لابن حزم (٦/ ٢٤٣)، «بداية المجتهد» لابن رشد (١/ ٢٩٥)، «المغني» لابن قدامة (٣/ ١٤٩)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٧٩)، «المجموع» للنووي (٦/ ٢٦٤)، «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ١٨٣).

(٤٧) أخرجه مالكٌ في «الموطَّإ» (١/ ٢٧٥)، ومسلمٌ في «الصيام» (٧/ ٢٣١) بابُ جوازِ الصوم والفطر في شهرِ رمضانَ للمسافر، والبغويُّ في «شرح السنَّة» (٦/ ٣١٠)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٤٨) انظر: «المحلَّى» لابن حزم (٦/ ٢٤٣).

(٤٩) تقدَّم تخريجه، انظر: نصَّ الحديث.

(٥٠) اختلفَتْ أنظارُ الأصوليِّين في تقريرِ هذه المسألةِ أصوليًّا، فمذهبُ الجمهور: أنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ وخالف المُزَنيُّ وأبو ثورٍ والدقَّاقُ والقفَّال في المسألة، ورأَوْا أنَّ العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ، وبهذا قال مالكٌ وأحمد في إحدى الروايتين عنهما؛ وفصَّل المسألةَ فريقٌ ثالثٌ، وتوقَّف آخَرون؛ والصحيحُ المذهبُ الأوَّل؛ لأنَّ الأحكام متعلِّقةٌ بلفظِ صاحبِ الشرع دون السبب؛ ذلك لأنَّه لو انفرد صاحبُ الشرعِ بلفظٍ لَتعلَّق به الحكمُ، بخلاف السبب فلا يتعلَّق به الحكمُ حالَ انفراده؛ فكان الاعتبارُ لاحقًا بما تَعلَّق به الحكمُ دون غيره.

انظر تفصيلَ المذاهب في: «المعتمد» لأبي الحسين (١/ ٣٠٢)، «العُدَّة» لأبي يعلى (٢/ ٥٩٦)، «التبصرة» (١٤٤) و«شرح اللُّمَع» (١/ ٣٩٢) كلاهما للشيرازي، «إحكام الفصول» (٢٧٠) و«الإشارة» [بتحقيقي] (٢٣٥) كلاهما للباجي، والمصادر الأخرى المُثْبَتة على هامش (٢٣٧)].

(٥١) رواه أحمد في «مسنده» (٢/ ١٠٨)، والبيهقيُّ في «سننه الكبرى» (٣/ ١٤٠)، وابنُ خزيمة في «صحيحه» (٢/ ٧٣)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما، وأورده الهيثميُّ في «موارد الظمآن» (١٤٤). والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (٣/ ٩)، وهو صحيحٌ ـ أيضًا ـ بلفظ: «...كما يُحِبُّ أَنْ تُؤْتى عزائمُه»، قال الألبانيُّ ـ رحمه الله ـ في «إرواء الغليل» (٣/ ١٣): «وأمَّا إنكارُ شيخِ الإسلام ابنِ تيمية اللفظَ الثانيَ في أوَّلِ كتابِ: «الإيمان» فممَّا لا يُلتفَتُ إليه بعد ورودِه مِنْ عدَّةِ طُرُقٍ بعضُها صحيحٌ كما سَلَف».

(٥٢) أخرجه أبو داود في «الصوم» (٢/ ٧٩٦) بابُ اختيارِ الفطر، والترمذيُّ في «الصوم» (٣/ ٩٤) بابُ ما جاء في الرخصة في الإفطار للحُبْلى والمُرْضِع، والنسائيُّ في «الصيام» (٤/ ١٨٠)، وابنُ ماجه في «الصيام» (١/ ٥٣٣) بابُ ما جاء في الإفطار للحامل والمُرْضِع، وأحمد (٤/ ٣٤٧)، والبغويُّ في «شرح السنَّة» (٦/ ٣١٥)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٤/ ٢٣١)، مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ الكعبيِّ رضي الله عنه، وهو غيرُ الأنصاريِّ رضي الله عنه.

والحديث حسَّنه الترمذيُّ، وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح أبي داود» (٢/ ٧١)، والأرناؤوط في «جامع الأصول» (٦/ ٤١٠).

(٥٣) انظر: «المجموع» للنووي (٦/ ٢٦٤).

(٥٤) أخرجه مالكٌ في «الموطَّإ» في «الصوم» (١/ ٢٧٦) بابُ ما جاء في الصيام في السفر.

(٥٥) أخرجه ابنُ حزمٍ في «المحلَّى» (٦/ ٢٥٧).

(٥٦) أخرجه النسائيُّ في «الصيام» (٤/ ١٨٣) بابُ ذِكْرِ قوله: الصائمُ في السفر كالمفطر في الحَضَر، قال البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٤/ ٢٤٤): «وهو موقوفٌ، وفي إسناده انقطاعٌ».

ورواه ابنُ ماجه مرفوعًا في «الصيام» (١/ ٥٣٢) بابُ ما جاء في الإفطار في السفر، وإسنادُه ضعيفٌ، [انظر: «ضعيفَ سننِ ابنِ ماجه» (١٣١) و«السلسلة الضعيفة» (١/ ٥٠٥) كلاهما للألباني].

ورواه النسائيُّ مِنْ طريقِ ابنِ أبي ذئبٍ عن الزهريِّ عن أبي سَلَمة بنِ عبد الرحمن بنِ عوفٍ عن أبيه رضي الله عنه موقوفًا، وإسنادُه صحيحٌ، قال الحافظ في «التلخيص» (٢/ ٢٠٥): «صحَّح كونَه موقوفًا: ابنُ أبي حاتمٍ عن أبيه، والدارقطنيُّ في «العِلَل»، والبيهقيُّ».

(٥٧) أخرجه ابنُ حزمٍ في «المحلَّى» (٦/ ٢٥٧).

(٥٨) أخرجه مسلمٌ في «الصيام» (٧/ ٢٣٦) بابُ جوازِ الصوم والفطر في شهرِ رمضانَ للمسافر، وأبو داود في «الصوم» (٢/ ٧٩٥) باب الصوم في السفر، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه.

(٥٩) أخرجه مسلمٌ في «الصيام» (٧/ ٢٣٨) بابُ جوازِ الصوم والفطر في شهرِ رمضانَ للمسافر، مِنْ حديثِ حمزة بنِ عمرٍو الأسلميِّ رضي الله عنه.

(٦٠) أخرجه البخاريُّ في «الصوم» (٤/ ١٧٩) باب الصوم في السفر والإفطار، ومسلمٌ في «الصيام» (٧/ ٢٣٦ ـ ٢٣٧) بابُ جوازِ الصوم والفطر في شهرِ رمضانَ للمسافر، وأبو داود في «الصوم» (٢/ ٧٩٣) باب الصوم في السفر، والترمذيُّ في «الصوم» (٣/ ٩١) بابُ ما جاء في الرخصة في الصوم في السفر، والنسائيُّ في «الصيام» (٤/ ١٨٧ ـ ١٨٨)، وابنُ ماجه في «الصيام» (١/ ٥٣١) بابُ ما جاء في الصوم في السفر، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها. وقد وَرَد بهذا اللفظ ـ أيضًا ـ مِنْ حديثِ حمزة بنِ عمرٍو الأسلميِّ رضي الله عنه عند النسائيِّ (١/ ١٨٥ ـ ١٨٦).

(٦١) هذه القاعدةُ مرويَّةٌ عن الإمام الشافعيِّ ـ رحمه الله ـ، والمرادُ بها: أنَّ الجواب غيرَ المُستقِلِّ لا يتبع السؤالَ في خصوصه؛ إذ لو اختصَّ به لَمَا احتِيجَ إلى تخصيصه.

ونُقِل عن الشافعيِّ ـ أيضًا ـ عبارةٌ أخرى مُخالِفةٌ للأولى وهي: «حِكَايَةُ الحَالِ إِذَا تَطَرَّقَ إِلَيْهَا الاِحْتِمَالُ، كَسَاهَا ثَوْبَ الإِجْمَالِ، وَسَقَطَ بِهَا الاِسْتِدْلَالُ»، وقد استشكل ذلك على بعضِ العلماء وتَبايَنَتْ أجوبتُهم: فحَمَل بعضُهم العبارةَ الأولى على القول الذي يُحالُ عليه العمومُ، والثانيةَ على الفعل لأنَّه لا عمومَ له، وهو اختيارُ البُلْقينيِّ وابنِ دقيق العيد والسبكيِّ. وقال آخَرون: إنَّه يُحْمَل على الأولى إِنْ كان الاحتمالُ بعيدًا ويُعْمَل بعمومه، ويُحْمَل على العبارة الثانية إِنْ كان الاحتمالُ قريبًا ويسقط به الاستدلالُ، [انظر: «شرح تنقيح الفصول» للقرافي (١٨٦)، «القواعد والفوائد الأصولية» للبعلي (٢٣٤)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (٣/ ١٧٢)].

(٦٢) أخرجه البخاريُّ في «الصوم» (٤/ ١٨٦) باب: لم يَعِبْ أصحابُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بعضُهم بعضًا في الصوم والإفطار، ومسلمٌ في «الصيام» (٧/ ٢٣٥) بابُ جوازِ الصوم والفطر في شهرِ رمضانَ للمسافر، وأبو داود في «الصوم» (٢/ ٧٩٥) باب الصوم في السفر، مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه.

(٦٣) أخرجه البخاريُّ في «الصوم» (٤/ ١٨٢) باب: إذا صام أيَّامًا مِنْ رمضان ثمَّ سافر، ومسلمٌ في «الصيام» (٧/ ٢٣٨) بابُ جوازِ الصوم والفطر في شهرِ رمضانَ للمسافر، وأبو داود في «الصوم» (٢/ ٧٩٨) بابُ مَنِ اختار الصيامَ، وابنُ ماجه في «الصيام» (١/ ٥٣٢) بابُ ما جاء في الصوم في السفر، مِنْ حديثِ أبي الدرداء رضي الله عنه.

(٦٤) تقدَّم تخريجه، انظر: (الهامش ٣٧).

(٦٥) انظر: «المحلَّى» لابن حزم (٦/ ٢٤٣).

(٦٦) هو أبو عمر يوسف بنُ عبد الله بنِ محمَّد بنِ عبد البرِّ الأندلسيُّ، انظر ترجمته في: «القول الممسَّك في فقه حديث النهي عن صيام يوم الشكِّ» (١٨).

(٦٧) «بداية المجتهد» لابن رشد (١/ ٢٦٩).

(٦٩) انظر: «وبل الغمام» للشوكاني (١/ ٥٠٢).

(٧٠) والتصريح بالرخصة في الحديث عند قوله: «عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ فَاقْبَلُوهَا» مُشْعِرٌ بأنَّ الصوم عزيمةٌ ما لم يَخْشَ على نفسِه الهلاكَ، فيكون الفطرُ ـ عندئذٍ ـ عزيمةً، قال الشوكانيُّ ـ رحمه الله ـ: «والفطر للمسافر ونحوِه رخصةٌ، إلَّا أَنْ يخشى التلفَ أو الضعفَ عن القتال فعزيمةٌ» [«الدراري المُضيَّة» (٢/ ٢٤)].

(٧١) انظر: «صحيح البخاري» (٨/ ٣).

(٧٢) «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ١٨١).

(٧٣) «صحيح ابن خزيمة» (٣/ ٢٦٢).

(٧٤) انظر: «رياض الأفهام» للفاكهاني (٣/ ٤٣٢). قال الشوكانيُّ ـ رحمه الله ـ في «إرشاد الفحول» (١٦٢): «والحقُّ أنَّ دلالةَ السياقِ إِنْ قامَتْ مَقامَ القرائن القويَّة المُقْتضِيةِ لتعيين المُراد كان المخصِّصُ هو ما اشتملَتْ عليه مِنْ ذلك، وإِنْ لم يكن السياقُ بهذه المنزلةِ ولا أفاد هذا المَفادَ فليس بمخصِّصٍ».

(٧٦) هو أبو زكريَّا يحيى بنُ شرفٍ الملَّقبُ بمُحْيي الدِّين النوويِّ، انظر ترجمته في: «البيِّنة الجليَّة في شرح حديث تبييت النيَّة» (٣٤).

(٧٧) «المجموع» للنووي (٦/ ٢٦٥).

(٧٨) سبق تخريجه، انظر: (الهامش ٥٢).

(٧٩) انظر: «نيل الأوطار» للشوكاني (٥/ ٣٠١).

(٨٠) تقدَّم تخريجه، انظر: (الهامش ٦٢).

(٨١) تقدَّم تخريجه، انظر: (الهامش ٥٨).

(٨٢) انظر دلالةَ الاقترانِ ومراتبَها في الاحتجاج في: «المسوَّدة» لآل تيمية (١٤٠، ١٤١)، «بدائع الفوائد» لابن القيِّم (٤/ ١٨٣)، «التمهيد» للإسنوي (٢٧٣)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (٢٤٨)، «أضواء البيان» للشنقيطي (٢/ ٢٥٦).

(٨٤) هو أبو بكرٍ أحمد بنُ الحسين بنِ عليِّ بنِ عبد الله البيهقيُّ الخُسْرَوجِرْدِيُّ، الحافظ الكبير، الفقيه الشافعيُّ، العلَّامة الثبت، مِنْ أَجلِّ أصحابِ أبي عبد الله الحاكم والمُكْثِرين عنه، مِنْ مشهورِ كُتُبِه: «السنن الكبرى» و«شُعَب الإيمان» و«دلائل النبوَّة». تُوُفِّيَ سنة: (٤٥٨ﻫ).

انظر ترجمته في: «معجم البلدان» لياقوت (١/ ٥٣٨)، «اللباب» (١/ ٢٠٢) و«الكامل» (١٠/ ٥٢) كلاهما لابن الأثير، «وفيات الأعيان» لابن خلِّكان (١/ ٧٥)، «سِيَر أعلام النُّبَلاء» للذهبي (١٨/ ١٦٣)، «طبقات الشافعية» للإسنوي (١/ ٩٨)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١٢/ ٩٤)، «وفيات ابن قنفذ» (٥٦)، «طبقات الحُفَّاظ» للسيوطي (٤٣٢)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٣/ ٣٠٤)، «الفضل المبين» للقاسمي (٣٥٩)، «الرسالة المُستطرَفة» للكتَّاني (٣٣)، «الفكر السامي» للحجوي (٢/ ٤/ ٣٢٨)، ومؤلَّفي: «الإعلام» (٢٤).

(٨٥) «السنن الكبرى» للبيهقي (٤/ ٢٤٤).

(٨٦) انظر: «المجموع» للنووي (٦/ ٢٦٥). وقد تقدَّم تخريجه، انظر: (الهامش ٥٦).

(٨٧) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ١٨٤).

(٨٨) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ١٨٣).

(٨٩) فيه مذهبٌ ثالثٌ يرى أنَّ ذلك على التخيير مطلقًا، وأَنْ ليس أحَدُهما أفضلَ مِنَ الآخَر؛ للتخيير الوارد في قصَّةِ حمزة بنِ عمرٍو الأسلميِّ رضي الله عنه: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ» [تقدَّم تخريجه، انظر: (الهامش ٦٠)]، ولتعادلِ الأحاديث في الحكم والمدلول وتكافُئِها في الدرجة والقوَّة كما هو ظاهرٌ مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه: «كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ» [تقدَّم تخريجه، انظر: (الهامش ٦٢)]، وظاهرُه التسويةُ بين الإفطار والصوم.

وقال آخَرُون: أفضلُهما أيسرُهما؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ[البقرة: ١٨٥]: فإِنْ كان الفطرُ أيسرَ عليه فيكونُ ـ في حقِّه ـ أفضلَ مِنَ الصوم، وإلَّا كان الصومُ أفضلَ إِنْ كان يسهل عليه، ويشقُّ عليه قضاؤه بعد ذلك، وهو مذهبُ عمر بنِ عبد العزيز، واختاره ابنُ المنذر، [انظر: «بداية المجتهد» لابن رشد (١/ ٢٩٦)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٨٠)، «المجموع» للنووي (٦/ ٢٦٥)، «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ١٨٣)، «سُبُل السلام» للصنعاني (٢/ ٣٣٠)].

(٩٠) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ١٨٣).

(٩١) هو أبو مروان عبد الملك بنُ عبد العزيز بنِ عبد الله بنِ أبي سلمة بنِ الماجشون التيميُّ، العلَّامة الفقيه، تلميذ الإمام مالكٍ، وبه تفقَّه أئمَّةٌ كابن حبيبٍ وابنِ معذِّلٍ وسحنون، كان فصيحًا مُفَوَّهًا، وعليه دارَتِ الفُتْيا في زمانه بالمدينة. تُوُفِّيَ سنة: (٢١٣ﻫ).

انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٥/ ٤٤٢)، «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٥/ ٣٥٨)، «طبقات الفقهاء» للشيرازي (١٤٨)، «ترتيب المدارك» للقاضي عياض (١/ ٣٦٠)، «وفيات الأعيان» لابن خلِّكان (٣/ ١٦٦)، «سِيَر أعلام النُّبَلاء» للذهبي (١٠/ ٣٥٩)، «الديباج المذهب» لابن فرحون (١٥٣)، «وفيات ابن قنفذ» (٤٠)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٢/ ٢٨)، ومؤلَّفي: «الإعلام» (٢٣١).

(٩٢) انظر: «الكافي» لابن عبد البرِّ (١٢١)، «المغني» لابن قدامة (٣/ ١٥٠)، «العُدَّة» للمقدسي (١٥٠)، «تفسير للقرطبي» (٢/ ٢٨٠)، «المجموع» للنووي (٦/ ٢٦٥)، «الاختيار» لابن مودود (١/ ١٣٤)، «القوانين الفقهية» لابن جُزَيٍّ (١٢٢).

(٩٣) انظر: «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٩٠)، «مواهب الجليل» للحطَّاب (١/ ٤٠١)، «الفواكه الدواني» للنفراوي (١/ ٣٦٤).

(٩٤) أخرجه أبو داود في «الصوم» (٢/ ٧٩٨ ـ ٧٩٩) بابُ مَنِ اختار الصومَ. والحديث ضعَّفه الألبانيُّ في «ضعيف سنن أبي داود» (١٨٦)، وعبد القادر الأرناؤوط في «جامع الأصول» (٦/ ٤١٤).

(٩٥) تقدَّم تخريجه، انظر: (الهامش ٦٣).

(٩٦) انظر: «نيل الأوطار» للشوكاني (٥/ ٥٩٩).

(٩٧) أخرجه ابنُ أبي شيبة (٢/ ٢٨٠). وضعَّف الألبانيُّ رَفْعَه في «السلسلة الضعيفة» (٢/ ٣٣٦)، وقال: «الصواب في هذا الحديثِ الوقفُ ـ أي: عن أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه ـ وأنَّه شاذٌّ مرفوعًا».

(٩٨) انظر: «مواهب الجليل» للحطَّاب (٢/ ٤٠١)، «الفواكه الدواني» للنفراوي (١/ ٣٦٤).

(٩٩) تقدَّم تخريجه، انظر: (الهامش ٥١).

(١٠٠) هذا الحديث وما قبله تقدَّم تخريجهما، انظر: (الهامش ٥٩، والهامش ٦٠).

(١٠١) انظر: «المحلَّى» لابن حزم (٦/ ٢٤٨)، «المنتقى» لمجد الدِّين ابن تيمية (٥/ ٢٩٨).

(١٠٢) انظر: «المغني» لابن قدامة (٣/ ١٥٠).

(١٠٣) انظر: «المحلَّى» لابن حزم (٦/ ٢٤٩).

(١٠٤) انظر: المصدر السابق، الجزء والصفحة نفسهما، «المجموع» للنووي (٦/ ٢٦٦). وقد تقدَّم تخريجه، انظر: (الهامش ٩٤).

(١٠٦) تقدَّم تخريجه، انظر: (الهامش ٥١).

(١٠٧) انظر معنَى هذه القاعدةِ في: «المستصفى» للغزَّالي (٢/ ٣٨٢)، «المحصول» للرازي (٢/ ٣/ ٩١)، «أدب القضاء» لابن أبي الدم (١٦٤)، «شرح تنقيح الفصول» للقرافي (٤٤١)، «فواتح الرحموت» للأنصاري (٢/ ٣٩٥)، «المدخل إلى مذهب الإمام أحمد» لابن بدران (٣٨٣).

(١٠٨) انظر: «المغني» لابن قدامة (٣/ ١٥٠).

(١٠٩) انظر: «وبل الغمام» (١/ ٥٠٢) و«الدراري المُضيَّة» (٢/ ٢٤) كلاهما للشوكاني.

(١١١) تقدَّم تخريجه، انظر: (الهامش ٦٣).

(١١٢) تقدَّم تخريجه، انظر: (الهامش ٥٨).

(١١٣) أخرجه مالكٌ في «الموطَّإ» (١/ ٣٢٧)، والبخاريُّ في «جزاء الصيد» (٤/ ٣٤) بابُ ما يقتل المُحْرِمُ مِنَ الدوابِّ، ومسلمٌ في «الحجِّ» (٨/ ١١٦) بابُ ما يُنْدَبُ قتلُه للمُحْرِم وغيرِه في الحِلِّ والحَرَم، وأبو داود في «المناسك» (٢/ ٤٢٤) بابُ ما يقتل المُحْرِمُ مِنَ الدوابِّ، وابنُ ماجه في «المناسك» (٢/ ١٠٣١) بابُ ما يقتل المُحْرِمُ، والنسائيُّ في «مناسك الحجِّ» (٥/ ١٨٧) بابُ ما يقتل المُحْرِمُ مِنَ الدوابِّ ـ قَتْل الكلب العقور، والدارقطنيُّ في «سننه» (٢/ ٢٣٢)، والبيهقيُّ في «سننه الكبرى» (٥/ ٢٠٩)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما.

(١١٤) أخرجه البخاريُّ في «الحجِّ» (٣/ ٤٩٨) بابُ وجوبِ الصفا والمروة، وجُعِل مِنْ شعائر الله، وأحمد (٦/ ١٤٤، ٢٢٧)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(١١٥) أخرجه مسلمٌ في «الصيام» (٧/ ٢٣٤ ـ ٢٣٥) بابُ جوازِ الصوم والفطر في شهرِ رمضانَ للمسافر، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه. وقد تقدَّم حديثُ أنسٍ رضي الله عنه، انظر تخريجه: (الهامش ٦٢).

(١١٦) «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ١٨٦).

(١١٧) أخرجه مسلمٌ في «صلاة المسافرين» (٥/ ١٩٦)، وأبو داود في «صلاة السفر» (٢/ ٧) بابُ صلاةِ المسافر، وابنُ ماجه في «إقامة الصلاة» (١/ ٣٣٩) بابُ تقصيرِ الصلاة في السفر، والترمذيُّ في «التفسير» (٥/ ٢٤٢) باب: ومِنْ سورة النساء، والنسائيُّ في «تقصير الصلاة في السفر» (٣/ ١١٦ ـ ١١٧)، مِنْ حديثِ عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه.

(١١٨) أخرجه البخاريُّ في «تقصير الصلاة» (٢/ ٥٦٩) باب: يقصر إذا خَرَج مِنْ موضعه، ومسلمٌ في «صلاة المسافرين وقَصْرِها» (٥/ ١٩٤)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(١١٩) أخرجه النسائيُّ في «الجمعة» (٣/ ١١١) بابُ عددِ صلاة الجمعة، وفي «تقصير الصلاة في السفر» (٣/ ١١٨)، وفي «صلاة العيدين» (٣/ ١٨٣) بابُ عددِ صلاة العيدين، وابنُ ماجه في «إقامة الصلاة» (١/ ٣٣٨) بابُ تقصيرِ الصلاة في السفر، مِنْ حديثِ عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح سنن النسائي» (١/ ٤٦٤) وفي «صحيح ابن ماجه» (١/ ٣١٥).

(١٢٠) انظر: «بداية المجتهد» لابن رشد (١/ ٢٩٥).

(١٢١) وتقديره: [فأفطر] فعدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَر، وكمثله قولُه تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ[البقرة: ١٩٦]، فإنَّ تقديره: [فَحَلَقَ] ففديةٌ، [انظر: «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٧٨)].

(١٢٤) «معالم التنزيل» للبغوي (٢/ ١٥٣).

(١٢٥) أخرجه تمَّامٌ في «فوائده» (٢/ ٢٤). والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٦/ ٢/ ٨٩٨).

(١٢٧) تقدَّم تخريجه، انظر: (الهامش ٦٠)، وهو لفظُ أبي داود ولفظٌ لمسلمٍ.

(١٢٨) تقدَّم تخريجه، انظر: (الهامش ٥١).

(١٢٩) وفي الأصل: «إلى المظنَّة».

(١٣٠) «أصول الفقه» للشيخ الخضري بك (٧٠).