Skip to Content
الثلاثاء 3 جمادى الأولى 1443 هـ الموافق لـ 07 ديسمبر 2021 م

[الحلقة الأولى]

أوَّلاً: نصُّ الحديث:

عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه أنه قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ؟»، وَهِيَ بِئْرٌ يُطْرَحُ فِيهَا الْحِيَضُ وَلَحْمُ الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ»(١).

ثانياً: ترجمة راوي الحديث:

هو سعد بنُ مالكِ بنِ سنانٍ الأنصاريُّ الخزرجيُّ، أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ، وهو مشهورٌ بكنيته، اسْتُصْغِرَ بأُحُدٍ واسْتُشْهِدَ أبوه بها، وأوَّلُ مَشاهِدِه الخندقُ، وغزَا مع رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم اثنتَيْ عَشْرَةَ غزوةً (١٢).

وكان رضي الله عنه مِن أَفاضلِ الصحابة، حَفِظَ عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم سُنَنًا كثيرةً، وهو مِنَ السبعة المُكثِرين مِنْ رواية الحديث، وله فيها سبعون ومائةٌ وألفُ حديثٍ (١١٧٠)(٢).

وكان مِن نُجَبَاءِ الأنصار وعلمائهم، وقد روى له جماعةٌ مِن الصحابةِ وجماعةٌ مِن التابعين. وتُوُفِّيَ أبو سعيدٍ رضي الله عنه يوم الجمعة سنةَ أربعٍ وسبعين (٧٤ﻫ) ودُفِنَ بالبقيع(٣).

ثالثاً: سند الحديث ودرجته:

الحديث أخرجه أصحابُ السُّنَنِ الثلاثة ما عدا ابنَ ماجه، مِنْ طُرُقٍ عن أبي أسامة، عن الوليد بنِ كثيرٍ، عن محمَّد ابنِ كعبٍ القُرَظيِّ، عن عُبيد الله بنِ عبد الله بنِ رافع ابنِ خَديجٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه به؛ قال الترمذيُّ: «هذا حديثٌ حسنٌ، وقد جوَّد أبو أسامةَ هذا الحديثَ، فلم يَرْوِ أحَدٌ حديثَ أبي سعيدٍ في بئرِ بُضاعةَ أَحْسَنَ ممَّا روى أبو أسامة، وقد رُوِي هذا الحديثُ مِنْ غيرِ وجهٍ عن أبي سعيدٍ»(٤)؛ والحديثُ نَسَبه ابنُ حجرٍ للشافعيِّ وأحمدَ وأصحابِ السنن والدارقطنيِّ والبيهقيِّ، وقال: «وصحَّحه أحمد بنُ حنبلٍ ويحيى بنُ مَعينٍ وأبو محمَّد ابنُ حزمٍ»(٥)، وأطال الكلامَ في بيانِ طُرُقه وعِلَله؛ وقد ذَكَر الألبانيُّ أنَّ رجالَ إسنادِه ثِقَاتٌ رجالُ الشيخين، غيرَ عُبَيْد الله بنِ عبد الله بنِ رافعٍ، وهو مجهولُ الحال، لم يُوثِّقْه أحَدٌ غيرَ ابنِ حِبَّان، وقد روى عنه جماعةٌ، ثمَّ ذَكَر له طُرُقًا أخرى عن أبي سعيدٍ، وشاهدًا آخَرَ مِنْ حديثِ سهل بنِ سعدٍ رضي الله عنهما وصحَّحه(٦)؛ وقال ابنُ منده: «إسنادٌ مشهورٌ»(٧)، وصحَّحه البغويُّ في «شرح السُّنَّة»(٨)، وقد قامَتِ الحجَّةُ بتصحيحِ مَنْ صحَّحه مِنْ أولئك الأئمَّة، وإِنْ كان ابنُ القطَّان قد أَعَلَّه بجهالةِ راويه عن أبي سعيدٍ واختلافِ الرُّواة في اسْمِه واسْمِ أبيه(٩)؛ لكنَّ إعلالَ ابنِ القطان وَحْدَه لا يقاوم تصحيحَ الأئمَّة ممَّنْ ذَكَرهم ابنُ حجرٍ وغيرِهم(١٠).

رابعاً: مُفرَدات الحديث:

·  «أنتوضَّأ»: بنون الجمع للمتكلِّمين، وفي رواية: «أتتوضَّأ» بتاءين مُثنَّاتَيْن مِنْ فوق: خطابٌ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم(١١).

·  «بئر بُضاعةَ»: المحفوظ في الحديث بضمِّ الباء، وأجاز أهلُ اللغة الضمَّ والكسر، وحكى بعضُهم بالصاد المُهمَلة(١٢).

وبئر بُضاعةَ: هي بئرٌ معروفةٌ مِنْ آبار المدينة النبويَّة بديارِ بني ساعدةَ، وهُم بطنٌ مِنَ الخزرج؛ واختلفوا: أهو اسْمٌ للبئر أم اسْمٌ لصاحبها(١٣).

·  «الحِيَض» ـ بكسر الحاء ـ جمعُ الحِيضة ـ بالكسر أيضًا ـ مثل: «سِدَر وسِدْرة».

والحِيضة هي خِرْقةُ الحيض التي تمسحه المرأةُ بها، وقِيلَ: هي الخِرْقة التي تَستثفِرُ(١٤) بها المرأةُ، ومِنْ ذلك قولُ عائشة رضي الله عنها: «يا لَيْتَني كنتُ حِيضةً مُلقاةً»(١٥)، أي: خِرْقةَ الحَيْض، ويُطلَق عليها ـ أيضًا ـ المِحْيَضة وتُجمَع على المحائض أو المَحايِض(١٦).

·  «النَّتْن»: بنونٍ مفتوحةٍ وتاءٍ مُثنَّاةٍ مِنْ فوقُ ساكنةٍ ثمَّ نونٍ، وفُسِّرَ بالرائحة الكريهة، ويقع ـ أيضًا ـ على كُلِّ مُستقبَحٍ، و»نَتُنَ الشيءُ» مِنْ بابِ «سَهُلَ» و»ظَرُفَ»(١٧)، «والمرادُ بها ـ هنا ـ: الشيءُ المُنتِنُ كالعَذِرة والجِيفة»(١٨).

وقال ابنُ رسلان رحمه الله: «وينبغي أَنْ يُضبَط بفتح النون وكسرِ التاء، وهو الشيءُ الذي له رائحةٌ كريهةٌ، مِنْ قولهم: «نَتِن الشيءُ ـ بكسر التاء ـ يَنْتَنُ ـ بفتحها ـ» فهو نَتِنٌ»(١٩).

·  «طَهور» ـ بالفتح ـ: على وزنِ فَعول: اسْمٌ لِمَا يُتطهَّرُ به كالوَضوء والسَّحور والفَطور، وفَعولٌ مِنْ أبنية المبالغة، فهو الطاهرُ بذاته المُطهِّرُ لغيره، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا٤٨ [الفرقان](٢٠).

ونَقَل المُطرِّزيُّ أنَّ الطَّهور ـ بالفتح ـ يأتي مصدرًا بمعنَى التطهُّر كما في قوله صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ»(٢١)، و«طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ..»(٢٢)، ويأتي اسْمًا لِمَا يُتطهَّر به كالسَّحور والفَطورِ كما في قوله: «وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»(٢٣)، ويأتي صفةً في مثلِ قوله تعالى: ﴿مَآءٗ طَهُورٗا(٢٤).

والطَّهور ـ في عُرف الشرع ـ هو: الماءُ الباقي على خِلْقته حقيقةً (أي: لم يتغيَّرْ شيءٌ مِنْ أوصافه)، أو حُكمًا (أي: تغيَّر بما لا يسلبه الطهوريَّة).

·  «لا ينجِّسه»: أي: لا يصيِّره نَجِسًا، و«نَجِسَ يَنْجَسُ» مِنْ بابِ «طَرِبَ»، و»نَجَسَ يَنْجُسُ» مِنْ بابِ «قَتَلَ»؛ فهو نَجَِسٌ ـ بكسر الجيم وفتحِها ـ ومنه قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ [التوبة: ٢٨]؛ والنجاسةُ اسْمُ مصدرٍ جمعُها أنجاسٌ، والنَّجس هو: المُستقذَرُ المُستخبَثُ ضِدُّ الطاهر، والنجاسةُ على خلاف الطهارة(٢٥).

والنَّجِسُ مِنَ الماء: ما تغيَّر طَعمُه أو لونُه أو رِيحُه بالنجاسة؛ فهو ـ في عُرف الشرع ـ قَذِرٌ مخصوصٌ يمنع جنسُه الصلاةَ كالبول ونحوِه(٢٦)، ومعنَى: «لا ينجِّسُه» أي: أنه لا يتنجَّس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغيَّرْ؛ لقيام الإجماع على نجاسة المتغيِّر(٢٧)؛ قال ابنُ تيميَّة رحمه الله: «الماء إذا تغيَّر بالنجاسات فإنه ينجس بالاتِّفاق»(٢٨).

خامساً: الفوائد والأحكام المُستنبَطة مِنَ الحديث:

تظهر الفوائدُ والأحكام المُستنبَطة مِنَ النصِّ السابق على الوجه التالي:

1)  في روايةِ: «أتتوضَّأ» جوازُ سؤالِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم بصيغة المخاطب الخالية مِنَ التفخيم، وليس في ذلك إخلالٌ بالأدب أو تقصيرٌ في حقِّه أو تفريطٌ في جنابه صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، ومع غيرِه يجوز مِنْ بابٍ أَوْلى.

وقد يُستثنَى مِنْ ذلك الصِّيَغُ المتضمِّنةُ لحكايةِ قولِ سوءٍ أو فعلٍ قبيحٍ أو الاستفهام عن حكمِ أمرٍ مُنكَرٍ، فإنَّ مِنْ أحسن الآداب والتصرُّفات: أَنْ يُؤتَى به بضمير الغَيْبة لقُبح صورةِ لفظه أو فعلِه الواقع(٢٩).

2)  ينبغي للمستفتي أَنْ يسأل عمَّا وَقَع ـ كما هو حالُ السائل عن بئر بُضاعةَ ـ أو يسأل عمَّا يمكن أَنْ يقع؛ ومنه يُعلَمُ ما قرَّره العلماءُ مِنْ عدمِ جوازِ أَنْ يَسأل المستفتي عمَّا يبعد وقوعُه أو يستحيل حدوثُه أو يُقدَّرُ وقوعُه(٣٠)؛ لقوله صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ»(٣١).

3)  فيه جوازُ سؤالِ المستفتي عمَّا هو محتاجٌ إلى معرفةِ حُكمه مِنَ الوقائع حالَ حدوثها إذا حَضَره وقتُ العمل، هذا مِنْ جهةٍ.

وعلى المفتي ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ أَنْ يبادر إلى جواب المستفتي على الفور دون تَرَاخٍ ـ إِنْ عَلِم الحُكمَ ـ لأنَّ «تَأْخِيرَ البَيَانِ عَنْ وَقْتِ الحَاجَةِ لَا يَجُوزُ»(٣٢).

وينبغي للمفتي ـ مِنْ جهةٍ أخيرةٍ ـ أَنْ يجيبه بلفظ النصِّ مهما أَمكنَه؛ لأنَّ النصَّ يتضمَّن الحُكمَ والدليل مع البيان التامِّ(٣٣).

4)  فيه جوازُ أَنْ يُلغِيَ المفتي صورةَ السؤال ويُنشِئَ بدلَه جوابًا مُستقِلًّا، مُتضمِّنًا الزيادةَ على السؤال، ويُسمِّيهِ أهلُ البلاغة بالأسلوب الحكيم(٣٤)، وفي صورة الحديث عدولُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم عن الجواب ﺑ: «نعم» أو «لا» إلى جوابٍ جامعٍ يعمُّ بئرَ بُضاعةَ ـ التي تدخل دخولًا أوَّليًّا ـ وغيرَها مِنَ المياه الأخرى.

5)  وفي الحديث ـ أيضًا ـ دلالةٌ على نجاسةِ عين المذكورات مِنَ: الحِيَض ولحم الكلاب والنَّتن كالعَذِرة والجِيفَة؛ حيث استُفِيدَ ذلك مِنْ إقرار النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم وعدمِ إنكاره على السائل(٣٥).

6)  استدلَّ ابنُ العربيِّ المالكيُّ رحمه الله بحديثِ بئر بُضاعةَ التي يُطرَح فيها الحِيَضُ ويُلقى فيها لحمُ الكلاب والنَّتنُ على جوازِ أَنْ يُتقصَّد رميُ النجاسات في المياه الكثيرة، حيث قال: «فأمَّا المياه الكثيرةُ كالآبار العِظام والأنهارِ الكبار فإِنه يجوز رميُ النجاسات والأقذارِ فيها قصدًا، وعلى ذلك هذه الأمَّةُ كُلُّها في البلاد التي تكون على الأنهار»(٣٦).

وفي استدلاله نظرٌ، وإِنْ كان في تعبير السائل ما يُوهِمُ ـ بوجهٍ ـ أنَّ الإلقاء مِنَ الناسِ وطَرْحَهم للمذكورات في الحديث لقِلَّةِ تديُّنِهم، غيرَ أنَّ مِثلَ هذا الحكمِ ممَّا لا يجوِّزه مسلمٌ، وخاصَّةً أنَّ الماء في بلادهم كان عزيزًا والحاجةُ إليه أكيدة ومُلِحَّة، فكيف ـ والحالُ هذه ـ يُظَنُّ ذلك بالذين هُم أفضلُ القرون وأزكاهم، وإنما كانَتِ السيولُ تكسح الأقذارَ في الطُّرُق والمَمَرَّات والأبنية والأفنية وتُلقيها في البئر، وكانت مُنخفِضةً(٣٧)؛ فاضطُرُّوا إلى السؤال عن حُكمها في الطهارة والنجاسة؛ وفي هذا السياقِ ذَكَر الخطَّابيُّ رحمه الله هذا المعنى مُوضَّحًا بما نصُّه: «قد يتوهَّم كثيرٌ مِنَ الناس ـ إذا سَمِع هذا الحديثَ ـ أنَّ هذا كان منهم عادةً، وأنهم كانوا يأتون هذا الفعلَ قصدًا وتعمُّدًا؛ وهذا ما لا يجوز أَنْ يُظَنَّ بذِمِّيٍّ بل بوثنيٍّ فضلًا عن مسلمٍ؛ ولم يَزَلْ مِنْ عادة الناس ـ قديمًا وحديثًا، مُسلمِهم وكافِرِهم ـ تنزيهُ المياهِ وصونُها عن النجاسات؛ فكيف يُظَنُّ بأهل ذلك الزمانِ ـ وهُم أعلى طبقاتِ أهل الدِّين وأفضلُ جماعة المسلمين، والماءُ في بلادهم أعزُّ والحاجةُ إليه أمسُّ ـ أَنْ يكون هذا صنيعَهم بالماء وامتهانهم له؟! وقد لَعَن رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم مَنْ تغوَّط في موارد الماء ومَشارِعه(٣٨)؛ فكيف مَنِ اتَّخذ عيونَ الماء ومَنابِعَه رَصَدًا للأنجاس ومَطْرَحًا للأقذار، هذا ما لا يليق بحالهم؛ وإنما كان هذا مِنْ أجلِ أنَّ هذه البئرَ موضعُها في حدورٍ مِنَ الأرض، وأنَّ السيول كانت تكسح هذه الأقذارَ مِنَ الطُّرُق والأفنية وتحملها فتُلقِيها فيها، وكان الماءُ ـ لكثرته ـ لا يُؤثِّر فيه وقوعُ هذه الأشياء ولا يُغيِّره؛ فسألوا رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم عن شأنها ليعلموا حُكمَها في الطهارة والنجاسة؛ فكان مِنْ جوابه لهم: أنَّ الماء لا ينجِّسه شيءٌ»(٣٩).

7)  قوله: «الماء»: الألف واللام لعموم الجنس والاستغراق على الصحيح، وليس للعهد لأنه خلافُ الأصل؛ ولهذا كان عامًّا في كُلِّ ماءٍ سواءٌ كان بئرَ بُضاعةَ ـ وهو يدخل في العموم دخولًا أوَّليًّا ـ أو غيرَها، كما أنه عامٌّ في قليل الماءِ وكثيره، وعامٌّ في جميع النجاسات ـ كما سيأتي لاحقًا ـ.

ذلك لأنَّ اللفظ العامَّ وإِنْ وَرَد على سببٍ خاصٍّ ـ وهو بئرُ بُضاعةَ ـ إلَّا أنه لا يختصُّ بها عند الجمهور، بل هو عامٌّ لِمَا كان سببًا في ورود الحكم ولغيرِه، ﻓ «العِبْرَةُ فِيهِ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ»(٤٠).

8)  قوله: «الماءُ طَهورٌ»: هو الطاهر بذاته المُطهِّرُ لغيره، وهو يدلُّ على أنَّ «الأصل في الماء الطهارةُ»(٤١)، وهذا الأصلُ يندرج تحت أصلٍ أعمَّ منه وهو «الأَصْلُ فِي الأَعْيَانِ الإِبَاحَةُ وَالطَّهَارَةُ»، أي: أنَّ كُلَّ عينٍ الأصلُ فيها الإباحةُ والطهارةُ، إلَّا ما ثَبَت الدليلُ بخلافه، أي: أنَّ الأصلَ طهارةُ الأعيان، ولا يُحكَمُ بنجاسةِ عينٍ إلَّا بدليلٍ صحيحٍ وصريحٍ وسالمٍ مِنَ المُعارَضة باتِّفاقٍ(٤٢)؛ قال ابنُ تيمية رحمه الله: «الفقهاء كُلُّهم اتَّفقوا على أنَّ «الأصلَ في الأعيان الطهارةُ»، وأنَّ النجاساتِ مُحصاةٌ مُستقصاةٌ، وما خَرَج عن الضبط والحصرِ فهو طاهرٌ»(٤٣).

9)  قوله: «الماءُ طَهورٌ»: يدلُّ على أنَّ الماء الباقيَ على خِلْقتِه فهو ماءٌ طَهورٌ، وأنَّ كُلَّ ما وَقَع عليه اسْمُ ماءٍ فهو طاهرٌ طَهورٌ، وهو مذهبُ أبي حنيفة وأحمدَ في الرواية الأخرى عنه: اختارها ابنُ تيمية رحمه الله وهو الصواب، سواءٌ نَزَل مِنَ السماء أو تَدفَّق في الوديان والأنهار، أو احتُجِز في العيون والينابيع والآبار، أو كان ماءَ المحيطات والبحار، أو بَرَدًا أو ثلجًا، سواءٌ كان مُسخَّنًا أو غيرَ مُسخَّنٍ، الحلوُ العذبُ الفُرَاتُ منه والمِلْح الأُجَاجُ منه سواءٌ(٤٤)؛ ذلك لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ﴾ [المائدة: ٦](٤٥)، فهي نكرةٌ في سياق النفي فيعمُّ كُلَّ ما هو ماءٌ، لا فَرْقَ في ذلك بين نوعٍ ونوعٍ(٤٦).

10)   قوله: «الماءُ طَهورٌ»: يدلُّ على أنَّ الماء إذا تغيَّر بطول المكث أو بمُخالَطةِ الطاهرات ـ مِثلِ الصابون أو الكافور(٤٧) أو الدقيق أو العجين أو الطُّحلب(٤٨) أو السِّدر(٤٩) أو الأُشنان(٥٠) أو ورق الشجر ونحوِ ذلك ـ فهو طَهورٌ ما دام اسْمُ الماءِ المُطلَقِ يتناوله، ما لم يَغلِبْ عليه أجزاءُ غيرِه.

هذا، ولا فَرْقَ بين الكثير واليسير، ولا فَرْقَ بين ما يشقُّ الاحترازُ منه وما لا يشقُّ، ولا فَرْقَ ـ أيضًا ـ بين التغيُّر الأصليِّ والتغيُّر الطارئ؛ وبهذا قال ابنُ تيميَّة رحمه الله(٥١)، والمسألةُ خلافيَّةٌ(٥٢).

ويؤكِّد المعنى السابقَ: حديثُ أمِّ هانئٍ رضي الله عنها: «أَنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم اغْتَسَلَ وَمَيْمُونَةَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ فِي قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ»(٥٣)، وحديثُ أمِّ عطيَّةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ فَقَالَ: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ـ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ ـ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا..» »(٥٤)، وغيرُها مِنَ الأحاديثِ الدالَّة على طهوريَّة الماء، بِغَضِّ النظر عن الاختلاف في كونه للتطهير أو للتنظيف، إذ لم يخرج الماءُ عن إطلاقه.

11)  قوله: «الماءُ طَهورٌ»: يدلُّ ـ أيضًا ـ على أنَّ الماء المُستعمَلَ في الطهارة الحُكميَّة ـ وهي طهارةُ الحدث مِنْ وضوءٍ واغتسالٍ ـ فهو باقٍ على طهوريَّتِه، وهو روايةٌ عن الإمام أحمدَ نَصَرها طائفةٌ مِنْ أصحابه ورجَّحها ابنُ تيميَّة رحمه الله(٥٥)، وهذا دون الماء المُستعمَلِ في إزالة النجاسة في الطهارة الحسِّيَّة(٥٦)، وهذه المسألةُ والتي قبلها كِلَاهما خلافيَّةٌ(٥٧).

ويؤيِّد مذهبَ القائلين: إنَّ الماء المُستعمَلَ في الطهارة الحُكميَّة طاهرٌ ومُطهِّرٌ: حديثُ أبي جُحَيْفةَ رضي الله عنه قال: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم بِالهَاجِرَةِ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ» الحديث(٥٨)؛ وقولُ المِسوَرِ ومحمود بنِ الربيع وغيرِهما رضي الله عنهم: «وَإِذَا تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ»(٥٩)؛ وحديثُ الرُّبَيِّع بنتِ مُعوِّذٍ رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم مَسَحَ بِرَأْسِهِ مِنْ فَضْلِ مَاءٍ كَانَ فِي يَدِهِ»(٦٠)، وقولُه صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ»(٦١)، وغيرُها مِنَ الأحاديث الدالَّةِ دلالةً واضحةً على طهارة الماء المُستعمَل.

12)  قوله: «الماء طَهورٌ لا ينجِّسُه شيءٌ»: يدلُّ على أنَّ الماء الباقيَ على خِلْقَتِه إذا وقعَتْ فيه نجاسةٌ ولم تغيِّرْ وصفًا مِنْ أوصافه الثلاثة ـ طَعمِه أو رِيحِه أو لونِه ـ فإنه يبقى على طهوريَّتِه؛ عملًا بقاعدةِ «بَقَاءِ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ حَتَّى يَثْبُتَ رَفْعُهُ»(٦٢).

غير أنَّ العلماء ـ وإِنْ أجمعوا على استصحابِ طهوريَّةِ الماء الكثير على ما كان عليه قبل أَنْ تقع فيه النجاسةُ ـ إلَّا أنهم يختلفون في الماء القليلِ تَحُلُّ فيه النجاسةُ مِنْ غيرِ تغيُّرِ وصفٍ مِنْ أوصافه الثلاثة، وهي المسألةُ التي نتعرَّضُ لها ـ لاحقًا ـ في فقه الحديث.

13)  قوله: «الماء طَهورٌ لا ينجِّسُه شيءٌ»: يدلُّ على أنَّ الماء الباقيَ على خِلْقَتِه فهو ماءٌ طَهورٌ إلَّا إذا لاقَتْه نجاسةٌ فظَهَر رِيحُها أو طَعْمُها أو لونُها فيه؛ فإنها تنجِّسُه، سواءٌ قَلَّ الماءُ أو كَثُر؛ لحديثِ أبي أُمامةَ وثوبانَ رضي الله عنهما: «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ»، وفي لفظٍ للبيهقيِّ مِنْ حديثِ أبي أمامة: «إِنَّ الْمَاءَ طَاهِرٌ إِلَّا إِنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهَا»(٦٣)، وقد اتَّفَق العلماءُ على ضعفِ هذه الزيادةِ، مع إجماعهم على القول بحُكمها؛ فتَعيَّن الحكمُ بالزيادة ـ حالتَئِذٍ ـ بدليل الإجماع الذي خصَّص عمومَ الحديث بتلك الزيادةِ المُجمَعِ على معناها(٦٤).

وعليه، فإنَّ الماء القليلَ والكثيرَ سواءٌ فيما إذا وقعَتْ فيه نجاسةٌ فغيَّرَتْ أحَدَ أوصافِه الثلاثة، فإنه نَجِسٌ لا يجزئ الوضوءُ به ولا الاغتسالُ(٦٥).

[يُتبَع]

 



(١) أخرجه أبو داود في «الطهارة» (١/ ٥٣ ـ ٥٤) بابُ ما جاء في بئر بُضاعة، والترمذيُّ في «الطهارة» (١/ ٩٥) بابُ ما جاء أنَّ الماء لا ينجِّسه شيءٌ، والنسائيُّ في «المياه» (١/ ١٧٤) بابُ ذِكرِ بئر بُضاعة، وأحمد في «مُسنَده» (٣/ ١٥، ٣١، ٨٦)، والدارقطنيُّ في «سُنَنه» (١/ ٢٤)، وابنُ جارودٍ في «المنتقى» (٣٢)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (١/ ٤، ٢٥٧، ٢٥٨)، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه.

(٢) انظر: «الباعث الحثيث» لأحمد شاكر(١٨٧).

(٣) انظر ترجمته في: «الاستيعاب» لابن عبد البرِّ (٢/ ٤٤)، «أُسْد الغابة» لابن الأثير (٢/ ٢٨٩)، «الإصابة» لابن حجر (٢/ ٣٢)، «الرياض المستطابة» للعامري (١٠٠ ـ ١٠١)، ومؤلَّفي: «الإعلام بمنثور تراجم المشاهير والأعلام» (٨٠).

(٤) «سنن الترمذي» (١/ ٩٦).

(٥) «التلخيص الحبير» لابن حجر (١/ ١٣).

(٦) انظر: «إرواء الغليل» للألباني (١/ ٤٥ ـ ٤٦).

(٧) انظر: «التلخيص الحبير» (١/ ١٣)، «نيل الأوطار» للشوكاني (١/ ٥٥).

(٨) (٢/ ٧٠).

(٩) انظر: «التلخيص الحبير» (١/ ١٣)، «نيل الأوطار» للشوكاني (١/ ٥٥).

(١٠) انظر: «نيل الأوطار» للشوكاني (١/ ٥٥)، «الروضة النديَّة» للقنوجي (١/ ٨٨).

(١١) انظر: «التلخيص الحبير» (١/ ١٣)، وروايةُ التاءين هي لفظُ الترمذيِّ والنسائيِّ ولفظٌ لأحمدَ والبيهقيِّ.

(١٢) انظر: «النهاية» لابن الأثير (١/ ١٣٤)، «مختار الصِّحاح» للرازي (٥٥).

(١٣) انظر: «الرَّصف لِمَا رُوِي عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم مِنَ الفعل والوصف» للعاقولي (١/ ١٥١، ٢/ ٣٧٥).

(١٤) استثفار المرأة: هو أَنْ تَشُدّ فَرْجَها بخِرْقةٍ عريضةٍ بعد أَنْ تَحْتَشيَ قُطْنًا وتُوثِقَ طرَفَيْها في شيءٍ تَشُدُّه على وَسَطها؛ فتمنع بذلك سَيْلَ الدَّم؛ وهو مأخوذٌ مِنْ ثَفَرِ الدَّابة الذي يُجْعَلُ تحت ذَنَبها، [«النهاية» لابن الأثير (١/ ٦١٩)].

(١٥) رواه الطبرانيُّ في «الكبير» (١/ ٦٧) رقم: (١٣٨)، ولفظُه: «واللهِ لَوَدِدْتُ أنِّي كنتُ حِيضَةً»، وانظر: «شرح سنن أبي داود» لابن رسلان (١/ ٥١٨).

(١٦) انظر: «النهاية» لابن الأثير (١/ ٤٦٩)، «مختار الصِّحاح» للرازي (١٦٥)، «شرح سنن أبي داود» لابن رسلان (١/ ٥١٨)، «نيل الأوطار» للشوكاني (١/ ٥٦).

(١٧) انظر: «مختار الصِّحاح» للرازي (٦٤٥)، «شرح سنن أبي داود» لابن رسلان (١/ ٥١٩).

(١٨) «مرقاة المفاتيح» للقاري (٢/ ١٧٩).

(١٩) «شرح سنن أبي داود» لابن رسلان (١/ ٥١٩)، وانظر: «نيل الأوطار» للشوكاني (١/ ٥٥).

(٢٠) انظر: «النهاية» لابن الأثير (٣/ ١٤٧)، «مختار الصِّحاح» للرازي (٣٩٨ ـ ٣٩٩).

(٢١) أخرجه أبو داود في «الطهارة» (١/ ٤٩) بابُ فرضِ الوضوء، والترمذيُّ في «الطهارة» (١/ ٩) بابُ ما جاء أنَّ مفتاحَ الصلاةِ الطَّهورُ، وابنُ ماجه في «الطهارة وسُنَنها» (١/ ١٠١) باب: مفتاحُ الصلاةِ الطَّهورُ. وحسَّنه الألبانيُّ في تحقيقِ «المشكاة» للتبريزي (١/ ١٠٢).

(٢٢) أخرجه مسلمٌ في «الطهارة» (٣/ ١٨٣) بابُ حكمِ ولوغ الكلب، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢٣) أخرجه البخاريُّ في «التيمُّم» (١/ ٤٣٦) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما، ومسلمٌ في «المساجد ومواضع الصلاة» (٥/ ٥) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢٤) انظر: «المغرب في ترتيب المعرب» للمطرِّزي (٢/ ٢٩).

(٢٥) انظر: «مقاييس اللغة» لابن فارس (٥/ ٣٩٣)، «مختار الصِّحاح» للرازي (٦٤٧)، «المصباح المنير» للفيُّومي (٢/ ٥٩٤).

(٢٦) انظر: «توضيح الأحكام» للبسَّام (١/ ١١٢).

(٢٧) انظر: «مرقاة المفاتيح» للقاري (١/ ١٨٠).

(٢٨) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢١/ ٣٠).

(٢٩) انظر: «شرح مسلم» للنووي (١/ ٢١٤)، ومؤلِّفي: «روح التنفيس» مِنْ شرحي على «العقائد الإسلاميَّة» لابن باديس (٩٦).

(٣٠) انظر: «إعلام الموقِّعين» لابن القيِّم (٤/ ٢٢١ ـ ٢٢٢)، «جامع العلوم والحِكَم» لابن رجب (١٠٦).

(٣١) أخرجه الترمذيُّ في «الزهد» (٤/ ٥٥٨) باب: (١١)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه وعليِّ بنِ الحسين رحمه الله؛ وابنُ ماجه في «الفِتَن» (٢/ ١٣١٥) بابُ كفِّ اللسان في الفتنة، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه؛ وأخرجه أحمد في «مسنده» (١/ ٢٠١) مِنْ حديثِ عليِّ بنِ الحسين عن أبيه الحسين بنِ عليٍّ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في تحقيقِ «مشكاة المصابيح» للتبريزي (٣/ ١٣٦١). وانظر شرحَ معنى الحديث في: «جامع العلوم والحِكَم» لابن رجب (١٠٦).

(٣٢) انظر: «إعلام الموقِّعين» لابن القيِّم (٤/ ١٥٧).

(٣٣) انظر: المصدر السابق (٤/ ١٧٠).

(٣٤) انظر: «البلاغة الواضحة» لعلي الجارم ومصطفى أمين (٣٣٧)، و«الخلاصة في علوم البلاغة» للشحود (٦٢).

(٣٥) انظر: «ذخيرة العقبى» للإثيوبي (٥/ ٣٢٨).

(٣٦) «القَبَس» لابن العربي (١/ ١٤٣).

(٣٧) قال أبو داود عَقِبَ روايَتِه للحديث في «سننه» (١/ ٥٤): «وسَمِعْت قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ قَالَ: «سَأَلْتُ قَيِّمَ بِئْرِ بُضَاعَةَ عَنْ عُمْقِهَا؟» قَالَ: «أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِيهَا الْمَاءُ إِلَى الْعَانَةِ»، قُلْتُ: «فَإِذَا نَقَصَ؟»، قَالَ: «دُونَ الْعَوْرَةِ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «وَقَدَّرْتُ ـ أَنَا ـ بِئْرَ بُضَاعَةَ بِرِدَائِي: مَدَدْتُهُ عَلَيْهَا ثُمَّ ذَرَعْتُهُ، فَإِذَا عَرْضُهَا سِتَّةُ أَذْرُعٍ، وَسَأَلْتُ الَّذِي فَتَحَ لِي بَابَ الْبُسْتَانِ فَأَدْخَلَنِي إِلَيْهِ: «هَلْ غُيِّرَ بِنَاؤُهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ؟» قَالَ: «لَا»، وَرَأَيْتُ فِيهَا مَاءً مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ».

(٣٨) لقوله صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَةَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ»: أخرجه أبو داود في «الطهارة» (١/ ٢٩) باب المواضع التي نهى النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم عن البول فيها، وابنُ ماجه في «الطهارة وسُنَنها» (١/ ١١٩) باب النهي عن الخلاء على قارعة الطريق، مِنْ حديثِ معاذ بنِ جبلٍ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (١/ ١٠٠).

(٣٩) «معالم السنن» للخطَّابي (١/ ٥٤).

(٤٠) انظر تفصيلَ المذاهبِ في مسألة العامِّ الوارد على سببٍ خاصٍّ بسؤالٍ أو غيرِه وأدلَّتَهم في: المصادر المُثبَتة على «الإشارة» (٢٣٧).

(٤١) هذا أصلٌ مُتَّفَقٌ عليه، وأنَّ الماءَ الأصلُ فيه الطهارةُ، والنجاسة طارئةٌ عليه، [انظر: «موسوعة القواعد الفقهية» للبورنو (٢/ ١٢٢)].

(٤٢) انظر: «الروضة النديَّة» للقنوجي (١/ ١١٨).

(٤٣) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢١/ ٥٤٢).

(٤٤) «الكافي» لابن عبد البرِّ (١٥).

(٤٥) المراد عند ابنِ تيميَّة ـ رحمه الله ـ هو الآية ٦ مِنَ المائدة، وإِنْ كانَتِ الآيةُ ٤٣ مِنْ سورة النساء تصلح لاستدلاله؛ لأنَّ نصَّ آية النساء جاء خاليًا مِنْ لفظةِ: «منه» بعد «وأيديكم».

(٤٦) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢١/ ٢٥).

(٤٧) الكافور: شجرٌ مِنَ الفصيلة الغارية، رائحتُه عطريَّةٌ وطَعْمُه مُرٌّ، وهو أصنافٌ كثيرةٌ، [انظر: «المُعجَم الوسيط» (٢/ ٧٩٢)].

(٤٨) الطُّحلب ـبضمِّ الطاء وفتحِ اللام وضمِّهاـ: الخُضرة التي تعلو الماءَ الآسِنَ، وهي نباتاتٌ بسيطةٌ لا زهريَّةٌ تعيش في الماء العذب والملح وفي الأرض الرطبة، [انظر: «مختار الصِّحاح» للرازي (٣٨٨)، «المُعجَم الوسيط» (٢/ ٥٥٢)].

(٤٩) السِّدْر: شجرُ النبق، [انظر: «مختار الصِّحاح» للرازي (٢٩٢)، «المُعجَم الوسيط» (١/ ٤٢٣)].

(٥٠) الأُشْنان: شجرٌ مِنَ الفصيلة الرمراميَّة، ينبت في الأرض الرمليَّة، ويُستعمَلُ هو أو رمادُه في غَسْل الثياب والأيدي، [انظر: «المُعجَم الوسيط» (١/ ١٩)].

(٥١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٤) و»شرح العمدة» ـ كتاب الطهارة ـ (٧٢) كلاهما لابن تيمية.

(٥٢) انظر: «المغني» لابن قدامة (١/ ١١)، «المجموع» للنووي (١/ ١٠٣)؛ قال ابنُ حزمٍ في «المحلَّى» (١/ ١٩٩): «وكُلُّ ماءٍ خالطه شيءٌ طاهرٌ مُباحٌ، فظَهَر فيه لونُه وريحُه وطَعمُه إلَّا أنه لم يُزِلْ عنه اسْمَ الماء؛ فالوضوءُ به جائزٌ، والغُسلُ به للجنابة جائزٌ؛ برهانُ ذلك: قولُه تعالى: ﴿فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ [النساء: ٤٣؛ المائدة: ٦]، وهذا ماءٌ، سواءٌ كان الواقعُ فيه مِسْكًا أو عسلًا أو زعفرانًا أو غيرَ ذلك».

(٥٣) أخرجه النسائيُّ في «الطهارة» (١/ ١٣١) بابُ ذِكر الاغتسال في القصعة التي يُعجَنُ فيها، وابنُ ماجه في «الطهارة وسُنَنها» (١/ ١٣٤) بابُ الرَّجل والمرأة يغتسلان مِنْ إناءٍ واحدٍ. وحسَّنه الألبانيُّ في تحقيقِ «مشكاة المصابيح» للتبريزي (١/ ١٥١).

(٥٤) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الجنائز» (٣/ ١٢٥) بابُ غَسْل الميِّت ووضوئه بالماء والسِّدر، ومسلمٌ في «الجنائز» (٧/ ٢) بابٌ في غَسْل الميت.

(٥٥) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥١٩) و«شرح العمدة» ـ كتاب الطهارة ـ (٧٣ وما بعدها) كلاهما لابن تيمية.

(٥٦) انظر الخلافَ في الماء المُستعمَل في النجاسة في: «المجموع» للنووي (١/ ١٥٨).

(٥٧) انظر: «المغني» لابن قدامة (١/ ١٨)، «المجموع» للنووي (١/ ١٥٠ وما بعدها).

(٥٨) أخرجه البخاريُّ في «الوضوء» (١/ ٢٩٤) بابُ استعمالِ فضلِ وَضوء الناس، وبنحوه مسلمٌ في «الصلاة» (٤/ ٢٢١) بابُ سُترة المصلِّي.

(٥٩) أخرجه البخاريُّ في «الوضوء» (١/ ٢٩٤) بابُ استعمالِ فضلِ وَضوء الناس.

(٦٠) أخرجه أبو داود في «الطهارة» (١/ ٩١) بابُ صفةِ وُضوء النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم. وانظر: «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (١/ ٩٢).

(٦١) أخرجه أبو داود في «الطهارة» (١/ ٥٥) باب: الماءُ لا يُجنِب، والترمذيُّ في «الطهارة» (١/ ٩٤) باب الرخصة في ذلك [أي: فضلِ طَهور المرأة]، وابنُ ماجه في «الطهارة وسُنَنها» (١/ ١٣٢) باب الرخصة بفضلِ وَضوء المرأة، وبنحوه النسائيُّ في «المياه» (١/ ١٧٣) بلفظ: «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ»، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ، انظر: «الإرواء» (١/ ٦٤).

(٦٢) انظر: «الأشباه والنظائر» للسبكي (١/ ١٤)، «الأشباه والنظائر» للسيوطي (٥٦)، «المدخل الفقهي» للكردي (٤٧).

(٦٣) أخرجه ابنُ ماجه في «الطهارة وسُنَنها» (١/ ١٧٤) باب الحياض، والدارقطنيُّ في «سُنَنه» (١/ ٢٨)، والبيهقيُّ في «سُنَنه الكبرى» (١/ ٢٥٩ ـ ٢٦٠)، مِنْ حديثِ أبي أُمامة الباهليِّ رضي الله عنه، وأخرجه الدارقطنيُّ ـ أيضًا ـ (١/ ٢٨) مِنْ حديثِ ثوبان رضي الله عنه.هذا، وقد نَقَل النوويُّ في «المجموع» (١/ ١١٠) والحافظُ عنه في «التلخيص» (١/ ١٥) اتِّفاقَ المحدِّثين على تضعيفِ هذا الحديث.

وقال ابنُ المنذر في [«الإجماع» (١٩)]: «أجمعَ العلماءُ على أنَّ الماء القليلَ والكثير إذا وقعَتْ فيه نجاسةٌ فغيَّرَتْ له طَعْمًا أو لونًا أو ريحًا: فهو نجسٌ ما دام كذلك».

انظر تفصيلَ هذه المسألةِ في: «نصب الراية» للزيلعي (١/ ٩٤)، «التلخيص الحبير» لابن حجر (١/ ١٤)، «نيل الأوطار» للشوكاني (١/ ٥٥).

(٦٤) قال صدِّيق حسن خان رحمه الله: «وقد اتَّفق أهلُ الحديث على ضعفِ هذه الزيادة، لكنَّه قد وَقَع الإجماعُ على مضمونها كما نَقَله ابنُ المنذر وابنُ الملقِّن في «البدر المنير» والمهديُّ في «البحر»، فمَنْ كان يقول بحجِّيَّة الإجماع كان الدليلُ ـ عنده ـ على ما أفادَتْه تلك الزيادةُ هو الإجماعَ؛ ومَنْ كان لا يقول بحجِّيَّة الإجماع كان هذا الإجماعُ مُفيدًا لصحَّةِ تلك الزيادة، لكونها قد صارَتْ ممَّا أُجمِعَ على معناها وتُلُقِّيَ بالقَبول، فالاستدلالُ بها لا بالإجماع» [«الروضة النديَّة» (١/ ٨٩ ـ ٩٠)].

(٦٥) انظر: «الإجماع» لابن هبيرة (٨)، «الكافي» لابن عبد البرِّ (١٥)، «تفسير القرطبي» (١/ ٤٤).