Skip to Content
الثلاثاء 29 ربيع الثاني 1439 هـ الموافق لـ 16 يناير 2018 م

المؤنس
في اعتبار خيار المجلس

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

نصُّ الحديث:

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلاَنِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرْ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا البَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ». متَّفقٌ عليه، واللفظ لمسلم(١).

ترجمة راوي الحديث:

هو الصحابيُّ المؤتسي برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب القرشي العدوي، وأمُّه زينب بنت مظعون بن حبيبٍ الجُمَحية.

أسلم عبد الله وهو صغيرٌ، وهاجر مع أبيه وأمِّه، وعُرض على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ببدرٍ فاستصغره وردَّه وكان ابن ثلاث عشرة سنةً (١٣)، وردَّه -أيضًا- يوم أُحُدٍ، ثمَّ أجازه يوم الخندق وكان ابن خمسة عشرة سنةً (١٥)(٢)، ثمَّ حضر بعدها كلَّ المشاهد مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، كما شهد غزوةَ مؤتة، واليرموك، وفتح مصر وإفريقية(٣).

وكان رضي الله عنه شديد الاتِّباع لآثار النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، كثير الاحتياط والتوقِّي لدينه، اكتسب العلم الوفير من ملازمته وصحبته لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد شهد له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالصلاح(٤)، وكذا أصحابه(٥)، وهو أحد العبادلة، وأحد المكثرين من رواية الحديث، فقد رُوي له (٢٦٣٠) حديثًا، يلي المرتبة الأولى بعد أبي هريرة رضي الله عنه(٦).

وتُوفِّي ابن عمر رضي الله عنه في مكَّة سنة ثلاثٍ وسبعين هجرية (٧٣ﻫ - ٦٩٢م)، وصلَّى عليه الحجَّاج، وله من العمر أربعٌ وثمانون (٨٤) سنةً(٧).

سند الحديث:

هذا اللفظ أخرجه الشيخان وأحمد وغيرهم من طريق الليث بن سعدٍ عن نافعٍ عن ابن عمر رضي الله عنهما، ورُوي -أيضًا- من طريق إسماعيل عن نافعٍ تفرَّد بها النسائي، والحديث مشهورٌ من رواية مالكٍ عن نافعٍ عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: «المُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلاَّ بَيْعَ الخِيَارِ»(٨).

غريب الحديث:

- قوله: «ما لم يتفرَّقا»، وفي رواية النسائي: «يفترقا» بتقديم الفاء: استُعمل أحدهما في موضع الآخَر اتِّساعًا، ومعناه أنَّ الخيار ينقطع بالتفرُّق.

- «كانا جميعًا»: تأكيدًا لذلك.

- «أو يخيِّرْ أحدهما الآخَرَ»: بإسكان الراء عطفًا على قوله: «ما لم يتفرَّقا»، ويحتمل فتح الراء على أنَّ «أو» بمعنى «إلاَّ أن»(٩)، كما قيل: إنها كذلك في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «... أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اخْتَرْ»(١٠)، والمراد: إنْ خيَّره في المجلس فاختار إمضاء العقد قبل التفرُّق لزمه البيع وبطل اعتبار التفرُّق.

- وقوله: «إن تفرَّقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحدٌ منهما البيع»: بمعنى أنه لم يفسخه ولم يُلْغِه.

- وقوله «فقد وجب البيع»: أي نفذ وتَمَّ ولزم واستقرَّ بعد التفرُّق(١١).

المعنى الإجمالي للحديث:

أباح الشارع الحكيم الخيار بين الناس استيفاءً للمودَّة بينهم، وقطعًا للضغائن والأحقاد من أنفسهم، إذ قد يتسرَّع أحد المتعاقدَيْن في الإيجاب والقبول لظرفٍ خاصٍّ يحيط به من غير أن يلقيَ بالاً لعواقب الأمور التي تحصل من جرَّاء التسرُّع في العقد الذي يتطلَّب رويَّةً ونظرًا وتمكُّثًا، بحيث يندم لزوال ذلك الظرف، ثمَّ يرى أنَّ مصلحته تقتضي عدمَ إنفاذ العقد، فيتولَّد من هذا الندم غيظٌ فضَغينةٌ وحقدٌ، ثمَّ يعقبه تنازعٌ وتخاصمٌ، الأمر الذي يترتَّب عليه مفاسدُ ومضارُّ حذَّر منها الشارع، وقطع السبيل إليها.

لذلك نجد الشارع الحكيم قد منح -في هذا الحديث- لكلٍّ من المتعاقدين حقَّ الخيار لتدارُك ما عسى أن يكون قد فاته بالتسرُّع في إبقاء العقد وإمضائه أو في إبطاله وإلغائه ما داما في مجلس العقد، شريطة أن لا يختارا إمضاء البيع وعدم فسخه قبل التفرُّق (أي: يتبايعان على أنه لا خيارَ)، وفي هذه الصورة يجب البيع ويستقرُّ ويبطل اعتبار التفرُّق.

وبهذا، يراعي الشارع مصلحةَ المتعاقدَيْنِ بتشريع الخيار لهما من جهةٍ، ويحافظ -من جهةٍ أخرى- على قيمة العقد بتقييده بشروطٍ تمنعه من أن يكون عرضةً للنقض والإبطال من غير سببٍ صحيحٍ.

الفوائد والأحكام المستنبطة من الحديث:

تتمثَّل الفوائد والأحكام المستنبطة من الحديث فيما يأتي:

١- فيه دليلٌ على ثبوت خيار المجلس للمتبايعين، وأنه لا ينقطع إلا بالتفرُّق بالأبدان، وقيل: المراد التفرُّق بالأقوال، وهذه المسألة نتعرَّض لها في مواقف العلماء من الحديث.

٢- وفيه أنَّ مدَّة الخيار من حين العقد إلى أن يتفرَّقا من مجلس العقد.

٣- ظاهر الحديث أنه لم يقدِّر للتفرُّق بالأبدان حدًّا ينتهي إليه، أي لو طال المجلس أو قاما معًا أو خرجا يمشيان ظَلَّ حقُّ الخيار ثابتًا إلى أن يتفرَّقا، وهو مذهب الشافعية والحنابلة أخذًا بظاهر الحديث(١٢).

وقيل إذا طال المجلس وانتقلا إلى موضوعٍ آخَرَ، فإنَّ خيار المجلس يبطل لانتهاء مجلس العقد ولو لم يتفرَّقا حقيقة، لأنَّ التفرُّق خرج مخرج الغالب الأعمِّ في انتهاء مجلس العقد.

وقيل: إنَّ التفرُّق يُقدَّر في كلِّ حالةٍ بحسَبها، ففي المنزل الصغير بخروج أحدهما، وفي الكبير بالتحوُّل من مجلسه إلى آخَرَ بخطوتين أو ثلاثٍ(١٣).

والمشهور الراجح من مذهب العلماء أنه موكولٌ إلى العرف، فكلُّ ما يُعتبر في العرف تفرُّقًا حُكِم به وما لا فلا(١٤).

٤- وفي رواية مالكٍ المشهورة: «... إِلاَّ بَيْعَ الخِيَارِ» احتمالاتٌ متفاوتةٌ لمعرفة معنى بيع الخيار وأرجحها:

- أنَّ المتعاقدَيْن لو اتَّفقا على إسقاط الخيار وإمضاء البيع بعد العقد وقبل التفرُّق، أو اتَّفقا على أنه لا خيارَ لهما لزم البيعُ وبطل اعتبار التفرُّق، لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَوْ يُخَيِّرْ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ»، وهو المراد في رواية مالكٍ بقوله: «... إِلاَّ بَيْعَ الخِيَارِ»، ووجهه استثناء امتداد الخيار إلى التفرُّق.

- وقيل: إنَّ المراد من مقطع رواية الليث هو: أن يشترط الخيار لمدَّةٍ معيَّنةٍ فلا ينقضي الخيار بالتفرُّق، بل يبقى حتى تمضيَ المدَّة، وحينئذٍ يكون المراد بالاستثناء في رواية مالكٍ استثناء من انقطاع الخيار بالتفرُّق.

- وقيل: إنهما بالخيار مالم يتفرَّقا إلاَّ أن يتخايرا ولو قبل التفرُّق، وإلاَّ أن يكون البيع بشرط الخيار ولو بعد التفرُّق، وهذا المعنى يجمع بين الاحتمال الأوَّل والثاني، ويعضده ما جاء في رواية البخاري بلفظ: «... إِلاَّ بَيْعَ الخِيَارِ أَوْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ»(١٥)، إن حُملت «أو» في الحديث على التقسيم لا على التشكيك، بمعنى أن يخيِّره بين الإمضاء أو تأجيل الخيار إلى مدَّةٍ معيَّنةٍ.

- وقيل: إنَّ المعنى: تخيير أحدهما الآخَرَ، فيختار عدم ثبوت الخيار فينتفي الخيار، ويكون المراد بالاستثناء هو الاستثناء من إثبات خيار المجلس، وهذا الاحتمال أبعد الاحتمالات المتقدِّمة وأضعفها(١٦).

- هذا، ولا يخفى رجحان الاحتمال الأوَّل لأنَّ لفظ الحديث يقوِّيه من جهةٍ، ولأنه تعضده الرواية الأخرى في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «فَإِذَا كَانَ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ فَقَدْ وَجَبَ»، وتعيِّنه -أيضًا- رواية النسائي: «... إِلاَّ أَنْ يَكُونَ البَيْعُ كَانَ عَنْ خِيَارٍ، فَإِنْ كَانَ البَيْعُ عَنْ خِيَارٍ فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ»، وأمَّا الاحتمال الثالث -وإن كان قويًّا من ناحيةٍ- إلاَّ أنه يعكِّره الاحتمال الملصق ﺑ «أو» في رواية البخاري السابقة.

٥- وفيه أنَّ الخيار من تمام الرضا المشروط في قوله تعالى: ﴿إِلاَّأَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ[النساء: ٢٩].

٦- وفيه مراعاة مصلحة العاقدَيْن ودفع الضرر عنهما.

٧- وفيه المحافظة على قيمة العقد مع الخيار، وإحاطته بقيود تؤمِّنه من الهدم والإبطال.

٨- وفيه الفرق بين حقِّ الله تعالى الذي لا يكفي لجوازه رضا الآدمي كالمقامرة والربا ونحو ذلك، وحقِّ الآدمي الذي يُعتبر رضاه في الجواز.

مواقف العلماء من هذا الحديث:

اتَّفق العلماء على أنَّ العقد متى اكتسب صفة اللزوم فلا يَسَعُ أحدَ الطرفين التحلُّل من قيده ما لم يتَّفقا على الإقالة، غيرَ أنهم يختلفون في الظرف الذي يكتسب العقد هذه الصفة، هل بمجرَّد تطابُق الإيجاب والقبول من غير اعتبار مجلس العقد أم أنَّ ثبوت خيار المجلس لا مناصَ منه في اكتساب العقد صفةَ اللزوم ؟

وهذه المسألة خلافيةٌ بين المثبتين والمانعين لخيار المجلس، وسنتعرَّض لأقوال وأدلَّة كلٍّ من الفريقين مع مناقشة هذه الأدلَّة وتفنيدها.

أ- أقوال المذهبين السابقين:

- مذهب المثبتين لخيار المجلس:

ذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وأكثر المجتهدين وسائر المحدِّثين، إلى القول بثبوت خيار المجلس، بمعنى أنه إذا تطابق الإيجاب والقبول فإنَّ العقد يقع جائزًا غير لازمٍ، ويكون لكلٍّ من العاقدين الخيارُ في فسخ العقد أو إمضائه ما دام العاقدان في مجلس العقد، ولا يكتسب هذا الأخير صفةَ اللزوم إلاَّ بعد تفرُّق العاقدين بأبدانهما(١٧).

- مذهب المانعين لخيار المجلس:

ذهب أبو حنيفة ومالكٌ وأكثر أصحابهما إلى القول بعدم ثبوت خيار المجلس، بل يلزم البيع بنفس الإيجاب والقبول أو ما يقوم مقامهما من فعلٍ ودلالةٍ، فمنعوا خيار المجلس، وأثبتوا خيار الرجوع عن إمضاء العقد إذا أوجب أحدهما البيعَ، فكلٌّ منهما بالخيار حتى ينتهيَ كلامهما في العقد إبرامًا أو تركًا(١٨)، وبه قال ربيعة ابن أبي عبد الرحمن، وحُكي عن إبراهيم النخعي، وهو روايةٌ عن الثوري، وإليه ذهب الإمامية والهادوية، وذهب بعض المالكية إلى موافقة مذهب المثبتين لخيار المجلس(١٩).

ب- أدلَّة المذهبين السابقين:

نتعرَّض بالذكر لأدلَّة المثبتين ثمَّ المانعين لخيار المجلس مع تقديم اعتذاراتهم في عدم الأخذ بالوارد من الأحاديث الصحيحة في هذه المسألة أوَّلاً، ويتبع ذلك مناقشةٌ لأدلَّة الفريقين مع التفنيد.

- أدلَّة المثبتين:

استدلَّ المثبتون لخيار المجلس بما يلي من الأدلَّة:

- بأحاديث الباب المتقدِّمة، وغيرها منها:

- حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اخْتَرْ»(٢٠).

- حديث حكيم بن حزامٍ رضي الله عنه: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا»(٢١).

- حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «كُلُّ بَيِّعَيْنِ لاَ بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلاَّ بَيْعَ الخِيَارِ»(٢٢).

وكلُّ ما سبق من الأحاديث يدلُّ دلالةً واضحةً على ثبوت خيار المجلس لكلٍّ من المتعاقدين بعد انعقاد البيع حتى يتفرَّقا من ذلك المجلس بأبدانهما، ولا يمكن عدُّ التفرُّق بالأقوال تفرُّقًا، بل هو تطابقُ والْتئامُ والْتحامُ الإيجاب والقبول، فيكون المقصود بهذا التفرُّق هو التفرُّق بالأبدان لأنَّ التفرُّق بالأقوال ليس تفرُّقًا.

- حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه(٢٣) رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «البَائِعُ وَالمُبْتَاعُ بِالخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ(٢٤)خِيَارٍ، وَلاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ»(٢٥).

وجه دلالة الحديث: فبغضِّ النظر عن تبيُّن الاستدلال بصدره على نحو ما تقدَّم، فإنَّ الشاهد منه متجلٍّ في قوله: «وَلاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ... »، وهو يقوِّي استدلالهم بالمعنى الذي وقفوا عنده وهو التفرُّق بالأبدان، إذ لا فائدة من التنصيص على هذا الشاهد إذا ما أريد به التفرُّق بالأقوال.

- ورواية البيهقي في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «... حَتَّى يَتَفَرَّقَا مِنْ مَكَانِهِمَا»(٢٦)، وهو يقوِّي معنى التفرُّق بالأبدان، قال ابن عبد البرِّ: «وإذا ثبت لفظ «مكانهما» لم يبق للتأويل مجالٌ وبطل بطلانًا ظاهرًا حملُه على تفرُّق الأقوال»(٢٧).

- فعلُ ابن عمر رضي الله عنهما راوي الحديث، وكان يفارق ببدنه، فاتِّباعه أَوْلى وفهمه أسبق من غيره، عملاً بقاعدة: «الرَّاوِي أَعْلَمُ بِمَا رَوَى»، ونورد بعض أفعاله كما جاء في الصحيحين وغيرهما:

- قال نافعٌ: فكان إذا بايع رجلاً، فأراد أن يقيله، قام فمشى هنيهةً، ثمَّ رجع إليه(٢٨).

- «فكان ابن عمر إذا ابتاع بيعًا، وهو قاعدٌ قام ليجب له البيع»(٢٩).

- قال نافعٌ: «وكان ابن عمر إذا اشترى شيئًا يعجبه فارق صاحبه»(٣٠).

- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كنَّا إذا تبايعنا كلُّ واحدٍ منَّا بالخيار، ما لم يتفرَّق المتبايعان، قال: فتبايعت أنا وعثمان، فبعتُه مالي في الوادي، بمالٍ له بخيبر، قال فلمَّا بعته طفقت أنكص القهقرى خشية أن يرادَّني عثمانُ البيعَ قبل أن أفارقه»(٣١).

- أدلَّة المانعين:

استدلَّ المانعون بنصوص الكتاب والسنَّة على ما يأتي:

- أوَّلاً: من الكتاب:

- بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ[البقرة : ٢٨٢].

وجه دلالة الآية: أنها تفيد الأمر بالإشهاد في البيع، غيرَ أنه إذا اعتُبر خيار المجلس لم يَعُدْ للإشهاد أيَّة فائدةٍ، إذ لو وقع الإشهاد بعد التفرُّق لم يطابق الأمر، وإن وقع قبل التفرُّق لم يصادف محلَّه.

- وبقوله تعالى: ﴿لاَتَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّأَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ[النساء: ٢٩].

وجه دلالة الآية: أنها لم تشترط في إباحة التجارة سوى التراضي من الطرفين لا غير، والتراضي إنما يحصل بمجرَّد صدور الإيجاب واقترانه بالقبول، فيدلُّ ذلك على عدم ثبوت خيار المجلس.

- وبقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ[المائدة: ١].

وجه دلالة الآية: أنها تنصُّ على وجوب الوفاء بالعقود، وخيارُ المجلس ينافي ذلك من ناحيةِ أنَّ الراجع عن موجَب العقد قبل التفرُّق لم يَفِ به.

- ثانيًا: من السنَّة:

- بما أخرجه الترمذي من طريق عمرو بن عوفٍ رضي الله عنه مرفوعًا: «... وَالمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلاَّ شَرْطًا حَرَّمَ حَلاَلاً، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا»(٣٢).

وجه دلالة الحديث: أنَّ الخيار بعد لزوم العقد يُفسد الشرطَ وينافي مقتضى الحديث.

- بما أخرجه أحمد وأبو داود وغيره مرفوعًا: «إِذَا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَالقَوْلُ مَا يَقُولُ صَاحِبُ السِّلْعَةِ أَوْ يَتَرَادَّانِ»(٣٣).

وجه دلالة الحديث: أنه إذا وقع اختلافٌ في أمرٍ من الأمور المتعلِّقة بالعقد، فقول البائع مع يمينه مقدَّمٌ، كما جاء في روايةٍ أخرى، وهذا معناه أنَّ العقد في هذه الحال لازمٌ(٣٤)، وعلى هذا فلو كان خيار المجلس ثابتًا لَما احتاج الأمر إلى اعتبار قول البائع ولا داعيَ إلى يمينه، لأنَّ خيار المجلس يكفي بمفرده في رفع العقد وعدم اعتباره، فلمَّا لم يكن كذلك دلَّ على عدم ثبوت خيار المجلس.

- بحديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه المتقدِّم، والشاهد من هذا الحديث يتجلَّى في قوله: «خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ»، ومعناه طلب الإقالة، والإقالة هي الإعفاء والفسخ من العقد اللازم، فهي فرعٌ من نفاذ البيع ولزومه، وإذا كان البيع نافذًا ولازمًا قبل التفرُّق فإنه يستلزم بطلانَ خيار المجلس.

وقد اعتذر المانعون عن العمل بالأخبار الواردة في خيار المجلس بأعذارٍ متعدِّدةٍ، وأوَّلوا الأحاديث بتأويلاتٍ مختلفةٍ نذكر منها ما يأتي:

١- أنَّ كلَّ الأخبار الدالَّة على ثبوت خيار المجلس مردودةٌ لمنافاتها لعموم الآيات المتقدِّمة والأحاديث النبوية السابقة، و«إِذَا تَعَارَضَ المَقْطُوعُ مَعَ المَظْنُونِ، فَالمَقْطُوعُ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ».

٢- أنَّ أحاديث خيار المجلس منسوخةٌ بالأدلَّة القرآنية السابقة.

٣- أنَّ إثبات خيار المجلس مخالفٌ للقياس الجليِّ في إلحاق ما قبل التفرُّق بما بعده.

٤- أنَّ حديث: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ»، مضطربٌ يمنع الاحتجاج به لمجيئه بألفاظٍ مختلفةٍ.

٥- أنَّ حديث الخيار على خلاف عمل أهل المدينة وعملُهم حجَّةٌ، وهو مخالفٌ أيضًا لعمل أهل مكَّة، وهو منقولٌ عن ابن التين عن أشهب(٣٥).

٦- أنَّ الحديث من رواية مالكٍ ولم يعمل به، وهذا يدلُّ على وهن المرويِّ عنده.

٧- أنه خبرٌ واحدٌ فلا يُعمل به فيما تعمُّ به البلوى، وهو البيع.

٨- أنَّ المراد بالتفرُّق في الحديث هو التفرُّق بالأقوال والاعتقادات كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ[البيِّنة: ٤]، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلاًّمِنْ سَعَتِهِ[النساء: ١٣٠]، وفي قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «...وَتَفْتَرِقُ أَمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً»(٣٦)، وكما في عقود الزواج والإجارة والعتق.

٩- أنَّ وقت التفرُّق غير معلومٍ فأشبه بيوع الغرر كالملامسة.

١٠- أنه لا يتعيَّن حملُ الخيار في هذا الحديث على خيار الفسخ، فيحتمل أنه أريد به خيار الشراء أو خيار الزيادة في الثمن والمثمن، وهي الفترة التي تسبق عقد البيع.

١١- أنَّ المراد بالمتبايعين في الحديث المتساومان، والمراد بالخيار قبول المشتري وردُّه.

وفي نظرهم أنَّ التفرُّق الوارد في الخبر، إن كان المراد به التفرُّق بالأبدان فهو محمولٌ على أحد الوجهين التاليين:

- الوجه الأوَّل: أنه محمولٌ على الاستحباب تحسينًا للمعاملة مع المسلم.

- الوجه الثاني: أنه محمولٌ على الاحتياط للخروج من الخلاف.

ج- مناقشة الأدلَّة السابقة وتفنيدها:

نوقشت أدلَّة المانعين لخيار المجلس على الوجه التالي:

- لا تتنافى آية الإشهاد في البيع مع خيار المجلس، لأنَّ فائدة الإشهاد تظهر من وقت إبرام العقد إلى وقت التفرُّق، فيقع الإشهاد ممتدًّا من زمن تطابُق الإيجاب والقبول إلى زمن المفارقة بالأبدان، فيكون مطابقًا للأمر، ومصادفًا لمحلِّه.

- واشتراط الرضا في قوله تعالى: ﴿إِلاَّأَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ[النساء : ٢٩] لا ينافي الخيار، لأنه من تمامه، وتمامُ الشيء منه.

- أمَّا وجوب الوفاء بالعقود والشروط -على ما أفادته الآية والحديث- فإنما يكون ذلك بعد اكتسابها صفةَ اللزوم، ولا يتحقَّق اللزوم إلاَّ بعد التفرُّق بالأبدان، على ما يقتضيه حديث الباب، فلا منافاة بينهما.

- وحديث «اختلاف البيِّعَيْن» محمولٌ على ما إذا لزم البيع ووجب بالتفرُّق بالأبدان، جمعًا بين الحديثين.

- أمَّا معنى الاستقالة في حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه، فإنه فضلاً عن معارضتها للشاهد في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَلاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ»، إلاَّ أنَّ معناها الشرعي المتمثِّل في الإعفاء والفسخ الذي تتَّصف به إنما يكون بإرادتين متطابقتين إيجابًا وقبولاً في إلغاء العقد اللازم المبرم، وليس الأمر في الحديث على هذه الصورة، بل هو على صورةِ إرادةٍ منفردةٍ لأحد المتعاقدين، ويدلُّ عليه قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ»، فيكون المراد طلب الإقالة من العقد الجائز غير اللازم، وإذا تبيَّن ذلك فلا حجَّة فيه.

وله جوابٌ شبيهٌ بالأوَّل، قال العراقي -رحمه الله-: «وجوابه من وجهين:

أحدهما: أنَّ قوله: [لاَ يحلُّ] لفظةٌ منكرةٌ، فإن صحَّت فليست على ظاهرها، لإجماع المسلمين أنه جائزٌ له أن يفارقه ليُنفذ بيعه ولا يُقيلَه إلاَّ أن يشاء.

ثانيهما: أنه أراد بالإقالة هنا الفسخَ بحكم الخيار، فإنه الذي ينقطع بالمفارقة، أمَّا طلب الإقالة بالاختيار فلا فَرْق فيه بين أن يتفرَّقا أم لا، فإنَّ ذلك إنما يكون بالرضا منهما، وهو جائزٌ بعد التفرُّق»(٣٧).

أمَّا اعتذارات المانعين من خيار المجلس عن العمل بحديث الباب فنبيِّن مناقشتها وتفنيدها على ما يأتي:

- قد تقدَّم أنه لا منافاة بين الرضا المشترط في العقود وثبوت الخيار، لأنَّ الخيار من تمام الرضا، ومن جهةٍ أخرى فإنَّ نفاذ العقود ووجوبها إنما يكون بعد اكتسابها لصفة اللزوم، وعلى فرض تعارُضها فيمكن الجمع والتوفيق بين أدلَّة المثبتين لخيار المجلس وأدلَّة المانعين له، وصورة الجمع: أنَّ عموم الآيات المساقة والأخبار المتقدِّمة التي استدلَّ بها المانعون -على فرض شمولها لمحلِّ النزاع- أعمُّ مطلقًا، والأحاديث القاضية بثبوت خيار المجلس أخصُّ، فيُبْنى العامُّ على الخاصِّ، ولا يصار إلى الترجيح إلاَّ عند تعذُّر الجمع، كما هو مقرَّرٌ في الأصول.

- ثمَّ إنَّ الأصل في الأحكام الشرعية عدمُ النسخ ولا يثبت بالاحتمال، ومجرَّد المخالفة لا يلزم أن يكون نسخًا، ولو تقرَّر النسخ لكان الجمع أَوْلى بالتقديم. ولا يُعترض بالقياس مع وجود النصِّ، لأنَّ القياس فاسد الاعتبار لمصادمته للنصِّ، ذلك لأنَّ ما ثبت بالنصِّ موجودٌ في ذلك الفرع، فإمَّا أن يكون الشارع أخرج هذا الفرع عن هذا الأصل لمصلحةٍ أو تعبُّدًا فيجب اتِّباعه(٣٨)، ولا يُعترض -أيضًا- بالاضطراب لأنَّ شرط الاضطراب أن يتعذَّر الجمع بين مختلف ألفاظه(٣٩)، وجمعُ ما اختلف من ألفاظه ممكنٌ بغير تكلُّفٍ ولا تعسُّفٍ فلا يضرُّه الاختلاف(٤٠).

- والقول بأنه معارَضٌ بعمل أهل المدينة ومكَّة فمردودٌ، لأنه لم يُحفظ عن أحدٍ من علماء مكَّة القول بخلافه مطلقًا، ولأنَّ غالبية أهل المدينة من علماء الصحابة والتابعين وتابعيهم يرَوْن الخيار، بل لا يعلم للمانعين سلفٌ سوى ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وإبراهيم النخعي(٤١)، وعلى فرض أنهم مجمعون فليس إجماع أهل المدينة بحجَّةٍ، كما هو مقرَّرٌ في موضعه(٤٢).

- أمَّا الاعتراض بقاعدة: «عمل الراوي بخلاف ما روى» فجوابه من عدَّة وجوهٍ:

أ- أنَّ عمله مبنيٌّ على اجتهاده، وقد يظهر له ما هو أرجح في نظره ممَّا رواه وإن لم يكن أرجح في نفس الأمر.

ب- أنَّ الحجَّة فيما نقله الراوي لا فيما قاله.

ﺟ- أنَّ هذه القاعدة مختلفٌ فيها، والتحقيق عند كثيرٍ من الأصوليين أنها خاصَّةٌ بالصحابة دون من جاء بعدهم، والإمام مالكٌ ليس منهم.

د- أنَّ ابن عمر راوي الخبر كان يفارق ببدنه إذا باع، فاتِّباعه أَوْلى من اتِّباع غيره، عملاً بقاعدتهم: «الرَّاوِي أَعْلَمُ بِمَا رَوَى».

ﻫ- أنَّ الحديث رواه غير مالكٍ وعمل به وهُمْ أكثر عددًا وروايةً وعملاً.

- كما أنَّ خبر الواحد يُقبل فيما تعمُّ به البلوى، وفيما تخصُّ به البلوى، على ما ترجَّح عند جمهور الأصوليين والشافعي وسائر المحدِّثين(٤٣).

        قال العراقي -رحمه الله-: «وجوابه: أنَّ الفسخ ليس ممَّا تعمُّ به البلوى وإن عمَّت البلوى بالبيع؛ لأنَّ الإقدام على البيع دالٌّ على الرغبة فيه، فالحاجة لمعرفة حكم فسخه لا تعمُّ، وبتقدير عمومها فردُّ خبر الواحد فيه ممنوعٌ»(٤٤).

- أمَّا القول بأنَّ المراد بالتفرُّق في الحديث هو التفرُّق بالأقوال والاعتقادات فهو فاسدٌ لوجوه منها:

أ- أنه ليس بين المتعاقدين تفرُّقٌ بقولٍ ولا اعتقادٍ، لأنَّ الإيجاب والقبول لم يحصل بهما افتراقٌ، وإنما حصل الْتئامٌ واتِّفاقٌ على الثمن والمبيع بعد الاختلاف فيه.

ب- فيه تجريد الحديث عن الفائدة، إذ لا يخفى أنهما بالخيار قبل العقد في إنشائه وإتمامه أو تركه.

ﺟ- أنه خلاف الظواهر المتقدِّمة للأحاديث، فضلاً عن ذلك فهو معارَضٌ بصريح نصِّ الخبر الذي رواه البيهقي مرفوعًا: «حَتَّى يَتَفَرَّقَا مِنْ مَكَانِهِمَا».

د- كما يردُّه تفسير ابن عمر رضي الله عنهما للحديث بنفسه.

ﻫ- وكذلك: «الأَصْلُ فِي الكَلاَمِ التَّأْسِيسُ لاَ التَّأْكِيدُ»، ذلك لأنَّ المانعين حملوا التفرُّق على التفرُّق بالأقوال، أي: لكلٍّ منهما الإنشاء أو الترك قبل تطابُق الإيجاب والقبول، فيكون معنى «المتبايعان» هما المتساومان، فيصير الحديث مؤكِّدًا، إذ لا خلاف أنهما بالخيار قبل إنشاء العقد أو إتمامه، بخلاف ما إذا كان المراد به التفرُّقَ بالأبدان، فإنَّ فيه فائدةً جديدةً غير مؤكَّدةٍ، لذلك يُحمل المعنى على التأسيس، وهو أَوْلى من التأكيد، كما هو مقرَّرٌ في القواعد.

- كما لا يصحُّ قياس البيع على النكاح والإجارة والعتق، لأنه قياسٌ مع ظهور الفارق، لأنَّ المقيس عليه متعلِّقٌ بغير المعاملات المالية، فثبوت الخيار في النكاح الذي لا يقع غالبًا إلاَّ بعد نظرٍ ورويَّةٍ وتمكُّثٍ مضرَّةٌ لِما يترتَّب عليه من ابتذال المرأة بالعقد وذهاب حرمتها بالردِّ، ولأنَّ البيع يُنقل فيه مِلْكٌ لرقبة المبيع ومنفعته، وهذا لا يحصل في الإجارة والعتق والنكاح، وأمَّا العتق فيتمُّ بإرادةٍ واحدةٍ وهي إرادة المعتق فافترقا(٤٥).

- أمَّا تشبيهه بعقود الغرر فبعيدٌ، لأنَّ كلَّ واحدٍ من المتعاقدَيْن يمكنه إمضاء البيع أو فسخُه بالقول أو بالفعل فينعدم فيه الغرر.

- أمَّا حمل الخيار في الحديث على خيار الشراء أو خيار الزيادة في الثمن والمثمن دون خيار الفسخ فجوابه من جهتين:

- الجهة الأولى: أنه بعد صدور العقد من المتعاقدين فلا خيار لهما في الشراء ولا في الثمن، وإنما الخيار لهما في إمضاء العقد أو إلغائه قبل التفرُّق، وهو المراد بخيار الفسخ.

- الجهة الثانية: أنَّ المتبادر إلى الأفهام عند إطلاق الخيار من كلامه صلَّى الله عليه وسلَّم هو إرادة خيار الفسخ لا غير كما في حديث المصرَّاة(٤٦)(٤٧).

- واستعمال البائع في التساوم -وإن كان شائعًا- إلاَّ أنَّ تسميته بذلك إطلاقٌ مجازيٌّ، وحملُه على الحقيقة أو ما يقرب منها أَوْلى لأصالتها ولعدم وجود قرائنَ تدلُّ على كونه مجازًا، ثمَّ إنه -من الناحية العملية- يتعذَّر تطبيق حديث التفرُّق على حال السائمين.

- وأمَّا حمل التفرُّق بالأبدان في الحديث على الاستحباب أو على الاحتياط، فهو على خلاف الظاهر الذي لا يصار إليه إلاَّ عند قيام دليلٍ صحيحٍ يمكن حمله على نحو ما ذُكر.

د- سبب اختلاف العلماء:

يظهر اختلاف المثبتين والمانعين لخيار المجلس في المسائل التالية:

- في تعارُض المقطوع بالمظنون.

- في الاحتجاج بعمل الراوي بخلاف ما روى.

- في الاحتجاج بخبر الواحد فيما تعمُّ به البلوى.

- فمن منع خيار المجلس، ورأى منافاة الحديث المظنون لقواطع الآيات ولعمل أهل المدينة لاعتباره في حكم المتواتر الموجِب للقطع، ورأى بطلان الاحتجاج بالحديث لعمل الراوي بخلاف ما روى، لأجل وقوفه على أنَّ الحديث منسوخٌ أو غير ثابت، وكلاهما فاسد الاعتبار يمنع من قبول الرواية عملاً بقاعدة «الرَّاوِي أَعْلَمُ بِمَا رَوَى»، ورأى أيضًا فساد الاحتجاج بالحديث فيما تعمُّ به البلوى، ويحتاج الخاصُّ والعامُّ إلى معرفته للعمل به(٤٨)، قال: إنَّ العقد لا يقتضي خيار المجلس، بل يكفي تطابُق الإيجاب والقبول، وهو الظرف الذي يكتسب فيه العقد صفةَ اللزوم، وهُمْ أهل الرأي والمالكية إلاَّ ابن حبيبٍ(٤٩).

- ومن أثبت خيار المجلس، رأى انتفاء التعارض بين المقطوع والمظنون لإمكان الجمع بينهما، ورأى أنَّ عمل أهل المدينة -وإن كانت حجِّيَّته متنازعًا فيها- فإنَّ جُلَّ أهل المدينة يرَوْن الخيارَ، ورأى -أيضًا- عدم انتهاض قاعدة: «رَدِّ الخَبَرِ لِعَمَلِ الرَّاوِي بِخِلاَفِهِ»، لأنَّ الحجَّة فيما نقله الراوي لا فيما قاله أو فعله، ولأنَّ الحديث رواه من هم أكثر عددًا روايةً وعملاً، ولأنَّ القاعدة السابقة يردُّها تفسير ابن عمر رضي الله عنهما بفعله، ورأى أنَّ خبر الواحد يُحتجُّ به مطلقًا سواءً خَصَّت به البلوى أو عَمَّت، لأنَّ كلَّ دليلٍ جاز أن يثبت به ما تخصُّ به البلوى جاز أن يثبت به ما تعمُّ به البلوى، ولأنَّ الحكم فيما تعمُّ به البلوى ثابتٌ بالقياس، والقياس فرعٌ مستنبطٌ من خبر الواحد فلَأَنْ يثبت بأصله أَوْلى، قال: إنَّ العقد يقتضي خيارَ المجلس ولا يكفي الإيجاب والقبول، بل لا مناصَ من خيار المجلس حتَّى يستكمل الرضا، ويكتسب العقد صفةَ اللزوم، وهو قول الجمهور.

ﻫ- الترجيح:

وبهذا، يتَّضح -من خلال المناقشة والتفنيد- ضعفُ أجوبة المانعين لردِّ الحديث، في حين ظهرت قوَّة مذهب جمهور العلماء المثبتين لخيار المجلس، فكانوا أسعد الناس عملاً به(٥٠).

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.



(١) أخرجه البخاري (٤/ ٣)، مسلم (٥/ ١٧٤)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(٢) «صحيح البخاري» (٧/ ٤٩٢).

(٣) «أسد الغابة» لابن الأثير (٣/ ٢٢٧).

(٤) «صحيح البخاري» (٧/ ٨٩-٩٠)، «صحيح مسلم» (٨/ ٣٨).

(٥) «الإصابة» (٢/ ٣٣٨-٣٤١) و«تهذيب التهذيب» (٥/ ٣٢٨-٣٣١) كلاهما لابن حجر.

(٦) «تيسير مصطلح الحديث» للطحَّان (١٩٨)، «الوجيز في علوم الحديث» لعجَّاج (٣٧٨).

(٧) انظر ترجمته وأحاديثه في: «مسند أحمد» (٢/ ٢)، «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٢/ ٣٧٣، ٤/ ١٤٢)، «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٥/ ١٠٧)، «المستدرك» للحاكم (٣/ ٥٥٦)، «الاستيعاب» لابن عبد البرِّ (٣/ ٩٥٠)، «وفيات الأعيان» لابن خلِّكان (٣/ ٢٨)، «أسد الغابة» (٣/ ٢٢٧) و«الكامل» (٤/ ٣٦٣) كلاهما لابن الأثير، «سير أعلام النبلاء» للذهبي (٣/ ٢٠٣)، «مرآة الجنان» لليافعي (١/ ١٥٤)، «البداية والنهاية» لابن كثير (٩/ ٤)، «وفيات ابن قنفذ» (٢٢)، «الإصابة» (٢/ ٣٤٧) و«تهذيب التهذيب» (٥/ ٣٢٦) كلاهما لابن حجر، «طبقات الحفَّاظ» للسيوطي (١٨)، «الفكر السامي» للحجوي (١/ ٢/ ٢٧٤)، «الرياض المستطابة» للعامري (١٩٤)، ومؤلَّفنا: «الإعلام بمنثور تراجم المشاهير والأعلام» (٢٢٢).

(٨) أخرجه مالكٌ في «الموطَّإ» (٢/ ١٦١)، والشافعي في «مسنده» (١٣٧)، وأحمد في «مسنده» (٢/ ٧٣)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(٩) انظر: «عمدة القاري» للعيني (١١/ ٢٢٩)، «مصباح الزجاجة» للسيوطي (١٥٨).

(١٠) «صحيح البخاري» (٤/ ٣٢٨).

(١١) «مختار الصحاح» للرازي (٧٠٩)، «المعجم الوسيط» (٢/ ١٠١٧).

(١٢) «المغني» (٣/ ٥٦٥) و«الكافي» (٢/ ٤٣) كلاهما لابن قدامة، «نهاية المحتاج» للرملي (٤/ ١٠)، «غاية المنتهى» للمرعي(٢/ ٢٧).

(١٣) «سبل السلام» للصنعاني (٢/ ٣٤).

(١٤) «معالم السنن» للخطَّابي (٣/ ٧٣٥)، «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٣٢٩)، «المغني» لابن قدامة (٣/ ٥٦٥)، «نيل الأوطار» للشوكاني (٦/ ٣٣٥).

(١٥) أخرجه البخاري (٤/ ٣٢٧-٣٢٨)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(١٦) المصادر السابقة.

(١٧) «الأمُّ» للشافعي (٣/ ٤)، «معالم السنن» للخطَّابي (٣/ ٧٣٣)، «المحلَّى» لابن حزم (٨/ ٣٥١)، «المهذَّب» للشيرازي (١/ ٢٦٤-٢٦٥)، «المغني» (٣/ ٥٦٣) و«الكافي» (٢/ ٤٣) كلاهما لابن قدامة ، «العدَّة» للمقدسي (٢٢٨)، «شرح مسلم» للنووي (٥/ ٤٣)، «اختيارات ابن تيمية» للبعلي (١٢٥)، «نهاية المحتاج» للرملي (٤/ ٦).

(١٨) وهذا الاجتهاد معمولٌ به -حاليًّا- في القضاء الجزائري جريًا على ما هو منصوصٌ عليه في المادَّة (٥٩) من القانون المدني الجزائري القائلة بأنه: [يتمُّ العقد بمجرَّد أن يتبادل الطرفان التعبير عن إرادتهما المتطابقتين دون الإخلال بالنصوص القانونية]، والاجتهاد الآخَر أَوْلى بالتحكيم والعمل.

(١٩) «البدائع» للكاساني (٥/ ١٣٠)، ووافق ابن حبيبٍ الجمهورَ في خيار المجلس، «شرح معاني الآثار» للطحاوي (٤/ ١٢-١٧)، «المنتقى» للباجي (٥/ ٥٥)، «شرح السنَّة» للبغوي (٨/ ٤٠)، «شرح مسلم» للنووي (٥/ ٤٣)، «القوانين الفقهية» لابن جُزَيٍّ (٢٧٤)، «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٣٣٠)، «سبل السلام» للصنعاني (٢/ ٣٤)، «نيل الأوطار» للشوكاني (٦/ ٣٣٣).

(٢٠) «صحيح البخاري» (٤/ ٣٢٨).

(٢١) أخرجه البخاري (٤/ ٣٢٨)، من حديث حكيم بن حزامٍ رضي الله عنه.

(٢٢) أخرجه البخاري (٤/ ٣٢٣).

(٢٣) هو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

(٢٤) ضرب اليد عند البيع علامةٌ على إنفاذه. [«النهاية» لابن الأثير (٣/ ٣٨)، «مختار الصحاح» للرازي (٣٦٥)].

(٢٥) «مسند أحمد» (٢/ ١٨٣)، «سنن أبي داود» (٣/ ٧٣٦)، «سنن الترمذي» (٥/ ٥٥٠)، «سنن النسائي» (٧/ ٢٥١-٢٥٢)، والحديث حسَّنه الترمذي وكذا الألباني في «الإرواء» (٥/ ١٥٥).

(٢٦) «السنن الكبرى» (٥/ ٢٧١) و«معرفة السنن والآثار» (٨/ ١٧) كلاهما للبيهقي، و«سنن الدارقطني» (٣/ ٤٧٤)، من حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه رضي الله عنه.

(٢٧) «سبل السلام» للصنعاني (٢/ ٣٤).

(٢٨) «صحيح مسلم» (٥/ ١٧٥).

(٢٩) «سنن الترمذي» (٥/ ٢٥٤).

(٣٠) «صحيح البخاري» (٤/ ٣٢٦).

(٣١) «صحيح البخاري» (٤/ ٣٣٥)، وفِعْلُ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما محمولٌ على أنه لم يبلغه خبر النهي في حديث عمرو بن شعيبٍ السابق دفعًا للإشكال.

(٣٢) رواه الترمذي (٦/ ١٠٤)، وأبو داود (٤/ ١٩)، والحديث صحَّحه الألباني في «الإرواء» (٥/ ١٤٢-١٤٦).

(٣٣) «سنن أبي داود» (٣/ ٧٨١)، «سنن الترمذي» (٦/ ٢٥)، «مسند أحمد» (١/ ٤٦٦)، [«سلسلة الأحاديث الصحيحة» رقم: (٧٩٨) و«صحيح الجامع» (١/ ١٣٩، ١٤٠) كلاهما للألباني].

يترادَّان: أي قيمة السلعة عند الاستملاك.

(٣٤) وصورته عند مالكٍ والشافعي ومحمَّد بن الحسن: أن يقال للبائع: احلف بالله ما بعتَ سلعتَك إلَّا بما قلتَ، فإن حلف البائع، قيل للمشتري: تأخذ السلعة بما قال البائع، وإمَّا أن تحلف بالله ما اشتريتَها إلاَّ بما قلتَ، فإن حلف برئ ورُدَّت السلعة على البائع، فإنهما يتحالفان ويترادَّان، [«معالم السنن» للخطَّابي (٣/ ٧٨١)].

(٣٥) «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٣٣٠).

(٣٦) «سنن أبي داود» (٥/ ٤)، «سنن ابن ماجه» (٢/ ١٣٢١)، «مسند أحمد» (٢/ ٣٣٢)، «مستدرك الحاكم» (١/ ١٢٨)، والحديث صحَّحه الترمذي والحاكم وابن تيمية والشاطبي في «الاعتصام». [انظر: «سلسلة الأحاديث الصحيحة» رقم: (٢٠٣، ٢٠٤)].

(٣٧) «طرح التثريب» للعراقي (٦/ ١٥٢).

(٣٨) انظر: «طرح التثريب» للعراقي (٦/ ١٥٣).

(٣٩) قال ابن دقيق العيد ردًّا على دعوى الاضطراب: «... فنقول: هذا صحيحٌ، لكن بشرط تكافؤ الروايات أو تقارُبها، أمَّا إذا كان الترجيح واقعًا في بعضها، إمَّا لأنَّ رواته أكثر أو أحفظ، فينبغي العمل بها، إذ الأضعف لا يكون مانعًا من العمل بالأقوى، والمرجوح لا يدفع التمسُّك بالراجح» [«إحكام الأحكام» (٣/ ١٧٢)]، وقد أكَّد محمَّد بن إسماعيل البخاري رجحان روايات الاشتراط في حديث جابرٍ المتقدِّم بقوله: «الاشتراط أكثر وأصحُّ عندي» [«فتح الباري» لابن حجر (٥/ ٣١٤)]، وعلَّق الحافظ القسطلاني على هذا الكلام بما نصُّه: «لأنَّ الكثرة تفيد القوَّة، وهذا وجهٌ من وجوه الترجيح، فيكون أصحَّ، ويترجَّح أيضًا بأنَّ الذين روَوْه بصيغة الاشتراط معهم زيادةٌ وهُمْ حفَّاظٌ فيكون حجَّةً، وليست رواية من لم يذكر الاشتراط منافيةً لرواية من ذكره، لأنَّ قوله: «لَكَ ظَهْرُهُ» و«أَفْقَرْنَاكَ ظَهْرَهُ» و«تَبَلَّغْ عَلَيْهِ»، لا يمنع وقوع الاشتراط قبل ذلك» [«إرشاد الساري» (٤/ ٤٣٥)].

(٤٠) «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٣٣٢).

(٤١) «المحلَّى» لابن حزم (٨/ ٣٥٥).

(٤٢) «الرسالة» للشافعي (٥٣٤)، «الإحكام» لابن حزم (٢/ ٧١٧)، «الوصول إلى مسائل الأصول» للشيرازي (٢/ ١٧٨-١٨١)، «الإحكام» للآمدي (١/ ١٨٠)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٠/ ٣٠٣)، «فواتح الرحموت» للأنصاري (٢/ ٢٣٢)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (٨٢)، هذا، واشتدَّ إنكار ابن عبد البرِّ وابن العربي على من زعم من المالكية أنَّ مالكًا ترك العمل بالحديث لكون عمل أهل المدينة على خلافه. [انظر: «صحيح الترمذي بشرح ابن العربي» (٦/ ٦)، «تنوير الحوالك» للسيوطي (٢/ ١٦١-١٦٢)].

(٤٣) «الوصول إلى مسائل الأصول» للشيرازي (٢/ ١٠٠-١٠١)، «المستصفى» (١/ ١٧١) و«المنخول» (٢٨٤) كلاهما للغزَّالي، «الإحكام» للآمدي (١/ ٢٩٠).

(٤٤) «طرح التثريب» للعراقي (٦/ ١٥٣).

(٤٥) «المغني» لابن قدامة (٦/ ٥٦٤)، «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٣٣٠).

(٤٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا: إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ»، متَّفقٌ عليه: أخرجه البخاري (٤/ ٣٦١) -واللفظ له-، ومسلم (٥/ ١٦٥-١٦٧).

(٤٧) «إحكام الأحكام» لابن دقيق العيد (٣/ ١٠٩).

(٤٨) «أصول السرخسي» (١/ ٣٦٨).

(٤٩) «مفتاح الوصول» للشريف التلمساني (٤٧٢).

(٥٠) ويثبت خيار المجلس في العقود اللازمة من الجانبين القابلة للفسخ فقط ، وهي عقود المعاوضات المالية. [«الفقه الإسلامي وأدلَّته» (٤/ ٢٥٠)].