Skip to Content
السبت 17 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 14 ديسمبر 2019 م

التحرير البديع
في تعليل تحريم أعيان المَبيع

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

أوَّلا: نص الحديث:

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أَنَّهُ سَمِعَ(١) رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ـ عَامَ الفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ ـ: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ وَالمَيْتَةِ وَالخِنْزِيرِ والأَصْنَامِ»، فَقِيلَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ؟ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟» فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ: «قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ، إِنَّ اللهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ»، مُتَّفَقٌ عليه(٢).

ثانيًا: ترجمة راوي الحديث:

هو جابر بنُ عبد الله بنِ عمرِو بنِ حرام بنِ كعبٍ الأنصاريُّ الخزرجيُّ، مِن فُضَلاءِ الصحابةِ المُتْحَفين بحُبِّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأمُّه نُسَيْبَةُ بنتُ عقبة، تجتمع هي وأبوه في جدِّهما حَرامٍ، ويُكنَّى بأبي عبد الله، شَهِدَ العَقَبةَ الثانية مع أبيه وهو صبيٌّ، وكان مُجاهِدًا؛ ففي «صحيح مسلمٍ» عن جابرٍ أنه قال: «غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً»، قال جابرٌ: «لَمْ أَشْهَدْ بَدْرًا وَلَا أُحُدًا؛ مَنَعَنِي أَبِي، فَلَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللهِ يَوْمَ أُحُدٍ لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ قَطُّ»(٣)، وشَهِدَ صِفِّين مع عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه، وعَمِيَ في آخِرِ عُمُرِه، وتُوُفِّيَ جابرٌ بالمدينة سنة: (٧٨ﻫ ـ ٦٩٧م)، وكان آخِرَ مَن مات ممَّن شَهِدَ العقبةَ الثانية وآخِرَ مَن مات بالمدينة مِن الصحابة، وصلَّى عليه أَبَانُ بنُ عثمان وكان أميرَ المدينة، وكان عُمُرُ جابرٍ أربعًا وتسعين سنةً(٤).

ويُعَدُّ جابرٌ أحَدَ المُكْثِرين مِن رواية الحديث، فله ١٥٤٠ حديثًا، ويَلي المرتبةَ الخامسة بعد أبي هريرة وابنِ عُمَرَ وأنسِ بنِ مالكٍ وعائشةَ وابنِ عبَّاسٍ(٥).

ثالثًا: تفسير غريب الحديث:

ـ «عام الفتح»: العام اسْمُ السنة، وسُمِّيت عامًا لأنَّ الليل والنهار والشمس والقمر تَعُومُ فيها في الفَلَك، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ[يس: ٤٠]، والفتحُ هو فتحُ مكَّة، وكان ذلك في السنةِ الثامنةِ مِن الهجرة في شهر رمضان، ويحتمل أَنْ يكون التحريمُ وَقَعَ قبل ذلك ثمَّ أعادَهُ صلَّى الله عليه وسلَّم ليسمعه مَن لم يكن سَمِعه(٦).

ـ «حرَّم»: بإعادةِ الضمير على الواحد تأدُّبًا مع الله تعالى، ولأنه أصلُ الأحكامِ كُلِّها ومصدرُها، وقد وَرَدَ في بعض طُرُقه في الصحيح: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ»، ليس فيه «وَرَسُولَهُ»، ووَرَدَ مِن طُرُقٍ أخرى صحيحةٍ: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَا»، بإثباتِ أَلِفِ الاثنين، وفيه إشكالٌ مِن ناحيةِ جمعِه ضميرَ اللهِ تعالى وضميرَ رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد وَرَدَ النهيُ عن ذلك كما في «صحيح مسلمٍ» مِن حديث عديِّ بنِ حاتمٍ رضي الله عنه: أَنَّ خَطِيبًا خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى»، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بِئْسَ الخَطِيبُ أَنْتَ، قُلْ: مَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوَى»(٧).

علمًا بأنَّ تثنيةَ الضميرِ لله تعالى ولرسوله ثَبَتَتْ في مَواطِنَ كثيرةٍ:

ـ منها حديثُ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا طَلْحَةَ فَنَادَى: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ فَإِنَّهَا رِجْسٌ»» مُتَّفَقٌ عليه(٨).

ـ ومنها قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا» مُتَّفَقٌ عليه(٩).

وجَمَعَ العلماء بين هذه النصوصِ التي ظاهِرُها التعارضُ بما يلي:

١ ـ أنَّ سبب الإنكارِ عليه أنَّ الخُطبة شأنُها البسطُ والإيضاحُ واجتنابُ الرموز والإشارات، وثُنِّيَ الضميرُ في النصوص السابقةِ لأنها ليست في خُطْبةِ وعظٍ وإنما هي تعليمُ حُكْمٍ؛ فكُلَّما قلَّ لفظُه كان أَقْرَبَ إلى حِفْظِه بخلاف الخُطْبة(١٠).

٢ ـ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم له أَنْ يجمع بين الضميرين وليس ذلك لغيره؛ لعِلْمِه صلَّى الله عليه وسلَّم بجَلالِ الله وعظمته(١١).

٣ ـ أنَّ حديث الخطيبِ محمولٌ على الأدب والأَوْلى، وهذا محمولٌ على الجواز.

والتحقيقُ جوازُ التثنيةِ للأحاديث المُتقدِّمةِ الدالَّةِ عليها، ويُحْمَل حديثُ الخطيب على أنه حادثةُ حالٍ وواقعةُ عينٍ لها ظروفُها الخاصَّةُ السابقةُ واللاحقةُ التي اقتَضَتْ أَنْ يقولَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ذلك، كما يجوز الإفرادُ في مِثْلِ هذا الموضعِ؛ إذ كُلُّ ما في الأمرِ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ما هو إلَّا مُخْبِرٌ عن الله تعالى، وأَمْرُه ناشئٌ عن أَمْرِ الله تعالى، وهو نحوُ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ[التوبة: ٦٢]، فحُذِفَتِ الجملةُ الأولى لدلالة الثانية عليها، والتقديرُ عند سيبويه: واللهُ أحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ، ورسولُه أحَقُّ أَنْ يُرْضُوه(١٢)؛ ذلك لأنَّ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم تابعٌ؛ لأمرِ الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ[الفتح: ١٠]، وقولِه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ[النساء: ٨٠].

ـ «المَيْتة»: ما ماتَتْ حَتْفَ أَنْفِها أي: لم تَلْحَقْها ذكاةٌ، أو ذُكِّيَتْ ذكاةً غيرَ شرعيةٍ كذَبْحِه في غيرِ مَذْبَحِه أو ذَبْحِ الكافر مِن غيرِ أهلِ الكتابين وكتركِ التسميةِ عَمْدًا ونحوِه.

ـ «الأصنام»: جمعُ صَنَمٍ، وهو الوَثَنُ المُتَّخَذُ مِن الأحجار وغيرِها على هيئةٍ مخصوصةٍ للعبادة، وقال آخَرون: الوَثَنُ ما له جُثَّةٌ، والصنمُ ما كان مُصوَّرًا.

ـ «أرأيتَ شحومَ المَيْتة؟»: أي: أَخْبِرْني عن حُكْمِ بيعِ الميتة.

ـ «يَسْتصْبِحُ»: يُوقِدونها في المصباحِ يَسْتضيئون بها.

ـ «قاتَلَ اللهُ اليهودَ»: لَعَنَهم اللهُ على حِيَلِهم الباطلة.

ـ «جَمَلُوه»: أي: أذابوه، والجَمِيلُ: هو الشحمُ المُذابُ(١٣) .

رابعًا: المعنى الإجمالي للحديث:

جاء التشريعُ الإسلاميُّ بكُلِّ ما فيه صلاحُ العباد، حيث امتنَّ اللهُ على خَلْقِه بما في الأرضِ جميعًا، ولا يَمْتَنُّ إلَّا بطيِّبٍ مُباحٍ، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا[البقرة: ٢٩]، كما نهى وحَذَّرَ عن كُلِّ ما فيه مَفاسِدُ ومَضَارُّ على خَلْقِه، قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ[الأعراف: ١٥٧].

ومِن تلك الخبائثِ المُحرَّمةِ هذه الأنواعُ الأربعةُ المذكورة في حديثِ جابرٍ رضي الله عنه السابق، التي تُعَدُّ بحقٍّ عناوينَ المَضَارِّ والمَفاسِدِ العائدة على العقول والأبدان والأديان:

ـ فالخمرُ هي كُلُّ ما خامَرَ العقلَ، أي: غطَّاه وحَجَبَ عنه الفهمَ السليم، مِن غيرِ نظرٍ إلى ما اسْتُخْرِجَتْ منه: عِنَبًا كان أو تمرًا أو زبيبًا أو حِنْطةً أو شعيرًا أو نحو ذلك؛ فهي أمُّ الخبائث، وأوَّلُ آفاتها أنها تُزيلُ عن شارِبِها نعمةَ العقلِ التي كرَّمه اللهُ تعالى بها، وتمحو نورَ باطِنِه وظاهِرِه، وتُحسِّنُ له القبيحَ، وتُقبِّحُ له الحَسَنَ؛ فيصيرُ المُنْكَرُ عنده معروفًا، والمعروفُ مُنْكَرًا؛ وبذلك تحطُّ الخمرُ مِن قَدْرِ نَفْسِه وتنزل به مِن مستوى الحياةِ الإنسانية المهذَّبةِ الكريمة إلى مستوى الحياةِ الحيوانية الدنيئة، وقد تَفَضَّلَ اللهُ عليه بالتكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ[الإسراء: ٧٠].

ومِن مُنْكَرات الخمر وآفاتِها مِن الناحية المعنوية: أنها سببٌ في إشاعة العداوة والبَغْضاء بين المسلمين، والصدِّ عن الخير وعن ذِكْرِ الله، قال اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ[المائدة: ٩٠ ـ ٩١].

أمَّا أضرارُها الحسِّيَّة فمُتَعدِّدةٌ، مِن ذلك: أنَّ الخمر مُتْلِفةٌ للكبد تُحوِّلُ خلاياه الحيَّةَ إلى أليافٍ ميِّتةٍ بإجماعِ الأطبَّاء المُتَخصِّصين(١٤)، كما يؤدِّي تَعاطِيها ـ عاجلًا أو آجِلًا ـ إلى تَصَلُّب الشرايينِ وإلى نزيفِ المُخِّ؛ فهي ـ حقًّا ـ مُتْلِفَةٌ للجسم مُذْهِبَةٌ للعقل مُغْضِبةٌ للربِّ.

ـ أمَّا المَيْتة فهي جيفةٌ نَتِنةٌ خبيثةٌ، تسمَّمَتْ بأنواعٍ مِن الأمراض والجراثيم أو كان دمُها مُحْتَقِنًا في لَحْمِها فأَفْسَدَه، فضلًا عن أنَّ النفوس تَعافُها وتتقزَّز منها الأبدانُ، فأَكْلُها تحطيمٌ للبدن وهَدْمٌ للصحَّة.

ـ والخنزير هو أَبْشَعُ أنواعِ الحيوانات خِلْقَةً وأَخْبَثُها، ويحتوي بدنُه جراثيمَ وأمراضًا تُسَمِّمُ الجسدَ وتضرُّ البدن، كما يُورِثُ آكِلَه مِن طباعه الخبيثةِ مِن دياثةٍ وبرودةٍ نفسيةٍ، على ما هو مُشاهَدٌ مِن عامَّةِ بلدان الكُفَّار.

ـ ثمَّ حذَّر الشارعُ مِن مصدرِ ضلالِ البشرية ومَحَطِّ فتنتهم، وهي الأصنامُ التي أُشْرِكَتْ في عبادته وحَقِّه على خَلْقه، فما أُرْسِلَتِ الرُّسُلُ ولا أُنْزِلَتِ الكُتُبُ ولا افترق الناسُ إلى مؤمنين وكُفَّارٍ، سعداءِ الجنَّةِ وأشقياءِ النار، إلَّا لإثبات الألوهية والعبادة لله وَحْدَه لا شريكَ له، ونفيِ استحقاقِ شيءٍ منها عمَّا سواه؛ ولهذا دعا إبراهيمُ الخليلُ عليه السلام ربَّه قائلًا: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ[إبراهيم: ٣٥]، وقد بيَّن ما يُوجِبُ الخوفَ مِن ذلك بقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ[إبراهيم: ٣٦].

ولا يخفى ما في تحريمِ هذه النماذجِ لأنواعِ الخبائث المُحرَّمةِ في الحديث النبويِّ الشريف مِن الدلالة الواضحةِ على حِفْظِ الدين والبدن والعقل وصيانةِ الأخلاق والطِّباعِ، ليعيشَ المسلمُ مُوَقَّرًا بين أقرانه، مُكَرَّمًا بين أنداده، فردًا صالحًا ينتمي إلى الأسرة الإسلامية السامية.

خامسًا: الفوائد والأحكام المستنبطة من الحديث:

يمكنُ استنباطُ الأحكامِ واستخراجُ الفوائدِ التالية مِن حديث جابرٍ رضي الله عنه المتقدِّم:

١ ـ تحريم بيعِ الخمر، وعَمَلِه، وما يُعِينُ عليه، وأَخْذِ ثَمَنِه، وشُرْبِه، وكذا التداوي به، مِن غيرِ نظرٍ إلى ما اسْتُخْرِجَتْ منه: تمرًا كان أو عِنَبًا أو حِنْطةً أو شعيرًا، سائلًا أو جامدًا، ويدخل كُلُّ ذلك في مسمَّى الخمرِ باعتبارِ المعنى العامِّ فيها وهو الإسكار.

وبخصوصِ تحريمِ بيع الخمر، فقَدْ ثَبَتَ عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا: «حُرِّمَتِ التِّجَارَةُ فِي الخَمْرِ»(١٥).

ويُلْحَق بذلك كُلُّ ما كان ضرَرُه كبيرًا على الدينِ والعقل والبدن والمالِ أو على أحَدِها كالأفيون والحشيش والقاتِ والدخان والمشروبات القاتلة والأعشاب السامَّة، وغيرِ ذلك مِن أنواعِ الخبائث التي تُعَدُّ سببًا للشرور والعداوات والجنايات.

٢ ـ تحريم بيعِ المَيْتة وأكلِ لَحْمِها وشَحْمِها وكُلِّ أجزائها التي تَحلُّ الحياةُ فيها لِما فيها مِن المَضَارِّ؛ فإنَّ الغالب في الذي يموت حَتْفَ أَنْفِه أنه لا يَسْلَمُ مِن مادَّةٍ سُمِّيَّةٍ كانَتْ سببَ هلاكِه، ويُلْحَق بها ما قُطِعَ مِن الحيِّ، لحديث أبي واقدٍ الليثيِّ رضي الله عنه قال: «قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا قُطِعَ مِنَ البَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ»»(١٦).

واستثنى العلماءُ مِن ذلك:

ـ مَيْتة السمك والجراد: لأنَّ مَيْتتهما طاهرةٌ طيِّبةٌ ليس فيها مَضَرَّةٌ، وقد ثَبَتَ مِن حديثِ عبد الله بنِ عمر رضي الله عنهما أنه قال: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، أَمَّا المَيْتَتَانِ فَالحُوتُ وَالجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالكَبِدُ وَالطِّحَالُ»(١٧).

ـ ما يُنْتَفع به ممَّا لا تَسْرِي فيه الحياةُ مِن الميتة كشعرِها وعَظْمِها وقَرْنِها وظُفْرِها وريشِها وحافِرِها وجِلْدِها إذا دُبِغ وكُلِّ ما هو مِن جنسِ ذلك(١٨)؛ لأنه ليس له صِلَةٌ بها ولا تَسْرِي فيه الحياةُ، ولأنَّ الأصل فيها الطهارةُ، قال الزُّهْرِيُّ في عِظامِ الموتى نحو الفيلِ وغيرِه: «أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ سَلَفِ العُلَمَاءِ يَمْتَشِطُونَ بِهَا وَيَدَّهِنُونَ فِيهَا، لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا»(١٩)، وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: «تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ فَمَاتَتْ، فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُم بِهِ؟» فَقَالُوا: «إِنَّهَا مَيْتَةٌ»، فَقَالَ: «إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا»»(٢٠).

٣ ـ تحريم التجارة في الخنزير وأَكْلِه(٢١): لِما فيه مِن جراثيمَ ضارَّةٍ لا تموت بالغَلْي، ويَحْمِل ـ أيضًا ـ الدودةَ الشريطية التي تَمْتَصُّ الغذاءَ النافع مِن جسمِ الإنسان، وما يُورِثُ آكِلَه مِن طباعٍ خبيثةٍ وأخلاقٍ رذيلةٍ، ويدخل مِن هذه الجهةِ كُلُّ ما يُفْسِد الأخلاقَ والطباعَ مِن الصُّوَر الماجنةِ والأفلام الفاتنة المُثيرةِ للغرائز الجنسية.

٤ ـ تحريم بيعِ الأصنام على مُخْتَلَفِ أشكالها وأنواعها، سواءٌ كانَتْ مِن خشبٍ أو حجارةٍ أو حديدٍ أو غيرِها، والتحذيرُ مِن اتِّخاذها وترويجها، وكما حُرِّم بيعُها حُرِّم نَحْتُها وتصويرُها إجماعًا(٢٢) لِما فيها مِن مُحارَبةِ الله تعالى ومُحادَّته.

وممَّا يَحْرُم بيعُه ما يُعَلِّقه بعضُ الناسِ اليومَ داخِلَ السيَّاراتِ على شَكْلِ قِرَدَةٍ، وما يُوضَعُ على الأبواب والحوانيت مِن حذوةِ حصانٍ، أو سنابلَ مِن الحنطة، أو غيرِ ذلك مِن أعمال الجاهلية المنهيِّ عنها أشَدَّ النهي.

ومِن ذلك ـ أيضًا ـ التماثيلُ المنصوبةُ ذاتُ الروح والصُّوَر لأنَّ الجاهلية كانَتْ تعظِّمُ الصُّوَرَ، ولا يخرج عنها إلَّا ما كان يُمْتَهنُ مِن الثياب والبُسُطِ ونحوِها لنهيِه صلَّى الله عليه وسلَّم عن الصُّوَر إلَّا ما كان رَقْمًا في ثوبٍ(٢٣).

هذا إذا بَقِيَتِ الأصنامُ على صورتها، أمَّا إذا كُسِرَتْ قِطَعًا فإنه يجوز بيعُها إذا لم تُعَدَّ أصنامًا(٢٤).

فضرَرُ هذه الخبائثِ الأربعِ المُحرَّمةِ راجعٌ على الدين والعقل والأخلاق والطِّباع.

٥ ـ ويدلُّ الحديثُ أنَّ المذكوراتِ المحرَّمةَ ليست مالًا مُتقوِّمًا شرعًا يُقابَل بعِوَضٍ ماليٍّ، بمعنى أنَّ الشارع لم يُقِرَّ بماليَّته، ولا خلافَ بين العلماءِ في اشتراطِ هذا الشرط؛ إذ حُكْمُ الشارعِ على مثلِ هذه العقودِ لا يُتوخَّى فيها مصلحةُ المتعاقِدَيْن فحَسْبُ، بل كذلك كونُ تصرُّفهما مأذونًا فيه شرعًا ومُحقِّقًا للمصلحة التي رَعَاها الشارعُ الحكيم(٢٥).

٦ ـ أنَّ الأعيان والأشياء إذا كانَتْ دائرةً بين النفع والضرر، أو كان ضرَرُها أَرْجَحَ مِن نَفْعِها أو مُساوِيًا له؛ فهي حرامٌ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»(٢٦)، وانبثَقَتْ مِن هذا الحديثِ القاعدةُ القائلة: «دَرْءُ المَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ المَصَالِحِ»؛ ولهذا لم يُبِحِ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بَيْعَ شحومِ الميتة والمُعامَلةَ بها، مع كثرةِ مَصالِحِها وتَعَدُّدِ مَنافِعها؛ فإنَّ الشارع جاء بكُلِّ ما فيه خيرٌ للعباد، وحذَّر مِن كُلِّ ما فيه شرٌّ لهم أو تَرَجَّحَ شرُّه على خيره.

٧ ـ أنَّ المُعاوَضةَ على الأشياءِ التي يُتوصَّل بها إلى معصية الله تعالى حرامٌ ولو كان الشيءُ في حدِّ ذاته مُباحًا بالأصل؛ فاتِّخاذُه وسيلةً لمعصيةِ الله تعالى وسببًا لتعدِّي حدوده حرامٌ؛ ولهذا قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا، هُوَ حَرَامٌ».

٨ ـ مُخادَعةُ الله تعالى بالتحيُّل على مَحارِمه سببُ لَعْنَتِه وغضبِه؛ فإنَّ مَن اعتدى على حدود الله عالمًا بتحريمها أَهْوَنُ وأخَفُّ مِن أَنْ يأتيَ حُرُماتِه مُتَخَفِّيًا ومتوسِّلًا إليها بالحِيَل، لِما يُرْجى للأوَّل مِن الرجوع والاستغفار، ويُخشى على الثاني مِن الاستمرار على الآثام والدوام على الباطل(٢٧).

٩ ـ كمال رأفةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ونصحِه لأمَّته بتحذيرهم مِن الوقوع في استحلالِ المحرَّمات بالحِيَلِ الدنيئةِ السافرة، حيث دَعَا على اليهودِ بالطرد مِن رحمةِ الله؛ ليُشْعِر أمَّته بما حَلَّ بهم مِن المسخ والعذاب جزاءً على احتيالهم ومروقهم.

١٠ ـ مُخادَعةُ الله بالحِيَلِ والتلاعبُ بأوامِرِه ونواهيه والاستخفافُ بأحكامه وحدودِه هي سنَّةُ اليهودِ المغضوبِ عليهم.

١١ ـ «فيه دليلٌ على إبطال الحِيَل، والحجَّةُ على مَن قال بها في إسقاط حدود الشرعِ مِن الكوفيين»(٢٨).

١٢ ـ أنَّ تسمية الأشياءِ والأعيانِ بغيرِ أسمائها، أو زوالَ بعضِ صفاتها لا يُغيِّرُ حقائقَها مِن حيث التحريمُ.

١٣ ـ والحديث دليلٌ على أنه إذا حُرِّم بيعُ شيءٍ حُرِّم ثمنُه، لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ»(٢٩)، وقد استعمل الفقهاءُ هذا المعنى في قاعدةِ: «مَا حُرِّمَ لِذَاتِهِ حُرِّمَ ثَمَنُهُ»(٣٠).

١٤ ـ فيه حجَّةٌ لمالكٍ ـ رحمه الله ـ في مُراعاةِ الذرائعِ وسَدِّ بابِها؛ لأنَّ اليهود تَوجَّهَ عليهم اللومُ بتحريمِ أكلِ الثمنِ لتحريمِ أكلِ المُثْمَنِ الذي هو الشحمُ، وأَكْلُ الثمنِ ليس هو أَكْلَ الشحمِ بعينه، لكنَّه لمَّا كان سببًا إلى أكلِ الشحم مِن حيث المعنى استحقُّوا اللومَ على ذلك(٣١).

١٥ ـ هذه الخبائثُ المحرَّمة في الحديث هي عناوينُ المَفاسِدِ والمَضارِّ العائدةِ على العقول والأبدان والأديان والطباع والأخلاق، وقعَّد الفقهاءُ لمثلِ هذه الأضرارِ والخبائث قاعدةَ: «التَّحْرِيمُ يَتْبَعُ الخُبْثَ وَالضَّرَرَ»؛ ذلك لأنَّ ما يعود على الناسِ بالمصلحة والفائدةِ أَحَلَّه، وما يعود عليهم بالضرر أو الخبث حرَّمه، ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ[البقرة: ٢٢٠].

سادسًا: مواقف العلماء من الحديث (فقه الحديث):

يظهر مِن حديث جابرٍ رضي الله عنه السابقِ اختلافُ العلماءِ في المسألتين التاليتين:

ـ الأولى: في تعليل تحريمِ بيع المذكورات في الحديث.

ـ الثانية: في رجوعِ الضمير في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا، هُوَ حَرَامٌ».

ونكتفي في هاتين المسألتين ببيانِ بعضِ الأدلَّةِ المُتنازَع عليها، وإبرازِ سببِ اختلافهم؛ ذلك لأنَّ مُناقَشةَ الأدلَّةِ طويلةٌ، ومَجالُ عَرْضِها الموسوعاتُ الفقهية.

المسألة الأولى: في تعليل تحريم بيع المذكورات في الحديث:

يرى العلماءُ أنَّ العلَّة في منعِ بيعِ الأصنامِ عدَمُ المنفعةِ المُباحةِ شرعًا، ويختلفون في عِلَّةِ تحريمِ بيعِ الخمر والمَيْتة والخنزير.

أ ـ مذاهب العلماء:

ـ مذهب الجمهور أنَّ العلَّة في منعِ بيعِ الثلاثةِ الأُوَلِ النجاسةُ فيتعدَّى ذلك إلى كُلِّ نجاسةٍ(٣٢).

ـ وترى طائفةٌ مِن العلماءِ(٣٣) عدَمَ انتهاضِ الأدلَّةِ على نجاسةِ الخمر، وكذا نجاسة المَيْتة والخنزير، وأيَّد الصنعانيُّ ـ رحمه الله ـ هذا الرأيَ، حيث جَزَمَ بأنَّ بيعَها حُرِّم تَعَبُّدًا فقال: «... بل العلَّةُ التحريمُ؛ ولذا قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَمَّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ»؛ فجعل العلَّةَ نَفْسَ التحريمِ ولم يذكر عِلَّةً»(٣٤).

ب ـ أدلة العلماء:

أدلة الفريق الأوَّل: وقد استدلَّ القائلون بنجاسةِ الخمر بما يلي:

ـ بالكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ[المائدة: ٩٠].

وجهُ دلالةِ الآية: أنَّ الأمر باجتنابِ الخمر في الآيةِ دليلٌ ظاهرٌ في إفادة نجاستها؛ ذلك لأنَّ الميسر والأنصاب والأزلام خَرَجَتْ طهارتُها بالإجماع، وبَقِيَتِ الخمرُ على مقتضى الكلام على ما ذَكَرَهُ النوويُّ ـ رحمه الله ـ(٣٥).

ـ وبقوله تعالى ـ في شرابِ أهل الجنَّة ـ: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا[الإنسان: ٢١]؛ إذ يُفهَمُ منه بدليلِ الخطابِ أنَّ خَمْرَ الدنيا ليس طاهرًا، ولو كان طاهرًا لَفَاتَ الامتنانُ بكونِ شرابِ الآخرةِ طهورًا؛ فدلَّ ذلك على أنَّ وَصْفَ الطَّهورِ الذي مَدَحَ اللهُ به خَمْرَ الآخرةِ مُنْتَفٍ عن خمرةِ الدنيا(٣٦).

ـ بالسنَّة: حديث أبي ثعلبة الخُشَنيِّ رضي الله عنه أنه سأل رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «إِنَّا نُجَاوِرُ أَهْلَ الكِتَابِ وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمُ الخِنْزِيرَ وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمُ الخَمْرَ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَكُلُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَارْحَضُوهَا بِالمَاءِ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا»(٣٧).

فظاهِرُ الحديثِ يدلُّ على نجاسةِ الخمر الذي يُوضِّحُه سببُ سؤالِ أبي ثعلبةَ الخُشَنيِّ رضي الله عنه للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، حيث قَرَن ـ في سؤاله ـ بين قدور الخنزير وآنيةِ الخمر؛ فتَبيَّنَ ـ بدلالةِ الاقتران ـ أنَّ نجاسةَ الخمرِ عينيةٌ كنجاسة الخنزير.

أدلة الفريق الثاني:

واستدلَّ القائلون بطهارتها بأدلَّةٍ منها:

ـ بالسنَّة: أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم «نَهَى عَنِ التَّخَلِّي فِي الطُّرُقَاتِ»، وسببُ النهيِ مَنْعُ انتشار النجاسة في الطُّرُق؛ فلو كانَتِ الخمرُ نَجِسةَ العينِ لَنهى الصحابةَ رضي الله عنهم عن إراقتها في شوارع المدينةِ عند نزولِ تحريمها، وسكوتُه عن فِعْلِهم دليلٌ على طهارتها.

ـ «الأَصْلُ فِي الأَعْيَانِ الطَّهَارَةُ»، ولم يَرِدْ نصٌّ شرعيٌّ يُفيدُ نجاسةَ الخمر.

جـ ـ مناقشة أدلَّة الفريقين:

مَن تَمَسَّك بأنَّ «الأَصْلَ فِي الأَعْيَانِ الطَّهَارَةُ» وأنه لا صارِفَ يصرف الخمرَ إلى النجاسة أجابَ عن دليلِ الآية: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ بأنَّ الرِّجْسَ معناه: المُسْتقذَرُ الذي تَعافُهُ النفوسُ، وليس النَّجِسَ الذي هو ضِدُّ الطهارة، وعلى فَرْضِ أنَّ معنى الرِّجْسِ هو النَّجِسُ فهو محمولٌ على النجاسة المعنوية؛ لأنَّ لفظ «رِجْس» خبرٌ عن الخمر وما عُطِف عليها، وهو لا يُوصَف بالنجاسة الحسِّية قطعًا، بدليلِ قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ[الحج: ٣٠]؛ فالأوثانُ رِجْسٌ معنويٌّ لا تُنَجِّسُ مَن لَمَسَها أو مَسَّها، وقولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا[الأحزاب: ٣٣]، والمرادُ مِن الرِّجْسِ: الإثمُ والذنب، فضلًا عن أنه أَعْقَبَ الآيةَ ببيانِ أنه مِن هذا القبيلِ بقوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، يُوقِعُ العداوةَ والبغضاء، ويصدُّ عن ذِكْرِ الله وعن الصلاة(٣٨)؛ فكان حكمًا عمليًّا مُتعلِّقًا بهذه الأعيانِ لا يَصِحُّ أَنْ يُوصَف بالنجاسة الحسِّية.

أمَّا الاعتراضُ الذي ذَكَرَهُ النوويُّ ـ رحمه الله ـ مِن أنَّ الميسر والأنصاب والأزلام خرجَتْ طهارتُها بالإجماع، فبَقِيَتِ الخمرُ على مقتضى الكلام؛ فجوابُه مِن جهتين:

ـ الأولى: أنَّ «الأَصْلَ فِي الأَعْيَانِ الطَّهَارَةُ»، وبقاءُ الاحتمالِ السابقِ يَمْنَعُ تَحوُّلَه إلى نجاسةٍ حسِّيَّةٍ؛ فيُحتاج ـ لنَقْلِ الخمر عن هذا الأصلِ ـ إلى دليلٍ مُعارِضٍ صارفٍ، والأصلُ عدَمُه وبقاءُ ما كان على ما كان، وإثباتُه بالآيةِ لا يَتعيَّن؛ ذلك لأنَّ النجاسة المعنوية مُجْمَعٌ عليها أوَّلًا، ولأنَّ حَمْلَ الرجسِ على النجاسة الحسِّية في حقِّ الخمر وَحْدَها غيرُ مستقيمٍ لوجودِ الصارفِ المتقدِّم ثانيًا، ولأنَّ اللفظ ـ ثالثًا ـ لا يمكن استعمالُه في مَعْنَيَيْن مُخْتَلِفَيْن في آنٍ واحدٍ وفي تركيبٍ واحدٍ.

ـ الثانية: أنَّ الميسر والأنصاب والأزلام مُجْمَعٌ على طهارتها، وعَطْفَها على الخمر يدلُّ بدلالةِ الاقتران على حكمٍ واحدٍ؛ ذلك لأنَّ دلالة الاقترانِ على مَراتِبَ مُتفاوِتةٍ قوَّةً وضعفًا(٣٩)، وتظهر في هذه الصورةِ قوَّتُها مِن حيث إنَّ لفظ الآية: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ جَمَعَ بين مُقْتَرِنَاتٍ اشتركَتْ في إطلاقه وافترقَتْ في تفصيله؛ ذلك لأنَّ العطف إنما يُفيدُ الاشتراكَ في المعنى إِنْ عُطِف مُفْرَدٌ على مُفْرَدٍ دون جملةٍ على جملةٍ؛ وعليه تكون الخمرُ أسوةً بالثلاثة الطاهرةِ في الحكم.

ـ وأمَّا الاستدلال بمفهوم المُخالَفة في قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا[الإنسان: ٢١]: فعلى القول بحجِّيَّة مفهوم المخالفة (دليل الخطاب) فلا يتمُّ صحيحًا إلَّا إِنْ كان المنطوقُ يُشْعِر بأنَّ حُكْمَ المسكوتِ عنه مُخالِفٌ لحُكْمِه، والطهارةُ الأخروية المنطوقُ بها محمولةٌ تفسيرًا على تطهيرِ بَواطِنِهم مِن الحسد والغِلِّ والأذى وسائِرِ الأخلاق الرديئة الموجودةِ في الشراب الحسِّيِّ، وبهذا التفسيرِ قال بعضُ السلف كعليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه ومُقاتِلٍ وغيرهما(٤٠)؛ وعليه فكان التطهيرُ معنويًّا يتعذَّر معه الاستدلالُ بدليلِ الخطاب، ويؤيِّد ذلك قولُه تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ[الصافَّات: ٤٧]، وقولُه تعالى: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ[الواقعة: ١٩]؛ فإنَّ الله تعالى نزَّه خَمْرَ الجنَّةِ مِن الآفات التي في خَمْرِ الدنيا مِن وَجَعِ الرأس والصُّداع بسببها، ولا تَغْتَال عقولَهم ولا يذهب وَعْيُهم، بل تبقى عقولُهم ثابتةً مع وجود المنفعة وحصولِ اللذَّة.

والمعلومُ ـ تقعيدًا ـ أنه لا يُسْتَدلُّ بمفهومِ المُخالَفة إذا خَرَجَ مَخْرَجَ الامتنان، فهو ـ بهذا الاعتبارِ ـ مِن مُسْتَثْنَيات المفهومِ وقيوده(٤١).

ولو حُمِلَتْ على التطهير الحسِّيِّ فيكون معنى الآيةِ هو: «إِذا ما شَرِبُوه بعد أَكْلِهم طهَّرهم وصارَ ما أكلوه وما شَرِبوه رَشْحَ مِسْكٍ وضَمِرَتْ بطونُهم»، أي: أنَّ الشراب لا يُصْبِح بولًا نَجِسًا بل رَشْحًا مِن أبدانهم كرَشْحِ المسك، وبه قال أبو قِلابةَ وإبراهيمُ النَّخَعيُّ(٤٢)، وهذا خارجٌ عن مَحَلِّ النزاع؛ وعليه فلا يتمُّ الاستدلالُ بالآية على نجاسة خَمْرِ الدنيا، و«الأَصْلُ فِي الأَعْيَانِ الطَّهَارَةُ».

ـ وأُجيبَ عن حديثِ أبي ثعلبة رضي الله عنه أنه: إمَّا أَنْ يكون محمولًا على كراهة الأكل في آنيتهم للاستقذار لا لكونها نَجِسةً؛ إذ لو كان الغَسْلُ لأجلِ النجاسة لم يجعله مشروطًا بعدَمِ الوجدان لغيرها؛ إذ لا فَرْقَ بين الإناء المتنجِّس بعد إزالة نجاسته وبين ما لم يتنجَّس؛ فليس ذلك إلَّا للاستقذارِ أو سدًّا لذريعة المحرَّم(٤٣).

أمَّا الاستدلال بالاقتران فإنَّ دلالته عند جمهور الأصوليِّين ضعيفةٌ؛ ذلك لأنَّ الاقتران في النظم لا يَسْتلزِمُ الاقترانَ في الحكم(٤٤).

د ـ سبب اختلاف العلماء في مسألة تعليل منعِ مذكورات الحديث:

وفي تقديري، فإنَّ سبب الاختلافِ في مسألة نجاسة الخمر يكمن في مسألتَيْن أصوليَّتَيْن وهما:

ـ الأولى: هي الاختلاف في جوازِ استعمالِ الكلمة في معناها الحقيقيِّ والمجازيِّ في آنٍ واحدٍ إذا كان مُمْكِنًا(٤٥).

ـ الثانية: هي الاختلاف في جوازِ إطلاق اللفظِ المُشْتركِ وإرادةِ مَعْنَيَيْه اللَّذَيْن وُضِع لهما.

ـ فمَن رأى أنه يجوز استعمالُ اللفظ في حقيقته ومَجازِه، كما يجوز عمومُ المُشْتركِ ـ وهو إطلاقُ اللفظِ المُشْتركِ وإرادةُ مَعْنَيَيْه ـ؛ قال بأنَّ الآية تُفيدُ نجاسةَ الخمر؛ وذلك باستعمالِ المعنيين معًا ـ الحقيقيِّ والمجازيِّ ـ وإرادتِهما باللفظ المُشْترَك.

ـ ومَن رأى أنه لا يجوز استعمالُ اللفظِ في حقيقته ومَجازِه في آنٍ واحدٍ، كما يُمْنَع عنده عمومُ المُشْتركِ؛ قال بطهارة الخمر، وعملًا بأنَّ «الأَصْلَ فِي الأَعْيَانِ الطَّهَارَةُ» ولا يَلْحق بالخمر سوى الرِّجْسِ بمعنى المُسْتَقذَرِ أو الرِّجْسِ المعنويِّ لا الحسِّيِّ.

ـ وسببُ الخلاف في مسألةِ نجاسةِ المَيْتة والخنزير يرجع إلى المُراد مِن الرِّجْس في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ[الأنعام: ١٤٥]: فهلِ المرادُ بالرِّجْس في الآية: النَّجِسُ أم الحرام؟(٤٦) وهل يرجعُ الضميرُ في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ إلى جميعِ مذكورات الآيةِ أم إلى أَقْرَبِ مذكورٍ؟ وإذا كان رجوعُه إلى أَقْرَبِ مذكورٍ: فهل يرجع إلى اللحم أم إلى الخنزير؟(٤٧)

ـ فمَن رأى أنَّ الرِّجْسَ في الآيةِ بمعنى النَّجِس ورأى أنَّ الضمير يرجع إلى الخنزير لكونه أَقْرَبَ مذكورٍ؛ قال: صحَّ بالقرآنِ نجاسةُ عَيْنِ الخنزير سواءٌ ذُكِّيَ أم لم يُذَكَّ(٤٨).

ـ ومَن رأى أنَّ المراد بالرِّجس النَّجِس، ورأى أنَّ الضمير في الآيةِ يعود على لحمِ الخنزير؛ قال بنجاسةِ لحمِ الخنزير دون شحمِه(٤٩)، وعليه فلا تَثْبُتُ النجاسةُ في غيرِ لحمِه، ومَن سَلَكَ هذا المسلكَ وحرَّمه فقَدْ نَقَلَ ابنُ حزمٍ ـ رحمه الله ـ عن بعضهم أنه إنما حرَّمه قياسًا على لحمِه، وأنَّ الإجماع على تحريمِه إنما هو مِن قبيلِ القياس المذكور(٥٠)؛ قال بتعميمِ نجاسته بالنصِّ على اللحم وبالإجماع على شحمِه(٥١).

ـ ومَن رأى أنَّ المراد بالرِّجْس: الحرامُ ـ كما يُفيدُه سياقُ الآية والمقصودُ منها؛ فإنها وَرَدَتْ فيما يَحْرُمُ أَكْلُه لا فيما هو نَجِسٌ ـ قال: لا تَلازُمَ بين التحريم والنجاسة فقَدْ يكون الشيءُ حرامًا وهو طاهرٌ، وحَكَمَ بطهارةِ عَيْنِ الخنزير وأَخْرَجَ المَيْتةَ مِن الطهارةِ بحديثِ: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» فيُفيدُ أنه كان نَجِسًا(٥٢).

ـ ومَن وافَقَ على أنَّ الرِّجْسَ هو الخبيثُ الذي لا يَحِلُّ أكلُه والمُسْتقذَرُ الذي تَعافُهُ النفوسُ لا أنه النَّجِسُ، ورأى أنَّ الخنزير جنسٌ مِن حيوانٍ تَحلُّه الحياةُ، فما دامَتِ الحياةُ فيه موجودةً حَكَمَ بطهارته لأجلها، أمَّا إذا ارتفعت الحياةُ عنه كالمَيْتة ارتفع الحكمُ الذي هو طهارتُها، فإِنِ ارتفعَتْ إلى الذكاة كانت طهارتُها الذكاةَ وارتفعَتْ طهارةُ الحياةِ وخلَفَتْها الذكاةُ، وإن ارتفعَتْ لا إلى ذكاةٍ نَجُسَتْ(٥٣).

هـ ـ الترجيح:

والظاهر ـ في مسألة نجاسة الخمر ـ امتناعُ الجمعِ بين المعنى الحقيقيِّ والمعنى المجازيِّ في آنٍ واحدٍ؛ لِتَبادُرِ المعنى الحقيقيِّ مِن اللفظ مِن غيرِ مُشارَكةِ غيرِه في التبادر عند الإطلاق، كما يَسْتقِلُّ بمجرَّدِه في منعِ إرادة المعنى المجازيِّ مع المعنى الحقيقيِّ بذلك اللفظِ المُفْرَد(٥٤)، وهذا ما لم يتعيَّن المعنى المجازيُّ بالنصِّ أو القرينة.

ـ أمَّا اختلافُهم في «عموم المُشْتَرك»، فإنَّ أكثرَ المحقِّقين على مَنْعِه؛ لأنَّ قرينة كُلِّ مجازٍ تُنافي إرادةَ غيرِه مِن المجازات، ولأنَّ المُشْتَركَ لم يُوضَعْ لمَعانِيهِ بوضعٍ واحدٍ؛ فإرادةُ كُلِّ المعاني منه في لفظٍ واحدٍ مُخالِفةٌ للوضع العربيِّ في اللغة، ومُخالَفتُه غيرُ جائزةٍ(٥٥)، ولأنَّ العموم في اللفظِ تابعٌ للعموم في المعنى؛ فإذا لم يكن بين المعنيَيْن قَدْرٌ مُشْترَكٌ يُسْتعمَلُ اللفظُ فيه وَجَبَ أَنْ لا يَعُمَّ(٥٦).

ـ أمَّا مسألةُ نجاسة المَيْتة والخنزير فالذي يظهر أنَّ الوارد في القرآنِ الكريم تحريمُ أكلِ المَيْتة لا الحكمُ بنجاستها؛ إذ «التَّحْرِيمُ لَا يُلَازِمُ النَّجَاسَةَ»، غيرَ أنه وَرَدَ حديثُ: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ»(٥٧)، وحديثُ: «دِبَاغُ الأَدِيمِ ذَكَاتُهُ»(٥٨)، وغيرُهما مِن الأحاديثِ التي تدلُّ بمفهومها على نجاسةِ لحمِها وشحمِها وجِلْدِها قبل الدبغ، وهي تُقَوِّي نجاسةَ المَيْتة(٥٩)؛ وعليه فلا يجوز البيعُ والانتفاعُ بشيءٍ منها إلَّا ما وَرَدَ به النصُّ ـ كما سيأتي ـ.

ـ أمَّا الدمُ المسفوحُ فحرامٌ ما لم تَعُمَّ به البلوى فإنه مَعْفُوٌّ عنه، والذي تعمُّ به البلوى هو الدمُ الذي خالَطَ اللحمَ وعروقَه، ويُسْتثنى ـ أيضًا ـ بالنصِّ الكبدُ والطِّحالُ؛ فهذه المُسْتَثْنَيَاتُ بالنصِّ أو بعمومِ البلوى مُجْمَعٌ على جوازِ أَكْلِها وبيعِها(٦٠).

هذا، ولا تَلازُمَ بين التحريم والنجاسة؛ فقَدْ صحَّ عن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه أنه نَحَرَ جزورًا فتَلَطَّخَ بدَمِها وفَرْثِها ثمَّ أُقِيمَتِ الصلاةُ فصلَّى ولم يتوضَّأ(٦١).

ـ أمَّا الخنزير فإنَّ جماهيرَ العلماءِ يذهبون إلى القول بنجاسته استنادًا إلى الآية السالفةِ الذِّكر، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ(٦٢) فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ»(٦٣)، والمشهورُ عن الإمام مالكٍ طهارةُ الخنزير(٦٤).

يقول الصنعانيُّ ـ رحمه الله ـ: «والحقُّ أنَّ الأصل في الأعيانِ الطهارةُ، وأنَّ التحريمَ لا يُلازِمُ النجاسةَ؛ فإنَّ الحشيشة محرَّمةٌ وهي طاهرةٌ، وأمَّا النجاسةُ فيُلازِمُها التحريمُ؛ ﻓ«كُلُّ نَجِسٍ مُحَرَّمٌ وَلَا عَكْسَ»؛ وذلك لأنَّ الحكم في النجاسةِ هو المنعُ مِن مُلامَستِها على كُلِّ حالٍ؛ فالحكمُ بنجاسةِ العينِ حكمٌ بتحريمها، بخلافِ الحكم بالتحريم، فإنه يَحْرُمُ لُبْسُ الحريرِ والذهبِ وهما طاهرانِ ضرورةً وإجماعًا»(٦٥).

المسألة الثانية: في عَوْدِ الضمير عند قوله: «لا، هو حرام»:

اتَّفق العلماءُ على تحريمِ الانتفاع بشحوم المَيْتة والأدهانِ المتنجِّسة في أَكْلِ الآدميِّ ودَهْنِ بدنه، فيَحْرُمان كحُرْمَةِ أكلِ الميتة والترطُّب بالنجاسة، واختلفوا في المقصود مِن التحريم عند قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا، هُوَ حَرَامٌ» على قولين:

أ ـ مذاهب العلماء:

ـ أوَّلًا: ذَهَبَ جمهورُ العلماء إلى أنَّ المقصود تحريمُ الانتفاع، وقولُهم مؤسَّسٌ على عَوْدِ الضمير إلى الانتفاع بقرينةِ قولِ الصحابيِّ: «فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ»؛ وعلى هذا فلا يُنْتَفعُ مِن المَيْتة أصلًا ـ عندهم ـ إلَّا بجِلْدِها إذا دُبِغ عملًا بأحاديثِ الدباغ المتقدِّمة(٦٦).

ـ ثانيًا: ذَهَبَ الإمامُ الشافعيُّ ومَن وافَقَه مِن الأئمَّةِ إلى أنَّ المقصود: تحريمُ البيع، وقولُهم مبنيٌّ على عَوْدِ الضمير على البيع مُسْتَدِلِّين بما يلي:

١ ـ بأنَّ سياق الحديثِ شاهدٌ على تحريمِ البيع في بدايته ونهايته:

ـ أمَّا بدايتُه فبقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ ...»؛ ولهذا كان السؤالُ واردًا عليه.

ـ أمَّا نهايتُه عند قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «... جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ ...»، فأفادَ ـ بظاهِرِه ـ تَوَجُّهَ النهيِ إلى البيع الذي تَرتَّبَ عليه أكلُ الثمن.

٢ ـ وبما رواه النسائيُّ وغيرُه: أنه صلَّى الله عليه وسلَّم سُئِل عن الفأرةِ إذا وَقَعَتْ في سَمْنٍ فقال: «إِنْ كَانَ جَامِدًا فَخُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَأَلْقُوهُ، وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا أَوْ مَائِعًا فَاسْتَصْبِحُوا بِهِ أَوْ فَاسْتَنْفِعُوا بِهِ»(٦٧)، ووجهُ دلالته ظاهرٌ في جوازِ الانتفاعِ بالسَّمْن المتنجِّس، ولا قائلَ بالفرق بينها وبين شحوم المَيْتة.

٣ ـ وبالإجماع: استدلُّوا على جوازِ الانتفاعِ بأنَّ مَن ماتَتْ له دابَّةٌ ساغَ له إطعامُها لِكلابِ الصيد، فكذلك يسوغ دَهْنُ السفينةِ بشحم المَيْتة ولا فَرْقَ(٦٨).

ب ـ الترجيح:

وأَرْجَحُ القولين ـ فيما يظهر ـ ما ذَهَبَ إليه القائلون بأنَّ المقصود تحريمُ البيعِ لا الانتفاعِ؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يخبرهم ابتداءً عن تحريم الانتفاع حتَّى يبيِّنوا له حاجتَهم إليه، بل لم يُرِدِ الترخيصَ لهم في البيع مِن جهةٍ، ولم يُرِدِ النهيَ لهم عن الانتفاع بالمذكور مِن جهةٍ أخرى، ولا تَعارُضَ بين حُرْمةِ البيع وحِلِّ الانتفاع ولا تَلازُمَ بينهما؛ وبذلك تظهر قوَّةُ هذا المذهب، وبه قال جماعةٌ مِن الصحابة منهم: عليُّ بنُ أبي طالبٍ وابنُ عمر وأبو موسى رضي الله عنهم، ومِن التابعين: القاسمُ بنُ محمَّدٍ وسالم بنُ عبد الله وغيرُهم(٦٩).

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.



(١) فائدةٌ: مِن أعلى مَراتِبِ الرواية «سمعتُ»، ثمَّ يَليها قولُ الراوي: «قال» وغيرها لاحتمالِ عدمِ السماعِ مُباشَرةً، ثمَّ يَليها ثالثًا قولُه: «أَمَرَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم» لوجودِ الاحتمال السابق ولكونِ الصحابيِّ قد يفهم الأمرَ أمرًا وليس كذلك أو النهيَ نهيًا وليس كذلك، ثمَّ يأتي قولُه: «أُمِرْنا ونُهِينا» لوجود الاحتمالين السابقين ولأنه قد لا يكون الآمرُ والناهي هو النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وخامسًا قولُه: «كنَّا نفعل في زمنِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كذا وكذا» [انظر: «روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ١٩٦)].

(٢) أخرجه البخاريُّ (٤/ ٤٢٤)، ومسلمٌ (٦/ ٦)، وأبو داود (٣/ ٢٧٩)، والترمذيُّ (٣/ ٥٩١)، وابنُ ماجه (٢/ ٧٣٢) وغيرُهم.

(٣) أخرجه مسلمٌ (١٢/ ١٩٦).

(٤) انظر ترجمته وأحاديثه في: «مسند أحمد» (٣/ ٢٩٢)، «التاريخ الكبير» (٢/ ٢٠٧) و«التاريخ الصغير» (١/ ١٩٠، ٢٢١، ٢٢٤) كلاهما للبخاري، «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٢/ ٤٩٢)، «المستدرك» للحاكم (٣/ ٤٦٤)، «الاستيعاب» لابن عبد البرِّ (١/ ٢١٩)، «جامع الأصول» لابن الأثير (٩/ ٨٦)، «أُسْد الغابة» (١/ ٢٥٦) و«الكامل» (٤/ ٤٤٧) كلاهما لابن الأثير، «سِيَر أعلام النُّبلاء» (٣/ ١٨٩) و«دُوَل الإسلام» (١/ ٥٦) كلاهما للذهبي، «البداية والنهاية» لابن كثير (٩/ ٢٢)، «وفيات ابنِ قنفذ» (٢٣)، «الإصابة» (١/ ٢١٣) و«تهذيب التهذيب» (٢/ ٤٢) كلاهما لابن حجر، «طبقات الحُفَّاظ» للسيوطي (١٩)، «شذرات الذهب» لابن العماد (١/ ٨٤)، «الفكر السامي» للحجوي (١/ ٢/ ٢٥)، «الرياض المُسْتطابة» للعامري (٤٤)، «تاريخ التراث» لسزكين (١/ ١٢٠ ـ ١٢١)، ومؤلَّفنا: «الإعلام بمنثور تراجم المشاهير والأعلام» (٥٧).

(٥) «اختصار علوم الحديث» لابن كثير (١٨٥)، «الوجيز في علوم الحديث» للخطيب (٣٣٧).

(٦) «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٤٢٥).

(٧) أخرجه مسلمٌ (٣/ ١٥٩).

(٨) أخرجه البخاريُّ (٦/ ١٣٤)، ومسلمٌ (٧/ ٩٠)، والنسائيُّ (٧/ ٢٠٤)، وابنُ ماجه (٢/ ١٠٦٦).

(٩) أخرجه البخاريُّ (١/ ٧٢)، ومسلمٌ (١/ ١٣).

(١٠) «شرح النووي على مسلم» (٣/ ١٦٠)، «سُبُل السلام» للصنعاني (١/ ٣٥).

(١١) انظر المصدرين السابقين.

(١٢) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٤٢٥).

(١٣) انظر: «الفائق في غريب الحديث» لابن عمر الزمخشري (١/ ٢٣٢).

(١٤) انظر: مقالة الأستاذ محمَّد بن الخطيب في الخمر ـ منبر الإسلام، العدد ١١، نوفمبر ٧٤.

(١٥) أخرجه البخاريُّ (٤/ ٤١٧).

(١٦) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٢٧)، والترمذيُّ (٤/ ٧٤)، وأحمد في «مسنده» (٥/ ٢١٨)، والدارميُّ (٢/ ٩٣)، والحاكم في «مستدركه» (٤/ ٢٣٩)، والبيهقيُّ (١/ ٢٣، ٩/ ٢٤٥)، مِن حديث أبي واقدٍ الليثيِّ رضي الله عنه. والحديث حسَّنه الألبانيُّ في «غاية المَرام» (٤١) رقم: (٤١).

(١٧) أخرجه الإمام أحمد (٢/ ٩٧) وغيرُه [انظر: «السلسلة الصحيحة» للألباني (٣/ ١١١)].

(١٨) انظر: «تفسير القرطبي» (٢/ ٢١٩).

(١٩) «مختصر صحيح البخاري» للألباني (١/ ٦٨).

(٢٠) أخرجه مالكٌ في «الموطَّإ» (٢/ ٤٤)، والبخاريُّ (٣/ ٣٥٥، ٤/ ٤١٣، ٩/ ٦٥٨)، ومسلمٌ (٤/ ٥١، ٥٢)، وأبو داود (٤/ ٣٦٦)، وابنُ ماجه (٢/ ١١٩٣)، والترمذيُّ (٤/ ٢٢٠ ـ ٢٢١)، والنسائيُّ (٧/ ١٧١، ١٧٢، ١٧٣)، مِن حديث ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٢١) هذا، ويجوز الخَرْزُ بشعر الخنزير في أظهرِ قولَيِ العلماء. قال القرطبيُّ ـ رحمه الله ـ: «لا خلافَ أنَّ جملة الخنزيرِ محرَّمةٌ إلَّا الشعر فإنه يجوز الخِرازةُ به، لأنَّ الخِرازةَ كانَتْ على عهدِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا نعلم أنه أَنْكَرَها ولا أحَدٌ مِن الأئمَّة بعده، وما أجازَه الرسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم فهو كابتداء الشرع منه» [«تفسير القرطبي» (٢/ ٢٢٣)].

(٢٢) انظر: «رياض الأفهام» للفاكهاني (٤/ ٣٢٨).

(٢٣) انظر: «صحيح البخاري» (١٠/ ٣٩٠)، «صحيح مسلم» (١٤/ ٨٥).

(٢٤) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٤٢٦)، «سُبُل السلام» للصنعاني (٢/ ٦).

(٢٥) قال البغويُّ ـ رحمه الله ـ: «مَن أراقَ خمرًا لنصرانيٍّ، أو قَتَلَ خنزيرًا له؛ أنه لا غَرامةَ عليه لأنه لا ثَمَنَ لهما في حقِّ الدِّين» [«شرح السنَّة» للبغوي (٨/ ٢٨)].

(٢٦) أخرجه ابنُ ماجه (٢/ ٧٨٤/ ٢٣٤٠)، وأحمد (٥/ ٣٢٦ ـ ٣٢٧)، مِن حديث ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وصحَّحه الألبانيُّ [انظر: «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (١/ ٩٩) رقم: (٢٥٠)].

(٢٧) انظر: «تيسير العلَّام شرح عُمْدة الأحكام» للبسَّام (٢/ ٥٧).

(٢٨) «رياض الأفهام» للفاكهاني (٤/ ٣٣٣).

(٢٩) انظر: «سُبُل السلام» للصنعاني (٢/ ٦).

(٣٠) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٤١٥).

(٣١) انظر: «شرح عُمْدة الأحكام» لابن دقيق (٣/ ١٥٣)، «رياض الأفهام» للفاكهاني (٤/ ٣٣٣).

(٣٢) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٤٢٥).

(٣٣) خالَفَ ربيعةُ بنُ عبد الرحمن والليثُ بنُ سعدٍ وإسماعيلُ بنُ يحيى المُزَنيُّ وبعضُ المتأخِّرين مِن البغداديين والقرويين فرأَوْا أنها طاهرةٌ وأنَّ المحرَّم إنما هو شُرْبُها، [انظر: «تفسير القرطبي» (٦/ ٢٨٨)]، وممَّن قال بطهارةِ الخمر محمَّد رشيد رضا في «تفسير المنار» (٧/ ٥٨)، ورجَّحه الألبانيُّ في «تمام المنَّة» (٥٥).

(٣٤) «سُبُل السلام» للصنعاني (٢/ ٥). وإِنْ كان الأصوبُ مِن حيث التعبيرُ أَنْ يقال: «إنَّ التحريم لم تُدْرَك عِلَّتُه فهو تعبُّديٌّ لأنَّ الشيءَ لا يُجْعَلُ عِلَّةَ نَفْسِه.

(٣٥) انظر: «المجموع» للنووي (٢/ ٥٦٤).

(٣٦) انظر: «مغني المحتاج» للشربيني (١/ ٧٧)، «أضواء البيان» للشنقيطي (٢/ ١٢٨).

(٣٧) أخرجه أبو داود (٤/ ١٧٧ ـ ١٧٨)، والترمذيُّ (٤/ ١٢٩، ٢٥٥ ـ ٢٥٦)، وقد أخرج البخاريُّ في «صحيحه» (٩/ ٦٢٢)، ومسلمٌ (٣/ ٧٩ ـ ٨٠)، مِن حديث أبي إدريس الخولانيِّ عن أبي ثعلبة الخُشَنيِّ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكُمْ بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ تَأْكُلُونَ فِي آنِيَتِهِمْ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيهَا».

(٣٨) انظر: «الروضة النديَّة شرح الدرر البهيَّة» لصدِّيق حسن خان (١/ ٢٠).

(٣٩) راجِعْ دلالةَ الاقتران في: «المسوَّدة» لآل تيمية (١٤٠، ١٤١)، «بدائع الفوائد» لابن القيِّم (٤/ ١٨٣ ـ ١٨٤)، «التمهيد» للإسنوي (٢٧٣)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (٢٤٨)، «أضواء البيان» للشنقيطي (٢/ ٢٥٦).

(٤٠) انظر: «تفسير القرطبي» (١٩/ ١٤٧)، «تفسير ابنِ كثير» (٤/ ٤٥٧)، «فتح القدير» للشوكاني (٥/ ٣٥٢).

(٤١) انظر مَوانِعَ اعتبارِ مفهوم المُخالَفةِ أو شروطَ العملِ بمفهوم المُخالَفة في: «شرح تنقيح الفصول» للقرافي (٢٧١)، «البحر المحيط» للزركشي (٤/ ١٧)، «نشر البنود» للعلوي (١/ ٩٨)، «مذكِّرة الشنقيطي» (٢٤١)، «مبادئ الأصول» بشرح «الفتح المأمول» للمؤلِّف (١٢٦).

(٤٢) انظر المصادر التفسيرية السابقة، و«تفسير الطبري» (٢٩/ ٢٢٢).

(٤٣) انظر: «سُبُل السلام» للصنعاني (١/ ٢٣)، «نيل الأوطار» (١/ ١١٥) و«السيل الجرَّار» كلاهما للشوكاني (١/ ٣٦/ ٣٨).

(٤٤) انظر دلالةَ الاقترانِ في: «المسوَّدة» لآل تيمية (١٤٠، ١٤١)، «بدائع الفوائد» لابن القيِّم (٤/ ١٨٣)، «التمهيد» للإسنوي (٢٧٣)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (٢٤٨)، «أضواء البيان» للشنقيطي (٢/ ٢٥٦).

(٤٥) معنى ذلك أَنْ تكون الكلمةُ محكومًا بها على مجموعةِ أفرادٍ، فتُبيَّنُ الكلمةُ حَسَبَ ما تَقْتَضيهِ القرينةُ بالنسبة لكُلِّ فردٍ، إمَّا حقيقةً وإمَّا مجازًا؛ ففي الآية: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾ فهل الخمرُ هي رجسٌ بالمعنى الحقيقيِّ بمعنى النجس، والباقي بمعنى القبيح أو المُسْتَقْذَر الذي لا نَفْعَ فيه وهو المعنى المجازيُّ فيها؟

(٤٦) انظر: «السيل الجرَّار» للشوكاني (١١/ ٣٨، ٤٠).

(٤٧) انظر: «فتح القدير» للشوكاني (٢/ ١٧٢).

(٤٨) انظر: «المحلَّى» لابن حزم (٧/ ٣٩٠).

(٤٩) انظر: «روائع البيان» للصابوني (١/ ١٦٤).

(٥٠) انظر: «المحلَّى» لابن حزم (٧/ ٣٩٠).

(٥١) وقد أجمعَتِ الأمَّةُ على تحريمِ شحمِ الخنزير [انظر: «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٢٢)].

(٥٢) انظر: «السيل الجرَّار» (١/ ٣٨، ٤٠).

(٥٣) انظر: «انتصار الفقير السالك» للراعي الأندلسي (٢٦١)، وقال: «ولو صِرْنا إلى ما يقولون: «إنَّ الذكاة لا تعمل فيه على وجهٍ كالخنزير» لم يضرَّ؛ لأنه ليس مِن شرطِ العِلَّةِ أَنْ يَخْلُفَها ما ينفي حُكْمَها؛ فإنما ذلك على سبيلِ مَا اتَّفقَ في الأصول».

(٥٤) انظر: «إرشاد الفحول» للشوكاني (٢٨)، «فواتح الرحموت بشرح مُسلَّم الثبوت» للأنصاري (١/ ٢١٦). وهناك رأيٌ ثالثٌ للغزَّاليِّ يفصِّل: حيث يُجيزُ استعمالَ اللفظِ فيهما عقلًا لا لغةً، وقد رجَّح هذا التفصيلَ ابنُ الهُمام.

(٥٥) انظر: «تفسير النصوص» لمحمَّد أديب صالح (٢/ ١٠١). ويرى ابنُ تيمية جوازَ حَمْلِ المُشْتَرَك على مَعْنَيَيْه في رسالته «علوم القرآن» [انظر: «أضواء البيان» (٢/ ١٥)]. قال ابنُ تيمية في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٢٠٤): «والحشيشةُ المُسْكِرةُ حرامٌ، ومَن اسْتَحَلَّ المُسْكِرَ منها فقَدْ كفر، بل هي في أصحِّ قولَيِ العلماء نجسةٌ كالخمر؛ فالخمرُ كالبول، والحشيشةُ كالعَذِرة». قلتُ: ولعلَّ هذا الفرعَ مبنيٌّ على الأصل المتقدِّم.

(٥٦) انظر: «مفتاح الوصول» للتلمساني (٥٥٧).

(٥٧) أخرجه مالكٌ في «الموطَّإ» (١/ ٢١٩)، والدارميُّ (٢/ ٨٥)، ومسلمٌ (٤/ ٥٣)، وابنُ ماجه (٢/ ١١٩٣)، والترمذيُّ (٤/ ٢٢١)، والنسائيُّ (٧/ ١٧٣)، والدارقطنيُّ (١/ ٤٦)، والبيهقيُّ (١/ ١٦)، والبغويُّ في «شرح السنَّة» (٢/ ٩٧)، مِن حديث ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٥٨) أخرجه أحمد (٣/ ٣٧٦) وغيرُه، وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٣/ ١٤٠).

(٥٩) انظر: «السيل الجرَّار» للشوكاني (١/ ٤٠).

(٦٠) انظر: «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٢١ ـ ٢٢٢).

(٦١) أخرجه عبد الرزَّاق في «المصنَّف» (١/ ١٢٥)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٩٢)، والطبرانيُّ في «المعجم الكبير» (٩/ ٢٨٤)، وصحَّح إسنادَه الألبانيُّ في «تمام المنَّة» (٥٢).

(٦٢) «النرد»: اسْمٌ أعجميٌّ مُعرَّبٌ، و«شير» بمعنى الحلو [انظر: «النهاية» لابن الأثير (٥/ ٣٩)]، وفي «القاموس المحيط» للفيروزآبادي (٤١١): «النرد مُعرَّبٌ وَضَعَه أردشير ابنُ بابَكْ، ولهذا يقال: النردشير»، ويُعْرَف في البلدان العربية بلعبة الطاولة.

(٦٣) أخرجه مسلمٌ (١٥/ ١٥) باب تحريم اللعب بالنردشير، والبخاريُّ في «الأدب المفرد» (٤٣٤)، من حديث بريدة رضي الله عنه.

(٦٤) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٤٢٥).

(٦٥) «سُبُل السلام» للصنعاني (١/ ٣٦).

(٦٦) انظر: «تفسير القرطبي» (٢/ ٢١٨).

(٦٧) أخرجه الطحاويُّ في «مُشْكِل الآثار» (١٣/ ٣٩٢) مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وبيَّن أنَّ في سَنَدِه عبدَ الواحد بنَ زيادٍ وهو ثِقةٌ إذا انفرد بحديثٍ قُبِلَ حديثُه، وكذلك إذا انفرد بزيادةٍ قُبِلَتْ زيادتُه، وانظر: «البدر المنير» لابن الملقِّن (٥/ ٢٣).

وأخرج البيهقيُّ مِن حديث ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما في فأرةٍ وقَعَتْ في الزيت قال: «اسْتَصْبِحُوا بِهِ وَادْهُنُوا بِهِ أَدَمَكُمْ»، قال الحافظ في «الفتح» (٩/ ٥٨٧): «وهذا السند على شرطِ الشيخين إلَّا أنه موقوفٌ»، ووَرَدَ موقوفًا عن أنسٍ رضي الله عنه ومُرْسَلًا مِن حديث مكحولٍ [انظر: «المصنَّف» لابن أبي شيبة (٥/ ١٢٨)].

(٦٨) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٤٢٥). هذا، ونَقَلَ القرطبيُّ في «تفسيره» (٢/ ٢١٨) عن بعض المالكية عدَمَ جوازِ إطعامِ الميتةِ الكلابَ والسِّباعَ، وإِنْ أَكَلَتْها لم تُمْنَعْ.

(٦٩) انظر: «سُبُل السلام» للصنعاني (٣/ ٦)، «الروضة النديَّة» لصدِّيق حسن خان (٢/ ٩٤)، «شرح مسلم» (٦/ ٧).

فائدة: المتنجِّسُ إِنْ أَمْكَنَ تطهيرُه جازَ بيعُه، ويَحْرُمُ بيعُه إذا تَعَذَّرَ ذلك.