متن مبادئ الأصول | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 5 ربيع الثاني 1440 هـ الموافق لـ 12 ديسمبر 2018 م

متن
مبادئ الأصول

إملاء الأستاذ العلَّامة الجليل الشيخ عبد الحميد بن باديس
ـ أبقاه الله لنفع الأنام
ـ

عِلْمُ الأصُولِ

مَعْرِفَةُ القَوَاعِدِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا كَيْفَ تُسْتَفَادُ أَحْكَامُ الأَفْعَالِ مِنْ أَدِلَّةِ الأَحْكَامِ؛ فَلْنَحْصُرِ الكَلَامَ فِي أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ:

الباب الأَوَّل
في أَفعال المكَلَّف

مِنْ مُقْتَضَى عُبُودِيَّةِ العَبْدِ لِرَبِّهِ: أَنْ يَكُونَ مُطِيعًا لَهُ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ، مِمَّا يَفْعَلُهُ بِجَوَارِحِهِ الظَّاهِرَةِ أَوْ بِجَوَارِحِهِ البَاطِنَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَجْرِيَ عَلَى مُقْتَضَى طَلَبِ اللهِ وَإِذْنِهِ: فَيَفْعَلَ مَا طَلَبَ مِنْهُ فِعْلَهُ، وَيَتْرُكَ مَا طَلَبَ مِنْهُ تَرْكَهُ، وَيَخْتَارَ فِيمَا أَذِنَ لَهُ فِي فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ؛ إِذْ كُلُّ فِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبَ الفِعْلِ، أَوْ مَطْلُوبَ التَّرْكِ، أَوْ مَأْذُونًا فِي فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ.

الباب الثَّاني
في أحكام الله تَعالى

كُلُّ فِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ المُكَلَّفِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ اللهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الإِنْسَانَ لَمْ يُخْلَقْ عَبَثًا وَلَمْ يُتْرَكْ سُدًى، وَحُكْمُ اللهِ تَعَالَى هُوَ طَلَبُهُ أَوْ إِذْنُهُ أَوْ وَضْعُهُ.

وَالطَّلَبُ إِمَّا لِلْفِعْلِ وَإِمَّا لِلتَّرْكِ، وَهُوَ فِي كِلَيْهِمَا: إِمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّحْتِيمِ، وَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّرْجِيحِ.

ـ فَمَا كَانَ طَلَبًا لِلْفِعْلِ عَلَى سَبِيلِ التَّحْتِيمِ فَهُوَ الإِيجَابُ.

ـ وَمَا كَانَ طَلَبًا عَلَى سَبِيلِ التَّرْجِيحِ فَهُوَ النَّدْبُ أَوِ الاِسْتِحْبَابُ.

ـ وَمَا كَانَ طَلَبًا لِلتَّرْكِ عَلَى سَبِيلِ التَّحْتِيمِ فَهُوَ الحَظْرُ وَالتَّحْرِيمُ.

ـ وَمَا كَانَ طَلَبًا عَلَى سَبِيلِ التَّرْجِيحِ فَهُوَ الكَرَاهَةُ.

ـ وَإِذْنُهُ فِي الفِعْلِ وَالتَّرْكِ هُوَ الإِبَاحَةُ.

وَإِنَّمَا سُمِّيَ الطَّلَبُ وَالإِذْنُ: حُكْمًا ـ وَالحُكْمُ: «إِثْبَاتُ شَيْءٍ لِشَيْءٍ أَوْ نَفْيُهُ عَنْهُ» ـ لِأَنَّ الإِيجَابَ إِذَا تَعَلَّقَ بِالفِعْلِ ثَبَتَ لَهُ هَذَا الوَصْفُ وَهُوَ الوُجُوبُ؛ فَيُقَالُ فِيهِ: وَاجِبٌ.

وَلِأَنَّ الاِسْتِحْبَابَ وَالنَّدْبَ إِذَا تَعَلَّقَ بِالفِعْلِ ثَبَتَ لَهُ هَذَا الوَصْفُ وَهُوَ الاِسْتِحْبَابِيَّةُ وَالمَنْدُوبِيَّةُ؛ فَيُقَالُ فِيهِ: مُسْتَحَبٌّ وَمَنْدُوبٌ.

وَلِأَنَّ التَّحْرِيمَ وَالحَظْرَ إِذَا تَعَلَّقَ بِالفِعْلِ ثَبَتَ لَهُ هَذَا الوَصْفُ وَهُوَ الحُرْمَةُ وَالمَحْظُورِيَّةُ؛ فَيُقَالُ فِيهِ: حَرَامٌ وَمَحْظُورٌ.

وَلِأَنَّ الكَرَاهَةَ إِذَا تَعَلَّقَتْ بِالفِعْلِ ثَبَتَ لَهُ هَذَا الوَصْفُ وَهُوَ المَكْرُوهِيَّةُ؛ فَيُقَالُ فِيهِ: مَكْرُوهٌ.

وَلِأَنَّ الإِذْنَ وَالإِبَاحَةَ إِذَا تَعَلَّقَ بِالفِعْلِ ثَبَتَ لَهُ هَذَا الوَصْفُ وَهُوَ المَأْذُونِيَّةُ وَالإِبَاحِيَّةُ؛ فَيُقَالُ فِيهِ: مَأْذُونٌ فِيهِ وَمُبَاحٌ.

وَتُسَمَّى هَذِهِ الأَحْكَامُ الخَمْسَةُ: «أَحْكَامًا تَكْلِيفِيَّةً» لِمَا فِي تَحْصِيلِ المَطْلُوبِ مِنَ الكُلْفَةِ.

الوضع

وَأَمَّا وَضْعُهُ تَعَالَى فَهُوَ: «جَعْلُهُ الشَّيْءَ سَبَبًا: يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الوُجُودُ، وَمِنْ عَدَمِهِ العَدَمُ لِذَاتِهِ: كَدُخُولِ الوَقْتِ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَصِحَّتِهَا.

أَوْ شَرْطًا: يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ العَدَمُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ: كَالوُضُوءِ لِصِحَّتِهَا.

أَوْ مَانِعًا: يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ العَدَمُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ: كَالحَيْضِ لِوُجُوبِهَا وَصِحَّتِهَا».

وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا الوَضْعُ حُكْمًا؛ لِأَنَّ مَا وَضَعَهُ اللهُ سَبَبًا تَثْبُتُ لَهُ السَّبَبِيَّةُ، وَمَا وَضَعَهُ شَرْطًا تَثْبُتُ لَهُ الشَّرْطِيَّةُ، وَمَا وَضَعَهُ مَانِعًا تَثْبُتُ لَهُ المَانِعِيَّةُ.

وَتُسَمَّى هَذِهِ الأَحْكَامُ الثَّلَاثَةُ: وَضْعِيَّةً، نِسْبَةً لِلْوَضْعِ وَالجَعْلِ.

تفريقُ ما بينهما

مِمَّا يَفْتَرِقَانِ فِيهِ:

ـ أَنَّ الحُكْمَ التَّكْلِيفِيَّ مُتَعَلَّقُهُ فِعْلُ المُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ طَلَبُهُ وَالإِذْنُ فِيهِ، وَأَنَّ الحُكْمَ الوَضْعِيَّ مُتَعَلَّقُهُ الأَشْيَاءُ الَّتِي تُجْعَلُ شُرُوطًا وَأَسْبَابًا وَمَوَانِعَ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ فِعْلِ المُكَلَّفِ كَالوُضُوءِ شَرْطًا فِي الصَّلَاةِ، أَوْ لَمْ تَكُنْ كَدُخُولِ الوَقْتِ سَبَبًا فِي وُجُوبِهَا.

ـ وَأَنَّ مُتَعَلَّقَ الحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ يُطَالَبُ المُكَلَّفُ بِتَحْصِيلِهِ لِأَنَّهُ فِعْلُهُ، وَأَنَّ مُتَعَلَّقَ الحُكْمِ الوَضْعِيِّ لَا يُطَالَبُ المُكَلَّفُ بِتَحْصِيلِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِهِ: كَدُخُولِ الوَقْتِ وَمُرُورِ الحَوْلِ، وَيُطَالَبُ بِتَحْصِيلِهِ إِذَا كَانَ مِنْ فِعْلِهِ: كَالطَّهَارَةِ وَاسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ، وَيَكُونُ الفِعْلُ ـ حِينَئِذٍ ـ مُتَعَلَّقًا لِلْحُكْمَيْنِ بِاعْتِبَارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.

الأحكام الشرعيَّة
فِي الخطابات الإلهيَّة

كُلُّ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ اللهِ تَعَالَى فَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنَ الخِطَابَاتِ المُوَجَّهَةِ إِلَيْنَا، وَمَا تَضَمَّنَ مِنْهَا حُكْمًا تَكْلِيفِيًّا فَهُوَ خِطَابُ تَكْلِيفٍ، وَمَا تَضَمَّنَ حُكْمًا وَضْعِيًّا فَهُوَ خِطَابُ وَضْعٍ، وَقَدْ يَتَضَمَّنُ الخِطَابُ الحُكْمَيْنِ مَعًا.

أَمْثِلَةٌ لِذَلِكَ:

ـ فَمِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ[البقرة: ٤٣؛ وغيرها]: عَرَفْنَا الحُكْمَ الَّذِي هُوَ الإِيجَابُ لِلصَّلَاةِ.

ـ وَمِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ[الإسراء: ٣٢]: عَرَفْنَا الحُكْمَ الَّذِي هُوَ التَّحْرِيمُ لِلزِّنَا.

ـ وَمِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي العَامِدِ لِلصَّلَاةِ أَنَّهُ: «تُكْتَبُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ حَسَنَةٌ، وَتُمْحَى عَنْهُ بِالأُخْرَى سَيِّئَةٌ»: عَرَفْنَا الحُكْمَ الَّذِي هُوَ اسْتِحْبَابُ كَثْرَةِ الخُطَى إِلَى المَسْجِدِ.

ـ وَمِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ[النور: ٢٢]: عَرَفْنَا الحُكْمَ الَّذِي هُوَ كَرَاهَةُ الحَلِفِ عَلَى الاِمْتِنَاعِ مِنَ الصَّدَقَةِ.

ـ وَمِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ[الجمعة: ١٠]: عَرَفْنَا الحُكْمَ الَّذِي هُوَ الإِذْنُ فِي الاِنْتِشَارِ.

ـ وَمِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ[الإسراء: ٧٨]: عَرَفْنَا الحُكْمَ الَّذِي هُوَ وَضْعُهُ تَعَالَى دُخُولَ الوَقْتِ سَبَبًا لِإِقَامَةِالصَّلَاةِ.

ـ وَمِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»: عَرَفْنَا الحُكْمَ الَّذِي هُوَ وَضْعُهُ تَعَالَى الوُضُوءَ شَرْطًا فِي الصَّلَاةِ.

ـ وَمِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتِ المَرْأَةُ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟»: عَرَفْنَا الحُكْمَ الَّذِي هُوَ وَضْعُهُ تَعَالَى الحَيْضَ مَانِعًا مِنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ.

ـ وَمِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ[المائدة: ٦]: عَرَفْنَا الحُكْمَ الَّذِي هُوَ إِيجَابُ الوُضُوءِ، وَعَرَفْنَا الحُكْمَ الَّذِي هُوَ وَضْعُهُ تَعَالَى الوُضُوءَ شَرْطًا فِي الصَّلَاةِ؛ فَاشْتَمَلَ هَذَا الخِطَابُ عَلَى الحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ وَالوَضْعِيِّ مَعًا.

تتميم وتقسيم

يَنْقَسِمُ الحُكْمُ ـ أَيْضًا ـ إِلَى: عَزْمٍ وَتَرْخِيصٍ.

فَمَا كَانَ حُكْمًا ابْتِدَائِيًّا عَامًّا فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ فَهُوَ عَزْمٌ، وَالفِعْلُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ يُسَمَّى عَزِيمَةً: كَإِيجَابِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَتَحْرِيمِ الخَمْرِ.

وَمَا كَانَ حُكْمًا سَهْلًا شُرِعَ بَعْدَ حُكْمٍ صَعْبٍ فِي حَالَةٍ خَاصَّةٍ لِأَجْلِ العُذْرِ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ لِلْحُكْمِ الأَصْلِيِّ فَهُوَ تَرْخِيصٌ، وَالفِعْلُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ يُسَمَّى: رُخْصَةً: كَقَصْرِ الصَّلَاةِ وَالفِطْرِ فِي السَّفَرِ، وَالمَسْحِ عَلَى الخُفِّ، وَإِسَاغَةِ الغُصَّةِ بِالخَمْرِ.

تصحيح وإبطال

وَيَنْقَسِمُ ـ أَيْضًا ـ إِلَى: تَصْحِيحٍ وَإِبْطَالٍ.

فَالتَّصْحِيحُ: الحُكْمُ بِالصِّحَّةِ فِي العِبَادَاتِ وَعُقُودِ المُعَامَلَاتِ، وَهِيَ: اسْتِيفَاءُ العَقْدِ أَوِ العِبَادَةِ لِلشُّرُوطِ المُعْتَبَرَةِ فِيهِ شَرْعًا وَسَلَامَتُهُ مِنَ المَوَانِعِ، بِحَيْثُ يَقَعُ عَلَى الوَجْهِ المَشْرُوعِ، وَمَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الصِّحَّةُ مِنْهُمَا فَهُوَ صَحِيحٌ، وَإِبْطَالُ الحُكْمِ لِإِبْطَالِ العَقْدِ أَوِ العِبَادَةِ.

وَالبُطْلَانُ وَالفَسَادُ هُوَ: اخْتِلَالُ العِبَادَةِ أَوِ العَقْدِ لِتَخَلُّفِ شَرْطٍ أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ، بِحَيْثُ تَكُونُ العِبَادَةُ أَوِ العَقْدُ وَقَعَتْ عَلَى غَيْرِ الوَجْهِ المَشْرُوعِ، وَمَا تَعَلَّقَ بِهِ الإِبْطَالُ مِنْهُمَا فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا.

مُقْتَضَيات الحكم

الحاكم هو الله تعالى

وَكُلُّ حَاكِمٍ مِنَ الخَلْقِ إِنَّمَا يَكُونُ حَاكِمًا شَرْعًا إِذَا كَانَ يَحْكُمُ بِحُكْمِ اللهِ: يَتَحَرَّاهُ وَيَقْصِدُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ[الأنعام: ٥٧؛ يوسف: ٤٠، ٦٧]، ﴿وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ[المائدة: ٤٩]، ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ[النساء: ١٠٥]، ﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٤[المائدة]، ﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٥[المائدة]، ﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤٧[المائدة].

المحكوم فيه

هُوَ فِعْلُ المُكَلَّفِ: الظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ، وَلَمْ يُكَلِّفِ اللهُ العِبَادَ إِلَّا بِمَا فِي مَقْدُورِهِمْ وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ فِيهِ؛ فَلَا تَكْلِيفَ بِغَيْرِ المَقْدُورِ كَقِيَامِ المُقْعَدِ لِلصَّلَاةِ، وَلَا بِمَا فِيهِ حَرَجٌ كَقِيَامِ المَرِيضِ لَهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ[البقرة: ٢٨٦]، ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ[البقرة: ٢٨٦]، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ[الحج: ٧٨].

المحكوم عليه

وَهُوَ المُكَلَّفُ البَالِغُ العَاقِلُ المُخْتَارُ دُونَ الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ وَالمَعْتُوهِ وَالمُكْرَهِ.

المُخاطَب بالأحكام

إِذَا كَانَ الخِطَابُ بِحُكْمٍ وَضْعِيٍّ فَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ لِلْمُكَلَّفِ وَغَيْرِهِ؛ وَلِهَذَا لَزِمَ الصَّبِيَّ وَالمَجْنُونَ أَرْشُ جِنَايَتِهِمَا، وَوَجَبَتِ الزَّكَاةُ بِمِلْكِ النِّصَابِ فِي مَالِهِمَا. وَإِنْ كَانَ الخِطَابُ بِحُكْمٍ تَكْلِيفِيٍّ فَهُوَ لِخُصُوصِ المُكَلَّفِينَ.

ثُمَّ الخِطَابُ التَّكْلِيفِيُّ إِنْ كَانَ مِمَّا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَصْلَحَةُ كُلِّ فَرْدٍ تَوَقُّفًا مُبَاشِرًا تَوَجَّهَ لِكُلِّ فَرْدٍ، وَسُمِّيَ الخِطَابُ: خِطَابًا عَيْنِيًّا، وَيُسَمَّى المَطْلُوبُ بِهِ: مَطْلُوبًا عَيْنِيًّا ـ وَاجِبًا كَانَ أَوْ مَنْدُوبًا ـ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالحَجِّ وَالصَّدَقَةِ: فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا، وَلَا يَسْقُطُ الطَّلَبُ فِيهِ عَنْ أَحَدٍ بِقِيَامِ غَيْرِهِ بِهِ.

وَإِنْ كَانَ مِمَّا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَصْلَحَةُ المَجْمُوعِ وَمَصْلَحَةُ الفَرْدِ ـ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ جُزْءٌ مِنَ المَجْمُوعِ ـ تَوَجَّهَ لِلْمَجْمُوعِ، وَسُمِّيَ الخِطَابُ: خِطَابًا كِفَائِيًّا، وَيُسَمَّى المَطْلُوبُ بِهِ: مَطْلُوبًا كِفَائِيًّا، وَاجِبًا كَانَ الطَّلَبُ: كَطَلَبِ العِلْمِ وَالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ مَنْدُوبًا: كَإِفْشَاءِ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَيَسْقُطُ الطَّلَبُ عَنِ المَجْمُوعِ إِذَا قَامَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَيَكْفِي فِيهِ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ غَيْرُهُ، وَمِنْ هَذَا القِسْمِ جَاءَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٠٤[آل عمران]، ﴿فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ ١٢٢[التوبة].

الباب الثالث
أدلَّة الأحكام مِنَ الكتاب والسنَّة والإجماع والقياس

الكتاب

هُوَ القُرْآنُ العَظِيمُ، وَهُوَ الكِتَابُ المُنَزَّلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، المَكْتُوبُ فِي المَصَاحِفِ، المَنْقُولُ إِلَيْنَا بِالتَّوَاتُرِ، المَحْفُوظُ بِحِفْظِ اللهِ مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ.

وَهُوَ أَصْلُ الأَدِلَّةِ؛ إِذْ كُلُّهَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ، وَيُسْتَدَلُّ عَلَى حُجِّيَّتِهَا بِهِ: فَالسُّنَّةُ بَيَانُهُ، وَالإِجْمَاعُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ دَلِيلٍ مِنْهُ أَوْ مِنَ السُّنَّةِ، وَالقِيَاسُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى أَصْلٍ ثَبَتَ حُكْمُهُ بِالكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ أَوِ الإِجْمَاعِ.

السُّنَّة

هِيَ: «مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ تَقْرِيرٍ»، وَهِيَ حُجَّةٌ فِي دِينِ اللهِ بِالإِجْمَاعِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ[الحشر: ٧]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا ٥٩[النساء]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا ٣٦[الأحزاب]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٦٣[النور]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعۡنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٥٤[النور: ٤٧ ـ ٥٤]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيۡتَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودٗا ٦١[النساء].

وَتَجِيءُ السُّنَّةُ لِبَيَانِ الكِتَابِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ[النحل: ٤٤]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ[النحل: ٦٤].

وَتَسْتَقِلُّ بِالتَّشْرِيعِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ...[الحشر: ٧] الآيَةُ، وَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «لَعَنَ اللهُ الوَاشِمَاتِ وَالمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالنَّامِصَاتِ وَالمُتَنَمِّصَاتِ، وَالمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ»، قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ يَعْقُوبَ ـ وَكَانَتْ تَقْرَأُ القُرْآنَ ـ فَأَتَتْهُ فَقَالَتْ: «مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ لَعَنْتَ الوَاشِمَاتِ...؟» فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: «وَمَالِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي كِتَابِ اللهِ؟» فَقَالَتِ المَرْأَةُ: «لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ لَوْحَيِ المُصْحَفِ فَمَا وَجَدْتُهُ»، فَقَالَ لَهَا: «لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ، فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ[الحشر: ٧] الآيَةُ»، فَقَالَتِ المَرْأَةُ: «فَإِنِّي أَرَى شَيْئًا مِنْ هَذا عَلَى امْرَأَتِكَ الآنَ»، قَالَ: «اذْهَبِي فَانْظُرِي»، قَالَ: فَدَخَلَتْ عَلَى امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ شَيْئًا»، فَقَالَ: «أَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ نُجَامِعْهَا».

الإجماع

هُوَ اتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَصْرٍ مِنَ الأَعْصَارِ عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ.

وَهُوَ حُجَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ١١٥[النساء]. وَهُوَ قِسْمَانِ:

ـ عَمَلِيٌّ: نَقَلَتْهُ الأُمَّةُ كُلُّهَا كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ.

ـ وَنَظَرِيٌّ: وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى النَّظَرِ وَالاِجْتِهَادِ عَنْ أَدِلَّةٍ قَطْعِيَّةٍ أَوْ عَنْ أَدِلَّةٍ ظَنِّيَّةٍ، وَهَذَا وُقُوعُهُ مُمْكِنٌ، وَلَكِنَّ مَعْرِفَتَهُ مُتَعَذِّرَةٌ لِانْتِشَارِ المُجْتَهِدِينَ فِي الآفَاقِ وَكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، إِلَّا إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ قَبْلَ انْتِشَارِهِمْ؛ لِحَصْرِ عَدَدِهِمْ وَعَدَدِ المُجْتَهِدِينَ مِنْهُمْ.

القياس

هُوَ: «إِلْحَاقُ فَرْعٍ مَجْهُولِ الحُكْمِ بِأَصْلٍ مَعْلُومِ الحُكْمِ فِي ذَلِكَ الحُكْمِ لِوَصْفٍ جَامِعٍ مَا بَيْنَهُمَا يَكُونُ هُوَ سَبَبَ الحُكْمِ الثَّابِتِ بِالأَصْلِ، مَعَ انْتِفَاءِ الفَارِقِ بَيْنَ الأَصْلِ وَالفَرْعِ»: كَإِلْحَاقِ النَّبِيذِ بِالخَمْرِ فِي التَّحْرِيمِ لِلْإِسْكَارِ الجَامِعِ مَا بَيْنَهُمَا الَّذِي هُوَ عِلَّةُ تَحْرِيمِهِ.

الباب الرابع
في القواعد الأصولية

تمهيد

الأَدِلَّةُ قِسْمَانِ: أَدِلَّةٌ تَفْصِيلِيَّةٌ وَأَدِلَّةٌ إِجْمَالِيَّةٌ.

ـ فَالأُولَى: هِيَ آيَاتُ الأَحْكَامِ وَأَحَادِيثُ الأَحْكَامِ، وَسُمِّيَتْ تَفْصِيلِيَّةً لِدَلَالَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى حُكْمٍ مَخْصُوصٍ لِفِعْلٍ مَخْصُوصٍ.

ـ وَالثَّانِيَةُ: هِيَ القَوَاعِدُ الأُصُولِيَّةُ، وَسُمِّيَتْ إِجْمَالِيَّةً لِدُخُولِ جُمْلَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ تَحْتَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ[البقرة: ٤٣؛ وغيرها] دَلِيلٌ تَفْصِيلِيٌّ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ، وَقَاعِدَةُ: «الأَمْرُ لِلْوُجُوبِ» دَلِيلٌ إِجْمَالِيٌّ لِشُمُولِهِ الأَمْرَ الَّذِي فِي الآيَةِ وَغَيْرَهُ.

وَبِمَعْرِفَةِ الدَّلِيلِ التَّفْصِيلِيِّ وَمَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ مِنَ الدَّلِيلِ الإِجْمَالِيِّ يُسْتَفَادُ الحُكْمُ؛ فَيُقَالُ مَثَلًا: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ أَمْرٌ بِالصَّلَاةِ، وَالأَمْرُ لِلْوُجُوبِ؛ ﻓَ «أَقِيمُوا الصَّلَاةَ» أَمْرٌ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ؛ فَالصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ.

وَمَرْجِعُ الأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ: الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَمَا ذَكَرَهُ الأَئِمَّةُ مِنَ الإِجْمَاعَاتِ وَالأَقْيِسَةِ.

وَمَرْجِعُ الأَدِلَّةِ الإِجْمَالِيَّةِ: كُتُبُ الأُصُولِ.

قاعدةٌ فِي حَمْلِ اللفظ

يُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَى حَقِيقَتِهِ دُونَ مَجَازٍ إِلَّا لِقَرِينَةٍ أَوْ دَلِيلٍ، وَيُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَى المَعْنَى العُرْفِيِّ لِلْمُتَكَلِّمِ دُونَ المَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَوِ العُرْفِيِّ لِغَيْرِهِ، وَتُحْمَلُ أَلْفَاظُ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى المَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ دُونَ اللُّغَوِيَّةِ أَوِ العُرْفِيَّةِ غَيْرِ الشَّرْعِيَّةِ.

قاعدةٌ في الأمر

صِيغَةُ الأَمْرِ إِذَا جَاءَتْ لِلطَّلَبِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الوُجُوبِ إِلَّا لِقَرِينَةٍ أَوْ دَلِيلٍ، وَلَا تَقْتَضِي فَوْرًا وَلَا تَكْرَارًا؛ فَلَا يُعْلَمَانِ إِلَّا بِقَرِينَةٍ أَوْ دَلِيلٍ، وَالمَرَّةُ ضَرُورِيَّةٌ لِلاِمْتِثَالِ، وَتَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ أَضْدَادِ المَأْمُورِ بِهِ وَقْتَ الاِمْتِثَالِ، وَتَقْتَضِي طَلَبَ مَا لَا يَحْصُلُ المَطْلُوبُ إِلَّا بِهِ.

قاعدةٌ في النهيِ

صِيغَةُ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ إِلَّا لِقَرِينَةٍ أَوْ دَلِيلٍ، وَتَقْتَضِي الفَوْرَ وَدَوَامَ التَّرْكِ، وَتَقْتَضِي فِعْلَ ضِدٍّ مِنْ أَضْدَادِ المَنْهِيِّ عَنْهُ.

قاعدةٌ في الأخذ بالمأمور به

يُفْعَلُ مِنَ المَأْمُورِ بِهِ المُسْتَطَاعُ، وَيُتْرَكُ المَنْهِيُّ عَنْهُ جُمْلَةً؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَخُذُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.

قواعدُ المفهوم والمنطوق

كُلُّ مَعْنًى اسْتُفِيدَ مِنْ جَوْهَرِ اللَّفْظِ لِأَنَّهُ هُوَ المَعْنَى الَّذِي وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ فَهُوَ المَنْطُوقُ: كَالشَّخْصِ المَوْصُوفِ بِالعِلْمِ مِنْ لَفْظَةِ «عَالِم» فِي قَوْلِكَ: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ العَالِمَ».

وَكُلُّ مَعْنًى اسْتُفِيدَ مِنْ ذِكْرِ اللَّفْظِ وَلَيْسَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لَهُ فَهُوَ المَفْهُومُ: كَالشَّخْصِ المَوْصُوفِ بِالجَهْلِ فِي المِثَالِ المَذْكُورِ؛ فَإِنَّهُ يَخْطُرُ فِي الذِّهْنِ عِنْدَ ذِكْرِ العَالِمِ لِأَنَّهُ ضِدُّ مَعْنَاهُ، وَالضِّدُّ يَخْطُرُ بِالبَالِ عِنْدَ خُطُورِ ضِدِّهِ.

كُلُّ مَعْنًى اسْتُفِيدَ مِنْ ذِكْرِ اللَّفْظِ وَهُوَ ضِدُّ المَعْنَى الَّذِي وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ فَإِنَّهُ يُعْطَى نَقِيضَ حُكْمِ المَنْطُوقِ وَيُسَمَّى: مَفْهُومَ مُخَالَفَةٍ؛ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْمَنْطُوقِ فِي الحُكْمِ كَمَا فِي المِثَالِ السَّابِقِ، وَيُسَمَّى: دَلِيلَ الخِطَابِ.

وَكُلُّ مَعْنًى اسْتُفِيدَ مِنْ ذِكْرِ اللَّفْظِ وَلَيْسَ ضِدًّا لِلْمَنْطُوقِ فَإِنَّهُ يُعْطَى حُكْمَ المَنْطُوقِ، وَيُسَمَّى: مَفْهُومَ مُوَافَقَةٍ.

ثُمَّ إِنْ كَانَ مُمَاثِلًا لِلْمَنْطُوقِ فِي الوَصْفِ الَّذِي اسْتَحَقَّ بِهِ الحُكْمَ كَانَ مَفْهُومًا بِالمُسَاوَاةِ، وَيُسَمَّى: لَحْنَ الخِطَابِ: كَتَحْرِيمِ إِتْلَافِ مَالِ اليَتِيمِ مِنْ تَحْرِيمِ أَكْلِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَهُمۡ إِلَىٰٓ أَمۡوَٰلِكُمۡۚ [النساء: ٢]؛ لِتَسَاوِيهِمَا فِي التَّعَدِّي وَالظُّلْمِ وَالتَّضْيِيعِ عَلَى اليَتِيمِ.

وَإِنْ كَانَ أَقْوَى مِنْهُ فِي الوَصْفِ الَّذِي اسْتَحَقَّ بِهِ الحُكْمَ كَانَ مَفْهُومَ مُوَافَقَةٍ بِالأَحْرَوِيَّةِ وَيُسَمَّى: فَحْوَى خِطَابٍ: كَتَحْرِيمِ الضَّرْبِ مِنْ تَحْرِيمِ قَوْلِ «أُفٍّ» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ[الإسراء: ٢٣]؛ لِأَنَّ الفِعْلَ أَشَدُّ مِنَ القَوْلِ فِي الإِسَاءَةِ.

أنواع دليل الخطاب

مَفْهُومُ الصِّفَةِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمِن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۚ[النساء: ٢٥].

مَفْهُومُ الشَّرْطِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلَٰتِ حَمۡلٖ فَأَنفِقُواْ عَلَيۡهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ[الطلاق: ٦].

مَفْهُومُ الغَايَةِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَيۡرَهُۥۗ[البقرة: ٢٣٠].

مَفْهُومُ العَدَدِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ[النور: ٤].

مَفْهُومُ الحَصْرِ: كَقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».

مَفْهُومُ الزَّمَانِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ[البقرة: ١٨٤].

مَفْهُومُ المَكَانِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ[آل عمران: ٩٧].

تقييد

لَا يُحْتَجُّ بِالمَفْهُومِ:

ـ إِذَا خَرَجَ الكَلَامُ مَخْرَجَ الغَالِبِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُم[النساء: ٢٣].

ـ أَوْ جَاءَ الكَلَامُ لِتَصْوِيرِ الوَاقِعِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗۖ[آل عمران: ١٣٠].

ـ أَوْ جَاءَ حَسَبَ مَا هُوَ الشَّأْنُ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ[البقرة: ١٨٧].

ـ أَوْ جَاءَ لِلتَّفْخِيمِ وَالتَّأْكِيدِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٢٣٦[البقرة].

ـ وَلَا إِذَا عَارَضَهُ نَصٌّ: كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَقۡصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنۡ خِفۡتُمۡ[النساء: ١٠١]؛ فَقَدْ ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ القَوْلِيَّةِ وَالفِعْلِيَّةِ قَصْرُ الصَّلَاةِ مَعَ عَدَمِ الخَوْفِ.

قاعدة النصِّ

كُلُّ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ دُونَ احْتِمَالٍ لِغَيْرِهِ فَهُوَ نَصٌّ فِي ذَلِكَ المَعْنَى: كَالأَعْلَامِ وَأَلْفَاظِ الأَعْدَادِ.

قاعدة الظاهر

كُلُّ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى وَاحْتَمَلَ غَيْرَهُ احْتِمَالًا مَرْجُوحًا فَهُوَ الظَّاهِرُ الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ المَعْنَى، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ المَعْنَى: كَاسْمِ الجِنْسِ فِي مَعْنَاهُ الأَصْلِيِّ، وَالعَامِّ فِي اسْتِغْرَاقِ جَمِيعِ أَفْرَادِهِ.

قاعدة المؤوَّل

كُلُّ مَا دَلَّ عَلَى المَعْنَى المَرْجُوحِ بِسَبَبِ الدَّلِيلِ فَهُوَ المُؤَوَّلُ إِلَى ذَلِكَ المَعْنَى الَّذِي صَارَ الآنَ مُتَعَيِّنًا فِيهِ: كَاسْمِ الجِنْسِ فِي غَيْرِ مَعْنَاهُ الأَصْلِيِّ لِأَجْلِ القَرِينَةِ، وَالعَامِّ فِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ لِأَجْلِ المُخَصِّصِ.

قاعدةٌ في المبيَّن

كُلُّ لَفْظٍ اسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى المُرَادِ مِنْهُ فَهُوَ المُبَيَّنُ، سَوَاءٌ كَانَ نَصًّا أَمْ ظَاهِرًا؛ فَيُحْمَلُ عَلَى مَعْنَاهُ دُونَ تَوَقُّفٍ فِيهِ.

قاعدةٌ في المجمل

كُلُّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَى مَعْنًى وَلَمْ يَتَعَيَّنِ المُرَادُ مِنْهُ بِنَفْسِهِ فَهُوَ المُجْمَلُ؛ فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهِ حَتَّى يَتَّضِحَ المُرَادُ مِنْهُ بِبَيِّنَةٍ.

أسباب الإجمال

مِنْهَا: الاِشْتِرَاكُ فِي الوَضْعِ: كَالقُرْءِ لِلطُّهْرِ وَالحَيْضِ، وَالنَّقْلُ الشَّرْعِيُّ: كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَصَلُوحِيَّةُ الوَصْفِ لِلشَّيْئَيْنِ: ﻛَ «الَّذِي يَتَوَلَّى عُقْدَةَ النِّكَاحِ» مِنَ الزَّوْجِ وَالوَلِيِّ.

قاعدة المبيِّن

كُلُّ مَا بَانَ المُرَادُ مِنْهُ بِسَبَبِ غَيْرِهِ فَهُوَ المُبَيِّنُ: قَوْلًا أَوْ فِعْلًا أَوْ غَيْرَهُمَا.

قاعدةٌ في العامِّ

كُلُّ لَفْظٍ اسْتَغْرَقَ مَا صَلَحَ لَهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ فَهُوَ العَامُّ، وَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عُمُومِهِ لِظُهُورِهِ فِي العُمُومِ حَتَّى يَثْبُتَ مَا يُخَصِّصُهُ بِبَعْضِ أَفْرَادِهِ؛ فَيَخْرُجُ مِنْهُ مَا اقْتَضَى الدَّلِيلُ المُخَصِّصُ إِخْرَاجَهُ، وَيَبْقَى عَلَى عُمُومِهِ فِيمَا عَدَاهُ.

صِيَغُ العموم

ـ أَسْمَاءُ الشَّرْطِ: كَقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ»، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَبْقَتِ السِّهَامُ فَلِأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ».

ـ أَسْمَاءُ الاِسْتِفْهَامِ: كَقَوْلِ السَّائِلِ: «مَا يَحِلُّ لِي مِنِ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ؟».

ـ وَالمَوْصُولَاتُ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ[البقرة: ٢٣٤].

ـ وَالمُعَرَّفُ ﺑِ «الْ» الجِنْسِيَّةِ الاِسْتِغْرَاقِيَّةِ فِيهِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا[المائدة: ٣٨]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ[النساء: ٣٤].

ـ وَالنَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ أَوِ النَّهْيِ أَوِ الشَّرْطِ أَوِ الاِسْتِفْهَامِ الإِنْكَارِيِّ: كَقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ»، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ[الحُجُرات: ١١]، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ آذَى ذِمِّيًّا كُنْتُ خَصْمَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ»، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ[النمل: ٦٠، ٦١، ٦٢، ٦٣، ٦٤].

ـ وَالمُضَافُ إِلَى المَعْرِفَةِ عِنْدَمَا يُقْصَدُ بِهِ الاِسْتِغْرَاقُ: كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبۡطِلُوٓاْ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٣[محمَّد].

قاعدةٌ في فرَقِ العامِّ

كُلُّ عَامٍّ لَمْ يَدْخُلْهُ تَخْصِيصٌ فَهُوَ العَامُّ البَاقِي عَلَى عُمُومِهِ، وَإِلَيْهِ يَنْصَرِفُ لَفْظُ العَامِّ عِنْدَ الإِطْلَاقِ.

وَكُلُّ عَامٍّ أُرِيدَ بِلَفْظِهِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ بَعْضُ أَفْرَادِهِ فَهُوَ العَامُّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ المَجَازِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ[آل عمران: ١٧٣]؛ إِذْ لَمْ يُرِدْ جَمِيعَ النَّاسِ فِي المَوْضِعَيْنِ.

وَكُلُّ عَامٍّ أُرِيدَ بِهِ جَمِيعُ أَفْرَادِهِ وَأُخْرِجَ مِنْهُ بَعْضُهَا بِمُخَصِّصٍ فَهُوَ العَامُّ المَخْصُوصُ.

قاعدةٌ في التخصيص

كُلُّ إِخْرَاجٍ لِبَعْضِ أَفْرَادِ العَامِّ مِنَ اللَّفْظِ العَامِّ فَهُوَ تَخْصِيصٌ.

لَا يَشْمَلُ الأَفْرَادَ المُخْرَجَةَ حُكْمُ العَامِّ.

قاعدةٌ في المخصِّص وتقسيمه

كُلُّ مَا كَانَ بِهِ الإِخْرَاجُ المَذْكُورُ فَهُوَ المُخَصِّصُ:

ـ فَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فَهُوَ المُخَصِّصُ المُتَّصِلُ:

• كَالاِسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إِلَّا بِسَوَاءٍ»، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَيۡفَ يَكُونُ لِلۡمُشۡرِكِينَ عَهۡدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ[التوبة: ٧].

• وَكَالشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا ٱسۡتَقَٰمُواْ لَكُمۡ فَٱسۡتَقِيمُواْ لَهُمۡۚ[التوبة: ٧].

• وَكَالصِّفَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡ‍ٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا[التوبة: ٤].

• وَكَالغَايَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ[التوبة: ٤].

فَالتَّخْصِيصُ بِهَذِهِ تَخْصِيصٌ بِالمَفْهُومِ.

ـ وَإِنْ كَانَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ فَهُوَ: المُخَصِّصُ المُنْفَصِلُ: كَتَخْصِيصِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَٱلۡمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٖۚ[البقرة: ٢٢٨]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُوْلَٰتُ ٱلۡأَحۡمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ [الطلاق: ٤]، تَخْصِيصًا لِلْكِتَابِ بِالكِتَابِ.

وَكَتَخْصِيصِ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ» بِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ»، تَخْصِيصًا لِلسُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ.

وَكَتَخْصِيصِ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا[النساء: ٤٣؛ المائدة: ٦]، تَخْصِيصًا لِلسُّنَّةِ بِالكِتَابِ.

وَكَتَخْصِيصِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيٓ أَوۡلَٰدِكُمۡۖ لِلذَّكَرِ[النساء: ١١] الآيَةُ، بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ»، تَخْصِيصًا لِلْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ.

وَقَدْ يُخَصَّصُ اللَّفْظُ بِالقِيَاسِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ[النور: ٢]: خُصِّصَ مِنْهُ العَبْدُ قِيَاسًا عَلَى الأَمَةِ المُخَصَّصَةِ مِنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَعَلَيۡهِنَّ نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ مِنَ ٱلۡعَذَابِۚ[النساء: ٢٥].

قاعدةٌ في المطلق والمقيَّد

كُلُّ مَا دَلَّ عَلَى فَرْدٍ أَوْ فَرْدَينِ أَوْ أَفْرَادٍ عَلَى سَبِيلِ الشُّيُوعِ بِدُونِ قَيْدٍ فَهُوَ المُطْلَقُ، سَوَاءٌ كَانَ اسْمًا أَوْ فِعْلًا؛ فَيُحْمَلُ عَلَى إِطْلَاقِهِ حَتَّى يَأْتِيَ مَا يُقَيِّدُهُ.

وَكُلُّ مَا دَلَّ عَلَى مَا ذُكِرَ بِقَيْدٍ فَهُوَ المُقَيَّدُ، وَيَجِبُ اعْتِبَارُ قَيْدِهِ.

قاعدةٌ في حمل المطلق على المقيَّد

مَهْمَا اتَّحَدَتْ صُورَةُ الإِطْلَاقِ وَصُورَةُ التَّقْيِيدِ فِي الحُكْمِ إِلَّا وَحُمِلَ المُطْلَقُ عَلَى المُقَيَّدِ، سَوَاءٌ اتَّحَدَتَا فِي السَّبَبِ أَمْ لَا.

فَالأُولَى: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ ١٥[الأعلى] المُفِيدِ لِمَطْلُوبِيَّةِ ذِكْرٍ مُطْلَقٍ؛ فَحُمِلَ عَلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» المُفِيدِ تَقْيِيدَ الذِّكْرِ بِالتَّكْبِيرِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ فِي الصُّورَتَيْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ إِرَادَةُ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، وَالحُكْمَ فِيهَا وَاحِدٌ وَهُوَ مَطْلُوبِيَّةُ مَا نَفْتَتِحُ بِهِ مِنَ الذِّكْرِ.

وَالثَّانِيَةُ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مِّن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۚ[المجادلة: ٣] المُفِيدِ تَحْرِيرَ رَقَبَةٍ مُطْلَقًا؛ فَحُمِلَ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَ‍ٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ[النساء: ٩٢] المُفِيدِ تَقْيِيدَهَا بِالإِيمَانِ؛ لِأَنَّ الحُكْمَ فِي الصُّورَتَيْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ مَطْلُوبِيَّةُ تَحْرِيرِ رَقَبَةٍ وَإِنِ اخْتَلَفَ السَّبَبُ؛ إِذْ هُوَ فِي الأُولَى: الظِّهَارُ، وَفِي الثَّانِيَةِ: قَتْلُ الخَطَإِ.

وَمَهْمَا اخْتَلَفَ الحُكْمُ فِي الصُّورَتَيْنِ إِلَّا وَامْتَنَعَ حَمْلُ المُطْلَقِ فِي إِحْدَاهُمَا عَلَى المُقَيَّدِ فِي الأُخْرَى، سَوَاءٌ اتَّحَدَ السَّبَبُ أَمِ اخْتَلَفَ.

فَالأَوَّلُ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ مِن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۖ[المجادلة: ٤] المُفِيدِ مَطْلُوبِيَّةَ صِيَامِ الشَّهْرَيْنِ بِقَيْدِ التَّتَابُعِ، مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ فَإِطۡعَامُ سِتِّينَ مِسۡكِينٗاۚ[المجادلة: ٤] المُفِيدِ مَطْلُوبِيَّةَ الإِطْعَامِ بِإِطْلَاقٍ؛ فَلَا يُحْمَلُ المُطْلَقُ عَلَى المُقَيَّدِ؛ لاِخْتِلَافِ الحُكْمِ فِيهِمَا بِاعْتِبَارِ مُتَعَلَّقِهِ وَإِنِ اتَّحَدَ السَّبَبُ فِيهِمَا وَهُوَ الظِّهَارُ.

وَالثَّانِي: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا[المائدة: ٣٨]، مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ[المائدة: ٦]؛ فَإِنَّ الحُكْمَ فِي الأُولَى هُوَ طَلَبُ القَطْعِ وَالسَّبَبَ فِيهَا هُوَ السَّرِقَةُ، وَالحُكْمَ فِي الثَّانِيَةِ هُوَ طَلَبُ الغَسْلِ وَالسَّبَبَ فِيهَا هُوَ إِرَادَةُ القِيَامِ لِلصَّلَاةِ.

قاعدةٌ في المحكم والمنسوخ والناسخ والنسخ

كُلُّ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ اسْتَمَرَّ حُكْمُهُ وَلَمْ يُرْفَعْ جُمْلَةً بِدَلِيلٍ آخَرَ مِنْهُمَا فَهُوَ المُحْكَمُ.

وَكُلُّ دَلِيلٍ مِنْهُمَا رُفِعَ حُكْمُهُ جُمْلَةً بِدَلِيلٍ آخَرَ مِنْهُمَا فَهُوَ المَنْسُوخُ.

وَكُلُّ دَلِيلٍ مِنْهُمَا رَفَعَ بِهِ الشَّرْعُ حُكْمًا ثَابِتًا بِدَلِيلٍ سَابِقٍ فَهُوَ النَّاسِخُ.

فَكُلُّ رَفْعٍ لِحُكْمٍ ثَابِتٍ بِدَلِيلٍ مُتَقَدِّمٍ جُمْلَةً بِدَلِيلٍ مُتَأَخِّرٍ لَوْلَاهُ لَاسْتَمَرَّ الحُكْمُ الأَوَّلُ فَهُوَ النَّسْخُ.

متى يُحْكَمُ بالنسخ؟

يُحْكَمُ بِالنَّسْخِ إِذَا تَعَارَضَ الدَّلِيلَانِ الصَّحِيحَانِ وَلَمْ يُمْكِنِ الجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَعُلِمَ المُتَقَدِّمُ مِنَ المُتَأَخِّرِ، وَإِلَّا قُدِّمَ الصَّحِيحُ أَوْ جُمِعَ مَا بَيْنَهُمَا أَوْ تُوُقِّفَ.

مورد النسخ

يَدْخُلُ النَّسْخُ الأَحْكَامَ وَلَا يَدْخُلُ الأَخْبَارَ.

حكمة النسخ

حِكْمَةُ النَّسْخِ: مُرَاعَاةُ المَصْلَحَةِ، وَتَدْرِيبُ الأُمَّةِ عَلَى تَلَقِّي الأَحْكَامِ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى اعْتِبَارِ المَصَالِحِ فِي التَّشْرِيعِ؛ فَقَدْ يُنْتَفَعُ بِذَلِكَ عِنْدَ اخْتِيَارِ مَا يُطَبَّقُ عَلَى الأُمَّةِ مِنْ أَقْوَالِ أَئِمَّةِ الفَتْوَى وَالاِجْتِهَادِ.

وجوه النسخ وأقسامُه

يُنْسَخُ الرَّسْمُ وَيَبْقَى الحُكْمُ: كَآيَةِ الرَّجْمِ وَهِيَ: «الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا ألْبَتَّةَ، نَكَالًا مِنَ اللهِ، وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ».

وَيُنْسَخُ الحُكْمُ وَيَبْقَى الرَّسْمُ: كَآيَةِ الحَوْلِ فِي العِدَّةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا[البقرة: ٢٤٠] الآيَةُ.

وَيُنْسَخُ الرَّسْمُ وَالحُكْمُ: كَحَدِيثِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: «أُنْزِلَ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ، فَنُسِخَ بِحُكْمِ: خَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ».

وَيَكُونُ النَّسْخُ إِلَى بَدَلٍ: كَنَسْخِ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وَإِلَى غَيْرِ بَدَلٍ: كَصَدَقَةِ المُنَاجَاةِ.

وَيَكُونُ إِلَى مَا هُوَ أَخَفُّ: كَآيَةِ المُصَابَرَةِ فِي القِتَالِ، وَإِلَى مَا هُوَ أَثْقَلُ: كَنَسْخِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الفِدْيَةِ وَالصَّوْمِ بِتَعْيِينِ الصَّوْمِ.

ويُنْسَخُ الكِتَابُ بِالكِتَابِ: كَآيَةِ العِدَّةِ وَالمُصَابَرَةِ.

وَتُنْسَخُ السُّنَّةُ بِالكِتَابِ: كَمَسْأَلَةِ القِبْلَةِ.

وَتُنْسَخُ السُّنَّةُ بِالسُّنَّةِ: كَحَدِيثِ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا».

وَيُنْسَخُ الكِتَابُ بِالسُّنَّةِ: كَآيَةِ الوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِحَدِيثِ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ».

تنبيهٌ أوَّل

مَا ذُكِرَ مِنَ القَوَاعِدِ يُطَبَّقُ عَلَى خُصُوصِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَيَبْقَى مِنَ السُّنَّةِ فِعْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقْرِيرُهُ.

قواعدُ في أفعاله صلَّى الله عليه وسلَّم

كُلُّ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى وَجْهِ القُرْبَةِ فِي العِبَادَاتِ وَالمُعَامَلَاتِ فَهُوَ فِيهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِلْأُمَّةِ، إِلَّا إِذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى تَخْصِيصِهِ بِهِ.

وَكُلُّ مَا فَعَلَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى وَجْهِ القُرْبَةِ فَهُوَ دَائِرٌ بَيْنَ الوُجُوبِ وَالاِسْتِحْبَابِ، وَيَتَرَجَّحُ أَحَدُهُمَا بِالدَّلِيلِ.

وَكُلُّ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ فَهُوَ أَرْجَحُ مِمَّا فَعَلَهُ مَرَّةً أَوْ نَحْوَهَا.

وَكُلُّ مَا تَرَكَهُ مِنْ صُوَرِ العِبَادَاتِ فَلَيْسَ بِقُرْبَةٍ.

وَكُلُّ مَا فَعَلَهُ لِلْخِلْقَةِ البَشَرِيَّةِ فَلَيْسَ فِي نَفْسِهِ مَحَلًّا لِلتَّأَسِّي، وَلَكِنَّ هَيْئَتَهُ الَّتِي أَوْقَعَهُ عَلَيْهَا هِيَ أَفْضَلُ هَيْئَةٍ، وَهِيَ مَحَلُّ الأُسْوَةِ.

قواعدُ في تقريره صلَّى الله عليه وسلَّم

كُلُّ مَا قِيلَ أَوْ فُعِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ بَلَغَهُ وَأَقَرَّهُ فَهُوَ حَقٌّ عَلَى مَا أَقَرَّهُ عَلَيْهِ.

وَكُلُّ مَا قِيلَ أَوْ فُعِلَ فِي زَمَانِهِ وَكَانَ مُشْتَهِرًا شُهْرَةً يَبْعُدُ أَنْ تَخْفَى عَلَيْهِ فَهُوَ مِثْلُ مَا فُعِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ.

تنبيهٌ ثانٍ

تَخْتَصُّ السُّنَّةُ عَنِ الكِتَابِ بِقَوَاعِدَ تَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ نَاحِيَةِ ثُبُوتِهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ لَيْسَتْ عَلَى دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، بِخِلَافِ القُرْآنِ فَكُلُّهُ مُتَوَاتِرٌ.

فَكُلُّ حَدِيثٍ صَحِيحٍ أَوْ حَسَنٍ فَإِنَّهُ صَالِحٌ لِلاِسْتِدْلَالِ بِهِ فِي الأَحْكَامِ.

وَكُلُّ حَدِيثٍ ضَعِيفٍ فَإِنَّهُ غَيْرُ صَالِحٍ لِذَلِكَ.

وَكُلُّ مَا ثَبَتَ طَلَبُ فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ بِدَلِيلٍ مُعْتَبَرٍ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مَا جَاءَ لِلتَّرْغِيبِ فِيهِ أَوْ لِلتَّرْهِيبِ مِنْهُ فِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ لَمْ يَشْتَدَّ ضَعْفُهُ.

خاتمةٌ في الاجتهاد والتقليد والاتباع

الاِجْتِهَادُ:

الاِجْتِهَادُ هُوَ: «بَذْلُ الجُهْدِ فِي اسْتِنْبَاطِ الحُكْمِ مِنَ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ بِالقَوَاعِدِ المُتَقَدِّمَةِ».

وَأَهْلُهُ هُوَ: المُتَبَحِّرُ فِي عُلُومِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، ذُو الإِدْرَاكِ الوَاسِعِ لِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وَالفَهْمِ الصَّحِيحِ لِلْكَلَامِ العَرَبِيِّ.

التَّقْلِيدُ:

التَّقْلِيدُ هُوَ: «أَخْذُ قَوْلِ المُجْتَهِدِ دُونَ مَعْرِفَةٍ لِدَلِيلِهِ».

وَأَهْلُهُ هُوَ: مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى فَهْمِ الدَّلِيلِ، وَهُمُ العَامَّةُ غَيْرُ المُتَعَاطِينَ لِعُلُومِ الشَّرِيعَةِ وَاللِّسَانِ.

الاِتِّبَاعُ:

هُوَ: «أَخْذُ قَوْلِ المُجْتَهِدِ مَعَ مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ، وَمَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ أَخْذِهِ لِلْحُكْمِ مِنْ ذَلِكَ الدَّلِيلِ حَسَبَ القَوَاعِدِ المُتَقَدِّمَةِ».

وَأَهْلُهُ هُمُ: المُتَعَاطُونَ لِلْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَاللِّسَانِيَّةِ، الَّذِينَ حَصَلَتْ لَهُمْ مَلَكَةٌ صَحِيحَةٌ فِيهِمَا؛ فَيُمْكِنُهُمْ ـ عِنْدَ اخْتِلَافِ المُجْتَهِدِينَ ـ مَعْرِفَةُ مَرَاتِبِ الأَقْوَالِ فِي القُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَاخْتِيَارُ مَا يَتَرَجَّحُ مِنْهَا، وَاسْتِثْمَارُ مَا فِي الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ مِنْ أَنْوَاعِ المَعَارِفِ المُفِيدَةِ فِي إِنَارَةِ العُقُولِ وَتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ وَتَقْوِيمِ الأَعْمَالِ.

وَلِهَذَا كَانَ حَقًّا عَلَى المُعَلِّمِينَ وَالمُتَعَلِّمِينَ لِلْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَاللِّسَانِيَّةِ أَنْ يَجْرُوا فِي تَعْلِيمِهِمْ وَتَعَلُّمِهِمْ عَلَى مَا يُوصِلُ إِلَى هَذِهِ الرُّتْبَةِ عَلَى الكَمَالِ.

انْتَهَى هَذَا الكِتَابُ المُبَارَكُ يَوْمَ ٢٨ ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ ١٣٥٦، عَلَى يَدِ كَاتِبِهِ الفَقِيرِ إِلَى رَبِّهِ مُحَمَّد العَرَبِي ابْنِ صَالِحٍ الحركَاتِيِّ ثُمَّ البَنْعِيسِيِّ، وَفَّقَهُ اللهُ إِلَى مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، وَأَحْسَنَ خِتَامَهُ وَجَعَلَ الجَنَّةَ مَأْوَاهُ.

وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.