Skip to Content
الخميس 8 رمضان 1439 هـ الموافق لـ 24 مايو 2018 م

الكلمة الشهرية رقم: ١٢٤

نصيحةٌ إلى تاجرٍ مسلمٍ

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإنَّ الله تعالى جَعَل النهارَ للناس مَعاشًا، وسخَّر لهم البَرَّ والبحر تيسيرًا لابتغاءِ فضلِه، وأباح لهم الاكتسابَ مِنَ الحلال في مجالاتٍ متعدِّدةٍ، وحثَّ الناسَ على بذلِ جهدِ العمل لكسبِ ما لا بُدَّ منه للعيش ـ وجوبًا ـ، وقد نصَّ العلماءُ على لزوم التكسُّب الضروريِّ للعيش في مَعْرِضِ قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ[الجمعة: ١٠]، قال الحافظ ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ: «يُؤخَذُ منها مشروعيةُ البيع مِنْ طريقِ عمومِ ابتغاء الفضل؛ لأنه يَشْمَل التجارةَ وأنواعَ التكسُّب، واختُلِف في الأمر المذكور؛ فالأكثرُ على أنه للإباحة، ونُكْتَتُها مخالفةُ أهل الكتاب في منع ذلك يومَ السبت، فلم يُحْظَرْ ذلك على المسلمين، وقال الداوديُّ الشارح: هو على الإباحة لمَنْ له كفافٌ ولمَنْ لا يطيق التكسُّبَ، وعلى الوجوب للقادر الذي لا شيءَ عنده؛ لئلَّا يحتاج إلى السؤال وهو محرَّمٌ عليه مع القدرة على التكسُّب»(١).

ومِنْ أَفْضَلِ أنواعِ المكاسب: الاكتسابُ عن طريق التجارة، وقد اشتغل رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم بالتجارة قبل النبوَّة مدَّةً مِنَ الزمن، واحترفها عددٌ كبيرٌ مِنَ الصحابةِ رضي الله عنهم، مِنْ بينِهم أَكْثَرُ العشرةِ المبشَّرين بالجنَّة، ومارسوا التجارةَ في عصر النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فأَقَرَّهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على ذلك، فقَدْ روى البخاريُّ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَقُولُونَ مَا بَالُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَا يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ صَفْقٌ بِالأَسْوَاقِ، وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا، وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا»(٢)، غير أنَّ ممارسة الصحابة رضي الله عنهم للتجارة وتحصيل الأموال بها، لم يكن ذلك كُلُّه مانعًا مِنْ إقامةِ شعائر الله على الوجه المَرْضيِّ، وتعظيمِها والتنافسِ على الأعمال الصالحة؛ ويظهر ذلك جليًّا في أنَّ الأموال التي اكتسبوها بالتجارة ـ التي درَّتْ عليهم أرباحًا مِنَ الحلال ـ قد بذلوها رخيصةً لدِين الله، وصَرَفوها في سبيلِ إعلاءِ كلمة الله ابتغاءَ مَرْضاته، وقد تجسَّد ذلك في مواقفَ عِدَّةٍ منها: أنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه تصدَّق بكُلِّ مالِه، وقدَّمه لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم احتسابًا للأجر والمثوبة مِنْ عند الله تعالى؛ فقال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟» قَالَ: «أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللهَ وَرَسُولَهُ»(٣)، وكذا ما بَذَله عثمان بنُ عفَّان رضي الله عنه مِنْ أموالٍ في سبيل الله؛ ومِنْ أشهر المواقف: شراؤُه وتوسيعه لبئر «رومة» وإنفاقُه أَعَزَّ ما يملك لتجهيز جيش العُسْرة، فقَدْ روى البخاريُّ أَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حِينَ حُوصِرَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: «أَنْشُدُكُمُ اللهَ، وَلَا أَنْشُدُ إِلَّا أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ حَفَرَ رُومَةَ فَلَهُ الجَنَّةُ»؟ فَحَفَرْتُهَا، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ»؟ فَجَهَّزْتُهُمْ»، قَالَ: فَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ(٤)، وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: جَاءَ عُثْمَانُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَلْفِ دِينَارٍ ـ قَالَ الحَسَنُ بْنُ وَاقِعٍ: وَكَانَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِي: فِي كُمِّهِ ـ حِينَ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَنَثَرَهَا فِي حِجْرِهِ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَلِّبُهَا فِي حِجْرِهِ وَيَقُولُ: «مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ اليَوْمِ» مَرَّتَيْنِ(٥)، وغيرها مِنْ شهادات الوقائع على المواقف.

هذا، وقد أَجْمَعَ العلماءُ على أنَّ «الأَصْلَ فِي التِّجَارَةِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْمَكَاسِبِ الحِلُّ»، ولا شكَّ أنَّ الحكمة تقتضي جوازَها؛ ذلك «لأنَّ حاجة الإنسان تتعلَّق بما في يدِ صاحبه غالبًا، وصاحبُه قد لا يبذله له؛ ففي تشريع البيع وسيلةٌ إلى بلوغ الغرض مِنْ غيرِ حرجٍ»(٦)، لكِنْ ليسَتْ لكُلِّ صُوَرِ المكاسبِ التجاريةِ صفةُ الجواز؛ لذلك كان لزامًا على التاجرِ أَنْ يعتنِيَ العنايةَ الكافيةَ بمعرفةِ الأحكامِ الشرعيةِ المتعلِّقةِ بفقهِ المُعامَلاتِ المالية، وتعلُّمُ أحكامِها مِنَ الحلال والحرام شرطٌ ضروريٌّ ومطلوبٌ لمُزاوَلةِ مهنتِه التجارية؛ لئلَّا يقعَ التاجرُ في المحرَّماتِ مِنْ حيث لا يدري فيجتنبَها، وهي كثيرةٌ كالرِّبَا، والرِّشوة، والغرر، والغشِّ، والتدليس وغيرِها مِنْ أنواعِ أكل أموال الناس بالباطل، هذا مِنْ جهةٍ، ولِيعلمَ ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ خطورةَ مُقارَفةِ المنهيَّاتِ والمحرَّماتِ لِيَتَّقِيَ اللهَ فيها ويدلَّ غيرَه عليها ليحذر مِنْ مَفاسِدِها وآثارِها السيِّئة؛ فقد روي عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول: «لَا يَبِعْ فِي سُوقِنَا إِلَّا مَنْ قَدْ تَفَقَّهَ فِي الدِّينِ»(٧).

ـ هذا، وأَنْصَحُ التاجرَ المسلم أَنْ لا يجعلَ تجارتَه مطيَّةً للركون إلى الدنيا فيطمعَ أَنْ ينالَ الغرضَ العاجل؛ لأنَّ الغُلُوَّ في السعي وراءَ الكسب يُلْهي صاحِبَه عن أداء حقوق الله فيتهاون عن القيام بالواجبات المتعلِّقة به، ويدفعه إلى التكالب على الدنيا والإخلاد إلى الأرض؛ وعليه أَنْ يدرك أنَّ الاستكثار مِنَ المال وحُبَّه حبًّا جمًّا يُفْضي به إلى الاشتغال عن أمر الدِّين والانصرافِ عن القيام بالواجبات وأداءِ حقوق الله؛ الأمرُ الذي ينتهي به إلى الخيبة والهلاك، وقد نَهَانا اللهُ عن ذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ[البقرة: ١٩٥]؛ فكُلُّ ما يصدق عليه أنه تهلكةٌ في الدِّين أو الدنيا يجب تجنُّبُه لدخوله في الآية؛ فالعبرةُ بعموم اللفظ، أمَّا خصوص السبب فيدخل فيه دخولًا أوَّليًّا وقطعيًّا.

هذا، والسعيُ وراءَ فضول الأموال والحرصُ عليها يُوقِعُ العبدَ في التنعُّم والتبسُّط(٨) والترفُّه؛ فإنه قلَّما يسلم مَنْ كان هذا حالَه مِنْ عواقب جمعِ المال وكثرةِ مَفاتِنِه؛ ولذلك «نَهَانَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ التَّبَقُّرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ»(٩)، ومعنى التبقُّر: هو الكثرةُ والسَّعَة(١٠)؛ ومِنْ أعظمِ مَفاتِنِه أَنْ يجهل أنَّ لله حقًّا في ماله؛ فيصير يَخْبِط فيه بلا علمٍ؛ فلا يَصِلُ به رَحِمَه ولا يُؤَدِّي حقَّ اللهِ فيما رَزَقَه كما في حديثِ أبي كبشةَ الأنماريِّ رضي الله عنه: «إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: ... وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَخْبَثِ المَنَازِلِ ...»(١١).

ومِنْ عواقبِ فتنة المال ـ أيضًا ـ: استيلاؤه على أفئدة المُولَعين به المُحِبِّين له المتعلِّقين به، فيُسْكِرهم بحُبِّ الدنيا والركونِ إليها، ويسخِّر عقولَهُم لها حتَّى يصيِّرهم عبيدًا له، ويُلْهِيهم عن حُبِّ الله وطاعتِه وذِكْرِه؛ ومِنْ علامة المفتونين بالمال: قصرُ محبَّتِهم عليه، وجُلُّ حديثهم في لقاءاتهم واجتماعاتهم عنه؛ فإِنْ أَحَبُّوا فلا يُحِبُّون إلَّا لأجله، وإِنْ أبغضوا فلا يبغضون إلَّا لأجله؛ ﴿فَإِنۡ أُعۡطُواْ مِنۡهَا رَضُواْ وَإِن لَّمۡ يُعۡطَوۡاْ مِنۡهَآ إِذَا هُمۡ يَسۡخَطُونَ ٥٨[التوبة]؛ فالمفتونُ بالمال والدنيا تَستعبِدُه بطلبها فيصير كالعبد لها تتصرَّف فيه تصرُّفَ المالك لينالها وينغمسَ في شهواتها ومطالبها(١٢)، وقد جاء في حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالقَطِيفَةِ وَالخَمِيصَةِ(١٣)، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ»(١٤)، قال ابنُ القيِّم رحمه الله ـ في معرض شرحِ معنى الحديث وبيانِ خطورة الإقبال على الدنيا والاطمئنان بها، وأنها سببُ الهلاك ـ ما نصُّه: «والسُّكر بحُبِّ الدنيا أعظمُ مِنَ السُّكر بشرب الخمر بكثيرٍ، وصاحبُ هذا السُّكر لا يُفيقُ منه إلَّا في ظُلْمة اللحد، ولو انكشف عنه غطاؤه في الدنيا لَعَلِمَ ما كان فيه مِنَ السُّكر وأنه أشدُّ مِنْ سُكْر الخمر، والدنيا تَسْحَر العقولَ أعظمَ سحرٍ؛ قال مالك بنُ دينارٍ ـ رحمه الله ـ: «اتَّقُوا السحَّارة، اتَّقُوا السحَّارة؛ فإنها تسحر قلوبَ العلماء»، وقال يحيى بنُ مُعاذٍ الرازيِّ ـ رحمه الله ـ: الدنيا خمرُ الشيطان؛ مَنْ سَكِر منها فلا يُفيقُ إلَّا في عسكر الموتى نادمًا بين الخاسرين، وأقلُّ ما في حُبِّها أنه يُلهي عن حُبِّ الله وذِكْرِه، ومَنْ ألهاهُ مالُه عن ذِكر الله فهو مِنَ الخاسرين، وإذا لَهَا القلبُ عن ذِكْر الله سَكَنه الشيطانُ وصَرَفه حيث أراد، ومِنْ فقهِه في الشرِّ أنه يُرْضيه ببعض أعمال الخير ليُرِيَه أنه يفعل فيها الخيرَ وقد تعبَّد لها قلبُه؛ فأين يقع ما يفعله مِنَ البِرِّ مع تعبُّدِه لها»، ثمَّ ذَكَر ـ رحمه الله ـ حديثَ أبي هريرة رضي الله عنه السابق وقال: «وهذا تفسيرٌ منه وبيانٌ لعبوديتها»(١٥).

ـ ومِنْ ثَمَّ لَزِم التاجرَ المسلمَ أَنْ يسلك ـ في تجارته ـ سبيلَ التوسُّط والاعتدال، فلا تُرْهِقُه الفاقةُ حالَ إعراضه عن المال وتركِ السعي لتحصيله، ولا يُرْدِيه التبقُّرُ والشره والانهماكُ عليه إلى الحضيض والإخلاد إلى الأرض؛ ذلك لأنَّ في التوسُّط والاعتدال كفافًا محمودًا وسلامةً مِنْ آفات الغنى والفقر جميعًا، وقد صحَّ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قولُه: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ»(١٦)، ومِنْ وجوه الاعتدال ـ أيضًا ـ ما اتَّصف به عِبادُ الرحمن في نَفَقاتهم الواجبةِ والمُستحَبَّة، وهو التوسُّط بين باب الإسراف والتبذير وإهمالِ الحقوق الواجبة، وبابِ البخل والشحِّ والتقتير؛ فما وَجَب مِنْ زَكَواتٍ وكفَّاراتٍ ونفقاتٍ وغيرِها مِنَ الواجبات فإنهم يبذلونه على الوجه المَرْضيِّ الذي ينبغي شرعًا مِنْ غيرِ ضررٍ ولا ضِرارٍ؛ قال تعالى عنهم: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا ٦٧[الفرقان]، وهو ظاهرٌ مِنْ عدلهم واقتصادهم.

ـ وعلى التاجر أَنْ يتَّصِف بالسماحة والسهولة في المعاملة في البيع والشراء والتقاضي وغيرِها، ويتجنَّبَ الغلظةَ والشِّدَّةَ والمضاجرة والمشاحَّةَ وأنواعَ الأذى، بل يتحلَّى بمعالي الأخلاق فيعفو عن الناس مع حُسْن التعامل والتقاضي، فلا يضيِّق عليهم في المطالبة بحقِّه، بل يطلبه في عفافٍ، ويردُّ حقوقَهم بسهولةٍ ويُسْرٍ مِنْ غيرِ مُماطَلةٍ؛ عملًا بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى»(١٧)؛ ومِنْ معالي الأخلاق ـ أيضًا ـ إنظارُ المُعْسِرِ والتجاوزُ عنه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ[البقرة: ٢٨٠]، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللهُ فِي ظِلِّهِ»(١٨)، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: «تَجَاوَزُوا عَنْهُ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا»، فَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُ»(١٩).

ـ فعلى التاجرِ ـ إذَنِ ـ الحرصُ على أداءِ الواجباتِ والمهمَّاتِ، فلا يَتْرُكْ تجارتَه تجرُّه للتهاونِ في القيامِ بواجبِه الشرعيِّ، سواءٌ اتِّجاهَ ربِّه أو أهلِه وغيرِهم أو نَفْسِه، أو الغفلةِ عن تطبيقِ الأوامرِ التي فَرَضَها اللهُ عليه، مثل أداءِ زكاة الأموال والإنفاق على النفس والعيال الواجب والمستحَبِّ وفي سبيل الله؛ فعن عبد الله بنِ الشِّخِّير رضي الله عنه قال: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ ١[التكاثر]، قَالَ: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي، مَالِي»، قَالَ: «وَهَلْ لَكَ ـ يَا ابْنَ آدَمَ ـ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟!»»(٢٠).

ـ وعليه أَنْ يتحلَّى بالصدقِ والأمانةِ في مُعامَلاتِه؛ فهُمَا خُلُقان محمودان، فيجتنبُ الكذبَ وإخفاءَ العيوب في تجارتِه أو كَتْمَها؛ فإنَّ الصدقَ سببُ البركة، والكذبَ والكتمانَ علَّةُ الكسادِ والمحق؛ قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «البَيِّعَانَ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا»(٢١)، والذي يعلم عيبًا ويخفيه ولم ينبِّهْ عليه كان راضيًا بضَياعِ مالِ أخيه المسلمِ وهو حرامٌ، ومِنْ ذلك أَنْ يروِّجَ السِّلَعَ بالإعلاناتِ الكاذبةِ والدِّعاياتِ المُبْتَذَلة، فيُشيعَ ما فيه خداعٌ وغشٌّ، ويهوِّل ما فيه تزويرٌ، ويُوهِمَ ما فيه تدليسٌ، وقد يكون بالأيمان الكاذبة، وعليه أَنْ يحذر مِنْ يومٍ تُبْلى فيه السرائرُ؛ فما أَخْفاهُ في الدنيا سيُظْهِره اللهُ تعالى يومَ القيامة.

ـ كما أنَّ على التاجرِ أَنْ ينشرَ الفضيلةَ بتجارتِه فلا يساعدَ بها على ما يلوِّثُ الاعتقادَ السليمَ أو يقدحُ في المنهجِ النبويِّ المستقيمِ أو ما يُفْسِدُ الخُلُقَ القويمَ، فلا يبيع الخبثَ والرذيلة، وهي كُلُّ محرَّمٍ لِذَاتِ المبيع أو ما نهى الشرعُ عنه بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ لأنَّه إعانةٌ على حرامٍ، أو لكونِه ظلمًا أو أكلًا للمالِ بالباطلِ كالرِّبا وأنواعِه، وما يُحْدِثُ نزاعًا بين الإخوة في الإيمان كبيوع الجهالة والغرر والضررِ ونحوِها؛ لأنَّ «التَّحْرِيمَ يَتْبَعُ الخُبْثَ وَالضَّرَرَ»، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ[لمائدة ٢].

ـ وعلى التاجرِ أَنْ يمتنعَ عن مُمارَسةِ أعمالٍ تجاريةٍ في الأوقاتِ التي يَحْرُمُ فيها البيعُ، وأَنْ يُوفِيَ الإيفاءَ الحقيقيَّ للسلعةِ كمًّا وكيفًا دون تطفيفٍ أو بخسٍ أو انتقاصٍ، وأَنْ يتجنَّبَ رَفْعَ السعرِ على مُشْتَرٍ غافلٍ، أو على راكنٍ ثِقَةً بالبائع، أو مُسْتَرْسِلٍ.

ـ وعلى التاجر المسلم أَنْ يُسهِم بنصيبٍ مِنْ أموالِ تجارته في تحقيق العبودية لله تعالى وإقامةِ دِينِه وإعلاءِ شعائرِ الله وفضائلِ دِينِه بكُلِّ إخلاصٍ وصدقٍ وأمانةٍ؛ فيبذل مالَه في تعضيد المشاريع الخيرية المبنيَّة على البِرِّ والتقوى، والخاليةِ مِنَ المحاذير الشرعية؛ فيسعى إلى تدعيمِ عمارة المساجد البنيانية والإيمانية، وتشييدِ المدارس القرآنية، والعملِ على تنشيط العلوم النافعة والفقهِ في الدِّين لمحاربةِ الجهل والخرافة، وما إلى ذلك مِنَ الإسهامات المُفيدةِ في شتَّى المجالات الخيرية ومختلفِ الميادين النافعة للأمَّة.

ومِنْ هذا المُنطَلَقِ يحذر التاجرُ المسلمُ أَنْ يصرف أموالَه في غيرِ موضعها الشرعيِّ فيكون مُضيِّعًا لها، وقد نهى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن إضاعة المال(٢٢)؛ فهو المسؤولُ أمامَ الله تعالى عن حفظِها وصرفِها في وجوهها الصحيحة المأمورِ بها شرعًا؛ لذلك لا يجوز للتاجر المسلمِ أَنْ يُنفِقَ أموالَه على أهل الأهواء والبِدَع، أو على ضلالاتهم ومُحْدَثاتهم، سواءٌ كانوا مِنْ أهل المناهج العَقَدية الفاسدة أو مِنْ أصحاب المناهج الدَّعْوية المُنحرِفة.

وعليه أَنْ يحذر ـ أيضًا ـ مِنْ تأييد الدعوات الباطلة التي ينادي بها العلمانيون والتغريبيون مِنْ أهل الاتِّجاهات العقلانية الحديثة، المتمثِّلة في فصل الدِّين عن الدولة والحياة، أو في مجالات حقوق الإنسان أو حقوقِ المرأة، أو في تَقارُبِ الأديان، وغيرِها مِنَ الدعاوى الخادعة.

كما لا يُسهِم بماله في إثارة الشعوب ضِدَّ حُكَّامها، وتشجيعِ الخروج باسْمِ الثورات وما تُمليهِ المخطَّطاتُ الغربية؛ فإنَّ الثوراتِ ـ فضلا عن كونها مُخالِفةً للنصوص الشرعية الآمرةِ بالصبر على الحُكَّام وإِنْ جاروا وظلموا(٢٣) ـ فإنها لا تأتي بخيرٍ للأمَّة، ولا تُحقِّقُ أَمْنَها واستقرارَها، بل تجرُّها إلى التهلكة، وذلك بتمزيقِ وحدة الأمَّة، وانفلاتِ الأمن فيها، وهدمِ استقرارها، وتسليطِ الأعداء عليها.

ومِنْ قبيلِ عدمِ هدر الأموال وإضاعتِها المنهيِّ عنها، فإنَّ على التاجر أَنْ يكون فَطِنًا فلا يتركَ مجالًا للمحتالين والنصَّابين وغيرِهم ليستَوْلُوا على ماله بالخداع والمراوغة، وخاصَّةً ممَّنْ يُسيءُ إلى الدِّين بتَظاهُرِه بعباءة الدعوة إلى الله والقيامِ بواجب النصيحة؛ ليَتَّخِذَها ذريعةً لجمعِ الأموال والاغتناءِ والمتاجرة بها، فيحتال على ماله باسْمِ الدِّين والدعوةِ إلى الله خداعًا ومكرًا.

ـ وعلى التاجر أَنْ يشكر اللهَ تعالى على نعمة الله عليه وفضلِه مِنْ غيرِ جحودٍ ولا نكرانٍ؛ والعبدُ لا يكون شكورًا إلَّا باجتماعِ ثلاثةِ أركانٍ: أحَدُها: اعترافُه بنعمة الله عليه وذلك بقلبه؛ فالقلبُ للمعرفة والمحبَّة، والثاني: الثناءُ على الله بها وحمدُه عليها بلسانه، والثالث: الاستعانةُ بها بجوارحه على مرضاة الله واستعمالُهَا في طاعة المشكور وكفُّها عن معاصيه؛ فقَدْ علَّق اللهُ تعالى على الشكرِ الزيادةَ في قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡ[إبراهيم: ٧]، والمزيدُ منه سبحانه لا نهايةَ له كما لا نهايةَ لشُكرِه؛ وأخبر اللهُ تعالى أنَّ مَنْ لم يشكره لم يكن مِنْ أهلِ عبادته؛ قال تعالى: ﴿وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١٧٢[البقرة].

فالحاصلُ: أنَّ على التاجر أَنْ يسعى إلى تحقيقِ الفضيلةِ ونشرِ الخيرِ في مجتمعه، وتوسيعِ دائرتِه في حدود مقدرته، وتَفادي الآثام والذنوب والمحرَّمات بعد العلم بأحكامها والعملِ على صرفِ أموال تجارته في موضعها الشرعيِّ مِنْ غيرِ إضاعةٍ لها، والشكرِ لله على إحسانه بالقلب واللسان والجوارح، مع تقوى اللهِ التي هي سببُ رفعِ البلاءِ وكسبِ الرِّزقِ الحلال وإعظامِ الأجر وتكفيرِ السيِّئات؛ قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا ٢ وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا ٣[الطلاق]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مِنۡ أَمۡرِهِۦ يُسۡرٗا ٤ ذَٰلِكَ أَمۡرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُۥٓ إِلَيۡكُمۡۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّ‍َٔاتِهِۦ وَيُعۡظِمۡ لَهُۥٓ أَجۡرًا ٥[الطلاق].

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٢ ربيع الثاني ١٤٣٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٣٠ ديسمبر ٢٠١٧م



(١) «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٢٨٨).

(٢) أخرجه البخاريُّ في «البيوع» بابُ ما جاء في قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٠ وَإِذَا رَأَوۡاْ تِجَٰرَةً أَوۡ لَهۡوًا ٱنفَضُّوٓاْ إِلَيۡهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمٗاۚ قُلۡ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ مِّنَ ٱللَّهۡوِ وَمِنَ ٱلتِّجَٰرَةِۚ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ١١[الجمعة]، وقولِه: ﴿لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡ[النساء: ٢٩]، (٢٠٤٧)، وبنحوه مسلمٌ في «فضائل الصحابة» (٢٤٩٢)، مِنْ قولِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٣) أخرجه أبو داود في «الزكاة» بابٌ في الرخصة في ذلك أي: في الرجل يخرج مِنْ ماله (١٦٧٨)، والترمذيُّ في «المناقب» (٣٦٧٥)، مِنْ حديثِ عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «مشكاة المصابيح» (٣/ ١٦٩٩).

(٤) أخرجه البخاريُّ في «الوصايا» باب: إذا وَقَف أرضًا أو بئرًا، واشترط لنفسه مِثْلَ دِلاءِ المسلمين (٢٧٧٨). قال ابنُ حجرٍ في «فتح الباري» (٥/ ٤٠٧): «وَصَله الدارقطنيُّ والإسماعيليُّ وغيرُهما مِنْ طريق القاسم بنِ محمَّدٍ المروزيِّ عن عبدان بتمامه».

(٥) أخرجه الترمذيُّ في «المناقب» بابٌ في مناقب عثمان بنِ عفَّان رضي الله عنه (٣٧٠١) مِنْ حديثِ عبد الرحمن بنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه. قال الترمذيُّ: «هذا حديثٌ حَسَنٌ غريبٌ مِنْ هذا الوجه». وحسَّنه الألبانيُّ في «مشكاة المصابيح» (٣/ ١٧١٣).

(٦) «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٢٨٧).

(٧) أخرجه الترمذيُّ (٤٨٧)؛ وقال الألبانيُّ: «حسنُ الإسناد».

(٨) البَسْطة: السَّعَة، انظر: «مقاييس اللغة» لابن فارس (١/ ٢٤٧).

(٩) أخرجه أحمد في «مسنده» (٤١٨١، ٤١٨٤) مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦٨٦٨).

(١٠) «النهاية» لابن الأثير (١/ ١٤٤).

(١١) أخرجه الترمذيُّ في «الزهد» بابُ ما جاء: مَثَلُ الدنيا مَثَلُ أربعة نفرٍ (٢٣٢٥). والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٣٠٢٤). وتمامُ لفظِه: «إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَخْبَثِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ».

(١٢) قال الصنعانيُّ ـ رحمه الله ـ في «سُبُل السلام» (٤/ ٣٣٦): «واعْلَمْ أنَّ المذموم مِنَ الدنيا: كُلُّ ما يُبْعِد العبدَ عن الله تعالى ويشغله عن واجبِ طاعته وعبادته، لا ما يُعِينُه على الأعمال الصالحة فإنه غيرُ مذمومٍ، وقد يتعيَّن طلبُه ويجب عليه تحصيلُه».

(١٣) «وذِكرُ الدينار والدرهم مجرَّدُ مثالٍ، وإلَّا فكُلُّ مَنِ استعبدَتْه الدنيا في أيِّ أمرٍ، وشغلَتْه عمَّا أَمَر اللهُ تعالى، وجَعَل رِضاهُ وسَخَطَه متعلِّقًا بنيلِ ما يريد أو عدمِ نيله؛ فهو عبدُه» [«سُبُل السلام» للصنعاني (٤/ ٣٣٦)].

(١٤) أخرجه البخاريُّ في «الجهاد والسِّيَر» باب الحراسة في الغزو في سبيل الله (٢٨٨٦، ٢٨٨٧) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(١٥) «عدَّة الصابرين» لابن القيِّم (٢٥٧) [بتصرُّفٍ يسير].

(١٦) أخرجه مسلمٌ في «الزكاة» (١٠٥٤) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنهما.

(١٧) أخرجه البخاريُّ في «البيوع» باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع، ومَنْ طَلَب حقًّا فَلْيطلُبْه في عفافٍ (٢٠٧٦) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(١٨) أخرجه مسلمٌ في «الزهد والرقائق» (٣٠٠٦) مِنْ حديثِ أبي اليُسْر كعب بنِ عمرٍو الأنصاريِّ السَّلَميِّ رضي الله عنه.

(١٩) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «البيوع» بابُ مَنْ أنظر مُعسِرًا (٢٠٧٨)، ومسلمٌ في «المساقاة» (١٥٦٢)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢٠) أخرجه مسلمٌ في «الزهد والرقائق» (٢٩٥٨) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ الشِّخِّير رضي الله عنه.

(٢١) أخرجه البخاريُّ في «البيوع» باب: البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا (٢١١٠)، ومسلمٌ في «البيوع» (١٥٣٢)، مِنْ حديثِ حكيم بنِ حِزامٍ رضي الله عنه.

(٢٢) انظر الحديثَ المُتَّفَقَ عليه الذي أخرجه البخاريُّ في «الزكاة» بابُ قول الله تعالى: ﴿لَا يَسۡ‍َٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗا[البقرة: ٢٧٣] وكم الغنى؟ (١٤٧٧)، ومسلمٌ في «الأقضية» (٥٩٣)، مِنْ حديثِ المغيرة بنِ شُعْبة رضي الله عنه.

(٢٣) انظر حكمَ الثوراتِ في: «منصب الإمامة الكبرى، أحكام وضوابط» (٥٧).