Skip to Content
السبت 28 شوال 1438 هـ الموافق لـ 22 يوليو 2017 م

الكلمة الشهرية رقم: ٣٨

في فرضِ الالتزام بمذهبٍ مُعيَّنٍ

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإنَّ ما يجري ـ حاليًّا ـ في وسط الجامعيِّين وعمومِ المثقَّفين مِنْ دعوةٍ إلى العودة مِنْ جديدٍ إلى الانتساب لأحَدِ المذاهب الفقهية، وبالتعيين مذهب مالكٍ ـ رحمه الله ـ، وتحكيمِ فقهه بدراسةِ المختصَرات خاصَّةً والشروحِ التي عليها، والْتزامِ قواعده في الاستنباط، جريًا على ما كانَتْ عليه العصورُ السابقة في عمومِ أقطارِ المغرب العربيِّ مِنِ استحكامٍ للمذهب في جميعِ المجالات، قبل أَنْ تُبَدِّل القوانينُ الوضعيةُ مُعْظَمَ المجالاتِ الحيوية، بما في ذلك المجال القضائي؛ فإنَّ صورة الانتسابِ القلقةَ للمذهب تتمحور في اتِّخاذِ أصلِ «المذهب» مِجْهَرًا للنصوص الشرعية: فإِنْ وافقَتْ نصوصَ الوحي مِنْ آيةٍ أو حديثٍ عُمِل بها، وإِنْ خالفَتْ فهي إمَّا منسوخةٌ أو مؤوَّلةٌ، هذا شبيهٌ بتأصيلِ المعتزلة للعقل باتِّخاذه معيارًا للنصوص الشرعية؛ فعلى تقعيدِ المقلِّدة وأهلِ التعصُّب المذهبيِّ أنَّ «الحقَّ يتعيَّن في المذهب».

والذي ينبغي ـ في هذا المَقامِ ـ أَنْ يُعْلَمَ أنَّ الفقيهَ المحقِّقَ أو العالِمَ الممكَّن ممَّنْ بلغوا درجةَ النظر والاستدلالِ الذين يمكنهم أَنْ يقفوا على الأدلَّةِ التفصيلية، ومعرفةِ أصول الاستنباطِ وطرائقِ الاستدلال، لا يجوز في حقِّهم الالتزامُ بمذهبٍ مُعيَّنٍ إذا وُجِدَ الحقُّ في غيره؛ ذلك لأنَّ مِنْ صفاتِ أهلِ العلم رؤيتَهم الحقَّ والهدايةَ في اتِّباعِ ما أَنْزَلَ اللهُ تعالى، فلا يتَّبِعون القولَ بالرأي ولا يتَّخِذون ذواتِ الأشخاصِ أصلًا لهم ومَرْجِعًا للسؤال والفتوى، قال الله تعالى: ﴿وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلۡحَقَّ وَيَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ٦[سبأ]، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»(١)، ولأنَّ الواجبَ أَنْ يكون رائدُ طالبِ الشريعةِ هو الحقَّ لِذَاتِ الحقِّ، والحقُّ لا يُعْرَف بأسماء الرجال، بل بالحقِّ يُعْرَف أهلُه؛ إذ لا يسوغ للفقيه أو العالِمِ أَنْ يترك حديثًا صحيحًا لقولِ إمامٍ مِنَ الأئمَّة مهما بلغَتْ مَنْزِلتُه وإمامتُه في الدِّين، قال الشافعيُّ ـ رحمه الله ـ: «أَجْمَعَ المسلمون على أنَّ مَنِ استبانَتْ له سُنَّةُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لم يكن له أَنْ يَدَعَها لقولِ أحَدٍ مِنَ الناس»(٢)، وقال ابنُ خزيمة ـ رحمه الله ـ: «ويَحْرُم على العالم أَنْ يُخالِف السنَّةَ بعد عِلْمِه بها»(٣)، وقد يتَّبِع الفقيهُ المحقِّقُ أو المتعلِّمُ الممكَّنُ دليلَ المذهب الذي دَرَسَه في أصولِ مذهبٍ معيَّنٍ إذا تَعذَّر عليه الوقوفُ في المسألة على دليلٍ، وقد يتبيَّن له الدليلُ ـ بعد حينٍ ـ على خلافِ المذهب؛ فيجب عليه الأخذُ بأقوى الدليلين وأصحِّهما نظرًا.

فهذا في الاجتهاد واتِّباعِ الدليل بحَسَبِ نظرِ الفقيه واجتهادِه.

ومِنَ المعلومِ أنَّ أقوال الأئمَّةِ قابلةٌ للردِّ، بخلافِ أقوالِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فهي وحيٌ يُوحَى، وقد سمَّى اللهُ العملَ بالوحي اتِّباعًا في قوله تعالى: ﴿ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ[الأعراف: ٣]، وقولِه تعالى: ﴿ٱتَّبِعۡ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ[الأنعام: ١٠٦]، وقولِه تعالى: ﴿وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ فَٱتَّبِعُوهُ[الأنعام: ١٥٥]، فكُلُّ حُكْمٍ ظَهَرَ دليلُه مِنَ الكتاب والسُّنَّة والإجماع ولم تَثْبُتِ المعارَضةُ بمثلها مِنَ الأدلَّة فهي أصولٌ معصومةٌ ومَحَلُّ اتِّباعٍ، ويجب قَبولُها والعملُ بمقتضاها، قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «إنَّ أهلَ السنَّةِ لم يَقُلْ أحَدٌ منهم: إنَّ إجماع الأئمَّةِ الأربعة حُجَّةٌ معصومةٌ، ولا قال: إنَّ الحقَّ منحصِرٌ فيها، وإنَّ ما خَرَجَ عنها باطلٌ، بل إذا قال مَنْ ليس مِنْ أتباعِ الأئمَّةِ كسفيانَ الثوريِّ والأوزاعيِّ والليثِ بنِ سعدٍ ومَنْ قبلهم ومَنْ بعدهم مِنَ المجتهدين قولًا يُخالِف قولَ الأئمَّةِ الأربعة رُدَّ ما تَنازَعوا فيه إلى الله ورسوله، وكان القولُ الراجحُ هو القولَ الذي قام عليه الدليلُ»(٤)، ومَنْ تَرَكَ اتِّباعَ الوحي لقولِ إمامٍ فقَدْ جَعَلَ الأصلَ فرعًا والفرعَ أصلًا، ويكون إصرارُه على تركِ الحقِّ لقولِ إمامٍ تعصُّبًا مذهبيًّا وجمودًا فكريًّا على غيرِ هُدًى مِنَ الله واتِّباعًا لهوى نَفْسِه، قال تعالى: ﴿أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٖ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةٗ فَمَن يَهۡدِيهِ مِنۢ بَعۡدِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٢٣[الجاثية]، كما لا يَلْزَم العامِّيَّ أَنْ يتمذهب بمذهبِ أحَدِ الأئمَّةِ الأربعة أو غيرِهم؛ لأنه لا واجِبَ إلَّا ما أوجبه اللهُ ورسولُه، ولم يُوجِبِ اللهُ ولا رسولُه على أحَدٍ مِنَ الناسِ أَنْ يتمذهب بمذهبِ رجلٍ مِنَ الأُمَّة فيقلِّدَه دينَه دون غيره، لكنَّه في حالةِ ما إذا لم يستطعِ العامِّيُّ تعلُّمَ دِينِه إلَّا بالْتزامِ مذهبٍ مُعَيِّنٍ جاز له التقيُّدُ بأقوالِ أحَدِ الأئمَّةِ ـ اضطرارًا ـ دفعًا لمفسدةِ تضييعِ دِينِه الذي لا يتحقَّق دفعُه إلَّا بهذا الالتزام؛ لقوله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ[التغابن: ١٦]؛ إذ «لا خلافَ بين أهلِ العلم في أنَّ الضرورة لها أحوالٌ خاصَّةٌ تَستوجِبُ أحكامًا غيرَ أحكام الاختيار؛ فكُلُّ مسلمٍ ألجأَتْه الضرورةُ إلى شيءٍ إلجاءً صحيحًا حقيقيًّا فهو في سَعَةٍ مِنْ أَمْرِه فيه»(٥)، قال محمَّد الأمين الشنقيطي ـ رحمه الله ـ: «وبهذا تعلم أنَّ المضطرَّ للتقليد الأعمى اضطرارًا حقيقيًّا بحيث يكون لا قدرةَ له ـ ألبتَّةَ ـ على غيره، مع عدَمِ التفريط؛ لكونه لا قُدْرَةَ له أصلًا على الفهم، أو له قدرةٌ على الفهم وقد عاقَتْه عوائقُ قاهرةٌ عن التعلُّم، أو هو في أثناءِ التعلُّم ولكنَّه يتعلُّم تدريجًا لأنه لا يقدر على تعلُّم كُلِّ ما يحتاجه في وقتٍ واحدٍ، أو لم يجد كُفءًا يتعلَّم منه، ونحوِ ذلك؛ فهو معذورٌ في التقليد المذكور للضرورة لأنه لا مندوحةَ له عنه، أمَّا القادر على التعلُّمِ المفرِّطُ فيه، والمقدِّمُ آراءَ الرجالِ على ما عَلِم مِنَ الوحي؛ فهذا الذي ليس بمعذورٍ»(٦).

قلت: ويبقى هذا الجوازُ للضرورة مشروطًا بأَنْ يعتقد أنَّ الطاعة المُطْلَقةَ لله ورسولِه صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنَّ إمامه ليس له مِنَ الطاعةِ إلَّا بصفته مُبلِّغًا عن الله دِينَه وحُكْمَه، ولا يجوز ـ شرعًا ـ أَنْ يجعل إمامَه أو كلامَ إمامِه دعوةً يُوالي عليها ويُعادي؛ فمِنَ الجهلِ والضلال أَنْ يعتقد صوابَ قولِ إمامه في كُلِّ المسائل والأحكام، وأنه يجب اتِّباعُه فيها دون أقوالِ سائرِ مَنْ خالَفَه مِنَ الأئمَّة والمجتهدين؛ لذلك فالحيطةُ تقتضي الاحترازَ مِنَ الوقوع في بعضِ المحاذيرِ التي وَقَعَ فيها بعضُ المنتسِبين للمذاهب كتنزيلهم الإمامَ المتبوع في أتباعِه مَنْزلةَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في أُمَّته، وما يترتَّب عليه مِنَ الإعراض عَمَّا أنزل اللهُ مِنَ الحقِّ والهدى، وعدَمِ الانتفاع بنصوص الوحيين، وتركِهما تعصُّبًا لإمام المذهب، ووقوفِهم جامدين على رأيِ إمامهم ولو أدركوا خطأَه وظهرَتْ لهم زلَّتُه، فيعملون على تقويمِ الكتاب والسُّنَّة ووَزْنِهما بآراء إمامهم المتبوعِ ومعيارِه، والانتصارِ له بالأحاديث الضعيفة والآراءِ الفاسدة؛ هذا الجمودُ الفكريُّ والتعصُّب المذهبيُّ سبَّبَ التفرُّقَ ووقوعَ الفتن بين مختلَفِ المذاهب؛ الأمر الذي أدَّى إلى الخروج عن جماعةِ المسلمين، وتفكُّكِ وحدةِ صفِّهم، وتسلُّطِ الأعداء عليهم.

هذا، ولا يخفى أنَّ اعتقاد الطاعةِ العامَّة المطلقةِ في الإمام المتبوع، والاستغناءَ عن نصوص الكتاب والسُّنَّةِ بأقواله، واتِّباعَه في كُلِّ ما يقول ولو خالفَ الحقَّ، شبيهٌ بمَنِ اتَّخذ الأحبارَ والرهبانَ أربابًا مِنْ دونِ الله تعالى. قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «ولو فُتِح هذا البابُ لَوجب أَنْ يُعْرَض عن أمرِ اللهِ ورسولِه، ويبقى كُلُّ إمامٍ في أتباعه بمنزلةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في أُمَّته، وهذا تبديلٌ للدِّين، يُشْبِه ما عابَ اللهُ به النصارى في قوله: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣١[التوبة]»(٧).

فالحاصل أنَّ معرفةَ فضلِ الأئمَّةِ لا يُوجِبُ قَبولَ كُلِّ ما قالوه؛ إذ الجهدُ المبذولُ في البحث والاستنباط لا بُدَّ أَنْ يَعترِيَه النقصُ والخطأ، والخطأُ طبيعةٌ بشريةٌ لا يَسْلَمُ منه إلَّا الأنبياءُ عليهم السلام فيما يبلِّغونه عن الله تعالى؛ ذلك لأنَّ فقهاء الإسلامِ ومَنْ دارَتِ الفتيا على أقوالهم بين الأنام، الذين عُنُوا بضبطِ قواعدِ الحلال والحرام، وخُصُّوا باستنباط الأحكام؛ فإنَّ الخطأ والسهو والغفلة والهفوة والزلَّة يقع منهم كسائرِ أهل الاجتهاد والنظر، ولهم أجرُ الإصابة وأجرُ الاجتهاد: فإِنْ أصابوا في اجتهادهم فهُمْ مأجورون فيه على الاجتهاد ومعذورون في خطئهم، فلا نُثْبِتُ لهم العصمةَ ولا نأخذ بآرائهم التي خالَفوا فيها الحقَّ، وليس في ذلك تنقُّصٌ لهم ولمكانتهم، ولا نُهْدِر جميعَ أقوالهم ولو وافقَتِ الحقَّ، ولا نؤثِّمُهم ونَقَعُ فيهم، بل نُحْسِن الظنَّ بهم ونعترف بفضلهم وحقوقِهم، ونُقِرُّ بدرجاتهم التي رفَعَهم اللهُ بها وبما آتاهم مِنَ العلم، قال تعالى: ﴿يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١١[المجادلة]، ونُجِلُّهم ونعظِّمهم ونُثْني عليهم بما هم عليه مِنَ العلم والتقوى، لكِنْ يبقى كتابُ الله وسُنَّةُ نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم حاكمَيْن عليهم وعلى أقوالهم.

قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «لا قولَ مع قولِ الله وقولِ الرسول، ولا بُدَّ مِنْ أمرَيْن أحَدُهما أعظمُ مِنَ الآخَر، وهو النصيحةُ لله ولرسوله وكتابِه ودِينِه، وتَنْزِيهُه عن الأقوال الباطلة المناقِضة لِمَا بَعَثَ اللهُ به رسولَه مِنَ الهدى والبيِّنات التي هي خلافُ الحكمةِ والمصلحة والرحمة والعدل، وبيانُ نفيها عن الدِّين وإخراجُها منه وإِنْ أدخلها فيه مَنْ أدخلها بنوعِ تأويلٍ.

والثاني: معرفةُ فضلِ أئمَّةِ الإسلام ومَقاديرِهم وحقوقهم ومراتبهم، وأنَّ فَضْلهم وعِلْمهم ونُصْحهم لله ورسولِه لا يُوجِب قَبولَ كُلِّ ما قالوه، وما وَقَعَ في فتاويهم مِنَ المسائل التي خَفِيَ عليهم فيها ما جاء به الرسولُ فقالوا بمَبْلَغِ عِلْمِهم والحقُّ في خلافها لا يُوجِبُ اطِّراحَ أقوالِهِم جملةً وتنقُّصَهم والوقيعةَ فيهم؛ فهذان طَرَفان جائران عن القصد، وقَصْدُ السبيلِ بينهما، فلا نؤثِّم ولا نعصِّم، ولا نسلك بهم مسلكَ الرافضةِ في عليٍّ، ولا مسلكَهم في الشيخين، بل نسلك مسلكَهم أنفُسَهم فيمَنْ قبلهم مِنَ الصحابة؛ فإنهم لا يؤثِّمونهم ولا يعصِّمونهم، ولا يقبلون كُلَّ أقوالهم ولا يُهْدِرونها، فكيف ينكرون علينا في الأئمَّةِ الأربعةِ مسلكًا يسلكونه هم في الخلفاء الأربعة وسائرِ الصحابة؟! ولا منافاةَ بين هذين الأمرين لمَنْ شَرَح اللهُ صَدْرَه للإسلام، وإنما يتنافيان عند أحَدِ رجلين: جاهلٍ بمقدارِ الأئمَّة وفضلِهم، أو جاهلٍ بحقيقةِ الشريعة التي بَعَثَ اللهُ بها رسولَه، ومَنْ له علمٌ بالشرع والواقعِ يعلم ـ قطعًا ـ أنَّ الرجل الجليل الذي له في الإسلام قَدَمٌ صالحٌ وآثارٌ حسنةٌ وهو مِنَ الإسلام وأهلِه بمكانٍ، قد تكون منه الهَفْوَةُ والزَّلَّة، هو فيها معذورٌ بل ومأجورٌ لاجتهاده؛ فلا يجوز أَنْ يُتْبَع فيها، ولا يجوز أَنْ تُهْدَرَ مكانتُه وإمامتُه ومَنْزلتُه مِنْ قلوب المسلمين»(٨).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٢ مِنَ المحرَّم ١٤٣٠ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٨ جانفي ٢٠٠٩م

 


(١) أخرجه البخاريُّ في «العلم» باب: كيف يُقْبَضُ العلمُ؟ (١٠٠)، ومسلمٌ في «العلم» (٢٦٧٣)، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمرِو بنِ العاص رضي الله عنهما.

(٢) انظر: «إعلام الموقِّعين» (٢/ ٢٨٢) و«الروح» (٣٥٦ ـ ٣٥٧) كلاهما لابن القيِّم.

(٣) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٣/ ٩٥).

(٤) «منهاج السنَّة» لابن تيمية (٣/ ٤١٢).

(٥) انظر: «أضواء البيان» للشنقيطي (٧/ ٥٥٣).

(٦) المصدر السابق (٧/ ٥٥٤).

(٧) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٠/ ٢١٦).

(٨) «إعلام الموقِّعين» لابن القيِّم (٣/ ٢٨٢ ـ ٢٨٣).