في حكم بيع السمك مزايدةً | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 14 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 11 ديسمبر 2019 م



الفتوى رقم: ١٠٢

الصنف: فتاوى المعاملات المالية - البيوع

في حكم بيع السمك مزايدةً

السؤال:

ما حكمُ بيعِ السمك بالمزايدة سرًّا، مع العلم أنَّ البائع يطلب الزيادةَ علانِيَةً؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فمِنْ حيث حكمُ بيعِ المزايدة فإنَّ ما عليه جمهورُ أهلِ العلم جوازُه؛ خلافًا لمَنْ حَصَره في الغنائم والمواريث، وهو مذهبُ عطاءٍ ومجاهدٍ والأوزاعيِّ وإسحاق، وخلافًا ـ أيضًا ـ لمَنْ كَرِهه مطلقًا، وهو مذهبُ إبراهيم النَّخَعيِّ.

ويظهر أنَّ منشأ الخلاف ـ في هذه المسألة ـ يعود إلى النهي الوارد عن سَوْمِ الرجل على سومِ أخيه(١): هل يُحْمَلُ على جميع الأحوال أو على حالةٍ دون حالةٍ؟ على ما أفاده ابنُ رشدٍ ـ رحمه الله ـ(٢).

هذا، وبالنظر إلى أنَّ الأحاديث المُجيزةَ لبيع المزايدةِ والمانعةَ لها لا تصلحان للاحتجاج مِنْ حيث ضعفُ سندِها ـ مِنْ جهةٍ ـ وتَقابُلِها المُفضي إلى تساقُطِها ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ فإنَّ الرأي المختارَ في ذلك هو مذهبُ الجمهور في جوازِ بيع المزايدة؛ لأنَّ صورتها غيرُ مشمولةٍ بالنهي عن سَوْم الرجل على سَوْمِ أخيه؛ للفرق بينهما مِنْ ناحيةِ أنَّ بيع المُستامِ المنهيَّ عنه إنَّما يتفرَّد بعد التراضي الأوَّليِّ على الثمن وركونِ البائع إلى المشتري، أمَّا بيع المزايدة فهو دعوةٌ إلى التعاقد، وليس ثمَّةَ تراضٍ على الثمن ولا ركونُ البائع إلى المشتري؛ فافترقا.

ولو سلَّمْنا شموليةَ النهي عن بيع المُستام لبيع المزايدة فإنَّ صورةَ بيعِ المزايدة تخرج عن عموم النهي؛ للإجماع الذي نَقَله ابنُ قدامة ـ رحمه الله ـ بقوله: «وهذا ـ أيضًا ـ إجماعُ المسلمين، يبيعون في أسواقهم بالمزايدة»(٣)، وقد أخرج ابنُ أبي شيبة ـ بسنده ـ إلى عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه أنَّه «بَاعَ إِبِلًا مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فِيمَنْ يَزِيدُ»(٤)، واشتهر ولم يُنْقَلْ له مُخالِفٌ ولا مُنْكِرٌ مِنَ الصحابة رضي الله عنهم؛ فكان ذلك حجَّةً وإجماعًا منهم على تسويغه، كما أنَّ الحكمة تقتضيهِ؛ لأنَّ في تركه إلحاقَ ضررٍ بالباعة، وخاصَّةً للمحتاجين الذين كَسَدَتْ تجارتُهم فلا يملكون وسيلةً للوصول إلى تغطيةِ مُتطلَّباتهم المعيشية إلَّا بمثلِ هذه الطُّرُق؛ فالحاجةُ داعيةٌ وماسَّةٌ إليه.

هذا، والمزايدة السرِّيَّة كالعلنيَّة، سواءٌ كان السرُّ عن طريق الهمس في الأُذُن أو عن طريقِ عَرْضٍ مكتوبٍ ومُغْلَقٍ في رسائلَ ومظاريفَ موجَّهةٍ إلى البائع لفتحِها في يومٍ محدَّدٍ؛ فإنَّ حُكْمَها لا يخرج عن حكم عقدِ بيع المزايدة، وهي لا تتنافى ونصوصَ الشرع في عمومها، بل الشريعةُ تُراعِي أعرافَ الناسِ وتُقرِّر مبدأَ: «المَعْرُوفُ عُرْفًا كَالمَشْرُوطِ شَرْطًا».

وجديرٌ بالتنبيه والبيان: أنَّه يُشترَط في بيع المزايدة شروطٌ على ما هو جارٍ في سائر العقود، غيرَ أنَّه يُشترَطُ في بيع المزايدة ـ على وجه التأكيد والوضوح ـ:

ـ التعريف بالسلعة المرادِ بيعُها تعريفًا تامًّا وصادقًا للابتعاد عن التغرير والتدليس.

ـ كما يُشترَط خُلُوُّ البيع مِنَ النَّجَش(٥).

ـ كما يُشترَط خُلُوُّه مِنَ الصورة العكسية للنَّجَش(٦).

وعليه، فإنَّ الإخلال بمثلِ هذه الشروطِ يجعل عقدَ بيعِ المزايدة غيرَ جائزٍ شرعًا؛ لِمَا فيه مِنِ انتفاءِ حكمة التشريع في دفع المفاسد وجلبِ المصالح. 

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٣ شوَّال ١٤١٩ﻫ
الموافق ﻟ: ١٠ فيفري ١٩٩٩م

 


(١) انظر الحديثَ المُتَّفَقَ عليه الذي أخرجه البخاريُّ في «الشروط» باب الشروط في الطلاق (٢٧٢٧)، ومسلمٌ في «البيوع» (١٥١٥)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) انظر: «بداية المجتهد» لابن رشد (٢/ ١٦٥).

(٣) «المغني» لابن قدامة (٤/ ٢٣٦).

(٤) أخرجه ابنُ أبي شيبة في «مصنَّفه» (٢٠٢٠١، ٣٢٩٦٧).

(٥) وهو تَواطُؤُ البائعِ مع غيره قَصْدَ الزيادةِ في ثمن السلعة لنفعِ البائع وإضرارِ المشتري.

(٦) وهو تَواطُؤُ المشتري مع المُنافِسين معه قَصْدَ إرساءِ المَزاد على سعرٍ قليلٍ.