في حكم وضعِ جهاز اللولب داخلَ رَحِمِ المرأة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 15 رجب 1444 هـ الموافق لـ 06 فبراير 2023 م

الفتوى رقم: ١٠٢٢

الصنف: فتاوى طبية

في حكم وضعِ جهاز اللولب
داخِلَ رَحِمِ المرأة

السؤال:

ما حكمُ استعمالِ المَرأةِ للَّولب تقصُّدًا لِمَنعِ الحمل؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلام على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاللَّولبُ عبارةٌ عن جهازٍ صغيرٍ يَتمُّ زرعُه داخِلَ الرَّحِمِ لِمَنعِ الحملِ، وهو معدودٌ مِنْ وسائلِ منعِ الحمل المُؤقَّتةِ الحديثةِ التي تُقابِلُها الوسائلُ المُؤقَّتةُ الطَّبيعيَّةُ: كالعزل والرَّضاعة والجماع في أوقاتٍ دوريَّةٍ مؤقَّتةٍ.

ولا يخفى أنَّ تنظيمَ النَّسلِ والتَّباعدَ بين الولاداتِ بَلْهَ تحديد النَّسل أمرٌ ينافي مَقاصِدَ الشَّريعة مِنْ تكثيرِ النَّسل وعمارةِ الأرضِ وتكثيرِ سَوادِ المُسلمين، وقَدْ وَرَدَ الحضُّ على ذلك في السُّنَّة النَّبويَّة، فقَدْ قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ»(١)، ووَرَدَتِ النُّصوصُ القرآنيَّة مبيِّنةً أنَّ كثرةَ نسلِ الأُمَّةِ سببٌ لعِزَّتِها وقُوَّتها، حيثُ امتنَّ اللهُ ـ عزَّ وجلَّ ـ على بني إسرائيل بذلك فقال: ﴿وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا ٦[الإسراء]، وقال تعالى ـ فيما قَالَه شعيبٌ عليه السلام لقومِهِ ـ: ﴿وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡ[الأعراف: ٨٦]، ولا يُعْدَلُ عن هذا الأصلِ المَقاصدِيِّ إلَّا عند تَعذُّرِ تحصيله لوجودِ مُسوِّغٍ شرعيٍّ.

فإِنْ أَضْحَتْ مُسوِّغاتُ تنظيمِ النَّسل المُؤقَّتِ واضحةً بالظُّهور أو بتقريرٍ طبِّيٍّ يُفْصِحُ عن مرضِ المَرأة أو ضعفِ بدنِها، أو بتحقُّقِ تضرُّرِها بالحمل، أو عجزِها عن تحمُّل الوضعِ؛ حيث يُشكِّل حملُها ـ في الجملة ـ خطرًا على النَّفس أو ضررًا بالبدن، وقد تعذَّر عليها تناوُلُ حبوبِ منعِ الحمل لعدَمِ جدواها، أو لِتَحقُّقِ الآثار الجانبيَّة والمَخاطرِ الصِّحِّيَّةِ التي لا تتلاءَمُ مع طبيعةِ بدنِها، فيحصلُ لها الضَّررُ مِنْ جرَّاءِ تناوُلها(٢)؛ فإنَّه يجوزُ ـ والحالُ هذه ـ استعمالُ اللَّوْلَب الهرمونيِّ المُحتوِي على هُرمُونِ الأُنوثَةِ «البروجِسْتِرُون» وهُو أَوْلى مِنَ اللَّوْلَبِ النُّحاسيِّ، وقد احتَلَّ اللَّولبُ الهرمونيُّ هذه الأَوْلويَّةَ لأنَّه أَحْوَطُ مِنْ جَانِبِ مَنْعِه ـ في بعض الحالات ـ مِنَ التبويض ابتداءً، كما يعملُ ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ على منعِ تعشيشِ البُويضةِ في الغشاءِ الدَّاخليِّ للرَّحمِ إِنْ تعرَّضَتْ للتَّلقيح، علمًا أنَّ كِلَا اللَّولبَينِ يَمنعانِ التَّعشيشَ بآليةٍ مختلفةٍ لكنَّها متشابهةٌ، فاللَّولبُ الهرمونيُّ يسبِّبُ ضُمورًا في الغشاءِ الدَّاخليِّ للرَّحمِ يمنعُ التَّعشيشَ، بينما اللَّولبُ النُّحاسيُّ يسبِّبُ الْتِهابًا في الغشاء الدَّاخليِّ للرَّحمِ يمنعُ عُلوقَ البُويضةِ المُلقَّحةِ في جدارِ الرَّحِم كي لا تَنمُوَ بالأطوار المذكورة في الآية(٣) والحديث(٤)؛ فإنَّ هذه الطريقةَ الأخيرةَ تُعَدُّ نوعًا مِنَ الإجهاض المُبكِّر جدًّا يمنعُه المَالكيَّةُ والظَّاهرِيَّةُ وبعضُ الشَّافعيَّة(٥)، حيثُ يَرَوْنَ أنَّ الرَّحِمَ إذَا قَبَضَ المَنِيَّ لم يَجُزِ التَّعرُّضُ له.

علمًا أنَّ هذه الوسائلَ المَانعةَ مِنَ الحملِ لا يجوزُ استخدامُها مؤبَّدًا؛ فإذا عَادَتِ المرأةُ إلى طبيعتِها وسلامةِ بدنِها، أو عُوفِيَتْ مِنْ مرضِها؛ انْتَفَت بذلك مُسوِّغَاتُ تنظيمِ النَّسل، وَعَادَ الحكمُ إلى الأصلِ الأَوَّلِ؛ عَمَلًا بقاعدةِ: «إِذَا ضَاقَ الأَمْرُ اتَّسَعَ، وَإِذَا اتَّسَعَ ضَاقَ».

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٨ جمادى الثانية ١٤٣٠ﻫ
المُــوافــق ﻟ: أوَّل جـــــوان ٢٠٠٩م



(١) أخرجه أبو داود بهذا اللفظِ في «النكاح» باب النهي عن تزويجِ مَنْ لم يَلِدْ مِنَ النساء (٢٠٥٠)، والنسائيُّ دون لفظة: «الأمم» في «النكاح» بابُ كراهِيَةِ تزويجِ العقيم (٣٢٢٧)، مِنْ حديثِ مَعْقِل بنِ يسارٍ رضي الله عنه؛ وأخرجه أحمد في «مسنده» (١٢٦١٣، ١٣٥٦٩) مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه بلفظ: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، إِنِّي مُكَاثِرٌ [بِكُمُ] الأَنْبِيَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ»؛ والحديث حسَّنه الهيثميُّ في «مجمع الزوائد» (٤/ ٢٥٨)، وصحَّحه العراقيُّ في «تخريج الإحياء» (٢/ ٥٣)، وابنُ حجرٍ في «فتح الباري» (٩/ ١١١)، والألبانيُّ في «الإرواء» (٦/ ١٩٥) رقم: (١٧٨٤) وفي «آداب الزفاف» (ص ١٣٢).

(٢) وإنما تقرَّرَتْ أولويةُ الحبوبِ لأنَّها تعمل على منعِ عملية التبويض مِنْ جهةٍ، واستخدامُها يحفظ عورةَ المرأة المغلَّظة مِنَ النظر والمسِّ والملامسة ـ مِنْ جِهةٍ أخرى ـ ونحو ذلك.

(٣) في قوله تعالى: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا[الحج: ٥]، وقولِه تعالى: ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ ١٢ ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ ١٣ ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٤[المؤمنون].

(٤) وفي حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه قال: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «بدء الخَلْق» باب ذكرِ الملائكة (٣٢٠٨)، ومسلمٌ في «القَدَر» (٢٦٤٣)].

(٥) انظر: «المحلَّى» لابن حزم (١١/ ٣٠)، «إحياء علوم الدين» للغزَّالي (٢/ ٥١)، «القوانين الفقهية» لابن جُزَيٍّ (٢٠٧).