في صفة الأمر في قوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم «مروا أولادكم بالصلاة ..» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 21 ربيع الأول 1441 هـ الموافق لـ 18 نوفمبر 2019 م



الفتوى رقم: ١٠٤٩

الصنف: فتاوى الحديث وعلومه

في صفة الأمر في قوله
صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «مروا أولادكم بالصلاة ..»

السـؤال:

قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ»، رواه أبو داود وغيره.

هل هو أمر بمطلق الصلاة أم أنه أمر بالصلاة مطلقًا، بمعنى: هل يكفي أمره بالقيام إلى الصلاة لمجرد تعويده عليها أم أنه يلزم أمره بالقيام بها عند أوقاتها الخمسة بما في ذلك الفجر والعشاء، مع أنهما قد تشقان عليه؟ وهل يؤمر بإعادتها إذا أخل ببعض شروطها أو أركانها أو واجباتها كالطهارة والطمأنينة؟ وهل يؤمر بالجماعة في المسجد؟ أفيدونا، وجزاكم الله خيرًا.

الجـواب:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أما بعد:

فالأمر الوارد في الحديث المذكور «مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ..»(١) ليس خطابًا من الشارع للصبي ولا إيجابًا عليه؛ لأنَّ الأصل أنّ «الأَمْر بِالأَمْرِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ أَمْرًا بِهِ» ما لم يدلَّ عليه دليل أو قرينة صارفة إلى الوجوب مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في شأن طلاق ابنه عبد الله رضي الله عنه امرأته في الحيض: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا»(٢)، فقرينة لام الأمر في قوله: «فَلْيُرَاجِعْهَا» صدرت متوجهة إلى ابن عمر رضي الله عنهما فيكون مأمورًا به بلا خلاف(٣). قال القرافي -رحمه الله-: «لأنًّ الأمر بالأمر لا يكون أمرًا، لكن علم أنًّ كلَّ من أمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يأمر غيره، فإنما هو على سبيل التبليغ، ومتى كان على سبيل التبليغ صار الثالث مأمورًا إجماعًا»(٤).

هذا، ومن جهة أخرى فإنّ الأمر بالصلاة في الحديث المذكور هو أمر بالصلاة مطلقًا بجميع لوازمها ومقتضياتها، وليس الأمر فيه بمطلق الصلاة ومجرد تعليمها له وتعويده عليها، ذلك لأنّ المعلوم أصوليًّا أنَّ: «الأَمْرَ بِالشَّيْءِ أَمْرٌ بِجَمِيعِ لَوَازِمِهِ وَبِمَا لاَ يَتِمُّ إِلاَّ بِهِ» سواء كان حكم الأمر على الوجوب أو على الندب، إذ المطلوب من جهة الشرع إنما هو الأمر بالقيام بها على وجه الحقيقة الشرعية، أي: يَلْزَمُ وَلِيَّ الصغيرِ أن يأمره بكل ما يصحّح به صلاته من طهارة واستقبال القبلة وستر العورة وكيفية أداء الصلاة على الوجه الصحيح. ويدل عليه أن الصبي يؤجر عليها إذا صلى هو ووليه لعموم قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لما رفعت إليه امرأة صبيًّا فقالت: «يا رسول الله! ألهذا حج؟»، قال: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ»(٥)، كما يدلُّ عليه من ناحية أخرى أنَّ الصبي المميز يلحق بالبالغ في بطلان عبادته إذا تعمَّد المبطلَ من نواقض الوضوء ونحوها(٦).

وبناءً عليه، فليس لولي الصبي المميز أن يأمره بمطلق الصلاة، وإنما يكون أمره بالصلاة مطلقًا ليربِّيَه على الاهتمام بها والتمرُّن عليها على وجهها الشرعي الصحيح، سواء شقَّت عليه أو لم تَشُقَّ؛ لأن القيام بتعليمه لعبادة الصلاة وغيرها إنما يدخل في باب تبليغ ما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يأمر به الصبيَّ المميّز، ويبقى خطاب الندب ثابتًا في حقِّ الصبي، فلا إثم عليه بترك واجب ولا بارتكاب حرام، أي لا تلحقه التكاليف الشرعية مطلقًا: من الواجبات والمحرمات والحدود والتصرفات على مذهب جمهور العلماء(٧)؛ لأنَّ القلم مرفوع عنه حتى يبلغ كما ثبت في الحديث(٨).

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليمًا.

الجزائر في: ٩ من صفر ١٤٣١ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٤ يناير ٢٠١٠م


(١) أخرجه أبو داود كتاب «الصلاة»، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة: (٤٩٥)، والحاكم في «المستدرك»: (١/ ١٩٧)، من حديث ابن عمرو رضي الله عنه. والحديث حسّنه النووي في «الخلاصة»: (١/ ٢٥٢)، وصححه ابن الملقن في «البدر المنير»: (٣/ ٢٣٨)، والألباني في «الإرواء»: (١/ ٢٦٦).

(٢) أخرجه مسلم كتاب «الطلاق»: (٢/ ٦٧٤)، رقم: (١٤٧١)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(٣) انظر: «روضة الناظر» لابن قدامة: (٢/ ٩٦)، و«مذكرة الشنقيطي»: (١٩٨).

(٤) «شرح تنقيح الفصول» للقرافي: (١٤٨-١٤٩).

(٥) أخرجه مسلم كتاب «الحج»: (١/ ٦٠٧)، رقم: (١٣٣٦)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(٦) «الأشباه والنظائر» للسيوطي: (٢١٩).

(٧) قال الشنقيطي في «مذكرة أصول الفقه»: (٣٠): «.. وعن أحمد رواية مرجوحة بتكليف الصبي المميز، ومذهب مالك وأصحابه تكليف الصبي بالمكروه والمندوب فقط دون الواجب».

(٨) ولفظ الحديث: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍة: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ -وفي رواية: حتى يحتلم- وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ». [أخرجه أبوداود: (٤٣٩٨) وغيره، واللفظ للنسائي في «الطلاق»، باب من لا يقع طلاقه من الأزواج: (٣٤٣٢)، وابن ماجه في «الطلاق»، باب طلاق المعتوه والصغير والنائم: (٢٠٤١)، من حديث عائشة رضي الله عنها. والحديث صححه الألباني في «الإرواء»: (٢/ ٤)].