في معنى قولهم «منه بَدَا وإليه يعود» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 16 صفر 1441 هـ الموافق لـ 15 أكتوبر 2019 م



الفتوى رقم: ١٠٦٢

الصنف: فتاوى العقيدة - التوحيد وما يُضادُّه - الأسماء والصفات

في معنى قولهم: «منه بَدَا وإليه يعود»

السؤال:

تَرِدُ في بعضِ كُتُبِ أهلِ السنَّةِ عبارةُ: «مِنْهُ بَدَا وَإِلَيْهِ يَعُودُ»، فما معنى هذه الجملةِ؟ وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فهذه عبارةُ أهلِ السنَّةِ في تقريرِ اعتقادِهم في القرآنِ الكريمِ بأنَّه كلامُ اللهِ سبحانَه وتعالى مُنَزَّلٌ غيرُ مخلوقٍ، وهو صفةٌ مِن صفاتِه تعالى، منه بَدَا وخَرَجَ متكلِّمًا به حقيقةً بلا كيفيَّةٍ قولًا، ويُضافُ حقيقةً إلى قائلِه مبتدِئًا لا إلى مَنْ قاله مبلِّغًا مؤدِّيًا؛ فهو كلامُ اللهِ حقيقةً حروفُه ومَعانِيهِ، ليس كلامُ اللهِ الحروفَ دون المعاني ولا المعانِيَ دون الحروفِ، ولا هو كلامُ غيرِه، ولا هو عبارةٌ عن كلامِ اللهِ أو حكايةٌ عن كلامِه، ولم يَخْلُقْه اللهُ تعالى في غيرِه(١)، لقولِه تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي[السجدة: ١٣]؛ فأخبر تعالى أنَّ القولَ منه لا مِنْ غيرِه مِن المخلوقاتِ.

وفيه رَدٌّ على نُفاةِ الصفاتِ مِنَ الجهميةِ والمعتزلةِ وأتباعِهم الذين يزعمون أنَّ القرآنَ الكريمَ خَلَقَه اللهُ في غيرِه بناءً على أصلِهم الفاسدِ في نفيِ الكلامِ عنِ اللهِ تعالى؛ فعلى هذا المُعْتَقَدِ الباطلِ يكون قد ابتدأ وخَرَجَ مِنْ ذلك الْمَحَلِّ الذي خُلِقَ فيه لا مِنَ اللهِ تعالى؛ فكلامُه سبحانَه لموسى عليه السلامُ ـ في زَعْمِهم ـ خَرَجَ مِنَ الشجرةِ(٢).

ولا يخفى أنَّ اللهَ تعالى قد أَخْبَرَ في غيرِ موضعٍ مِنَ القرآنِ الكريمِ أنَّ القرآنَ نَزَلَ منه، وأنه نَزَلَ به جبريلُ عليه السلامُ منه، قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ[الأنعام: ١١٤]، وقال تعالى عن جبريلَ عليه السلامُ بأنه نزَّله مِنَ اللهِ تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ[النحل: ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣ ـ ١٩٤]، وقال سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [البقرة: ٩٧].

فهذه الآياتُ تدلُّ ـ بوضوحٍ ـ على بطلانِ الزعم القائل بأنَّ كلامَ اللهِ مخلوقٌ، خَلَقَه اللهُ في جسمٍ مِن الأجسامِ المخلوقةِ؛ فقَدْ بيَّن اللهُ تعالى بأنَّ النزولَ منه، ولم يَرِدْ تقييدٌ بذلك إلَّا في نزولِ القرآنِ، وليس مِن اللهِ شيءٌ مخلوقٌ، كما أنَّ فيها ردًّا على الفلاسفةِ والصابئةِ الذين يجعلون القرآنَ فَاضَ على نَفْسِ النبيِّ صلَّى الله عليه وآلِه وسلَّم مِنَ العقلِ الفعَّالِ وغيرِه، وهذا القولُ أَعْظَمُ ضلالًا مِنَ الذي قَبْلَه(٣).

أمَّا معنى قولِهم: «وَإِلَيْهِ يعود» فإشارةٌ إلى آخِرِ الزمانِ حيث يُرْفَعُ القرآنُ الكريمُ مِنَ المصاحفِ فلا يبقى منه حرفٌ، ويُرْفَعُ مِنَ الصدور فلا تبقى في القلوبِ منه آيةٌ كما وَرَدَ في أشراطِ الساعة، وقد جاء عنِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه أنه قال: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الذِي بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ يُوشِكُ أَنْ يُرْفَعُ»، قَالُوا: «وَكَيْفَ يُرْفَعُ وَقَدْ أَثْبَتَهُ اللهُ فِي قُلُوبِنَا وَأَثْبَتْنَاهُ فِي مَصَاحِفِنَا؟»، قال: «يُسْرَى عَلَيْهِ لَيْلَةً فَيُذْهِبُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَمَا فِي مَصَاحِفِكُمْ»، ثُمَّ قَرَأَ: «﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ[الإسراء: ٨٦]»(٤).

ويحتمل أَنْ يكونَ معنى العبارةِ السابقة: أنَّه يعود إليه وصفًا لأنَّه وَصْفُه القائمُ به؛ فلا يُوصَفُ أَحَدٌ بأنَّه تكلَّم به غيرُ اللهِ تعالى، والكلامُ لا يكون إلَّا صفةً للمتكلِّم(٥).

وإِنْ لم يَكُنْ بين المَعْنَيَيْن مُنافاةٌ حقيقيَّةٌ لإمكانِ الجمعِ بينهما، إلَّا أنَّ المعنى الأوَّلَ مشهورٌ؛ لأنَّه في آخِرِ الزمانِ يُقْبَضُ المؤمنون قبل قيامِ الساعةِ؛ فلا تقوم إلَّا على شِرَارِ الخَلْقِ(٦)، وقد ثَبَتَ في الحديثِ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الأَرْضِ: اللهُ، اللهُ»(٧).

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٥ شعبان ١٤٣١ﻫ
الموافـق ﻟ: ١٧ يولـيو ٢٠١٠م


(١) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٢/ ٤٠، ١٦٤، ٥١٧ ـ ٥٢٢)، «الشريعة» للآجرِّي (٧٧)، «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزِّ (١٨٠ وما بعدها، ١٩٤ ـ ١٩٥)، «شرح العقيدة الواسطية» للهرَّاس وابن عثيمين والفوزان ضِمْنَ شروحِ مجموعةٍ مِن العلماء (٤٧٠ ـ ٤٧٧).

(٢) انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزِّ (١٨٦ ـ ١٨٧).

(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٢/ ١١٨ ـ ١٢٠).

(٤) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٨٥٣٨) وصحَّحه، والحديث له طُرُقٌ مرفوعةٌ وموقوفةٌ، ذَكَرَ تخريجَها الشوكانيُّ في «فتح القدير» (٣/ ٣٥٨ ـ ٣٥٩).

(٥) انظر: «شرح العقيدة الواسطية» للهرَّاس ضِمْنَ شروحِ مجموعةٍ مِن العلماء (٤٧٠ ـ ٤٧٢).

(٦) انظر الحديثَ الذي أخرجه مسلمٌ في «الإمارة» (١٩٢٤) مِن حديث عبد الله بنِ عمرٍو رضي الله عنهما.

(٧) أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (١٤٨) مِن حديث أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه.