في اختصاص «حمل المطلق على المقيد» بالأوامر والإثبات | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 14 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 11 ديسمبر 2019 م



الفتوى رقم: ١٠٦٩

الصنـف: فتاوى الأصول والقواعد - أصول الفقه

في اختصاص «حمل المطلق على المقيد» بالأوامر والإثبات

السـؤال:

ذكر الإمامُ ابنُ دقيق العيد رحمه الله في «الإحكام» أنَّ بابَ حملِ المطلقِ على المقيَّدِ ألصقُ بأبوابِ الأوامرِ منه بأبوابِ النّواهي، ما توجيهُ هذه القاعدةِ؟

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فإنّ ابنَ دقيق العيد يشترط في جوازِ حملِ المطلقِ على المقيَّدِ أن يكونَ له صلةٌ بالأوامرِ والإثباتِ، دون النّواهي والنّفيِ، كما جعله أيضًا شرطًا في بناءِ العامِّ على الخاصِّ، ذلك لأنّه لو حُمِلَ المطلقُ على المقيَّدِ، والعامُّ على الخاصِّ في بابِ النّفيِ والنّهيِ للزم الإخلالُ باللّفظِ المطلقِ مع تناوُلِ النّفيِ والنّهيِ، وهو غيرُ سائغٍ.

فلو قال: «لا تُعْتِقْ رَقَبَةً»، لكان اللّفظُ مطلقًا عن تقييدٍ بالإيمانِ أو الكفرِ، ولو قال: «لا تُعْتِقْ رقبةً كافرةً»؛ لكان اللّفظُ مقيَّدًا بصفةِ الكفرِ، وليس فيه التّعرُّضُ للرّقبةِ المؤمنةِ بإثباتِ العتقِ؛ بل تبقى تحت المطلقِ لموافقةِ المطلقِ للنّفيِ الأصليِّ، أو العدمِ الأصليِّ.

وحالتَئذٍ لم تُجْزِهِ أن يُعْتِقَ رقبةً كافرةً ولا مؤمنةً، إذ لو أعتق واحدًا منهما لم يعملْ بهما، فيَرِدُ الإخلالُ باللّفظِ المطلقِ مِنْ ناحيةِ تناوُلِه للمنفيِّ والمنهيِّ.

والفرقُ بين الأمرِ والنّهيِ: أنّ الأمرَ يقتضي وجودَ المأمورِ به مطلقًا، فلو خصَّص عامَّه، أو قيَّد إطلاقَه لكان ناقلاً عن النّفيِ الأصليِّ غالبًا، فلو قال: «صُمْ يومًا»؛ لكان ممتثلاً بأيِّ يومٍ صامه؛ لأنّ ما وُجِدَ مرّةً فقد وُجِدَ مطلقًا، إذِ الوجودُ المطلَقُ يَعُمُّ.

فلو قَيَّدَ الأمرَ بالصّيامِ وخصَّصه بيومِ الخميسِ بقولِه: «صُمْ يومَ الخميسِ»، فإنّ سائرَ الأيّامِ الأخرى تبقى على العدمِ الأصليِّ، وحكمُها مغايِرٌ للمأمورِ به مِنْ جهةِ الإطلاقِ أو العمومِ.

أمَّا النّهيُ فيقتضي ألاَّ يُوجَدَ المنهيُّ عنه مطلقًا فلو تقيَّدَ أو خُصِّصَ نهيُه يكون تركُه مقرِّرًا للنّفيِ الأصليِّ غالبًا.

فلو قال: «لا تَصُمْ»، لكان غيرَ ممتثِلٍ مهما صام مرّةً، لأنّ ما انتفى مرّةً لم ينتفِ مطلقًا، إذ النّفيُ المطلقُ لا يعمُّ، فلو قيَّد النّهيَ عنِ الصّيامِ، أو خصّصه بيومِ السّبتِ بقولِه: «لا تصُمْ يومَ السّبتِ»، فإنّ سائرَ الأيّامِ الأخرى تبقى على النّفيِ الأصليِّ، وحكمُها موافقٌ للمنهيِّ عنه مِن جهةِ الإطلاقِ، فكان النّهيُ شاملاً ليومِ السّبتِ وغيرِ السّبتِ، إلاّ إذا وُجِدَ دليلٌ خارجيٌّ يقرّر خلافَ ما يتضمّنه الإطلاقُ، ومِنْ هنا يظهر الإخلالُ باللّفظِ المطلقِ مِنْ حيث يتناول المَنفيَّ أو المَنهيَّ.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٧ رمضان ١٤١٥ﻫ
الموافق ﻟ: ١٧ فيفري ١٩٩٥م