في حكم بيع المحلَّات أو إيجارها للبنوك | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 18 صفر 1441 هـ الموافق لـ 17 أكتوبر 2019 م



الفتوى رقم: ١٠٨

الصنف: فتاوى المعاملات المالية - القرض والصرف

في حكم بيع المحلَّات أو إيجارها للبنوك

السؤال:

هل يجوز تأجيرُ أو بيعُ محلَّاتٍ للبنوك المُسمَّاةِ بالإسلامية لِتُمارِسَ فيها أعمالَها المصرفيةَ والمالية؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالذي ينبغي أَنْ يُعْلَم أنَّ المصارف المالية الحاليَّة تُمارِس بعضَ الأعمال المشروعة في نظامها العرفيِّ، متمثِّلةً في تقديمِ خدماتٍ وتسهيلِ قضاء الحاجات، وهي المعروفة بأعمال الخدمات، وأخرى غير مشروعةٍ وهي الغالبةُ في أعمالها، حيث يقترن بها الفوائدُ الربوية المنهيُّ عنها شرعًا بالنصوص الصريحة، التي تتمُّ عن طريق القروض، أو الدخول في مشروعاتٍ محرَّمةٍ، أو إبرام عقودٍ فاسدةٍ، ولا يخفى أنَّه إذا اجتمع الحلالُ والحرامُ غَلَب الحرامُ على الحلال، والعبرةُ بالغالب؛ إذ «مُعْظَمُ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقَامَ كُلِّهِ»، كما تقرَّر في القواعد.

هذا، والبنوك الإسلامية ـ وإِنِ اقترنَتْ بها صفةُ الإسلام ـ إلَّا أنها ـ في حقيقة الأمر ـ لا تخرج عمَّا عليه سائرُ البنوك والمصارف المالية ـ في الجملة ـ عند التحقيق، وما يجري في البنوك الإسلامية مِنْ بيوع المرابحة القائمة مَقامَ الإقراض الربويِّ في البنوك الربوية الأخرى ما هو سِوى حيلةٍ مُقنَّعةٍ تخفي ـ مِنْ ورائها ـ عمليةَ الإقراض بفائدةٍ ربويةٍ؛ لأنَّ نشاط البنوك ـ ولو كانَتْ إسلاميةً ـ فهو مصرفيٌّ غيرُ تجاريٍّ ـ هذا مِنْ جهةٍ ـ ويرتبط بالعقود المُبْرَمة ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ جملةٌ مِنَ المناهي: كبيعِ ما ليس عنده وهو: بيعُ ما لم يملك، وبيع التعليق، فضلًا عن أخذِها للفوائد الربوية على عقود الإرفاق كالضمان، وغيرها مِنَ المسائل التي لا تخرج البنوكُ الإسلامية فيها عن التشريعات الوضعية المُطبَّقة التي تحدِّد كيانَها ونشاطها المصرفيَّ، وعمومَ تعاملاتها.

وعليه، فالتعاونُ في بيع عقَارٍ أو غيرِه لمَنْ يعلم أنَّه يستخدمه فيما لا يُرْضي اللهَ تعالى فهو تعاونٌ على الإثم والعدوان؛ ذلك لأنَّ المؤسَّسة البنكية ـ مهما كانَتْ صِفَتُها ـ شخصٌ اعتباريٌّ أو كيانٌ معنويٌّ قائمٌ على أصلٍ ربويٍّ مقنَّنٍ وضعيًّا؛ لذلك لا يجوز إعانتُه على أعماله المُنافِية لأحكام الشريعة ونظامِ مؤسَّساتها، ولا استبقاؤه واستدامتُه، ولا إقرارُه أو الاشتراك معه.

ونظيرُ ذلك في التحريم: بيعُ العنب لمَنْ يتَّخِذُه خمرًا، أو بيع السلاح لمَنْ يُثيرُ الفتنةَ؛ إذ لا يقتصر الحرامُ على فاعلِه المُباشِر، بل يتعدَّى إلى كُلِّ مَنْ يُشارِكه فيه بأيِّ جهدٍ مادِّيٍّ أو أدبيٍّ؛ لذلك «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: «هُمْ سَوَاءٌ»»(١)، فهؤلاء ينالون مِنَ الإثم على قَدْرِ مُشارَكتهم؛ ﻓ «كُلُّ مَا أَدَّى إِلَى حَرَامٍ فَهُوَ حَرَامٌ»، وكُلُّ مَنْ أعان على الحرام فهو حرامٌ، وكُلُّ مَنْ أعان على الحرام فهو شريكٌ في الإثم؛ قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ [المائدة:٢].

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٨ شعبان ١٤٢٤ﻫ
الموافق ﻟ: ١٥ نوفمبر ٢٠٠٠م

 


(١) أخرجه مسلمٌ في «المساقاة» (١٥٩٨) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.