في حجية الإجماع السكوتي | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 20 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 19 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ١٠٩٣

الصنف: فتاوى الأصول والقواعد - أصول الفقه

في حجية الإجماع السكوتي

السؤال:

ما هو الرّاجح عندكم في الإجماعِ السّكوتيّ؟

الجواب:

الحمد لله رب العالمين، والصّلاة والسّلام على من أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدّين، أمّا بعد:

فالمعتمدُ عندي أنّ الإجماعَ السّكوتيَّ إجماعٌ وحجّةٌ تقريرًا لمذهبِ جمهورِ العلماءِ من الحنفيّةِ والمالكيّةِ والحنابلةِ وبعضِ الشّافعيّةِ(١)، فإنْ نُقل بعددِ التّواترِ كان إجماعًا قطعيًّا كالإجماعِ على تحريمِ ربا الجاهليّةِ، ووجوبِ الحجِّ مرّةً واحدةً في العمرِ، وعلى وجوبِ الزّكاةِ في الذّهبِ، وعلى كفرِ تاركِ الصّلاةِ الجاحدِ لوجوبِها وقتلِه كفرًا ما لم يتبْ(٢)، أمّا الظنّيُّ من الإجماعِ السّكوتيِّ وهو ما نُقل بعددِ الآحادِ؛ فهو حجّةٌ ظنّيّةٌ. ويدلّ على صحّةِ الإجماعِ السّكوتيِّ:

أنّ المعهودَ في كلِّ عصرٍ أن يتولّى كبارُ العلماءِ إبداءَ الرّأيِ ويسلّمَ الباقون لهم، فظهر بذلك أنّ سكوتَ الباقين إقرارٌ لهم على الحُكمِ الذي انتهَوْا إليه، ولا يخفى -من جهةٍ أخرى- أنّ السّكوتَ مُعتبرٌ في المسائلِ الاعتقاديّةِ أي يدلّ على رِضى السّاكتِ؛ لأنّه لا يحلّ السّكوتُ فيها على الباطلِ، فتُلحَقُ بها المسائلُ الاجتهاديّةُ بجامعِ أنّ الحقَّ واحدٌ، فلا يجوز السّكوتُ في موضعِ بيانِ المخالَفةِ، وقد جاء عن بعضِ السّلفِ: «السّاكتُ عن الحقِّ شيطانٌ أخرسُ، والمتكلّمُ بالباطلِ شيطانٌ ناطقٌ»(٣)، والسّاكتُ عن كلمةِ الحقِّ كالنّاطقِ بالباطلِ في الإثمِ؛ لأنّه تركٌ للأمرِ بالمعروفِ والنّهيِ عن المنكرِ، وقد شهد اللهُ على هذه الأمّةِ أنّهم يأمرون بالمعروفِ وينهَوْن عن المنكرِ، وهذا يتّصف به أهلُ العلمِ والعدالةِ، وعليه فيكون سكوتُهم عن موافقةِ مَنْ أعلن رأيَه في المسألةِ مُعتبرًا، ولأنّه وقع ذلك من التّابعين عند عدمِ وجودِ نصٍّ، فقد عملوا بقولٍ لصحابيٍّ انتشر وسكت عن الإنكارِ بقيّةُ الصّحابةِ، فدلّ ذلك على اتّفاقِ التّابعين على وجوبِ العملِ به، وعدمِ العدولِ عنه إلى غيرِه(٤).

وممّا يتفرّع على الاختلافِ في الإجماعِ السّكوتيِّ الظّنّيِّ:

مسألةُ زكاةِ عروضِ التّجارةِ، فمن قال بحُجِّيَّتِه قال بوجوبِ زكاةِ عروضِ التّجارةِ، وهو مذهبُ الجمهورِ الذين استدلّوا بالآيةِ والحديثِ والآثارِ، ولِما صحّ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضي اللهُ عنهما قال: «ليس في العروضِ زكاةٌ إلاَّ ما كان للتّجارةِ»(٥)، ولم يُعلمْ أنّ أحدًا منهم خالف في ذلك، فهو إجماعٌ سكوتيٌّ(٦)، ومن منع حجّيّةَ الإجماعِ السّكوتيِّ حكّم البراءةَ الأصليّةَ التي تؤيِّدها قاعدةُ: «الأصلُ في الأموالِ التّحريمُ»، ومنع وجوبَ الزّكاةِ في عروضِ التّجارةِ، وبهذا قال ابنُ حزمٍ(٧) والشّوكانيُّ(٨).

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلّم تسليما.

الجزائر في: ٠٩ ربيع الأول ١٤٣٢ﻫ
الموافق ﻟ: ١٢ فبراير ٢٠١١م


(١) انظر المسألة في مؤلَّفنا: «الإنارة في شرح كتاب الإشارة» (٣١٠).

(٢) «سلالة الفوائد الأصوليّة» للسّديس (٦٣).

(٣) انظر: «الدرر السنية في الأجوبة النجدية» لعلماء نجد الأعلام، بتحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم (٨/ ٧٨).

(٤) انظر تفصيل هذه المسألة في المصادر التّالية: «المعتمد» لأبي الحسين (٢/ ٥٣٢)، «شرح اللّمع» للشّيرازيّ (٢/ ٦٩٠)، «التّبصرة» للشّيرازيّ (٣٩١)، «إحكام الفصول» للباجيّ (٤٧٣)، «البرهان» للجوينيّ (١/ ٦٩٨)، «المستصفى» للغزّاليّ (١/ ١٩١)، «المنخول» للغزّاليّ (٣١٨)، «أصول السّرخسيّ» (١/ ٣٠٣)، «التّمهيد» للكلواذانيّ (٣/ ٣٢٣)، «الوصول» لابن برهان (٢/ ١٢٤)، «المحصول» للفخر الرّازيّ (٢/ ١/ ٢١٥)، «روضة النّاظر» لابن قدامة (١/ ٣٨١)، «الإحكام» للآمديّ (١/ ١٨٦)، «شرح تنقيح الفصول» للقرافيّ (٣٣٠)، «منتهى السّول» لابن الحاجب (٥٨)، «المسوّدة» لآل تيميّة (٣٣٥)، «الإبهاج» للسّبكيّ وابنه (٢/ ٣٧٩)، «جمع الجوامع» لابن السّبكيّ (٢/ ١٨٧)، «شرح العضد» (٢/ ٣٧)، «تقريب الوصول» لابن جُزيّ (١٣٠)، «البلبل» للطّوفيّ (١٣٣)، «نهاية السّول» للإسنويّ (٢/ ٣٠٦)، «بيان المختصر» للأصفهانيّ (١/ ٥٧٥)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحيّ (٢/ ٢٥٣)، «مناهج العقول» للبدخشيّ (٢/ ٣٠٥)، «فواتح الرّحموت» للأنصاريّ (٢/ ٢٣٢)، «نشر البنود» للعلويّ (٢/ ١٠٠)، «غاية الوصول» لزكريّا الأنصاريّ (١٠٨)، «إرشاد الفحول» للشّوكانيّ (٨٤)، «العبّاديّ على الورقات» (١٧٤)، «الوجيز» للكراماستيّ (١٦٨)، «مختصر حصول المأمول» لصدّيق خان (٦٧)، «أصول الخضريّ» (٢٧٤).

(٥) حديث موقوف على ابن عمر رضي الله عنهما، أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنّف» (١٠٤٥٩)، والبيهقي في «السّنن الصّغير» (١٢١٠) و«الكبرى» (٧٦٠٥)، وقد صحّحه جمعٌ من أهل العلم، منهم: الحافظ ابن حجر في «الدّراية في تخريج أحاديث الهداية» (١/ ٢٦١) فقال: «وللبيهقيّ من وجه آخر صحيح عن ابن عمر» وساق الأثر. والنّووي في «المجموع شرح المهذّب» (٦/ ٤٨) فقال: «رواه البيهقيّ بإسناده عن أحمد بن حنبل بإسناده الصّحيح»، وابن حزم في «المحلّى» (٤/ ٤٠) فقال: «وبخبرٍ صحيحٍ عن ابن عمر» وساقه. والألبانيّ في «تمام المنّة» (٣٦٤) فقال: «أخرجه الإمام الشّافعيّ في «الأمّ» بسندٍ صحيحٍ».

(٦) «أضواء البيان» للشّنقيطيّ (٢/ ٤٥٨).

(٧) «المحلّى» لابن حزم (٦/ ٢٣٣).

(٨) «السّيل الجرّار» للشّوكانيّ (٢/ ٢٦).