في حكم اعتبار إذن الحاكم بالمظاهرات والمسيرات | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 28 ذو القعدة 1438 هـ الموافق لـ 20 أغسطس 2017 م



الفتوى رقم: ١١٠٤

الصنف: فتاوى منهجية

في حكم اعتبار إذن الحاكم بالمظاهرات والمسيرات

السؤال:

هل إِذْنُ الحاكمِ بالمُظاهَراتِ والمَسيراتِ يُسوِّغُها شرعًا؟ وهل يجوز المُشارَكةُ فيها؟ وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالمُظاهَراتُ والمَسيراتُ والإضراباتُ والاعتصاماتُ مُخالِفةٌ لمنهج الإسلام في السياسة والحكم، وليسَتْ مِنْ أعمالِ المسلمين، ولا مِنْ وسائلِ الأمر بالمعروف والنهي عن المُنْكَر، ولا هي مِنَ الدِّين الإسلاميِّ الذي شَرَعَهُ اللهُ لعِبادِه، بل المُظاهَراتُ وأخواتُها ـ غالبًا ـ ما تكون جالبةً للفِتَنِ والمَفاسِدِ والأضرار: مِنْ سَفْكِ الدماء، وتخريبِ المُنْشآت، وتضييعِ الأموال، وتعطيلِ العمل، وإشاعةِ الفوضى، واختلاطِ الذكورِ بالإناث، وغيرِها مِنْ موجات الفسادِ والشرور التي تأباها الفطرةُ السليمةُ وينهى عنها الإسلامُ.

إنَّ طَلَبَ تحصيلِ حقوقِ المُتظاهِرين والمُضْرِبين وإدراك غاياتِها الشريفةِ لا يُسوِّغُ وسائلَها وطُرُقَها؛ لأنَّ الإسلام يرفض النظريةَ الميكيافيليةَ القائلة إنَّ: «الغَايَةَ تُبَرِّرُ الوَسِيلَةَ» التي تُجوِّزُ للفرد التوصُّلَ إلى الغايات النبيلةِ والمَقاصِدِ المشروعة بأيِّ وسيلةٍ، وإِنْ كانَتْ ممنوعةً في الشرائعِ ومذمومةً في الفِطَرِ السليمة والأخلاقِ الفاضلة والأعراف.

وإنما الحقوقُ يُتوصَّلُ إليها بالمُطالَبةِ الشرعية، وذلك بتحصيلِ الوسائل المشروعة أو إيجادِ البدائل الصحيحة التي تُغْنِي عن الوسائل المنهيِّ عنها، قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «ليس كُلُّ سببٍ نالَ به الإنسانُ حاجتَه يكون مشروعًا ولا مُباحًا، وإنما يكونُ مشروعًا إذا غَلَبَتْ مَصْلَحَتُه على مَفْسَدَتِه ممَّا أَذِنَ فيه الشرعُ»(١)؛ فلذلك كان حكمُ مُخالَفةِ الشرعِ في الوسائل كحكمِ مُخالَفتِه في المَقاصِد، كلاهما يدخل في الوعيد الوارد في قوله تعالى: ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٦٣[النور]؛ فإنَّ قوله تعالى: ﴿أَمۡرِهِۦٓ﴾ نكرةٌ مُضافةٌ إلى معرفةٍ فتُفيدُ العمومَ، وهي شاملةٌ لبابِ المَقاصِدِ والوسائل؛ وعليه فمَنْ رَاعَى شرعيةَ المَقاصِدِ وأَهْمَلَ شرعيةَ الوسائلِ فشأنُه كمَنْ عَمِلَ ببعضِ الدِّينِ وتَرَكَ بعضَه الآخَر، وقد قبَّح اللهُ هذا الفعلَ وأَنْكَرَهُ على اليهود، قال تعالى: ﴿أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٨٥[البقرة]، وفي الآيةِ دليلٌ واضحٌ على أنَّ الإيمان يقتضي فِعْلَ الأوامرِ واجتنابَ النواهي، سواءٌ في جانبِ المَقاصِد أو الوسائل.

هذا، وأسلوبُ المُظاهَراتِ والمَسيراتِ والإضرابات مِنْ مَضامينِ النظامِ الديمقراطيِّ الذي يَعُدُّ هذه الأساليبَ ظاهرةً صحِّيَّةً؛ حيث إنَّ القوانين الوضعيةَ القائمةَ على هذا النظامِ تُخوِّلُ للشعب أو لفِئَاتِه تصحيحَ الأوضاعِ السياسيةِ والاجتماعية والتربوية والمِهَنية، والمُطالبةَ بعلاجِ آفاتِها ومَضارِّها بالتغيير إلى ما هو أَسْمَى وأَحْسَنُ انطلاقًا مِنْ هذه الأساليب؛ لذلك يأتي إِذْنُ الإمامِ الحاكم مَبْنِيًّا على مُقْتَضَياتِ النظام الديمقراطيِّ، وتطبيقًا لقوانينِه التي تجعل الحاكميةَ للشعب: يُصحِّحُ نَفْسَه بنَفْسِه، وهذا ـ بلا شكٍّ ـ مرفوضٌ شرعًا عند كُلِّ مُوحِّدٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لا يرضى بشركِ غيرِه له في الربوبية والحكم، ولا في الألوهية والعبادة، ولم يَأْذَنْ لغيره في التشريع، قال تعالى: ﴿وَلَا يُشۡرِكُ فِي حُكۡمِهِۦٓ أَحَدٗا ٢٦[الكهف]، وقال تعالى: ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُ[الشورى: ٢١].

وعلى فَرْضِ أنَّ إِذْنَ الحاكمِ بالمُظاهَراتِ والمَسيراتِ لم يَكُنْ مُسْتَمَدًّا ممَّا تُمْليهِ عليه دساتيرُ الديمقراطية؛ فإنَّ إِذْنَهُ لا يُؤثِّرُ في الحكم ولا يُصيِّرُ المُنْكَرَ معروفًا ولا الممنوعَ مُباحًا؛ ذلك لأنَّ المُحرِّمَ والمُبيحَ في الإسلام هو الشارعُ الحكيمُ نَفْسُه، والطاعةُ له مطلقةٌ، وطاعةُ غيرِه تَبَعٌ لطاعتِه، ولا تكون إلَّا في المعروف دون المعصية؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ»(٢).

هذا، والأَسْلَمُ لدِينِ المسلم أَنْ لا يَتوسَّلَ إلى الخير والمَقاصِدِ الحسنةِ بالشرِّ والفساد، وإنما يتوسَّلُ إلى كُلِّ ما ظَهَرَتْ مَصْلحتُه على مَفْسدتِه مِنْ مُخْتلَفِ الطاعات وفعلِ الخيرات بسلوك الوسائل المأذونِ فيها شرعًا.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٦ ربيع الثاني ١٤٣٢ﻫ
الموافق ﻟ: ٢١ مارس ٢٠١١م

 


(١) «مختصر الفتاوى المصريَّة» لابن تيمية (١٦٩).

(٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأحكام» بابُ السمعِ والطاعة للإمام ما لم تكن معصيةً (٧١٤٥)، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٨٤٠)، مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه.